العلاقات الخليجية-الأوروبية في مجال الأمن الإقليمي في منطقة الخليج

::cck::1825::/cck::
::introtext::

بدايةً يمكن القول إن العلاقات الخليجية-الأوروبية توطدت،وأصبحت أكثر تقارباً منذ إبرام اتفاقية التعاون المشترك بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمجموعة الأوروبية عام 1988م، رغم أن هذه الاتفاقية ركزت على الجانب الاقتصادي على حساب الجانب السياسي والدور المفترض لدول الاتحاد الأوروبي أو ما كانت تدعى بـ (الجماعة الاقتصادية الأوروبية) آنذاك في منطقة الخليج. 

::/introtext::
::fulltext::

بدايةً يمكن القول إن العلاقات الخليجية-الأوروبية توطدت،وأصبحت أكثر تقارباً منذ إبرام اتفاقية التعاون المشترك بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمجموعة الأوروبية عام 1988م، رغم أن هذه الاتفاقية ركزت على الجانب الاقتصادي على حساب الجانب السياسي والدور المفترض لدول الاتحاد الأوروبي أو ما كانت تدعى بـ (الجماعة الاقتصادية الأوروبية) آنذاك في منطقة الخليج.

يعود سبب التركيز على الجوانب الاقتصادية في تلك الاتفاقية، إلى أن دول الجماعة الاقتصادية الأوروبية كانت تتعامل مع بقية الأقاليم والدول في العالم بأسلوب جماعي إزاء القضايا الاقتصادية، في حين أنها كانت تتعامل بشكل فردي أمام القضايا والمواقف السياسية لإعطاء مزيد من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات حول مختلف المواقف السياسية بما تمليه مصلحة كل دولة على حدة من دول الجماعة الاقتصادية الأوروبية. ولعل هذا التمييز في آلية التعامل مع المواقف العالمية يوضح سبب تباين السياسات الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي إزاء أغلب المواقف السياسية في مختلف دول العالم حتى يومنا هذا.

إن المتابعة التاريخية للدور السياسي لدول الاتحاد الأوروبي في منطقة الخليج العربية تؤكد أن هذا الدور لم يكن فعالاً أو قوياً حتى الغزو العراقي لدولة الكويت في أغسطس من عام 1990م، حيث كان الدور الأوروبي مقتصراً على إطار العلاقات الثنائية مع دول مجلس التعاون الخليجي.

ويجدر بنا القول إنه وعلى الرغم من أن أزمة الخليج الثانية أظهرت لنا أدواراً أوروبية جماعية على المستوى السياسي في ما يتعلق بموقفها إزاء الغزو العراقي لدولة الكويت، من خلال إصدار بيانات إدانة جماعية لذلك التصرف وترحيبها بتنفيذ قرارات مجلس الأمن بخصوص استخدام الوسيلة العسكرية لتحرير الأراضي الكويتية، إلا أن التباين والاختلاف ظهر في مواقف العديد من دول الاتحاد الأوروبي تجاه فكرة الحرب نفسها ومدى استعداد كل دولة ورغبتها في الدخول في معترك عاصفة الصحراء لتحرير دولة الكويت.

إن ما يعنينا من التوطئة التاريخية السابقة، هو التأكيد على أن الدور الأوروبي في منطقة الخليج العربية لم يزدد تطوراً إلا بعد توقيع معاهدة الاتحاد الأوروبي في ماستريخت في عام 1992م، التي تزامنت مع التغير الواضح في النظام العالمي وتزايد الدور والهيمنة الأمريكية واعتلائها قمة النظام العالمي على حساب الاتحاد السوفييتي الذي تفكك وانخفضت مكانته الدولية.

التعاون الخليجي-الأوروبي في مجال الأمن الإقليمي

لا يمكن الحديث عن التعاون الخليجي-الأوروبي في مجال الأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربية من دون التطرق إلى الأبعاد الأمنية للعلاقات الأوروبية-الخليجية خصوصاً في ما يتعلق بالأزمة العراقية والحرب على العراق، وملف إيران النووي، والحرب على الإرهاب، ودعم الاصلاح السياسي في المنطقة العربية.

توطدت العلاقات الخليجية-الأوروبية منذ إبرام اتفاقية التعاون المشترك بينهما عام 1988م

ولذلك وجب القول إن تفهم الرؤية السياسية للاتحاد الأوروبي تجاه القضايا السابقة – والتي تعتبر من أهم القضايا السياسية المطروحة في الألفية الثانية على مستوى العالم – يلقي لنا الضوء على أوجه التوافق والاختلاف مع الرؤى السياسية والأمنية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إزاء تلك القضايا. كما أن استيعاب الأرضية المشتركة والمصالح المتبادلة والمتوافقة بين الجانبين تجاه القضايا الأمنية السابقة تبرز مدى الحاجة إلى تطوير وتوسيع حجم التعاون الأمني والسياسي بين الجانبين.

فعند إمعان النظر في موقف الاتحاد الأوروبي تجاه الحرب على العراق، نجد أن الدول الأوروبية انقسمت آنذاك إزاء قضية الحرب على العراق، حيث عارضت كل من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا استخدام القوة العسكرية حيال النظام العراقي السابق، بينما أيدت بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا شن تلك الحرب. ويبدو أن هذا الانقسام في الرأي تلاشى بعد شن الحرب، وأصبحت دول الاتحاد الأوروبي تتعامل مع الأزمة العراقية الحالية بصورة أكثر جماعية، ساعيةً لعودة الاستقرار والأمن وإقامة نظام عراقي مستقل وحر. ومن الضروري بمكان التأكيد على أن هذا الانقسام الذي ظهر بين دول الاتحاد الأوروبي حيال قضية الحرب على العراق لم يظهر تجاه قضية الملف النووي الإيراني، ولا في قضية الحرب على الإرهاب، ولا في مسألة ضرورة دعم الإصلاح السياسي في المنطقة العربية.

فبالنسبة لقضية الملف النووي الإيراني، كان هناك إجماع من دول الاتحاد الأوروبي على ضرورة منع إيران من امتلاك أية أسلحة نووية، وضرورة تأخير البرنامج النووي الإيراني من خلال تكثيف عمليات التفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وعلى عكس سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، كان الاتحاد الأوروبي يتبع سياسة تمهل شديدة في تحويل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، مفضلاً الأسلوب الدبلوماسي مع القيادة الإيرانية واستبعاد الخيار العسكري لحل هذه القضية.

ويمكن القول إن (اتفاق باريس) لعام 2005م بين إيران ودول (الترويكا) يشكل أحد أهم إنجازات الاتحاد الأوروبي في هذا الصعيد، لكن استمرار إيران في عمليات تخصيب اليورانيوم بعد هذا الاتفاق غيّر من الموقف الأوروبي وجعله يتقدم بقرار لمجلس الأمن إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية لإصدار عقوبات بحق طهران. وتجدر الإشارة إلى أن الإجماع الأوروبي إزاء القضية الإيرانية كان حول الإطار العام للتعامل مع القيادة الايرانية، لكن الاختلاف والتباين في شكل وحدّة العقوبات ظهرا على السطح خصوصاً بين كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا.

من جهة أخرى، نرى أن دول الاتحاد الأوروبي تعاملت مع قضية الحرب على الإرهاب بصورة جماعية، وسعت إلى رفض ومكافحة كل أشكال الإرهاب مع التأكيد على أن الإرهاب يجب ألا يقترن بدين أو جهة أو بلد معين. ويمكن القول إن دول الاتحاد الأوروبي أولت مسألة الحرب على الإرهاب اهتماماً كبيراً خاصة أن عدداً من تلك الدول الأوروبية تعرضت لهجمات إرهابية ألحقت بها خسائر في الأرواح والأموال.

إضافة إلى ما سبق، نجد أن دول الاتحاد الأوروبي – بشكل جماعي – تؤكد دائماً أن النهوضبالديمقراطيةوحقوقالإنسانيعدعنصراًجوهرياًمنعناصرسياساتها الخارجية، وأنهيشكل حجرالأساسللتعاونالأوروبي، لكن الواقع يؤكد أن مسألة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي الذي تأمل به دول الاتحاد الأوروبي أن يتحقق في كل من دول الشرق الأوسط عامة ودول منطقة الخليج العربية خاصة، تعتبر أمراً صعب المنال على الأقل في الوقت الحاضر.

وقّعت الكويت مع (الناتو) مبادرة إسطنبول للتعاون ثم تبعتها قطر والبحرين والإمارات 

وبينمالايتحملالاتحادالأوروبيمسؤوليةكبيرةعننقصالإصلاحالسياسي فيمنطقة الخليج العربية، إذتقعالمسؤوليةالرئيسيةعلىدول المنطقة نفسها، فإن عوامل كثيرة حالت دون تحقيق هذا. ويمكن القول إنه من الصعوبة تصور إمكانية تحقيق خطوات ملموسة بشأن الإصلاح السياسي والديمقراطي في منطقة الخليج العربية من خلال الدعم والمساندة الأوروبية من دون الأخذ في الاعتبار مشكلة الخلاف السائد بين كل من دول الاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربية حول مسألة (حقوق الإنسان).

فمن المؤكد أن قيام دول الاتحاد الأوروبي باتباع سياسة تحديد علاقاتها مع دول الخليج العربية بقدر جهودها في مجال تعزيز وتقوية حقوق الإنسان، ووضعها كشرط أساسي من شروط التعاون الاقتصادي بين الطرفين يؤكد مدى جدية الطرف الأوروبي حول هذه المسألة، لكنها قوبلت بتحفظ كبير من قبل الدول الخليجية باعتبار أنها شأن داخلي بحت.

وعلى أية حال، نجد أن الاتحاد الأوروبي اهتم بصورة كبيرة بقضايا وشؤون منطقة الخليج العربية. ويرجع هذا الاهتمام إلى إدراك دول الاتحاد الأوروبي لحقيقة مفادها، أنه لا يمكن تجاهل القضايا الأمنية والسياسية التي تشهدها دول الخليج العربية لأن الأمن الأوروبي لن يتحقق بمعزل عن أمن منطقة الخليج العربية خصوصاً في ظل اعتماد أوروبا على نفط الخليج والتعاون التجاري مع دولها. فالمصالح المشتركة بين الجانبين تَظْهَر بصورة جلية عند الارتكاز على هذه النقطة بالذات، حيث إن الاستقرار الأمني والسياسي في دول الخليج العربية يشكل مطلباً وهدفاً متبادلاً بين أوروبا ودول الخليج العربية.

ومن هنا نلحظ، تثمين الأدوار والمواقف الأوروبية بشأن القضايا السياسية والأمنية للمنطقة من قبل دول الخليج العربية في كثير من المناسبات، إذ أشارت الدول الخليجية بالتقدير إلى إدانة الاتحاد الأوروبي للأعمال الإرهابية وعدم الإساءة للإسلام والمسلمين. ومن جهة أخرى، ظهرت المواقف الخليجية المؤيدة للاتحاد الأوروبي حول الأزمة العراقية عبر التأكيد على ضرورة استعادة استقرار واستقلال وسيادة العراق ورفض تجزئته وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. أما بخصوص الملف الايراني، فقد تبين التوافق الكبير في موقف الاتحاد الأوروبي مع موقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشأن ضرورة استخدام الحل الدبلوماسي وعدم التصعيد ومحاولة إقناع طهران بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية كسبيل لتحقيق الأمان والاستقرار في المنطقة.

وارتكازاً على ما سبق، يتضح أنه قد يكون من الاستحالة تصور إمكانية تطوير علاقات استراتيجية مع دول الخليج العربية لحفظ الاستقرار والأمن في المنطقة من دون خطوات جادة في مجال التعاون الأمني والسياسي بين الجانبين كون الاتحاد الأوروبي يعتبر طرفاً فاعلاً ومهماً في النظام الدولي بعد الولايات المتحدة الأمريكية. بعبارة أخرى، فإن تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربية لن يتحقق من دون تعظيم مساحات التعاون الأوروبي – الخليجي في شتى المجالات، أهمها المجال الأمني والسياسي.

الدور العسكري الأوروبي في منطقة الخليج العربية لا يتساوى مع الدور الأمريكي إطلاقاً

أشكال التعاون العسكري والأمني بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون

نستطيع القول، إن مظاهر التعاون الأمني والسياسي بين دول الاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربية قد ظهرت بصورة تحقق لكل دولة خليجية على حدة القدرة على بناء قدراتها الدفاعية الذاتية. وبمعنى آخر، أن الدول الخليجية سعت لدى دول الاتحاد الأوروبي إلى الحصول على نظم تسلح متنوعة والتوصل لاتفاقيات أمنية وعسكرية متعددة، الأمر الذي ساعد على تحقيق تعاون أمني وسياسي بين الجانبين بشكل فردي، لكن في الوقت نفسه عجزت عن تفعيل التنسيق الأمني والعسكري بصورة جماعية بين الطرفين.

وعند الحديث عن أشكال التعاون الأمني والسياسي بين دول الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون، فإن مظاهر هذا التعاون يمكن رؤيتها على مستويين:

1- مستوى التعاون العسكري: عند النظر إلى سياسات التسليح لدول الخليج العربية خاصة بعد حربي الخليج الثانية والثالثة نجد تسارع وتيرة دخول الدول الخليجية إلى سباق التسلح، وذلك من دون الدخول في تفاصيل طبيعة ونوع الإنفاق العسكري لكل دولة خليجية مع دول الاتحاد الأوروبي. ومن الجدير بالذكر أن الدول الخليجية اعتمدت على تنويع مصادر السلاح من عدة دول أوروبية من خلال التوقيع على اتفاقيات للتسلح لتطوير القدرات المدرعة وقوات الدفاع الجوي والقوات البحرية واتفاقيات أخرى بغرض التدريب المشترك وتبادل الخبرات العسكرية.

2- مستوى التعاون الأمني: بدأ مستوى التعاون الأمني والسياسي منذ أن عقدتاتفاقية التعاونبينالاتحادالأوروبيومجلسالتعاونالخليجيفي عام١٩٨٩م. ويتمثلهدف الاتفاقية المعلنفي تسهيلالعلاقاتالتجاريةوالإسهام بصورةأعمفي استقرارالمنطقة. ويجدر بنا التأكيد هنا على أن ما يهمنا في المقام الأول هو إلقاء نظرة على شكل ومستوى وآلية التعاون الأمني والسياسي بين الجانبين.

يمكننا القول إنه ومنذ ذلك الحين، والدول الخليجية تظهر جدية واضحة في تعميق العلاقات بين الطرفين واتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق أكبر قدر من التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي. كما أعربت دول الخليج العربية في العديد من المناسبات عن أملها في أن تشهد العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي تطوراً إيجابياً كون أن الطرفين يعلمان مدى أهمية العلاقات وطبيعة المصالح المتبادلة للجانبين.

ووفقاً للاتفاق سالف الذكر بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن وزراء خارجية تلك الدول تجتمع مرة كل عام. وقد عقد 18 اجتماعاً بين الجانبين منذ ذلك الوقت، آخرها في مايو 2008م في بروكسل عاصمة بلجيكا.

وعلى الصعيد السياسي، نستطيع القول إن الاتحاد الأوروبي بدأ في إنشاء وتكثيف وتنشيط الحوارات السياسية بين الطرفين منذ عام 1995م، حيث القصد من ذلك تعزيز علاقات أوسع مع دول مجلس التعاون الخليجي وهذا جزء من الاستراتيجية الشاملة لتطوير شراكة أوثق مع منطقة الشرق الأوسط ككل في سياق (مبادرة الشراكة)، التي اعتمدها المجلس الأوروبي في عام 2004م. وبحسب وجهة النظر الأوروبية، فإن تنشيط المبادرة يأتي عبر تعزيز المبادئ الرئيسية لـ (عملية برشلونة) ولا سيما بشأن قضايا الإصلاحات السياسية والاقتصادية بالتركيز على المنطقة ككل لتشمل كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث إن أهداف السياسة المعلنة للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، بما فيها منطقة الخليج، هي تنمية المنطقة وتوجيهها نحو الاستقرار والسلام والرخاء.

وترى دول الاتحاد الأوروبي أن الأداة الرئيسية لتعزيز التعاون الإقليمي هي عن طريق إيجاد حوار سياسي وتعزيز الإصلاحات السياسية والاقتصادية في بلدان الخليج. ونتيجة لذلك، فقد تم فتح مكتب تمثيلي للمفوضية الأوروبية في الرياض منذ بداية عام 2004م. ومن المهم أن نشير إلى أن عام 2004م يشكل سنة استثنائية، إذ حدثت فيها تغييرات مؤسسية عندما تم توسيع قاعدة الاتحاد الأوروبي ليشمل 25 عضواً، وهذا التغيير قد يكون له الأثر الكبير في الاتجاه المستقبلي للعلاقات السياسية والاستراتيجية بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي.

الانقسام الذي ظهر بين دول الاتحاد الأوروبي حيال الحرب على العراق لم يظهر تجاه الملف النووي الإيراني

وخلال السنة نفسها، وقعت دولة الكويت مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) مبادرة إسطنبول للتعاون، ومن ثم تبعتها كل من قطر والبحرين والإمارات في عام 2005م. وفي هذا المنظور، فإن دول الاتحاد الأوروبي أصبح لها دور أكبر على مستوى الدول منفردة وذلك من خلال عضويتها في حلف الناتو. فمع تمدد دور حلف الناتو في منطقة الخليج العربية، فقد وسعت من مساهمات دول الاتحاد الأوروبي – من خلال عضوياتها في حلف الناتو – في التعاون الأمني وذلك عبر تقديم الاستشارات الدفاعية والعسكرية وتبادل الخبرات. أضف إلى ذلك، التعاون في مكافحة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل والتخطيط للحالات الطائرة المدنية وتمارين حالات الكوارث.

ومن خلال مبادرة إسطنبول، أصبح للدول الأوروبية دور أكبر في منطقة الخليج على الصعيد العسكري. فمن الضروري التأكيد على أن الدور العسكري الأوروبي في منطقة الخليج العربية لا يتساوى مع الدور الأمريكي إطلاقاً، لطالما كان الدور الأوروبي – منذ حرب الخليج الثانية – دوراً ثانوياً ومسانداً للقوات العسكرية الأمريكية.

والجدير بالذكر أن من مظاهر التعاون الأمني بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي الرئيسية كان في مجال مكافحة الإرهاب والتصدي له. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أخذ التعاون الأمني بين الجانبين يزداد ويتشعب في مجال الحرب على الإرهاب. وقد ظهر هذا التعاون في المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي عقد في الرياض في فبراير 2005م، حيث شارك الاتحاد الأوروبي في هذا المؤتمر، الذي كان يدعو إلى أهمية ترسيخ قيم التفاهم والتسامح والحوار والتعايش، والتقارب بين الثقافات ورفض منطق صراع الحضارات، بالإضافة إلى الدعوة إلى محاربة أي شكل من أشكال التكفير والكراهية والتحريض على العنف، التي لا يمكن أن يقبلها أي دين أو قانون.

لقد تبادل الجانبان الحرص على تكثيف التزامهما بالقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب، والتي تدعو المجتمع الدولي إلى إدانة الإرهاب ومكافحته وفقاً لميثاق الأمم المتحدة في ضوء حقيقة أن الأعمال الإرهابية تهدد السلم والأمن في العالم. وهم يشددون أيضاً على أن الأمم المتحدة هي المحفل الرئيسي لتعزيز التعاون الدولي ضد الإرهاب، وأن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة تشكل أساساً متيناً وشاملاً لمحاربة الإرهاب في كافة أنحاء العالم.

ويمكن القول إن دول مجلس التعاون الخليجي تتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال القضايا الأمنية بصورة هادئة ومفهومة. فالتعاون الأمني والسياسي والعسكري بين الجانبين ينطلق بالأساس من اعتبارات المصالح المشتركة والمتبادلة، وتبعاً لذلك فإن التحرك لمزيد من التعاون على كافة الصعد سيصب في النهاية في خدمة الطرفين، وسيستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة لا سيما في ضوء التحديات التي تطرحها العولمة والإرهاب الدولي والاتجار في المخدرات وغسل الأموال وانتشار أسلحة الدمار الشامل والتدهور البيئي الحاصل في المنطقة.

وبعيداً عن مجال المقاربات الاقتصادية في العلاقات الأوروبية-الخليجية، والتي نستطيع القول إنها تشكل إطاراً رئيسياً في طبيعة الحوارات واللقاءات والاجتماعات الخاصة بين الجانبين، إلا أن الإطار السياسي والمجال الأمني والعسكري لا يقل شأناً وأهميةً عن الإطار الاقتصادي، خاصة أن ما أفرزته السنوات الأخيرة من أحداث إرهابية وعنف وشن للحروب أدى إلى جر منطقة الخليج العربية بصورة خاصة والعالم بصورة عامة إلى مراحل خطيرة من عدم الاستقرار.

إن هذه الأحداث الأخيرة عطلت بصورة أو أخرى آليات التعاون، سواء على الصعيد السياسي والأمني أو على الصعيد الاقتصادي، بين كل من مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي. ويؤكد هذا القول، غياب الفاعلية بين الطرفين وكثرة التصريحات بين الجانبين خاصة بعد كل اجتماع وزاري مشترك بينهما من دون أية نتائج تذكر.

ولا شك في أن من مصلحة الدول الخليجية أن توطد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وتوسع من مشاريع التعاون بينهما. فمع ظهور المستجدات السياسية الخطرة على منطقة الخليج، خاصة الأزمة العراقية الحالية، والتوجهات النووية الإيرانية، واستمرار الشبكات الإرهابية في تهديد أمن واستقرار المنطقة، أصبح من الضروري أن تكثف دول مجلس التعاون الحوارات الثنائية مع الاتحاد الأوروبي، إذ لا يمكن إغفال الجانب الأوروبي كقطب مهم في النظام الدولي وإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الطرف الأقوى والأهم في النظام الدولي الجديد.

          

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1825::/cck::
::introtext::

بدايةً يمكن القول إن العلاقات الخليجية-الأوروبية توطدت،وأصبحت أكثر تقارباً منذ إبرام اتفاقية التعاون المشترك بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمجموعة الأوروبية عام 1988م، رغم أن هذه الاتفاقية ركزت على الجانب الاقتصادي على حساب الجانب السياسي والدور المفترض لدول الاتحاد الأوروبي أو ما كانت تدعى بـ (الجماعة الاقتصادية الأوروبية) آنذاك في منطقة الخليج. 

::/introtext::
::fulltext::

بدايةً يمكن القول إن العلاقات الخليجية-الأوروبية توطدت،وأصبحت أكثر تقارباً منذ إبرام اتفاقية التعاون المشترك بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمجموعة الأوروبية عام 1988م، رغم أن هذه الاتفاقية ركزت على الجانب الاقتصادي على حساب الجانب السياسي والدور المفترض لدول الاتحاد الأوروبي أو ما كانت تدعى بـ (الجماعة الاقتصادية الأوروبية) آنذاك في منطقة الخليج.

يعود سبب التركيز على الجوانب الاقتصادية في تلك الاتفاقية، إلى أن دول الجماعة الاقتصادية الأوروبية كانت تتعامل مع بقية الأقاليم والدول في العالم بأسلوب جماعي إزاء القضايا الاقتصادية، في حين أنها كانت تتعامل بشكل فردي أمام القضايا والمواقف السياسية لإعطاء مزيد من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات حول مختلف المواقف السياسية بما تمليه مصلحة كل دولة على حدة من دول الجماعة الاقتصادية الأوروبية. ولعل هذا التمييز في آلية التعامل مع المواقف العالمية يوضح سبب تباين السياسات الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي إزاء أغلب المواقف السياسية في مختلف دول العالم حتى يومنا هذا.

إن المتابعة التاريخية للدور السياسي لدول الاتحاد الأوروبي في منطقة الخليج العربية تؤكد أن هذا الدور لم يكن فعالاً أو قوياً حتى الغزو العراقي لدولة الكويت في أغسطس من عام 1990م، حيث كان الدور الأوروبي مقتصراً على إطار العلاقات الثنائية مع دول مجلس التعاون الخليجي.

ويجدر بنا القول إنه وعلى الرغم من أن أزمة الخليج الثانية أظهرت لنا أدواراً أوروبية جماعية على المستوى السياسي في ما يتعلق بموقفها إزاء الغزو العراقي لدولة الكويت، من خلال إصدار بيانات إدانة جماعية لذلك التصرف وترحيبها بتنفيذ قرارات مجلس الأمن بخصوص استخدام الوسيلة العسكرية لتحرير الأراضي الكويتية، إلا أن التباين والاختلاف ظهر في مواقف العديد من دول الاتحاد الأوروبي تجاه فكرة الحرب نفسها ومدى استعداد كل دولة ورغبتها في الدخول في معترك عاصفة الصحراء لتحرير دولة الكويت.

إن ما يعنينا من التوطئة التاريخية السابقة، هو التأكيد على أن الدور الأوروبي في منطقة الخليج العربية لم يزدد تطوراً إلا بعد توقيع معاهدة الاتحاد الأوروبي في ماستريخت في عام 1992م، التي تزامنت مع التغير الواضح في النظام العالمي وتزايد الدور والهيمنة الأمريكية واعتلائها قمة النظام العالمي على حساب الاتحاد السوفييتي الذي تفكك وانخفضت مكانته الدولية.

التعاون الخليجي-الأوروبي في مجال الأمن الإقليمي

لا يمكن الحديث عن التعاون الخليجي-الأوروبي في مجال الأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربية من دون التطرق إلى الأبعاد الأمنية للعلاقات الأوروبية-الخليجية خصوصاً في ما يتعلق بالأزمة العراقية والحرب على العراق، وملف إيران النووي، والحرب على الإرهاب، ودعم الاصلاح السياسي في المنطقة العربية.

توطدت العلاقات الخليجية-الأوروبية منذ إبرام اتفاقية التعاون المشترك بينهما عام 1988م

ولذلك وجب القول إن تفهم الرؤية السياسية للاتحاد الأوروبي تجاه القضايا السابقة – والتي تعتبر من أهم القضايا السياسية المطروحة في الألفية الثانية على مستوى العالم – يلقي لنا الضوء على أوجه التوافق والاختلاف مع الرؤى السياسية والأمنية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إزاء تلك القضايا. كما أن استيعاب الأرضية المشتركة والمصالح المتبادلة والمتوافقة بين الجانبين تجاه القضايا الأمنية السابقة تبرز مدى الحاجة إلى تطوير وتوسيع حجم التعاون الأمني والسياسي بين الجانبين.

فعند إمعان النظر في موقف الاتحاد الأوروبي تجاه الحرب على العراق، نجد أن الدول الأوروبية انقسمت آنذاك إزاء قضية الحرب على العراق، حيث عارضت كل من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا استخدام القوة العسكرية حيال النظام العراقي السابق، بينما أيدت بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا شن تلك الحرب. ويبدو أن هذا الانقسام في الرأي تلاشى بعد شن الحرب، وأصبحت دول الاتحاد الأوروبي تتعامل مع الأزمة العراقية الحالية بصورة أكثر جماعية، ساعيةً لعودة الاستقرار والأمن وإقامة نظام عراقي مستقل وحر. ومن الضروري بمكان التأكيد على أن هذا الانقسام الذي ظهر بين دول الاتحاد الأوروبي حيال قضية الحرب على العراق لم يظهر تجاه قضية الملف النووي الإيراني، ولا في قضية الحرب على الإرهاب، ولا في مسألة ضرورة دعم الإصلاح السياسي في المنطقة العربية.

فبالنسبة لقضية الملف النووي الإيراني، كان هناك إجماع من دول الاتحاد الأوروبي على ضرورة منع إيران من امتلاك أية أسلحة نووية، وضرورة تأخير البرنامج النووي الإيراني من خلال تكثيف عمليات التفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وعلى عكس سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، كان الاتحاد الأوروبي يتبع سياسة تمهل شديدة في تحويل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، مفضلاً الأسلوب الدبلوماسي مع القيادة الإيرانية واستبعاد الخيار العسكري لحل هذه القضية.

ويمكن القول إن (اتفاق باريس) لعام 2005م بين إيران ودول (الترويكا) يشكل أحد أهم إنجازات الاتحاد الأوروبي في هذا الصعيد، لكن استمرار إيران في عمليات تخصيب اليورانيوم بعد هذا الاتفاق غيّر من الموقف الأوروبي وجعله يتقدم بقرار لمجلس الأمن إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية لإصدار عقوبات بحق طهران. وتجدر الإشارة إلى أن الإجماع الأوروبي إزاء القضية الإيرانية كان حول الإطار العام للتعامل مع القيادة الايرانية، لكن الاختلاف والتباين في شكل وحدّة العقوبات ظهرا على السطح خصوصاً بين كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا.

من جهة أخرى، نرى أن دول الاتحاد الأوروبي تعاملت مع قضية الحرب على الإرهاب بصورة جماعية، وسعت إلى رفض ومكافحة كل أشكال الإرهاب مع التأكيد على أن الإرهاب يجب ألا يقترن بدين أو جهة أو بلد معين. ويمكن القول إن دول الاتحاد الأوروبي أولت مسألة الحرب على الإرهاب اهتماماً كبيراً خاصة أن عدداً من تلك الدول الأوروبية تعرضت لهجمات إرهابية ألحقت بها خسائر في الأرواح والأموال.

إضافة إلى ما سبق، نجد أن دول الاتحاد الأوروبي – بشكل جماعي – تؤكد دائماً أن النهوضبالديمقراطيةوحقوقالإنسانيعدعنصراًجوهرياًمنعناصرسياساتها الخارجية، وأنهيشكل حجرالأساسللتعاونالأوروبي، لكن الواقع يؤكد أن مسألة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي الذي تأمل به دول الاتحاد الأوروبي أن يتحقق في كل من دول الشرق الأوسط عامة ودول منطقة الخليج العربية خاصة، تعتبر أمراً صعب المنال على الأقل في الوقت الحاضر.

وقّعت الكويت مع (الناتو) مبادرة إسطنبول للتعاون ثم تبعتها قطر والبحرين والإمارات 

وبينمالايتحملالاتحادالأوروبيمسؤوليةكبيرةعننقصالإصلاحالسياسي فيمنطقة الخليج العربية، إذتقعالمسؤوليةالرئيسيةعلىدول المنطقة نفسها، فإن عوامل كثيرة حالت دون تحقيق هذا. ويمكن القول إنه من الصعوبة تصور إمكانية تحقيق خطوات ملموسة بشأن الإصلاح السياسي والديمقراطي في منطقة الخليج العربية من خلال الدعم والمساندة الأوروبية من دون الأخذ في الاعتبار مشكلة الخلاف السائد بين كل من دول الاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربية حول مسألة (حقوق الإنسان).

فمن المؤكد أن قيام دول الاتحاد الأوروبي باتباع سياسة تحديد علاقاتها مع دول الخليج العربية بقدر جهودها في مجال تعزيز وتقوية حقوق الإنسان، ووضعها كشرط أساسي من شروط التعاون الاقتصادي بين الطرفين يؤكد مدى جدية الطرف الأوروبي حول هذه المسألة، لكنها قوبلت بتحفظ كبير من قبل الدول الخليجية باعتبار أنها شأن داخلي بحت.

وعلى أية حال، نجد أن الاتحاد الأوروبي اهتم بصورة كبيرة بقضايا وشؤون منطقة الخليج العربية. ويرجع هذا الاهتمام إلى إدراك دول الاتحاد الأوروبي لحقيقة مفادها، أنه لا يمكن تجاهل القضايا الأمنية والسياسية التي تشهدها دول الخليج العربية لأن الأمن الأوروبي لن يتحقق بمعزل عن أمن منطقة الخليج العربية خصوصاً في ظل اعتماد أوروبا على نفط الخليج والتعاون التجاري مع دولها. فالمصالح المشتركة بين الجانبين تَظْهَر بصورة جلية عند الارتكاز على هذه النقطة بالذات، حيث إن الاستقرار الأمني والسياسي في دول الخليج العربية يشكل مطلباً وهدفاً متبادلاً بين أوروبا ودول الخليج العربية.

ومن هنا نلحظ، تثمين الأدوار والمواقف الأوروبية بشأن القضايا السياسية والأمنية للمنطقة من قبل دول الخليج العربية في كثير من المناسبات، إذ أشارت الدول الخليجية بالتقدير إلى إدانة الاتحاد الأوروبي للأعمال الإرهابية وعدم الإساءة للإسلام والمسلمين. ومن جهة أخرى، ظهرت المواقف الخليجية المؤيدة للاتحاد الأوروبي حول الأزمة العراقية عبر التأكيد على ضرورة استعادة استقرار واستقلال وسيادة العراق ورفض تجزئته وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. أما بخصوص الملف الايراني، فقد تبين التوافق الكبير في موقف الاتحاد الأوروبي مع موقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشأن ضرورة استخدام الحل الدبلوماسي وعدم التصعيد ومحاولة إقناع طهران بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية كسبيل لتحقيق الأمان والاستقرار في المنطقة.

