تداعيات ومخاطر الاجتياح التركي لشمال العراق

::cck::1846::/cck::
::introtext::

علامات استفهام عديدة، واحتمالات متباينة، وآفاق مختلفة السيناريوهات، تلك التي أعقبت قرار البرلمان التركي بمنح ترخيص للجيش لتنفيذ عملية عسكرية في شمال العراق لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية مسلحة تسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار داخل الأراضي التركية، والسعي إلى تكوين دولة كردية تقتطع مساحات في شمال العراق وجنوب شرقي تركيا والأطراف الحدودية في شرق سوريا وغرب إيران. 

::/introtext::
::fulltext::

علامات استفهام عديدة، واحتمالات متباينة، وآفاق مختلفة السيناريوهات، تلك التي أعقبت قرار البرلمان التركي بمنح ترخيص للجيش لتنفيذ عملية عسكرية في شمال العراق لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية مسلحة تسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار داخل الأراضي التركية، والسعي إلى تكوين دولة كردية تقتطع مساحات في شمال العراق وجنوب شرقي تركيا والأطراف الحدودية في شرق سوريا وغرب إيران.

إذا كانت المراهنات تتزايد بشأن الضوء الأخضر الممنوح للجيش التركي من قبل البرلمان، إلا أن جوهر المشكلة يكمن في تعقيداتها الميدانية والسياسية والجغرافية نظراً للتخبط الذي تعيش فيه أطياف الشعب العراقي الناتج في الأساس عن الغزو الأمريكي الخارج على الشرعية الدولية في عام 2003، وسير الولايات المتحدة بشكل متغطرس في مخطط احتلالي أكثر همجية، أعقبته استراتيجية معلنة من قبل صقور البيت الأبيض لتقسيم الأراضي العراقية من أجل التهام النفط بشكل متدرج، سواء ما يحويه الجنوب الشيعي أو الشمال الكردي أو حتى ما يوجد في الوسط السني.

وأعطى هذا التوجه الأمريكي الضوء الأخضر لتقوية شوكة أكراد الشمال، الذين كانوا يتمتعون بدولة شبه مستقلة منذ حرب الخليج الثانية في عام 1991، وتحولت إلى دولة مستقلة عن بقية العراق بعد الاحتلال الأمريكي، وزادت الأمور تعقيداً في ظل المحاباة الأمريكية للأكراد، الأمر الذي أثر في العلاقات الأمريكية – التركية المتوترة أصلاً منذ رفض أنقرة استخدام أراضيها من قبل الجيش الأمريكي لغزو العراق.

ويرى الخبراء أن التوجه التركي لغزو شمال العراق يأتي نتيجة للفشل الأمريكي الذريع ميدانياً، والواضح في معالجة ملف الأمن والاستقرار المفقودين في بلاد الرافدين، التي صارت مطمعاً للقوى الإقليمية والدولية، والفئات الإثنية والعرقيات المبعثرة هنا وهناك، وفي مقدمتهم بطبيعة الحال حزب العمال الكردستاني الذي بدأ مقاتلوه مرحلة الكفاح المسلح من أجل إقامة وطن قومي للأكراد منذ عام 1984، مستغلين حالة ضعف الحكومة المركزية في بغداد، واستقرار إقليم كردستان كحالة استثنائية، تزامنت مع تفتت بقية الكيان العراقي الذي صار بعد أكثر من أربع سنوات على الاحتلال أكثر تمزقاً، وتجتاحه أمواج العنف بلا نهاية.

غير أن الثابت أيضاً أن حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان بما تملكه من حنكة سياسية، نجحت في الخروج من أخطر مأزق واجهته حكومته الثانية، والمتمثل في النار الكردية وعداء حزب العمال الكردستاني الذي فشلت كل حكومات أنقرة المتعاقبة منذ عام 1984 وحتى 2007 في كبح جماحه، إذ ظلت حكومة أردوغان تكرر تهديداتها بالنيل من الأكراد باجتياح الشمال العراقي، إذا واصل حزب العمال الكردستاني أنشطته المحظورة، التي طالت مؤخراً عمق الأراضي والمدن التركية بهجمات تفجيرية وسيارات مفخخة. وزاد الحزب من عملياته في المناطق الجبلية الوعرة المتاخمة للحدود العراقية – التركية، وأوقعت تلك العمليات أكثر من مائتي قتيل وألف مصاب، كان آخرها خلال شهر أكتوبر الماضي والتي أسفرت عن مصرع 13 جندياً تركياً دفعة واحدة، الأمر الذي أحرج حكومة حزب العدالة والتنمية أمام الرأي العام التركي، وجعلها تقوم بخطوات أكثر تشدداً حيال أكراد العراق، وتعتبرهم كياناً خطراً على مستقبل سيادة والأراضي التركية ووحدتها.  

ولعل القوى الإقليمية والدولية وعت حقيقة مهمة من جراء قرار البرلمان التركي، وهي التوجه القوي من قبل أنقرة نحو القضاء على حزب العمال الكردستاني بأي ثمن، لدرجة عدم وضع حكومة أنقرة في اعتبارها الغضب الأمريكي الشديد، والاستياء العاجز الذي تبديه حكومة بغداد الضعيفة، لأن مصالح تركيا الاستراتيجية أصبحت على المحك، لكن هذه القوى تتخوف من احتمالات نشوب حروب متعددة الأنماط والأهداف والجنسيات في العراق ودول جواره والشرق الأوسط بدخول القوات التركية في حلبة الصراعات، وقد تخوض معارك مباشرة مع ميليشيات كردستان إلى جانب خوض معارك أخرى أكثر دموية مع القوات العراقية.

ويرى الخبراء أن التوغلات التركية في شمال العراق قد تكون محدودة في أعدادها وتأثيراتها الميدانية، لكنها ستكون ورقة ضغط هائلة على الولايات المتحدة التي تنزف بالخسائر المادية والبشرية في بلاد الرافدين، وذلك من أجل تجميد قضية الأرمن، حيث أبدى الكونغرس الأمريكي استعداده للمصادقة على مشروع إبادة الأرمن على أيدي الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى في عام 1925، الذي أقرته لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس في العاشر من شهر أكتوبر الماضي، وهو ما استفز الإدارة التركية، وجعلها تستخدم قرار البرلمان بشأن اجتياح شمال العراق كورقة ضغط مباشرة ضد المساعي الأمريكية لتصعيد قضية تاريخية أخرى قد تبدو أكثر وطأة من انتهاكات حقوق الإنسان على الساحة، وقد تعصف بآمال تركيا القوية في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ومن ثم فإنه يمكن القول إن العملية العسكرية التركية الواسعة النطاق، ستنفذ إما آجلاً أو عاجلاً، وسيعجل بها الكونغرس الأمريكي إذا ما غامر بإقرار مشروع قرار إبادة الأرمن، ولكن في حال ما جمد القرار فسيكون الأمر متروكاً للجهود الدبلوماسية والتحركات السياسية من قبل كافة الأطراف، رغم أن الشارع التركي بدا منفعلاً وهو يرى معالم الهزيمة غير المبررة من الميليشيات الكردية المحصنة في الجبال والمرتفعات، ومن الانسحاب الاستراتيجي للجيش التركي أمامها، حتى لا يكون على مرمى نيرانها وعملياتها المفاجئة.

عمليات حزب العمال الكردستاني أوقعت أكثر من مائتي قتيل وألف مصاب في تركيا

ولا شك في أن تلويح أنقرة بالقيام بعملية غير محدودة، تشمل التوغل الكامل للجيش التركي في الشمال العراقي، أثار حفيظة حزب العمال الكردستاني الذي تنتابه الشكوك من تحول القضية لحرب لا يمكنه الصمود فيها، خاصة أن الحكومة التركية نجحت في الفترة الراهنة في معرفة كل شيء عن إمكانيات الحزب التسليحية وتجهيزاته وقدراته، وصارت أكثر قدرة على القضاء على معاقله بمجرد التوغل في الأراضي التي يلوذ بها في العمق العراقي، هذا إلى جانب مقدرة الأتراك على التوغل السريع وغير المحدود وما لديهم من خبرات وتقنيات تكنولوجية لكسح الألغام، التي كانت ولا تزال تعوق الجيش العراقي والجماعات المسلحة المختلفة من الوصول إلى كردستان العراق والأطراف الشمالية.

تداعيات متباينة

جاء الموقف الأوروبي متوازناً حيال تلك الأزمة، حيث دعا بيان صادر عن الاتحاد الأوروبي إلى حل سلمي للجدل بين العراق وتركيا، حول ما تؤكده أنقرة من استخدام المسلحين الأكراد لشمال العراق كقاعدة انطلاق ضد كيانها وأمنها، وجاء هذا البيان عقب تشديد قائد الجيش التركي على نية بلاده شن هجوم على الجزء الكردي في الشمال، بينما عقّب نائب رئيس البرلمان الكردي كمال الكركوكي على التوجه التركي بأنه لا مبرر لأي هجوم تركي، وأن الأكراد جزء لا يتجزأ من دولة عراقية واحدة، وأي تدخل تركي سوف يعتبر إعلاناً ضمنياً للحرب.

كما حذر رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني تركيا من التدخل في الشأن العراقي، مهدداً بتدخل عراقي في الشأن التركي على غرار القرار الأخير للبرلمان التركي، وخاصة في المناطق ذات الغالبية الكردية في تركيا، إذا أصرت حكومة أنقرة على موقفها المتشدد.

وجاء رد رئيس الوزراء التركي أردوغان على تهديدات الزعيم الكردي، محذراً من تداعيات سوء الأفعال وتصرفات الأكراد على مستقبلهم، مؤكداً أن أنقرة ستلقنهم درساً قاسياً ينهي حزب العمال الكردستاني من الوجود.

مفاجأة الموقف السوري

من جهة ثانية، جاءت تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد التي أعرب خلالها عن تأييده لقيام الجيش التركي بعملية في الأراضي العراقية، تستهدف مواقع متمردي حزب العمال الكردستاني، بمثابة مفاجأة غير متوقعة، خاصة أنها تأتي مناقضة لرفض عربي شبه جماعي لمثل هذه المخططات، لأنها ستزيد الموقف تعقيداً وتمزقاً وفوضى في العراق المحتل، إضافة إلى العلاقات التي كانت تربط دمشق بحزب العمال وزعيمه عبدالله أوجلان الذي كان يعيش في كنف النظام السوري حتى ما قبل إلقاء القبض عليه في العام 1999 بعد أن ضغطت أنقرة بقوة على الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد لتسليمها أوجلان وهددت باستخدام القوة المسلحة في حال رفض سوريا ذلك. وهي الأزمة التي انتهت بعد تدخل مصري أعقبه إخراج أوجلان إلى إحدى الدول الإفريقية، حيث استطاعت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها الإسرائيلية والأمريكية القبض عليه.

وكان الرئيس بشار الأسد قد اعتبر أن من حق تركيا الدفاع عن أراضيها مؤيداً القرارات المطروحة على جدول أعمال الحكومة التركية لمحاربة النشاطات المسلحة للانفصاليين الأكراد. وألقى الرئيس السوري بالاتهامات على الولايات المتحدة، محملاً إياها مسؤولية تحول بلاد الرافدين إلى ملاذ للمتمردين المسلحين، لإصرارها على النهج الاحتلالي هناك، في إشارة واضحة إلى عدم قدرتها على السيطرة على الأمور واكتفائها بالتركيز على نهب الثروة النفطية العراقية. ودعا بشار الأسد إلى تعرية المجموعات المسلحة في العراق التي تدعم وتحمي النشاطات الإرهابية، حيث تعتبر دمشق سعي الأكراد لاستخدام اللغة الكردية والثقافة الكردية في شمال العراق تهديداً للقومية العربية ولوحدة سوريا ذاتها، ولذلك تمارس ضغوطاً مستمرة على الأكراد الذين لديهم جذور في شرق الأراضي السورية لتحجيم أنشطتهم والتراجع عن أفكارهم المناوئة لسيادة عواصم دول جوار العراق.

ويعكس موقف دمشق الأخير مدى التقارب الحاصل بين السوريين والأتراك حيال القضايا الراهنة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية وحتى في آسيا الوسطى، حيث ترى حكومتا البلدين ضرورة توحيد الجهود للتصدي للأكراد كخطر يكبر مع الوقت، والتصدي أيضاً للأطماع الأمريكية التي لا نهاية لها، وللنوايا الإسرائيلية التآمرية حيال المنطقة، خاصة في ظل تشابك معطيات الأحداث وانخراط العراق في صياغات جديدة وتقسيمات عرقية يمكن أن تنتقل بسهولة إلى دول جواره التي تعاني من مشكلات آلاف اللاجئين العراقيين عبر الحدود والذين يمثلون قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت.

خلاصة القول إن حكومة أردوغان تضع نصب عينيها وهي تتجه لاجتياح شمال العراق أن هناك أهدافاً استراتيجية تسعى إلى تحقيقها. أولها القضاء على كابوس حزب العمال الكردستاني، وثانيها السيطرة على حقول النفط في شمال العراق للاستغناء عن الواردات البترولية، التي تكلفها مليارات الدولارات سنوياً، وثالثها توسيع دورها في القضية العراقية وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، خاصة في ظل مظاهر السيولة التي يعاني منها الإقليم جراء التدخلات الدولية منذ حرب الخليج الثانية، لكن السؤال الذي يراود أذهان الأتراك هو هل ستقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي، خاصة في ظل فشل المخططات الأمريكية في العراق والمنطقة؟

الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على عدة أمور، أولها مدى التعارض بين المخططات التركية وتلك التي تحاول واشنطن تنفيذها خاصة في العراق، وثانيها الفوائد التي ستجنيها أنقرة من تحركاتها ومدى قدرتها على دفع الأثمان المقابلة لها.

::/fulltext::

258-ad1
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1846::/cck::
::introtext::

علامات استفهام عديدة، واحتمالات متباينة، وآفاق مختلفة السيناريوهات، تلك التي أعقبت قرار البرلمان التركي بمنح ترخيص للجيش لتنفيذ عملية عسكرية في شمال العراق لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية مسلحة تسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار داخل الأراضي التركية، والسعي إلى تكوين دولة كردية تقتطع مساحات في شمال العراق وجنوب شرقي تركيا والأطراف الحدودية في شرق سوريا وغرب إيران. 

::/introtext::
::fulltext::

علامات استفهام عديدة، واحتمالات متباينة، وآفاق مختلفة السيناريوهات، تلك التي أعقبت قرار البرلمان التركي بمنح ترخيص للجيش لتنفيذ عملية عسكرية في شمال العراق لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية مسلحة تسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار داخل الأراضي التركية، والسعي إلى تكوين دولة كردية تقتطع مساحات في شمال العراق وجنوب شرقي تركيا والأطراف الحدودية في شرق سوريا وغرب إيران.

إذا كانت المراهنات تتزايد بشأن الضوء الأخضر الممنوح للجيش التركي من قبل البرلمان، إلا أن جوهر المشكلة يكمن في تعقيداتها الميدانية والسياسية والجغرافية نظراً للتخبط الذي تعيش فيه أطياف الشعب العراقي الناتج في الأساس عن الغزو الأمريكي الخارج على الشرعية الدولية في عام 2003، وسير الولايات المتحدة بشكل متغطرس في مخطط احتلالي أكثر همجية، أعقبته استراتيجية معلنة من قبل صقور البيت الأبيض لتقسيم الأراضي العراقية من أجل التهام النفط بشكل متدرج، سواء ما يحويه الجنوب الشيعي أو الشمال الكردي أو حتى ما يوجد في الوسط السني.

وأعطى هذا التوجه الأمريكي الضوء الأخضر لتقوية شوكة أكراد الشمال، الذين كانوا يتمتعون بدولة شبه مستقلة منذ حرب الخليج الثانية في عام 1991، وتحولت إلى دولة مستقلة عن بقية العراق بعد الاحتلال الأمريكي، وزادت الأمور تعقيداً في ظل المحاباة الأمريكية للأكراد، الأمر الذي أثر في العلاقات الأمريكية – التركية المتوترة أصلاً منذ رفض أنقرة استخدام أراضيها من قبل الجيش الأمريكي لغزو العراق.

ويرى الخبراء أن التوجه التركي لغزو شمال العراق يأتي نتيجة للفشل الأمريكي الذريع ميدانياً، والواضح في معالجة ملف الأمن والاستقرار المفقودين في بلاد الرافدين، التي صارت مطمعاً للقوى الإقليمية والدولية، والفئات الإثنية والعرقيات المبعثرة هنا وهناك، وفي مقدمتهم بطبيعة الحال حزب العمال الكردستاني الذي بدأ مقاتلوه مرحلة الكفاح المسلح من أجل إقامة وطن قومي للأكراد منذ عام 1984، مستغلين حالة ضعف الحكومة المركزية في بغداد، واستقرار إقليم كردستان كحالة استثنائية، تزامنت مع تفتت بقية الكيان العراقي الذي صار بعد أكثر من أربع سنوات على الاحتلال أكثر تمزقاً، وتجتاحه أمواج العنف بلا نهاية.

غير أن الثابت أيضاً أن حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان بما تملكه من حنكة سياسية، نجحت في الخروج من أخطر مأزق واجهته حكومته الثانية، والمتمثل في النار الكردية وعداء حزب العمال الكردستاني الذي فشلت كل حكومات أنقرة المتعاقبة منذ عام 1984 وحتى 2007 في كبح جماحه، إذ ظلت حكومة أردوغان تكرر تهديداتها بالنيل من الأكراد باجتياح الشمال العراقي، إذا واصل حزب العمال الكردستاني أنشطته المحظورة، التي طالت مؤخراً عمق الأراضي والمدن التركية بهجمات تفجيرية وسيارات مفخخة. وزاد الحزب من عملياته في المناطق الجبلية الوعرة المتاخمة للحدود العراقية – التركية، وأوقعت تلك العمليات أكثر من مائتي قتيل وألف مصاب، كان آخرها خلال شهر أكتوبر الماضي والتي أسفرت عن مصرع 13 جندياً تركياً دفعة واحدة، الأمر الذي أحرج حكومة حزب العدالة والتنمية أمام الرأي العام التركي، وجعلها تقوم بخطوات أكثر تشدداً حيال أكراد العراق، وتعتبرهم كياناً خطراً على مستقبل سيادة والأراضي التركية ووحدتها.  

ولعل القوى الإقليمية والدولية وعت حقيقة مهمة من جراء قرار البرلمان التركي، وهي التوجه القوي من قبل أنقرة نحو القضاء على حزب العمال الكردستاني بأي ثمن، لدرجة عدم وضع حكومة أنقرة في اعتبارها الغضب الأمريكي الشديد، والاستياء العاجز الذي تبديه حكومة بغداد الضعيفة، لأن مصالح تركيا الاستراتيجية أصبحت على المحك، لكن هذه القوى تتخوف من احتمالات نشوب حروب متعددة الأنماط والأهداف والجنسيات في العراق ودول جواره والشرق الأوسط بدخول القوات التركية في حلبة الصراعات، وقد تخوض معارك مباشرة مع ميليشيات كردستان إلى جانب خوض معارك أخرى أكثر دموية مع القوات العراقية.

ويرى الخبراء أن التوغلات التركية في شمال العراق قد تكون محدودة في أعدادها وتأثيراتها الميدانية، لكنها ستكون ورقة ضغط هائلة على الولايات المتحدة التي تنزف بالخسائر المادية والبشرية في بلاد الرافدين، وذلك من أجل تجميد قضية الأرمن، حيث أبدى الكونغرس الأمريكي استعداده للمصادقة على مشروع إبادة الأرمن على أيدي الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى في عام 1925، الذي أقرته لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس في العاشر من شهر أكتوبر الماضي، وهو ما استفز الإدارة التركية، وجعلها تستخدم قرار البرلمان بشأن اجتياح شمال العراق كورقة ضغط مباشرة ضد المساعي الأمريكية لتصعيد قضية تاريخية أخرى قد تبدو أكثر وطأة من انتهاكات حقوق الإنسان على الساحة، وقد تعصف بآمال تركيا القوية في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ومن ثم فإنه يمكن القول إن العملية العسكرية التركية الواسعة النطاق، ستنفذ إما آجلاً أو عاجلاً، وسيعجل بها الكونغرس الأمريكي إذا ما غامر بإقرار مشروع قرار إبادة الأرمن، ولكن في حال ما جمد القرار فسيكون الأمر متروكاً للجهود الدبلوماسية والتحركات السياسية من قبل كافة الأطراف، رغم أن الشارع التركي بدا منفعلاً وهو يرى معالم الهزيمة غير المبررة من الميليشيات الكردية المحصنة في الجبال والمرتفعات، ومن الانسحاب الاستراتيجي للجيش التركي أمامها، حتى لا يكون على مرمى نيرانها وعملياتها المفاجئة.

عمليات حزب العمال الكردستاني أوقعت أكثر من مائتي قتيل وألف مصاب في تركيا

ولا شك في أن تلويح أنقرة بالقيام بعملية غير محدودة، تشمل التوغل الكامل للجيش التركي في الشمال العراقي، أثار حفيظة حزب العمال الكردستاني الذي تنتابه الشكوك من تحول القضية لحرب لا يمكنه الصمود فيها، خاصة أن الحكومة التركية نجحت في الفترة الراهنة في معرفة كل شيء عن إمكانيات الحزب التسليحية وتجهيزاته وقدراته، وصارت أكثر قدرة على القضاء على معاقله بمجرد التوغل في الأراضي التي يلوذ بها في العمق العراقي، هذا إلى جانب مقدرة الأتراك على التوغل السريع وغير المحدود وما لديهم من خبرات وتقنيات تكنولوجية لكسح الألغام، التي كانت ولا تزال تعوق الجيش العراقي والجماعات المسلحة المختلفة من الوصول إلى كردستان العراق والأطراف الشمالية.

تداعيات متباينة

جاء الموقف الأوروبي متوازناً حيال تلك الأزمة، حيث دعا بيان صادر عن الاتحاد الأوروبي إلى حل سلمي للجدل بين العراق وتركيا، حول ما تؤكده أنقرة من استخدام المسلحين الأكراد لشمال العراق كقاعدة انطلاق ضد كيانها وأمنها، وجاء هذا البيان عقب تشديد قائد الجيش التركي على نية بلاده شن هجوم على الجزء الكردي في الشمال، بينما عقّب نائب رئيس البرلمان الكردي كمال الكركوكي على التوجه التركي بأنه لا مبرر لأي هجوم تركي، وأن الأكراد جزء لا يتجزأ من دولة عراقية واحدة، وأي تدخل تركي سوف يعتبر إعلاناً ضمنياً للحرب.

كما حذر رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني تركيا من التدخل في الشأن العراقي، مهدداً بتدخل عراقي في الشأن التركي على غرار القرار الأخير للبرلمان التركي، وخاصة في المناطق ذات الغالبية الكردية في تركيا، إذا أصرت حكومة أنقرة على موقفها المتشدد.

وجاء رد رئيس الوزراء التركي أردوغان على تهديدات الزعيم الكردي، محذراً من تداعيات سوء الأفعال وتصرفات الأكراد على مستقبلهم، مؤكداً أن أنقرة ستلقنهم درساً قاسياً ينهي حزب العمال الكردستاني من الوجود.

مفاجأة الموقف السوري

من جهة ثانية، جاءت تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد التي أعرب خلالها عن تأييده لقيام الجيش التركي بعملية في الأراضي العراقية، تستهدف مواقع متمردي حزب العمال الكردستاني، بمثابة مفاجأة غير متوقعة، خاصة أنها تأتي مناقضة لرفض عربي شبه جماعي لمثل هذه المخططات، لأنها ستزيد الموقف تعقيداً وتمزقاً وفوضى في العراق المحتل، إضافة إلى العلاقات التي كانت تربط دمشق بحزب العمال وزعيمه عبدالله أوجلان الذي كان يعيش في كنف النظام السوري حتى ما قبل إلقاء القبض عليه في العام 1999 بعد أن ضغطت أنقرة بقوة على الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد لتسليمها أوجلان وهددت باستخدام القوة المسلحة في حال رفض سوريا ذلك. وهي الأزمة التي انتهت بعد تدخل مصري أعقبه إخراج أوجلان إلى إحدى الدول الإفريقية، حيث استطاعت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها الإسرائيلية والأمريكية القبض عليه.

وكان الرئيس بشار الأسد قد اعتبر أن من حق تركيا الدفاع عن أراضيها مؤيداً القرارات المطروحة على جدول أعمال الحكومة التركية لمحاربة النشاطات المسلحة للانفصاليين الأكراد. وألقى الرئيس السوري بالاتهامات على الولايات المتحدة، محملاً إياها مسؤولية تحول بلاد الرافدين إلى ملاذ للمتمردين المسلحين، لإصرارها على النهج الاحتلالي هناك، في إشارة واضحة إلى عدم قدرتها على السيطرة على الأمور واكتفائها بالتركيز على نهب الثروة النفطية العراقية. ودعا بشار الأسد إلى تعرية المجموعات المسلحة في العراق التي تدعم وتحمي النشاطات الإرهابية، حيث تعتبر دمشق سعي الأكراد لاستخدام اللغة الكردية والثقافة الكردية في شمال العراق تهديداً للقومية العربية ولوحدة سوريا ذاتها، ولذلك تمارس ضغوطاً مستمرة على الأكراد الذين لديهم جذور في شرق الأراضي السورية لتحجيم أنشطتهم والتراجع عن أفكارهم المناوئة لسيادة عواصم دول جوار العراق.

ويعكس موقف دمشق الأخير مدى التقارب الحاصل بين السوريين والأتراك حيال القضايا الراهنة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية وحتى في آسيا الوسطى، حيث ترى حكومتا البلدين ضرورة توحيد الجهود للتصدي للأكراد كخطر يكبر مع الوقت، والتصدي أيضاً للأطماع الأمريكية التي لا نهاية لها، وللنوايا الإسرائيلية التآمرية حيال المنطقة، خاصة في ظل تشابك معطيات الأحداث وانخراط العراق في صياغات جديدة وتقسيمات عرقية يمكن أن تنتقل بسهولة إلى دول جواره التي تعاني من مشكلات آلاف اللاجئين العراقيين عبر الحدود والذين يمثلون قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت.

خلاصة القول إن حكومة أردوغان تضع نصب عينيها وهي تتجه لاجتياح شمال العراق أن هناك أهدافاً استراتيجية تسعى إلى تحقيقها. أولها القضاء على كابوس حزب العمال الكردستاني، وثانيها السيطرة على حقول النفط في شمال العراق للاستغناء عن الواردات البترولية، التي تكلفها مليارات الدولارات سنوياً، وثالثها توسيع دورها في القضية العراقية وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، خاصة في ظل مظاهر السيولة التي يعاني منها الإقليم جراء التدخلات الدولية منذ حرب الخليج الثانية، لكن السؤال الذي يراود أذهان الأتراك هو هل ستقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي، خاصة في ظل فشل المخططات الأمريكية في العراق والمنطقة؟

الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على عدة أمور، أولها مدى التعارض بين المخططات التركية وتلك التي تحاول واشنطن تنفيذها خاصة في العراق، وثانيها الفوائد التي ستجنيها أنقرة من تحركاتها ومدى قدرتها على دفع الأثمان المقابلة لها.

::/fulltext::
::cck::1846::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *