أثر القوة الروسية في الدور الروسي في الشرق الأوسط
::cck::1863::/cck::
::introtext::
إن الواقع الروسي الحالي مشابه إلى حد كبير لواقع بريطانيا بعد ظهور القوة الأمريكية كقوة مهيمنة على العالم. فالسياسة البريطانية لا تزال تعيش على أمجاد الماضي، كما أن روسيا لا تزال تعيش على الانطباع السياسي لدى الناس الذي ارتبط بقوة الاتحاد السوفييتي، حيث يبدو أنه لم يبق من روسيا إلا رديفها من الاسم. وسنحاول في هذا المقال تعريف القوة الروسية وواقع الخصائص القومية المحددة لهذه القوة -المبالغ فيها في الإعلام العربي-، وتحليل أثر ذلك في دورها في منطقة الشرق الأوسط خاصة في ظل تفرد الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
إن الواقع الروسي الحالي مشابه إلى حد كبير لواقع بريطانيا بعد ظهور القوة الأمريكية كقوة مهيمنة على العالم. فالسياسة البريطانية لا تزال تعيش على أمجاد الماضي، كما أن روسيا لا تزال تعيش على الانطباع السياسي لدى الناس الذي ارتبط بقوة الاتحاد السوفييتي، حيث يبدو أنه لم يبق من روسيا إلا رديفها من الاسم. وسنحاول في هذا المقال تعريف القوة الروسية وواقع الخصائص القومية المحددة لهذه القوة -المبالغ فيها في الإعلام العربي-، وتحليل أثر ذلك في دورها في منطقة الشرق الأوسط خاصة في ظل تفرد الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على المنطقة.
يشير الباحثان رومر وولاندر في تعريفهم للدولة العظمى إلى أنها يجب أن تحقق الشروط المتمثلة في:
التوسع الجغرافي وتقدم ونمو اقتصادي سريع وقوة في مجلس الأمن والقدرة على مقاومة ومعارضة أمريكا في كل خطوة تقوم بها على الساحة الدولية ومصادر طاقة كبيرة ومصادر مواد خام مهمة وتأثير سياسي واسع وقيادة سياسية ديناميكية.
ويرى الباحثان أن تطبيق هذه الخصائص على روسيا يشير إلى ضعف وليس إلى قوة، وعليه يبنيان نتائجهما على أن ذلك يؤثر في قدرة روسيا على التعامل مع قضايا دولية كالإرهاب، والتخلف، وانتشار أسلحة الدمار الشامل وعدم الاستقرار؛ لذا ليس من المعقول توقع دور فاعل لروسيا في منطقة الشرق الأوسط في ظل توازن القوى الدولي الحالي. ويبدو أن محصلة مراجعة القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية الروسية تشير إلى دور محدود في السياسات العالمية.
الانكماش الروسي من حيث عدد السكان سيضع عوائق على التقدم ومشاريع النمو الاقتصادي فيها
ففي عام 1998 سقط النظام المالي الروسي وبعد ذلك نما الاقتصاد الروسي بمعدل 4.3 في المائة عام 2002 و7.1 في المائة في النصف الأول من عام 2003 واحتياطيها من العملات الصعبة أكثر من 64 ملياراً. وتتمتع روسيا بعملة مستقرة، وفائض في الميزانية الفدرالية. وتعتبر روسيا الدولة الثانية المصدرة للنفط في العالم والأولى في تصدير الغاز وتتمتع بقيادة سياسية شابة ومن أكثر القيادات العالمية ديناميكية، حيث إن انتقال السلطة في بداية عام 2000 من بوريس يلتسين إلى فلاديمير بوتين أعطى أملاً بعودة روسيا كقوة عالمية فاعلة في العلاقات الدولية، وقام بوتين بإصلاحات داخلية على المستوى الاقتصادي أعطت نوعاً من الاستقرار والثقة لروسيا.
لقد لعب بوتين دوراً بارزاً في إعادة الدور الفاعل لروسيا في العلاقات الدولية بعد عقد من التراجع كان أبرزها انسحاب الروس من القواعد العسكرية في فيتنام وكوبا، واتبع سياسة براغماتية في ما يتعلق بالسياسة الخارجية وفي ما يتعلق أيضاً بمنطقة الشرق الأوسط؛ لذا دعم بوتين (الحرب الأمريكية على الإرهاب الدولي) منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حتى حسب البعض أن الشراكة الأمريكية-الروسية قد تكون أهم من الشراكة الأمريكية مع الدول الصديقة من الحلفاء الأوروبيين، لكن نهاية ولاية بوتين ستضع روسيا في موقف انتقالي حرج في العلاقات الدولية.
انتقادات بوتين لسياسات بوش في مؤتمر ميونخ لم تؤد إلى دور مهم لروسيا في المنطقة
وتتمتع روسيا بقدرة التأثير في الآخرين في محيطها الإقليمي والعالم، كما أن تعاونها مع أمريكا في الحرب على الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية شرط أساسي وعامل مهم لإنجاح سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها لا تستطيع أن تقف أمام أمريكا؛ فعندما عارضت استخدام القوة في كوسوفو التي قام (الناتو) باستخدامها بالرغم من معارضة روسيا لم تستطع روسيا أن تقوم بأي شيء للتغيير من هذا الواقع، كما أن انتقادات بوتين لسياسات بوش في مؤتمر ميونيخ السابق وزيارته إلى إيران لم تؤديا إلى دور مهم لروسيا في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم كل المؤشرات الاقتصادية، ومؤشرات القيادة السياسية فإن التمحيص في الواقع الحقيقي لروسيا يشير إلى وجود صعوبات تقف عائقاً أمام روسيا في أن تؤدي دوراً مهماً في العلاقات الدولية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وذلك للأسباب التالية:
أولاً– الواقع العسكري: إن اختبار الشيشان كان من المؤشرات الحقيقية إلى تراجع القوة العسكرية لروسيا، حيثيمكن القول إن الجيش الروسي الذي لا يملك المصادر لتحديثه في حالة تراجع منذ فترة طويلة. فقد تراجع عدد الجيش الروسي من (4) ملايين إلى (1.2) مليون ومع ذلك التراجع لم تسمح الميزانية العسكرية بتحسين ظروفه. ومع تراجع الرواتب فإن ذلك أدى إلى تقاعد الكثير من القيادات، ولم يستطع القائمون على الجيش تجديد دماء الجيش من خلال تجنيد بعض الشباب.
وبلغت ميزانية الدفاع الروسية لعام 2003 حوالي 11 مليار دولار وفي عام 2004 حوالي (13.5) مليار دولار، وبهذه الميزانية لا تستطيع روسيا أن تجند جيشاً حقيقياً قوياً، ولا تساوي شيئاً يذكر مقارنة بالميزانية العسكرية الأمريكية التي تبلغ حوالي 600 مليار دولار. وقد أثر ذلك في فاعلية الجيش الروسي، حيث إن التدريب والتطوير غير واردين في مايتعلق بالجيش الروسي، ومن الأمثلة على التراجع في التدريب العسكري حالات من العجز الروسي العسكري مثل غرق الغواصة كورسك (Kursk) عام 2001، وفقدان الغواصة النووية عام 2003، وخلال أحد التدريبات العسكرية التي حضرها وزير الدفاع الروسي وقع حادث تصادم بين طائرتين (MI.24 Helicopters)، وانتقد البعض ذلك وبنى انتقاداته على عمر الطائرات الذي يزيد على 20 سنة أو عدم تدريب الطيارين؛ لذا فإن حالة الجيش الروسي بحاجة إلى مصادر عالية لتطويره.
وبناء على ذلك يرى كثير من المحللين أن دور روسيا في الأمور الأمنية سيكون هامشياً ولا تأثير له، وعليه سيكون تأثير روسيا في حفظ الأمن في منطقتها هامشياً، وقد يعطي دوراً لفاعلين آخرين في الأمن الإقليمي الروسي.
ثانياً- الواقع الاقتصادي: بالرغم من المؤشرات الاقتصادية المالية فإن واقع روسيا الاقتصادي ضعيف جداً؛ فنصف الصادرات الروسية تعتمد على النفط، وفي الوقت نفسه فإن مقدرة روسيا على الاستمرار في ظل واقع المعدات الروسية لإنتاج النفط غير محددة في المستقبل، خاصة في ظل واقع أسعار النفط العالمية وتراجعها. ويشكل الاقتصاد الروسي 1.25 في المائة من حجم الناتج الإجمالي الدولي مقارنة بـ 24 في المائة للولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثاً- العامل السكاني: لقد تراجع عدد سكان روسيا منذ عام 1991م من (150) مليون نسمة إلى (144) مليوناً عام 2002، وتتوقع المصادر الرسمية أن يكون عدد سكان روسيا عام 2025 حوالي (136) مليوناً، وتتوقع الأمم المتحدة (126) مليوناً. وهذا يعود إلى ارتفاع نسبة الوفيات إلى نسبة المواليد (177 وفيات إلى 100 مواليد)، وذلك عام 1999. كما تراجع مؤشر توقع الحياة إلى نسب أعوام 1945، وتراجعت أعداد الشباب المتوقع ولادتهم في عام (2025)، ومن المتوقع أيضاً أن يكون عددهم (8) ملايين ذكر بين (15-24 سنة) عام 2025. كما أثر واقع الإدمان على المشروبات الكحولية في الواقع السكاني الروسي، كما أن لدى روسيا أكبر نسبة انتشار في فيروس الإيدز في العالم، حيث وصل عدد المصابين فيها إلى (5) ملايين عام 2005. وعليه فإن الانكماش الروسي من حيث عدد السكان، وزيادة عدد الكبار في العمر، سيضعان عوائق على التقدم ومشاريع النمو الاقتصادي.
رابعاً- العامل الجغرافي: أدى العامل الجغرافي الاستراتيجي دوراً مهماً في القوة الروسية، لكن الواقع الحالي يشير إلى مزيد من التراجع ليصبح هذا العامل عامل ضعف، للأسباب التالية:
تتعامل روسيا مع مناطق تتكون من (11) زمناً.
- الاتصال بين أجزاء روسيا صعب جداً.
- العامل الجوي يجعل من الزراعة والبناء أمورا صعبة.
- العامل العرقي والإثني عامل سلبي، ففي روسياً أكثر من (89) عرقاً لا بد أن تلبي الحكومة الروسية الفدرالية مطالبهم.
وتواجه أفكار بوتين مشكلات في تفعيلها نتيجة للبيروقراطية والمصالح الشخصية للشركات الروسية؛ حيث إن الواقع الداخلي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً يضع تحديات وعوائق كبيرة في طريق روسيا لعودتها كدولة عظمى في المستقبل القريب؛ لذا فإن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس تعتقد أن ما يشكل خطراً على أمريكا هو ليس قوة روسيا إنما ضعفها، فالخوف الأمريكي هو من مستقبل أسلحة الدمار النووي التي تمتلكها روسيا، ويعتقد البعض أن أوروبا وروسيا والصين يمكن أن تشكل تحالفاً لموازنة القوة الأمريكية، لكن الظروف الحالية تجعل من هذا الأمر شيئاً مثالياً.
وعند مراجعة واقع القوة الروسية لا يشعر البعض بالأمل من حيث العلاقات الاستراتيجية مع روسيا للتعامل مع الهيمنة الأمريكية على العالم، فروسيا تحاول إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية، وقد عبرت المواقف الرسمية التي اتخذتها روسيا عن ذلك، كما أن واقع الجيش الروسي غير مؤهل للعب دور فاعل في السياسة الأمنية للدول العربية، فهذا الجيش هو مرآة للجيوش العربية التي اعتمدت على الدعم الروسي. وعليه لا نستطيع أن نتوقع الكثير من روسيا في ظل الأوضاع السياسة والاقتصادية التي تعيشها. كما أن دخول روسيا كدولة منافسة لدول الخليج العربية في سوق النفط العالمية يجعل منها عاملاً مهماً في يد أمريكا لتلعبه ضد الدول العربية خاصة خطوط مد النفط إلى أوروبا عبر الأراضي الروسية.
أخيراً نقول إن روسيا تعيش في حالة من الضعف الشديد، ولا يمكن التعويل عليها كثيراً خاصة في ظل تراجع نفوذها الدولي، نتيجة لتواضع قدراتها حسب المقاييس الدولية، وإن كان الضعف الداخلي هو المحدد الأساسي لهذا الدور المتواضع الذي يمكن للعالم العربي والإسلامي أن يتعلم منه. فالتعويل على دور فاعل لروسيا في المنطقة أمر مبالغ فيه من حيث الاعتماد على قوة روسيا التي لا تساعدها على القيام به.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1863::/cck::
::introtext::
إن الواقع الروسي الحالي مشابه إلى حد كبير لواقع بريطانيا بعد ظهور القوة الأمريكية كقوة مهيمنة على العالم. فالسياسة البريطانية لا تزال تعيش على أمجاد الماضي، كما أن روسيا لا تزال تعيش على الانطباع السياسي لدى الناس الذي ارتبط بقوة الاتحاد السوفييتي، حيث يبدو أنه لم يبق من روسيا إلا رديفها من الاسم. وسنحاول في هذا المقال تعريف القوة الروسية وواقع الخصائص القومية المحددة لهذه القوة -المبالغ فيها في الإعلام العربي-، وتحليل أثر ذلك في دورها في منطقة الشرق الأوسط خاصة في ظل تفرد الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
إن الواقع الروسي الحالي مشابه إلى حد كبير لواقع بريطانيا بعد ظهور القوة الأمريكية كقوة مهيمنة على العالم. فالسياسة البريطانية لا تزال تعيش على أمجاد الماضي، كما أن روسيا لا تزال تعيش على الانطباع السياسي لدى الناس الذي ارتبط بقوة الاتحاد السوفييتي، حيث يبدو أنه لم يبق من روسيا إلا رديفها من الاسم. وسنحاول في هذا المقال تعريف القوة الروسية وواقع الخصائص القومية المحددة لهذه القوة -المبالغ فيها في الإعلام العربي-، وتحليل أثر ذلك في دورها في منطقة الشرق الأوسط خاصة في ظل تفرد الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على المنطقة.
يشير الباحثان رومر وولاندر في تعريفهم للدولة العظمى إلى أنها يجب أن تحقق الشروط المتمثلة في:
التوسع الجغرافي وتقدم ونمو اقتصادي سريع وقوة في مجلس الأمن والقدرة على مقاومة ومعارضة أمريكا في كل خطوة تقوم بها على الساحة الدولية ومصادر طاقة كبيرة ومصادر مواد خام مهمة وتأثير سياسي واسع وقيادة سياسية ديناميكية.
ويرى الباحثان أن تطبيق هذه الخصائص على روسيا يشير إلى ضعف وليس إلى قوة، وعليه يبنيان نتائجهما على أن ذلك يؤثر في قدرة روسيا على التعامل مع قضايا دولية كالإرهاب، والتخلف، وانتشار أسلحة الدمار الشامل وعدم الاستقرار؛ لذا ليس من المعقول توقع دور فاعل لروسيا في منطقة الشرق الأوسط في ظل توازن القوى الدولي الحالي. ويبدو أن محصلة مراجعة القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية الروسية تشير إلى دور محدود في السياسات العالمية.
الانكماش الروسي من حيث عدد السكان سيضع عوائق على التقدم ومشاريع النمو الاقتصادي فيها
ففي عام 1998 سقط النظام المالي الروسي وبعد ذلك نما الاقتصاد الروسي بمعدل 4.3 في المائة عام 2002 و7.1 في المائة في النصف الأول من عام 2003 واحتياطيها من العملات الصعبة أكثر من 64 ملياراً. وتتمتع روسيا بعملة مستقرة، وفائض في الميزانية الفدرالية. وتعتبر روسيا الدولة الثانية المصدرة للنفط في العالم والأولى في تصدير الغاز وتتمتع بقيادة سياسية شابة ومن أكثر القيادات العالمية ديناميكية، حيث إن انتقال السلطة في بداية عام 2000 من بوريس يلتسين إلى فلاديمير بوتين أعطى أملاً بعودة روسيا كقوة عالمية فاعلة في العلاقات الدولية، وقام بوتين بإصلاحات داخلية على المستوى الاقتصادي أعطت نوعاً من الاستقرار والثقة لروسيا.
لقد لعب بوتين دوراً بارزاً في إعادة الدور الفاعل لروسيا في العلاقات الدولية بعد عقد من التراجع كان أبرزها انسحاب الروس من القواعد العسكرية في فيتنام وكوبا، واتبع سياسة براغماتية في ما يتعلق بالسياسة الخارجية وفي ما يتعلق أيضاً بمنطقة الشرق الأوسط؛ لذا دعم بوتين (الحرب الأمريكية على الإرهاب الدولي) منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حتى حسب البعض أن الشراكة الأمريكية-الروسية قد تكون أهم من الشراكة الأمريكية مع الدول الصديقة من الحلفاء الأوروبيين، لكن نهاية ولاية بوتين ستضع روسيا في موقف انتقالي حرج في العلاقات الدولية.
انتقادات بوتين لسياسات بوش في مؤتمر ميونخ لم تؤد إلى دور مهم لروسيا في المنطقة
وتتمتع روسيا بقدرة التأثير في الآخرين في محيطها الإقليمي والعالم، كما أن تعاونها مع أمريكا في الحرب على الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية شرط أساسي وعامل مهم لإنجاح سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها لا تستطيع أن تقف أمام أمريكا؛ فعندما عارضت استخدام القوة في كوسوفو التي قام (الناتو) باستخدامها بالرغم من معارضة روسيا لم تستطع روسيا أن تقوم بأي شيء للتغيير من هذا الواقع، كما أن انتقادات بوتين لسياسات بوش في مؤتمر ميونيخ السابق وزيارته إلى إيران لم تؤديا إلى دور مهم لروسيا في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم كل المؤشرات الاقتصادية، ومؤشرات القيادة السياسية فإن التمحيص في الواقع الحقيقي لروسيا يشير إلى وجود صعوبات تقف عائقاً أمام روسيا في أن تؤدي دوراً مهماً في العلاقات الدولية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وذلك للأسباب التالية:
أولاً– الواقع العسكري: إن اختبار الشيشان كان من المؤشرات الحقيقية إلى تراجع القوة العسكرية لروسيا، حيثيمكن القول إن الجيش الروسي الذي لا يملك المصادر لتحديثه في حالة تراجع منذ فترة طويلة. فقد تراجع عدد الجيش الروسي من (4) ملايين إلى (1.2) مليون ومع ذلك التراجع لم تسمح الميزانية العسكرية بتحسين ظروفه. ومع تراجع الرواتب فإن ذلك أدى إلى تقاعد الكثير من القيادات، ولم يستطع القائمون على الجيش تجديد دماء الجيش من خلال تجنيد بعض الشباب.
وبلغت ميزانية الدفاع الروسية لعام 2003 حوالي 11 مليار دولار وفي عام 2004 حوالي (13.5) مليار دولار، وبهذه الميزانية لا تستطيع روسيا أن تجند جيشاً حقيقياً قوياً، ولا تساوي شيئاً يذكر مقارنة بالميزانية العسكرية الأمريكية التي تبلغ حوالي 600 مليار دولار. وقد أثر ذلك في فاعلية الجيش الروسي، حيث إن التدريب والتطوير غير واردين في مايتعلق بالجيش الروسي، ومن الأمثلة على التراجع في التدريب العسكري حالات من العجز الروسي العسكري مثل غرق الغواصة كورسك (Kursk) عام 2001، وفقدان الغواصة النووية عام 2003، وخلال أحد التدريبات العسكرية التي حضرها وزير الدفاع الروسي وقع حادث تصادم بين طائرتين (MI.24 Helicopters)، وانتقد البعض ذلك وبنى انتقاداته على عمر الطائرات الذي يزيد على 20 سنة أو عدم تدريب الطيارين؛ لذا فإن حالة الجيش الروسي بحاجة إلى مصادر عالية لتطويره.
وبناء على ذلك يرى كثير من المحللين أن دور روسيا في الأمور الأمنية سيكون هامشياً ولا تأثير له، وعليه سيكون تأثير روسيا في حفظ الأمن في منطقتها هامشياً، وقد يعطي دوراً لفاعلين آخرين في الأمن الإقليمي الروسي.
ثانياً- الواقع الاقتصادي: بالرغم من المؤشرات الاقتصادية المالية فإن واقع روسيا الاقتصادي ضعيف جداً؛ فنصف الصادرات الروسية تعتمد على النفط، وفي الوقت نفسه فإن مقدرة روسيا على الاستمرار في ظل واقع المعدات الروسية لإنتاج النفط غير محددة في المستقبل، خاصة في ظل واقع أسعار النفط العالمية وتراجعها. ويشكل الاقتصاد الروسي 1.25 في المائة من حجم الناتج الإجمالي الدولي مقارنة بـ 24 في المائة للولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثاً- العامل السكاني: لقد تراجع عدد سكان روسيا منذ عام 1991م من (150) مليون نسمة إلى (144) مليوناً عام 2002، وتتوقع المصادر الرسمية أن يكون عدد سكان روسيا عام 2025 حوالي (136) مليوناً، وتتوقع الأمم المتحدة (126) مليوناً. وهذا يعود إلى ارتفاع نسبة الوفيات إلى نسبة المواليد (177 وفيات إلى 100 مواليد)، وذلك عام 1999. كما تراجع مؤشر توقع الحياة إلى نسب أعوام 1945، وتراجعت أعداد الشباب المتوقع ولادتهم في عام (2025)، ومن المتوقع أيضاً أن يكون عددهم (8) ملايين ذكر بين (15-24 سنة) عام 2025. كما أثر واقع الإدمان على المشروبات الكحولية في الواقع السكاني الروسي، كما أن لدى روسيا أكبر نسبة انتشار في فيروس الإيدز في العالم، حيث وصل عدد المصابين فيها إلى (5) ملايين عام 2005. وعليه فإن الانكماش الروسي من حيث عدد السكان، وزيادة عدد الكبار في العمر، سيضعان عوائق على التقدم ومشاريع النمو الاقتصادي.
رابعاً- العامل الجغرافي: أدى العامل الجغرافي الاستراتيجي دوراً مهماً في القوة الروسية، لكن الواقع الحالي يشير إلى مزيد من التراجع ليصبح هذا العامل عامل ضعف، للأسباب التالية:
تتعامل روسيا مع مناطق تتكون من (11) زمناً.
- الاتصال بين أجزاء روسيا صعب جداً.
- العامل الجوي يجعل من الزراعة والبناء أمورا صعبة.
- العامل العرقي والإثني عامل سلبي، ففي روسياً أكثر من (89) عرقاً لا بد أن تلبي الحكومة الروسية الفدرالية مطالبهم.
وتواجه أفكار بوتين مشكلات في تفعيلها نتيجة للبيروقراطية والمصالح الشخصية للشركات الروسية؛ حيث إن الواقع الداخلي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً يضع تحديات وعوائق كبيرة في طريق روسيا لعودتها كدولة عظمى في المستقبل القريب؛ لذا فإن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس تعتقد أن ما يشكل خطراً على أمريكا هو ليس قوة روسيا إنما ضعفها، فالخوف الأمريكي هو من مستقبل أسلحة الدمار النووي التي تمتلكها روسيا، ويعتقد البعض أن أوروبا وروسيا والصين يمكن أن تشكل تحالفاً لموازنة القوة الأمريكية، لكن الظروف الحالية تجعل من هذا الأمر شيئاً مثالياً.
وعند مراجعة واقع القوة الروسية لا يشعر البعض بالأمل من حيث العلاقات الاستراتيجية مع روسيا للتعامل مع الهيمنة الأمريكية على العالم، فروسيا تحاول إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية، وقد عبرت المواقف الرسمية التي اتخذتها روسيا عن ذلك، كما أن واقع الجيش الروسي غير مؤهل للعب دور فاعل في السياسة الأمنية للدول العربية، فهذا الجيش هو مرآة للجيوش العربية التي اعتمدت على الدعم الروسي. وعليه لا نستطيع أن نتوقع الكثير من روسيا في ظل الأوضاع السياسة والاقتصادية التي تعيشها. كما أن دخول روسيا كدولة منافسة لدول الخليج العربية في سوق النفط العالمية يجعل منها عاملاً مهماً في يد أمريكا لتلعبه ضد الدول العربية خاصة خطوط مد النفط إلى أوروبا عبر الأراضي الروسية.
أخيراً نقول إن روسيا تعيش في حالة من الضعف الشديد، ولا يمكن التعويل عليها كثيراً خاصة في ظل تراجع نفوذها الدولي، نتيجة لتواضع قدراتها حسب المقاييس الدولية، وإن كان الضعف الداخلي هو المحدد الأساسي لهذا الدور المتواضع الذي يمكن للعالم العربي والإسلامي أن يتعلم منه. فالتعويل على دور فاعل لروسيا في المنطقة أمر مبالغ فيه من حيث الاعتماد على قوة روسيا التي لا تساعدها على القيام به.
::/fulltext::
::cck::1863::/cck::