وارتكازاً على ما سبق، يتضح أنه قد يكون من الاستحالة تصور إمكانية تطوير علاقات استراتيجية مع دول الخليج العربية لحفظ الاستقرار والأمن في المنطقة من دون خطوات جادة في مجال التعاون الأمني والسياسي بين الجانبين كون الاتحاد الأوروبي يعتبر طرفاً فاعلاً ومهماً في النظام الدولي بعد الولايات المتحدة الأمريكية. بعبارة أخرى، فإن تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربية لن يتحقق من دون تعظيم مساحات التعاون الأوروبي – الخليجي في شتى المجالات، أهمها المجال الأمني والسياسي.

الدور العسكري الأوروبي في منطقة الخليج العربية لا يتساوى مع الدور الأمريكي إطلاقاً

أشكال التعاون العسكري والأمني بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون

نستطيع القول، إن مظاهر التعاون الأمني والسياسي بين دول الاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربية قد ظهرت بصورة تحقق لكل دولة خليجية على حدة القدرة على بناء قدراتها الدفاعية الذاتية. وبمعنى آخر، أن الدول الخليجية سعت لدى دول الاتحاد الأوروبي إلى الحصول على نظم تسلح متنوعة والتوصل لاتفاقيات أمنية وعسكرية متعددة، الأمر الذي ساعد على تحقيق تعاون أمني وسياسي بين الجانبين بشكل فردي، لكن في الوقت نفسه عجزت عن تفعيل التنسيق الأمني والعسكري بصورة جماعية بين الطرفين.

وعند الحديث عن أشكال التعاون الأمني والسياسي بين دول الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون، فإن مظاهر هذا التعاون يمكن رؤيتها على مستويين:

1- مستوى التعاون العسكري: عند النظر إلى سياسات التسليح لدول الخليج العربية خاصة بعد حربي الخليج الثانية والثالثة نجد تسارع وتيرة دخول الدول الخليجية إلى سباق التسلح، وذلك من دون الدخول في تفاصيل طبيعة ونوع الإنفاق العسكري لكل دولة خليجية مع دول الاتحاد الأوروبي. ومن الجدير بالذكر أن الدول الخليجية اعتمدت على تنويع مصادر السلاح من عدة دول أوروبية من خلال التوقيع على اتفاقيات للتسلح لتطوير القدرات المدرعة وقوات الدفاع الجوي والقوات البحرية واتفاقيات أخرى بغرض التدريب المشترك وتبادل الخبرات العسكرية.

2- مستوى التعاون الأمني: بدأ مستوى التعاون الأمني والسياسي منذ أن عقدتاتفاقية التعاونبينالاتحادالأوروبيومجلسالتعاونالخليجيفي عام١٩٨٩م. ويتمثلهدف الاتفاقية المعلنفي تسهيلالعلاقاتالتجاريةوالإسهام بصورةأعمفي استقرارالمنطقة. ويجدر بنا التأكيد هنا على أن ما يهمنا في المقام الأول هو إلقاء نظرة على شكل ومستوى وآلية التعاون الأمني والسياسي بين الجانبين.

يمكننا القول إنه ومنذ ذلك الحين، والدول الخليجية تظهر جدية واضحة في تعميق العلاقات بين الطرفين واتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق أكبر قدر من التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي. كما أعربت دول الخليج العربية في العديد من المناسبات عن أملها في أن تشهد العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي تطوراً إيجابياً كون أن الطرفين يعلمان مدى أهمية العلاقات وطبيعة المصالح المتبادلة للجانبين.

ووفقاً للاتفاق سالف الذكر بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن وزراء خارجية تلك الدول تجتمع مرة كل عام. وقد عقد 18 اجتماعاً بين الجانبين منذ ذلك الوقت، آخرها في مايو 2008م في بروكسل عاصمة بلجيكا.

وعلى الصعيد السياسي، نستطيع القول إن الاتحاد الأوروبي بدأ في إنشاء وتكثيف وتنشيط الحوارات السياسية بين الطرفين منذ عام 1995م، حيث القصد من ذلك تعزيز علاقات أوسع مع دول مجلس التعاون الخليجي وهذا جزء من الاستراتيجية الشاملة لتطوير شراكة أوثق مع منطقة الشرق الأوسط ككل في سياق (مبادرة الشراكة)، التي اعتمدها المجلس الأوروبي في عام 2004م. وبحسب وجهة النظر الأوروبية، فإن تنشيط المبادرة يأتي عبر تعزيز المبادئ الرئيسية لـ (عملية برشلونة) ولا سيما بشأن قضايا الإصلاحات السياسية والاقتصادية بالتركيز على المنطقة ككل لتشمل كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث إن أهداف السياسة المعلنة للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، بما فيها منطقة الخليج، هي تنمية المنطقة وتوجيهها نحو الاستقرار والسلام والرخاء.

وترى دول الاتحاد الأوروبي أن الأداة الرئيسية لتعزيز التعاون الإقليمي هي عن طريق إيجاد حوار سياسي وتعزيز الإصلاحات السياسية والاقتصادية في بلدان الخليج. ونتيجة لذلك، فقد تم فتح مكتب تمثيلي للمفوضية الأوروبية في الرياض منذ بداية عام 2004م. ومن المهم أن نشير إلى أن عام 2004م يشكل سنة استثنائية، إذ حدثت فيها تغييرات مؤسسية عندما تم توسيع قاعدة الاتحاد الأوروبي ليشمل 25 عضواً، وهذا التغيير قد يكون له الأثر الكبير في الاتجاه المستقبلي للعلاقات السياسية والاستراتيجية بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي.

الانقسام الذي ظهر بين دول الاتحاد الأوروبي حيال الحرب على العراق لم يظهر تجاه الملف النووي الإيراني

وخلال السنة نفسها، وقعت دولة الكويت مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) مبادرة إسطنبول للتعاون، ومن ثم تبعتها كل من قطر والبحرين والإمارات في عام 2005م. وفي هذا المنظور، فإن دول الاتحاد الأوروبي أصبح لها دور أكبر على مستوى الدول منفردة وذلك من خلال عضويتها في حلف الناتو. فمع تمدد دور حلف الناتو في منطقة الخليج العربية، فقد وسعت من مساهمات دول الاتحاد الأوروبي – من خلال عضوياتها في حلف الناتو – في التعاون الأمني وذلك عبر تقديم الاستشارات الدفاعية والعسكرية وتبادل الخبرات. أضف إلى ذلك، التعاون في مكافحة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل والتخطيط للحالات الطائرة المدنية وتمارين حالات الكوارث.

ومن خلال مبادرة إسطنبول، أصبح للدول الأوروبية دور أكبر في منطقة الخليج على الصعيد العسكري. فمن الضروري التأكيد على أن الدور العسكري الأوروبي في منطقة الخليج العربية لا يتساوى مع الدور الأمريكي إطلاقاً، لطالما كان الدور الأوروبي – منذ حرب الخليج الثانية – دوراً ثانوياً ومسانداً للقوات العسكرية الأمريكية.

والجدير بالذكر أن من مظاهر التعاون الأمني بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي الرئيسية كان في مجال مكافحة الإرهاب والتصدي له. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أخذ التعاون الأمني بين الجانبين يزداد ويتشعب في مجال الحرب على الإرهاب. وقد ظهر هذا التعاون في المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي عقد في الرياض في فبراير 2005م، حيث شارك الاتحاد الأوروبي في هذا المؤتمر، الذي كان يدعو إلى أهمية ترسيخ قيم التفاهم والتسامح والحوار والتعايش، والتقارب بين الثقافات ورفض منطق صراع الحضارات، بالإضافة إلى الدعوة إلى محاربة أي شكل من أشكال التكفير والكراهية والتحريض على العنف، التي لا يمكن أن يقبلها أي دين أو قانون.

لقد تبادل الجانبان الحرص على تكثيف التزامهما بالقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب، والتي تدعو المجتمع الدولي إلى إدانة الإرهاب ومكافحته وفقاً لميثاق الأمم المتحدة في ضوء حقيقة أن الأعمال الإرهابية تهدد السلم والأمن في العالم. وهم يشددون أيضاً على أن الأمم المتحدة هي المحفل الرئيسي لتعزيز التعاون الدولي ضد الإرهاب، وأن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة تشكل أساساً متيناً وشاملاً لمحاربة الإرهاب في كافة أنحاء العالم.

ويمكن القول إن دول مجلس التعاون الخليجي تتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال القضايا الأمنية بصورة هادئة ومفهومة. فالتعاون الأمني والسياسي والعسكري بين الجانبين ينطلق بالأساس من اعتبارات المصالح المشتركة والمتبادلة، وتبعاً لذلك فإن التحرك لمزيد من التعاون على كافة الصعد سيصب في النهاية في خدمة الطرفين، وسيستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة لا سيما في ضوء التحديات التي تطرحها العولمة والإرهاب الدولي والاتجار في المخدرات وغسل الأموال وانتشار أسلحة الدمار الشامل والتدهور البيئي الحاصل في المنطقة.

وبعيداً عن مجال المقاربات الاقتصادية في العلاقات الأوروبية-الخليجية، والتي نستطيع القول إنها تشكل إطاراً رئيسياً في طبيعة الحوارات واللقاءات والاجتماعات الخاصة بين الجانبين، إلا أن الإطار السياسي والمجال الأمني والعسكري لا يقل شأناً وأهميةً عن الإطار الاقتصادي، خاصة أن ما أفرزته السنوات الأخيرة من أحداث إرهابية وعنف وشن للحروب أدى إلى جر منطقة الخليج العربية بصورة خاصة والعالم بصورة عامة إلى مراحل خطيرة من عدم الاستقرار.

إن هذه الأحداث الأخيرة عطلت بصورة أو أخرى آليات التعاون، سواء على الصعيد السياسي والأمني أو على الصعيد الاقتصادي، بين كل من مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي. ويؤكد هذا القول، غياب الفاعلية بين الطرفين وكثرة التصريحات بين الجانبين خاصة بعد كل اجتماع وزاري مشترك بينهما من دون أية نتائج تذكر.

ولا شك في أن من مصلحة الدول الخليجية أن توطد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وتوسع من مشاريع التعاون بينهما. فمع ظهور المستجدات السياسية الخطرة على منطقة الخليج، خاصة الأزمة العراقية الحالية، والتوجهات النووية الإيرانية، واستمرار الشبكات الإرهابية في تهديد أمن واستقرار المنطقة، أصبح من الضروري أن تكثف دول مجلس التعاون الحوارات الثنائية مع الاتحاد الأوروبي، إذ لا يمكن إغفال الجانب الأوروبي كقطب مهم في النظام الدولي وإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الطرف الأقوى والأهم في النظام الدولي الجديد.

          

::/fulltext::
::cck::1825::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *