التعليم في دول الخليج: نقد وتقييم

::cck::1839::/cck::
::introtext::

تتصاعد أهمية التعليم في العصر الحديث، لاسيما بالنسبة للدول العربية المصنفة إحصائياً ضمن الدول المتخلفة على مستوى العالم، وتدخل ضمن هذا التصنيف دول مجلس التعاون رغم أن حجم إنفاقها على التعليم تقدم كثيراً في السنوات الأخيرة، فالعلم هو السلاح الوحيد والأخير الذي يمكّن الدول العربية والخليجية من الخروج من واقعها المتخلف إلى واقع جديد يتباين كلياً عن الواقع القائم.

::/introtext::
::fulltext::

تتصاعد أهمية التعليم في العصر الحديث، لاسيما بالنسبة للدول العربية المصنفة إحصائياً ضمن الدول المتخلفة على مستوى العالم، وتدخل ضمن هذا التصنيف دول مجلس التعاون رغم أن حجم إنفاقها على التعليم تقدم كثيراً في السنوات الأخيرة، فالعلم هو السلاح الوحيد والأخير الذي يمكّن الدول العربية والخليجية من الخروج من واقعها المتخلف إلى واقع جديد يتباين كلياً عن الواقع القائم.

لقد كانت المؤسسة المدرسية ولا تزال جزءاً من حركة المجتمع ومحوراً لنشاطه وانعكاساً لمدى فاعليته، ولذلك فإن أية محاولة لتحديد مستقبل التعليم لا بد أن تحدد شكل المجتمع القادم، ولا بد أيضاً أن يسير في سياقاته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

لكن هذا الانتقال يستدعي إحداث تحول جذري في العملية التعليمية، وإدماج الحركة التعليمية في المنظومة الاجتماعية لردم الفجوة بين مناهجها الدراسية وبين احتياجات سوق العمل ومتطلبات الدولة والتحديات التي يواجهها المجتمع، ذلك أن التعليم لم يعد حاجة كمالية تهتم بها الدول لتحسين سجلاتها أمام المنظمات الدولية، وفي تقارير التنمية السنوية، لكنه أضحى أحد أهم معايير تحديد قدرة الدول والمجتمعات على البقاء والمنافسة في عصر العولمة وتحدياتها المستمرة.

 

 

عدم وضوح الرؤية التعليمية في دول مجلس التعاون سوف يؤدي إلى استمرار ضياع فرصها في التنمية

 

 

إن عدم وضوح الرؤية التعليمية في دول مجلس التعاون سوف يؤدي إلى استمرار ضياع فرصها في التنمية بوتيرة تصاعدية، وبقائها في حالة من التنمية المترددة التي تستحضر منجزات الآخرين من دون أن تتمكن من استثمارها وطنياً، أو كما أطلق عليها المرحوم مالك بن نبي بحركة (التكديس) التي تستورد وتراكم الخبرات والأشياء، لكنها لا تصنع الحضارة، فثمة فرق بين الإنتاج والاستيراد، فاستيراد تجارب الآخرين وتقليدهم أنتجا لنا على مدى الأعوام الفائتة مظاهر (التمدن الباهرة) على طول وعرض الدول العربية، لكنهما بالتأكيد لم يساهما في انتقالنا إلى عصر جديد، ولم يصنعا لنا حضارة متميزة، بل لا نزال نشكل عبئاً على حضارات الآخرين ومنجزاتهم. حتى إن مشاريع استيراد المناهج التعليمية من الدول المصنفة كدول ومجتمعات متقدمة، والتي اعتمدتها بعض المدارس والكليات داخل دول الخليج في السنوات الأخيرة لم تساهم في تغيير وتطوير التعليم نوعياً، ويعود ذلك لسبب أساسي هو غياب فلسفة واضحة للتعليم، فثمة افتراق وخصومة بين المناهج التعليمية السائدة وبين الغايات التي تستهدف تحقيقها دول مجلس التعاون، بحيث لا يكاد يجد المتتبع أي نوع من الترابط بين السياسات التعليمية في دول الخليج وبين الأهداف الوطنية، فحركة التعليم داخل دول الخليج لا تزال بعيدة كلياً عن حركة المجتمع.

إن أكثر ما يميز المناهج التعليمية في الدول المتقدمة هو قدرتها على الحركة والتطور والمنافسة، فالتقدم في العصر العولمي يعتمد بالضرورة على مقدار المعرفة العلمية التي تكتسبها الدولة، وعلى حجم استيعابها لحركة المعلومات المتدفقة عبر وسائل الاتصال الحديثة، وأصبحت القوة تقاس بدرجة اندماج الدول في الحضارة العلمية وقدرتها على التعامل مع الثورة المعلوماتية.

ونتلمس ذلك عند الآخرين في الوقت الذي نجد المناهج لدينا لا تزال مصابة بداء الثبات والخشية من التجدد والانفصال التام عن حركة المجتمع، ولا يزال الطالب الخليجي بصفة عامة يتلقى تعليماً غارقاً في حفظ النصوص وتكرارها من دون منهج واضح، وعندما ينفتح على المعادلات العلمية يصاب بحالة من الارتباك تمنعه من التعامل معها سوى بالحفظ والتكرار وكأنها أناشيد أو نصوص شعرية، وعندما يواجه تحديات سياسية أو اجتماعية أو ثقافية تنعدم لديه الرؤية ولا تسعفه ذكرياته الدراسية على استخراج موقف أو تحديد رؤية حياتية.

ويحتم الدخول في عصر العلم على المؤسسات التعليمية في دول الخليج أن تعيد النظر في أسس اختيار وتخطيط وبناء المناهج والمحتوى الدراسي. فالمنهج الدراسي المطلوب في هذا العصر هو الذي يستوعب المستجدات المتسارعة في حركة المجتمع من مشكلات وحاجات وتحديات جديدة، ويتلقاها الطالب في قالب علمي يؤهله للتعاطي معها بعلمية ومنهجية، وتزويد الطلاب بالمهارات التي تساعدهم على سرعة التكيف مع المستجدات، واستيعاب النافع منها بعقل منفتح قادر على التعاطي مع الثقافات المتنوعة بنظرة نقدية علمية تركن إلى الموضوعية والقدرة على اختيار الأنسب. وهو أمر لا يتحقق من دون أن تتكامل السياسات التعليمية في الدول الخليجية مع المؤسسات والهيئات الاجتماعية بما فيها الأسرة والنادي، لكني هنا أخص التكامل مع المؤسسة الدينية التي تلعب دوراً أساسياً في توجيه سلوك الأفراد، وغرس مفاهيم وقيم متنوعة في نفوسهم، وتكاد القيم والتوجيهات التي تبثها المؤسسة الدينية ورجالها أن تتحول إلى ثابت لا يتزحزح في نفوس المتأثرين بها، ومن المقلق أن التعليم حتى الآن منفصل تماماً عن الالتفات إلى دور المؤسسة الدينية، فضلاً عن التكامل معها والتنسيق لعقد مصالحة بين الثقافة الدينية التي يتلقاها الطالب والدور الذي تريد المناهج التعليمية أن تدفعه في اتجاهه.

ورغم حجم الإنفاق على التعليم فإن دول المجلس تعاني استمرار التقليد في البرامج والمجالات الدراسية، وافتقارها لملكات الإبداع في العملية التعليمية، وتغييب كل صور التواصل ما بين الأهداف التعليمية للمراحل التعليمية المختلفة ومناهج المستقبل، مما أدى بشكل أو آخر إلى ازدواج الأهداف التعليمية وتعارضها.

كما أنها تعاني عدم التكامل بين التخصصات والاهتمامات العلمية التي تتبناها المؤسسات التعليمية وتطلعات الدولة والمجتمع، وتشكو على الدوام من انقطاع اتصال جامعاتها ومراكزها العلمية مع المراكز والمؤسسات البحثية العالمية، الأمر الذي حرم مؤسسات التعليم من مواكبة أحدث التطورات والبرامج العلمية في العالم، ورغم المحاولات التي تبذلها بعض الأقطار الخليجية في هذا المضمار، إلا أنها لا تسعف للقول إنها خطت خطوات ملموسة في هذا الاتجاه بالحجم الذي نستطيع الادعاء بأنها حققت إنجازاً يذكر.

إن وضع خطة متكاملة لتطوير التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي يستدعي توجيه دعوة عاجلة لجميع الأطراف المعنية بالعملية التعليمية للمشاركة في التفكير والتخطيط في مستقبل التعليم داخل دول المجلس، بحيث تأخذ في الاعتبار الإمكانيات المادية والبشرية المتوافرة ومتطلبات البيئة المحلية وقدرتها على الاستجابة لعمليات الإصلاح والتغيير.

 

 

وضع خطة لتطوير التعليم في دول المجلس يتطلب تفكير جميع الأطراف في مستقبل التعليم

 

 

وليس جديداً القول إن تباطؤ مشروع التعليم في دول الخليج يعود في الأساس إلى عدم توفر إرادة سياسية حازمة تقود التعليم إلى مرافئ جديدة، فلم تثبت قيادات دول الخليج رغبتها في الالتزام بسياسات محددة للارتقاء بالعملية التعليمية والتربوية أو سعيها نحو تأهيل المواطنين للمساهمة في معركة البناء والتحدي، رغم أن شدة التحديات في عصر العولمة تحث كافة الدول على بناء أنظمة تعليمية قادرة على توفير المهارات اللازمة لدى مواطنيها ودفعهم دفعاً باتجاه التفوق والمنافسة، باعتباره أحد الدلائل الحضارية على قوة الدولة وصلابة المجتمع، لكن الواقع التعليمي في دول المجلس لا ينبئ حتى الآن بأنها قادرة على تبني الأفكار العملاقة.

ويبدو لي أن حالة الثراء التي تنعم بها دول المجلس وقدرتها على الاستعانة من دون حدود بالخبرات الأجنبية وبأسعار زهيدة، خلقتا حالة من التراخي الداخلي في مسار التنمية الذاتية. وثمة شعور مخادع بالاكتفاء عن التطوير الداخلي أدى من وجهة نظر بعض المراقبين إلى القبول بالأمر الواقع، وعدم سعي دول الخليج إلى استنفار إمكانياتها لرسم خريطة تغيير حقيقية للعملية التعليمية.

إن دول الخليج مطالبة اليوم باستحداث (رؤية مستقبلية للتعليم في دول مجلس التعاون الخليجي) تتميز بالمرونة وقابلية استيعاب التطورات العلمية والسياسية والاجتماعية المتسارعة، فلم تعد وظيفة المدرسة والجامعة والتعليم بصورة عامة تكديس المعلومات في عقول الطلبة ومراقبة حجم استيعابها وحفظها، وإنما المطلوب اليوم إكسابهم القدرة على التعلم الذاتي، ولهذا دفعت الدول المتقدمة مواطنيها نحو اللامركزية في التعليم، واختفت طرق التدريس القديمة، ولم يعد لها وزن يذكر في المنظومة التعليمية الغربية. وهذا ما يضغط على دول المجلس للانتقال إلى نسق تعليمي جديد يمتلك القدرة على التجدد والتطور ذاتياً وعلى التكامل والتواصل المعرفي مع أحدث النظريات العلمية، واستهداف بناء التفكير النقدي عند الأفراد، وإكساب طلاب الخليج مهارات حل المشكلات ومهارات اتخاذ القرار، ومهارات التواصل مع الآخرين، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، فهو المدخل الوحيد للبقاء وإثبات القدرة التنافسية في عصر العلم والمعرفة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1839::/cck::
::introtext::

تتصاعد أهمية التعليم في العصر الحديث، لاسيما بالنسبة للدول العربية المصنفة إحصائياً ضمن الدول المتخلفة على مستوى العالم، وتدخل ضمن هذا التصنيف دول مجلس التعاون رغم أن حجم إنفاقها على التعليم تقدم كثيراً في السنوات الأخيرة، فالعلم هو السلاح الوحيد والأخير الذي يمكّن الدول العربية والخليجية من الخروج من واقعها المتخلف إلى واقع جديد يتباين كلياً عن الواقع القائم.

::/introtext::
::fulltext::

تتصاعد أهمية التعليم في العصر الحديث، لاسيما بالنسبة للدول العربية المصنفة إحصائياً ضمن الدول المتخلفة على مستوى العالم، وتدخل ضمن هذا التصنيف دول مجلس التعاون رغم أن حجم إنفاقها على التعليم تقدم كثيراً في السنوات الأخيرة، فالعلم هو السلاح الوحيد والأخير الذي يمكّن الدول العربية والخليجية من الخروج من واقعها المتخلف إلى واقع جديد يتباين كلياً عن الواقع القائم.

لقد كانت المؤسسة المدرسية ولا تزال جزءاً من حركة المجتمع ومحوراً لنشاطه وانعكاساً لمدى فاعليته، ولذلك فإن أية محاولة لتحديد مستقبل التعليم لا بد أن تحدد شكل المجتمع القادم، ولا بد أيضاً أن يسير في سياقاته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

لكن هذا الانتقال يستدعي إحداث تحول جذري في العملية التعليمية، وإدماج الحركة التعليمية في المنظومة الاجتماعية لردم الفجوة بين مناهجها الدراسية وبين احتياجات سوق العمل ومتطلبات الدولة والتحديات التي يواجهها المجتمع، ذلك أن التعليم لم يعد حاجة كمالية تهتم بها الدول لتحسين سجلاتها أمام المنظمات الدولية، وفي تقارير التنمية السنوية، لكنه أضحى أحد أهم معايير تحديد قدرة الدول والمجتمعات على البقاء والمنافسة في عصر العولمة وتحدياتها المستمرة.

 

 

عدم وضوح الرؤية التعليمية في دول مجلس التعاون سوف يؤدي إلى استمرار ضياع فرصها في التنمية

 

 

إن عدم وضوح الرؤية التعليمية في دول مجلس التعاون سوف يؤدي إلى استمرار ضياع فرصها في التنمية بوتيرة تصاعدية، وبقائها في حالة من التنمية المترددة التي تستحضر منجزات الآخرين من دون أن تتمكن من استثمارها وطنياً، أو كما أطلق عليها المرحوم مالك بن نبي بحركة (التكديس) التي تستورد وتراكم الخبرات والأشياء، لكنها لا تصنع الحضارة، فثمة فرق بين الإنتاج والاستيراد، فاستيراد تجارب الآخرين وتقليدهم أنتجا لنا على مدى الأعوام الفائتة مظاهر (التمدن الباهرة) على طول وعرض الدول العربية، لكنهما بالتأكيد لم يساهما في انتقالنا إلى عصر جديد، ولم يصنعا لنا حضارة متميزة، بل لا نزال نشكل عبئاً على حضارات الآخرين ومنجزاتهم. حتى إن مشاريع استيراد المناهج التعليمية من الدول المصنفة كدول ومجتمعات متقدمة، والتي اعتمدتها بعض المدارس والكليات داخل دول الخليج في السنوات الأخيرة لم تساهم في تغيير وتطوير التعليم نوعياً، ويعود ذلك لسبب أساسي هو غياب فلسفة واضحة للتعليم، فثمة افتراق وخصومة بين المناهج التعليمية السائدة وبين الغايات التي تستهدف تحقيقها دول مجلس التعاون، بحيث لا يكاد يجد المتتبع أي نوع من الترابط بين السياسات التعليمية في دول الخليج وبين الأهداف الوطنية، فحركة التعليم داخل دول الخليج لا تزال بعيدة كلياً عن حركة المجتمع.

إن أكثر ما يميز المناهج التعليمية في الدول المتقدمة هو قدرتها على الحركة والتطور والمنافسة، فالتقدم في العصر العولمي يعتمد بالضرورة على مقدار المعرفة العلمية التي تكتسبها الدولة، وعلى حجم استيعابها لحركة المعلومات المتدفقة عبر وسائل الاتصال الحديثة، وأصبحت القوة تقاس بدرجة اندماج الدول في الحضارة العلمية وقدرتها على التعامل مع الثورة المعلوماتية.

ونتلمس ذلك عند الآخرين في الوقت الذي نجد المناهج لدينا لا تزال مصابة بداء الثبات والخشية من التجدد والانفصال التام عن حركة المجتمع، ولا يزال الطالب الخليجي بصفة عامة يتلقى تعليماً غارقاً في حفظ النصوص وتكرارها من دون منهج واضح، وعندما ينفتح على المعادلات العلمية يصاب بحالة من الارتباك تمنعه من التعامل معها سوى بالحفظ والتكرار وكأنها أناشيد أو نصوص شعرية، وعندما يواجه تحديات سياسية أو اجتماعية أو ثقافية تنعدم لديه الرؤية ولا تسعفه ذكرياته الدراسية على استخراج موقف أو تحديد رؤية حياتية.

ويحتم الدخول في عصر العلم على المؤسسات التعليمية في دول الخليج أن تعيد النظر في أسس اختيار وتخطيط وبناء المناهج والمحتوى الدراسي. فالمنهج الدراسي المطلوب في هذا العصر هو الذي يستوعب المستجدات المتسارعة في حركة المجتمع من مشكلات وحاجات وتحديات جديدة، ويتلقاها الطالب في قالب علمي يؤهله للتعاطي معها بعلمية ومنهجية، وتزويد الطلاب بالمهارات التي تساعدهم على سرعة التكيف مع المستجدات، واستيعاب النافع منها بعقل منفتح قادر على التعاطي مع الثقافات المتنوعة بنظرة نقدية علمية تركن إلى الموضوعية والقدرة على اختيار الأنسب. وهو أمر لا يتحقق من دون أن تتكامل السياسات التعليمية في الدول الخليجية مع المؤسسات والهيئات الاجتماعية بما فيها الأسرة والنادي، لكني هنا أخص التكامل مع المؤسسة الدينية التي تلعب دوراً أساسياً في توجيه سلوك الأفراد، وغرس مفاهيم وقيم متنوعة في نفوسهم، وتكاد القيم والتوجيهات التي تبثها المؤسسة الدينية ورجالها أن تتحول إلى ثابت لا يتزحزح في نفوس المتأثرين بها، ومن المقلق أن التعليم حتى الآن منفصل تماماً عن الالتفات إلى دور المؤسسة الدينية، فضلاً عن التكامل معها والتنسيق لعقد مصالحة بين الثقافة الدينية التي يتلقاها الطالب والدور الذي تريد المناهج التعليمية أن تدفعه في اتجاهه.

ورغم حجم الإنفاق على التعليم فإن دول المجلس تعاني استمرار التقليد في البرامج والمجالات الدراسية، وافتقارها لملكات الإبداع في العملية التعليمية، وتغييب كل صور التواصل ما بين الأهداف التعليمية للمراحل التعليمية المختلفة ومناهج المستقبل، مما أدى بشكل أو آخر إلى ازدواج الأهداف التعليمية وتعارضها.

كما أنها تعاني عدم التكامل بين التخصصات والاهتمامات العلمية التي تتبناها المؤسسات التعليمية وتطلعات الدولة والمجتمع، وتشكو على الدوام من انقطاع اتصال جامعاتها ومراكزها العلمية مع المراكز والمؤسسات البحثية العالمية، الأمر الذي حرم مؤسسات التعليم من مواكبة أحدث التطورات والبرامج العلمية في العالم، ورغم المحاولات التي تبذلها بعض الأقطار الخليجية في هذا المضمار، إلا أنها لا تسعف للقول إنها خطت خطوات ملموسة في هذا الاتجاه بالحجم الذي نستطيع الادعاء بأنها حققت إنجازاً يذكر.

إن وضع خطة متكاملة لتطوير التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي يستدعي توجيه دعوة عاجلة لجميع الأطراف المعنية بالعملية التعليمية للمشاركة في التفكير والتخطيط في مستقبل التعليم داخل دول المجلس، بحيث تأخذ في الاعتبار الإمكانيات المادية والبشرية المتوافرة ومتطلبات البيئة المحلية وقدرتها على الاستجابة لعمليات الإصلاح والتغيير.

 

 

وضع خطة لتطوير التعليم في دول المجلس يتطلب تفكير جميع الأطراف في مستقبل التعليم

 

 

وليس جديداً القول إن تباطؤ مشروع التعليم في دول الخليج يعود في الأساس إلى عدم توفر إرادة سياسية حازمة تقود التعليم إلى مرافئ جديدة، فلم تثبت قيادات دول الخليج رغبتها في الالتزام بسياسات محددة للارتقاء بالعملية التعليمية والتربوية أو سعيها نحو تأهيل المواطنين للمساهمة في معركة البناء والتحدي، رغم أن شدة التحديات في عصر العولمة تحث كافة الدول على بناء أنظمة تعليمية قادرة على توفير المهارات اللازمة لدى مواطنيها ودفعهم دفعاً باتجاه التفوق والمنافسة، باعتباره أحد الدلائل الحضارية على قوة الدولة وصلابة المجتمع، لكن الواقع التعليمي في دول المجلس لا ينبئ حتى الآن بأنها قادرة على تبني الأفكار العملاقة.

ويبدو لي أن حالة الثراء التي تنعم بها دول المجلس وقدرتها على الاستعانة من دون حدود بالخبرات الأجنبية وبأسعار زهيدة، خلقتا حالة من التراخي الداخلي في مسار التنمية الذاتية. وثمة شعور مخادع بالاكتفاء عن التطوير الداخلي أدى من وجهة نظر بعض المراقبين إلى القبول بالأمر الواقع، وعدم سعي دول الخليج إلى استنفار إمكانياتها لرسم خريطة تغيير حقيقية للعملية التعليمية.

إن دول الخليج مطالبة اليوم باستحداث (رؤية مستقبلية للتعليم في دول مجلس التعاون الخليجي) تتميز بالمرونة وقابلية استيعاب التطورات العلمية والسياسية والاجتماعية المتسارعة، فلم تعد وظيفة المدرسة والجامعة والتعليم بصورة عامة تكديس المعلومات في عقول الطلبة ومراقبة حجم استيعابها وحفظها، وإنما المطلوب اليوم إكسابهم القدرة على التعلم الذاتي، ولهذا دفعت الدول المتقدمة مواطنيها نحو اللامركزية في التعليم، واختفت طرق التدريس القديمة، ولم يعد لها وزن يذكر في المنظومة التعليمية الغربية. وهذا ما يضغط على دول المجلس للانتقال إلى نسق تعليمي جديد يمتلك القدرة على التجدد والتطور ذاتياً وعلى التكامل والتواصل المعرفي مع أحدث النظريات العلمية، واستهداف بناء التفكير النقدي عند الأفراد، وإكساب طلاب الخليج مهارات حل المشكلات ومهارات اتخاذ القرار، ومهارات التواصل مع الآخرين، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، فهو المدخل الوحيد للبقاء وإثبات القدرة التنافسية في عصر العلم والمعرفة.

::/fulltext::
::cck::1839::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *