تزاحم الشرعيات في المجتمعات العربية
::cck::1887::/cck::
::introtext::
تختلف شرعية النظام السياسي، أي نظام سياسي، باختلاف السياقات السياسية والثقافية والاجتماعية ولربما الاقتصادية التي يكون النظام جزءاً منها. ووفق هذا أو ذاك تسود في المجتمع، أي مجتمع كان، قيم أو محكات معينة للشرعية.
تسود في بعض هذه المجتمعات محكات تقليدية مقابل مجتمعات أخرى تسود فيها المحكات الحداثية أو الحديثة للشرعية.
::/introtext::
::fulltext::
تختلف شرعية النظام السياسي، أي نظام سياسي، باختلاف السياقات السياسية والثقافية والاجتماعية ولربما الاقتصادية التي يكون النظام جزءاً منها. ووفق هذا أو ذاك تسود في المجتمع، أي مجتمع كان، قيم أو محكات معينة للشرعية.
تسود في بعض هذه المجتمعات محكات تقليدية مقابل مجتمعات أخرى تسود فيها المحكات الحداثية أو الحديثة للشرعية.
وقد تأخذ بعض النظم السياسية بقليل من هذا وكثير من ذاك، أي كثير من التقليدية وقليل من الحداثوية. والعكس صحيح، أي أن يأخذ النظام بالكثير من المحكات الحداثية أو الحديثة مقابل قليل من المحكات التقليدية. وتعكس حالة الشرعية هذه طبيعة العلاقة القائمة بين الدولة والمجتمع أو مع قطاع /قطاعات منه. واختلاف الحكم مع المجتمع أو مع أحد قطاعاته لا يسقط عن النظام شرعيته، كما لا يسقط عن هؤلاء حق الانتماء والمواطنية. كما أن قبول قطاع من المجتمع بالحكم لا يخرجه من مأزق الشرعية. بمعنى أن اختلاف المجتمع أو جزء منه مع الدولة لا يعطي الدولة حق مصادرة الآخر المختلف أو الإجهاز عليه أو تعريض مصالحه للضرر أو حقوقه للنقصان أو التلاشي.
وبشكل عام تتسم هذه المحكات والمعايير بقدر من المرونة وبالتالي القدرة على التطور والتغيير. فعلى الرغم من أن النظام السياسي الأوروبي في جله قائم على الشرعية الحداثية القائمة على ما تحكم به نتائج صناديق الاقتراع، فإن من يجيء عن طريق صناديق الاقتراع قد يتم إسقاطه إذا ما فشل الحزب أو الفرد المنتخب في تقديم الخدمة الأفضل في أي مجال من مجالات الخدمات الاجتماعية المعروفة للمجتمع، أو إذا ما اعترض عليه قطاع مؤثر في المجتمع. فاعتراض النقابات العمالية البريطانية مثلاً على أداء حزب العمال البريطاني في سبعينات القرن الماضي أسقط الحكومة العمالية وجاء بأخرى محافظة، كما أن اعتراض هذه النقابات ودخولها بعد ذلك في صراع مع حكومة المحافظين في ثمانينات القرن الماضي قويا من الحزب الحاكم وقضيا على ما تبقى من قوة للنقابات العمالية البريطانية وغيرا من ميزان القوة الداخلية لمصلحة فئات وجماعات جديدة أصبحت أكثر تأثيراً في الحكم، وبالتالي في إعطاء النظام درجة من الشرعية تفوق في ذلك الجماعات العمالية البريطانية. إلا أن اعتراض سكان الضواحي الفقيرة من باريس على فوز ساركوزي في الانتخابات الأخيرة لم يسقط عنه شرعية هذا الفوز. كما لم يسقط عن هؤلاء حق المواطنة، الأمر الذي دفعه بعد ذلك للقول رغم هذا الاعتراض إنه قد جاء ليمثل كل الفرنسيين وليس جزءاً منهم.
من ناحية أخرى فإن هذه الشرعيات أو الأخذ بها تحدد درجة تطور مؤسسة الدولة وقدرتها أو قدرة من يسود فيها على بناء الدولة الحديثة أو ابتداع الجديد الشرعي في تحقيق مسألة الاستقرار السياسي وحالة التوافق مع المجتمع. وتتصارع هذه المحكات وفقاً لجدلية الصراع القائم بين الدولة والمجتمع وقدرة أطرافه المختلفة على الوصول دائماً لمنطقة وسطى في العلاقة. فمحاولة نفي أي منهما الآخر لا تحل معضلة الشرعية ولا تجسر الفجوة القائمة بينهما. وكما أشرنا آنفاً من أن محكات الشرعية ليست هي بالسرمديات الأبدية اللا متغيرة أو غير القابلة للتغيير أو التبدل. فالشرعية الدينية أو الوراثية وهما من عناصر الشرعيات التقليدية شكلتا في السابق شرعية كل الأنظمة العربية. إلا أن تبدل الأحوال والظروف لم يعد يعطيهما الثقل ذاته في المجتمعات المعاصرة أو لم يعد كافياً لتجاوز مأزق الشرعية القائم. وإذا ما كانت الشرعية الثورية التي جاءت وأعطت أغلب الجمهوريات العربية المعاصرة قدراً كبيراً من الشرعية في السابق، فإن الأخذ بها لم يعد وحده يعطي هذه الأنظمة الثقل ذاته من الشرعية السياسية السابقة.
فلا الصراع مع الغرب والثورة عليه قد حققا للشعوب العربية درجة من التطور الاقتصادي والسياسي، ولا برامج التنمية المقامة فيها انتشلت شعوبها من الفقر والجهل رغم دخول بعضها في سباق الحداثة في وقت مبكر قبل أن تبدأ به الكثير من مجتمعات العالم الثالث كالصين وكوريا وسنغافورة وجنوب إفريقيا، وقبل قيام الدولة العبرية في فلسطين. وبالمثل فإن أسلمة النظام، أي نظام عربي أو إسلامي، لا تكسب هذا النظام أو ذاك شرعيته إذا ما افتقد قدراً كبيراً من الشرعية السياسية القادمة من صناديق الاقتراع وتساوى أفراده في الحقوق والواجبات. كما أن الأخذ بشرعية صناديق الاقتراع كما هي في الحالة العربية وبالطريقة المطبقة فيها لا يخرج النظام السياسي العربي من مأزق شرعيته.
بل إن ما يسميه بعضهم بـ (الديمقراطيات المحكمة) أو نظام الاقتراع المحكمة نتائجه والمعروفة سلفاً والسائد في الكثير من الدول العربية يزيد من مأزق الشرعية القائم ولا يحل المعضل السياسي والاجتماعي القائم. وبالمثل فإن أسلمة النظام، أي نظام، في الحال الأولى لا تخرج النظام من مأزق شرعيته السياسية، مثل أن ليبرالية بعض الأنظمة ولربما مواقف بعضها المتشددة من توظيف الدين كإيديولوجيا في الحكم، في الحال الثانية، لا تفقد هذه الأنظمة شيئاً من شرعيتها القائمة. فشرعية أي نظام سياسي لا تأتي من الدين وحده وإنما من قدرة الدولة العربية على توظيف أكبر قدر من محكات الشرعيات الحداثية، ليس من أجل أن تتجاوز فيها معضل علاقتها مع المجتمع في الداخل فحسب، وإنما في أن يكون لها قدر من القوة في التعامل مع الخارج. فضعف العلاقة مع المجتمع في الداخل نتيجة لاختلال في حال الشرعية يتبعه ضعف في العلاقة مع قوى الخارج.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1887::/cck::
::introtext::
تختلف شرعية النظام السياسي، أي نظام سياسي، باختلاف السياقات السياسية والثقافية والاجتماعية ولربما الاقتصادية التي يكون النظام جزءاً منها. ووفق هذا أو ذاك تسود في المجتمع، أي مجتمع كان، قيم أو محكات معينة للشرعية.
تسود في بعض هذه المجتمعات محكات تقليدية مقابل مجتمعات أخرى تسود فيها المحكات الحداثية أو الحديثة للشرعية.
::/introtext::
::fulltext::
تختلف شرعية النظام السياسي، أي نظام سياسي، باختلاف السياقات السياسية والثقافية والاجتماعية ولربما الاقتصادية التي يكون النظام جزءاً منها. ووفق هذا أو ذاك تسود في المجتمع، أي مجتمع كان، قيم أو محكات معينة للشرعية.
تسود في بعض هذه المجتمعات محكات تقليدية مقابل مجتمعات أخرى تسود فيها المحكات الحداثية أو الحديثة للشرعية.
وقد تأخذ بعض النظم السياسية بقليل من هذا وكثير من ذاك، أي كثير من التقليدية وقليل من الحداثوية. والعكس صحيح، أي أن يأخذ النظام بالكثير من المحكات الحداثية أو الحديثة مقابل قليل من المحكات التقليدية. وتعكس حالة الشرعية هذه طبيعة العلاقة القائمة بين الدولة والمجتمع أو مع قطاع /قطاعات منه. واختلاف الحكم مع المجتمع أو مع أحد قطاعاته لا يسقط عن النظام شرعيته، كما لا يسقط عن هؤلاء حق الانتماء والمواطنية. كما أن قبول قطاع من المجتمع بالحكم لا يخرجه من مأزق الشرعية. بمعنى أن اختلاف المجتمع أو جزء منه مع الدولة لا يعطي الدولة حق مصادرة الآخر المختلف أو الإجهاز عليه أو تعريض مصالحه للضرر أو حقوقه للنقصان أو التلاشي.
وبشكل عام تتسم هذه المحكات والمعايير بقدر من المرونة وبالتالي القدرة على التطور والتغيير. فعلى الرغم من أن النظام السياسي الأوروبي في جله قائم على الشرعية الحداثية القائمة على ما تحكم به نتائج صناديق الاقتراع، فإن من يجيء عن طريق صناديق الاقتراع قد يتم إسقاطه إذا ما فشل الحزب أو الفرد المنتخب في تقديم الخدمة الأفضل في أي مجال من مجالات الخدمات الاجتماعية المعروفة للمجتمع، أو إذا ما اعترض عليه قطاع مؤثر في المجتمع. فاعتراض النقابات العمالية البريطانية مثلاً على أداء حزب العمال البريطاني في سبعينات القرن الماضي أسقط الحكومة العمالية وجاء بأخرى محافظة، كما أن اعتراض هذه النقابات ودخولها بعد ذلك في صراع مع حكومة المحافظين في ثمانينات القرن الماضي قويا من الحزب الحاكم وقضيا على ما تبقى من قوة للنقابات العمالية البريطانية وغيرا من ميزان القوة الداخلية لمصلحة فئات وجماعات جديدة أصبحت أكثر تأثيراً في الحكم، وبالتالي في إعطاء النظام درجة من الشرعية تفوق في ذلك الجماعات العمالية البريطانية. إلا أن اعتراض سكان الضواحي الفقيرة من باريس على فوز ساركوزي في الانتخابات الأخيرة لم يسقط عنه شرعية هذا الفوز. كما لم يسقط عن هؤلاء حق المواطنة، الأمر الذي دفعه بعد ذلك للقول رغم هذا الاعتراض إنه قد جاء ليمثل كل الفرنسيين وليس جزءاً منهم.
من ناحية أخرى فإن هذه الشرعيات أو الأخذ بها تحدد درجة تطور مؤسسة الدولة وقدرتها أو قدرة من يسود فيها على بناء الدولة الحديثة أو ابتداع الجديد الشرعي في تحقيق مسألة الاستقرار السياسي وحالة التوافق مع المجتمع. وتتصارع هذه المحكات وفقاً لجدلية الصراع القائم بين الدولة والمجتمع وقدرة أطرافه المختلفة على الوصول دائماً لمنطقة وسطى في العلاقة. فمحاولة نفي أي منهما الآخر لا تحل معضلة الشرعية ولا تجسر الفجوة القائمة بينهما. وكما أشرنا آنفاً من أن محكات الشرعية ليست هي بالسرمديات الأبدية اللا متغيرة أو غير القابلة للتغيير أو التبدل. فالشرعية الدينية أو الوراثية وهما من عناصر الشرعيات التقليدية شكلتا في السابق شرعية كل الأنظمة العربية. إلا أن تبدل الأحوال والظروف لم يعد يعطيهما الثقل ذاته في المجتمعات المعاصرة أو لم يعد كافياً لتجاوز مأزق الشرعية القائم. وإذا ما كانت الشرعية الثورية التي جاءت وأعطت أغلب الجمهوريات العربية المعاصرة قدراً كبيراً من الشرعية في السابق، فإن الأخذ بها لم يعد وحده يعطي هذه الأنظمة الثقل ذاته من الشرعية السياسية السابقة.
فلا الصراع مع الغرب والثورة عليه قد حققا للشعوب العربية درجة من التطور الاقتصادي والسياسي، ولا برامج التنمية المقامة فيها انتشلت شعوبها من الفقر والجهل رغم دخول بعضها في سباق الحداثة في وقت مبكر قبل أن تبدأ به الكثير من مجتمعات العالم الثالث كالصين وكوريا وسنغافورة وجنوب إفريقيا، وقبل قيام الدولة العبرية في فلسطين. وبالمثل فإن أسلمة النظام، أي نظام عربي أو إسلامي، لا تكسب هذا النظام أو ذاك شرعيته إذا ما افتقد قدراً كبيراً من الشرعية السياسية القادمة من صناديق الاقتراع وتساوى أفراده في الحقوق والواجبات. كما أن الأخذ بشرعية صناديق الاقتراع كما هي في الحالة العربية وبالطريقة المطبقة فيها لا يخرج النظام السياسي العربي من مأزق شرعيته.
بل إن ما يسميه بعضهم بـ (الديمقراطيات المحكمة) أو نظام الاقتراع المحكمة نتائجه والمعروفة سلفاً والسائد في الكثير من الدول العربية يزيد من مأزق الشرعية القائم ولا يحل المعضل السياسي والاجتماعي القائم. وبالمثل فإن أسلمة النظام، أي نظام، في الحال الأولى لا تخرج النظام من مأزق شرعيته السياسية، مثل أن ليبرالية بعض الأنظمة ولربما مواقف بعضها المتشددة من توظيف الدين كإيديولوجيا في الحكم، في الحال الثانية، لا تفقد هذه الأنظمة شيئاً من شرعيتها القائمة. فشرعية أي نظام سياسي لا تأتي من الدين وحده وإنما من قدرة الدولة العربية على توظيف أكبر قدر من محكات الشرعيات الحداثية، ليس من أجل أن تتجاوز فيها معضل علاقتها مع المجتمع في الداخل فحسب، وإنما في أن يكون لها قدر من القوة في التعامل مع الخارج. فضعف العلاقة مع المجتمع في الداخل نتيجة لاختلال في حال الشرعية يتبعه ضعف في العلاقة مع قوى الخارج.
::/fulltext::
::cck::1887::/cck::
