الأزمة المالية العالمية وأثرها على أزمة الغذاء في وطننا العربي
::cck::1912::/cck::
::introtext::
قبل الأزمة المالية العالمية التي لا تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن بصور متعددة في تأثيراتها الاقتصادية، ومنها أزمة الغذاء، تحدّث الكثير من الباحثين الذين يمكن تسميتهم بالليبراليين عن أهمية وضرورة اندماج العالم العربي في النظم الليبرالية الجديدة المطبقة، من دون محاذير أو توجسات أو النظر في أحكام سلبية متوقعة أو غيرها لما سيسفر عن هذا التوجه الذي سيصب حتماً في نجاح اقتصادنا ومشاريعنا التجارية ودخولنا عالم المعرفة التكنولوجية من أوسع الأبواب.
::/introtext::
::fulltext::
قبل الأزمة المالية العالمية التي لا تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن بصور متعددة في تأثيراتها الاقتصادية، ومنها أزمة الغذاء، تحدّث الكثير من الباحثين الذين يمكن تسميتهم بالليبراليين عن أهمية وضرورة اندماج العالم العربي في النظم الليبرالية الجديدة المطبقة، من دون محاذير أو توجسات أو النظر في أحكام سلبية متوقعة أو غيرها لما سيسفر عن هذا التوجه الذي سيصب حتماً في نجاح اقتصادنا ومشاريعنا التجارية ودخولنا عالم المعرفة التكنولوجية من أوسع الأبواب.
طرحت الأزمة المالية الراهنة أيضاً بجدية مخاطر تطبيقات العولمة على دول وشعوب الأقل نمواً من الدول المتقدمة، لذلك من المهم أن تقوم الدول التي انضمت إلى منظمة التجارة العالمية (الغات) بمراجعة ما تم الاتفاق عليه حتى يمكن تفادي مخاطر أكبر على هذه الدول وشعوبها، لأن الأزمة المالية أعمق من اختزالها في قضية المضاربات وغياب الرقابة التي يمكن تفاديها لإنقاذ الاقتصاد العالمي، كما أن آثارها ستمتد إلى أزمات اقتصادية أخرى ومنها مسألة الغذاء إذا لم تتم مراجعة سياساتنا الاقتصادية في ضوء هذه الأزمة المالية.
والواقع أن هذا الكلام ينم عن توقعات وأحلام وردية تنظر إلى الفكرة نظرة غير مخططة في مسألة الاندماج الكامل في كل النظرات الاقتصادية الرأسمالية ـ وهذا قبل الأزمة ـ لأن هذا الدمج لو كانوا واقعيين حقاً لا يستطيع بصورة سريعة أن يحل أزمات قائمة في بعض السياسات الاقتصادية، أو ينقلها مباشرة إلى ما هو أفضل من دون تعثرات أو هزات كما هو معتاد في هكذا قضايا كبيرة ومهمة. إنما الأمر يخضع لأسس وتطورات وتحولات مملوءة بكل التوقعات وربما يكون الأمر انتكاسة كاملة وليس عافية اقتصادية شافية، لأن القضية أكبر من هذه الرؤية الاختزالية السريعة لمفاهيم وفلسفات معقدة في التطبيق العملي، فالاقتصاد يعتبر امتداداً للفكرة الثقافية وتراكم الممارسة الفعلية، ويخضع للبيئة والظروف والتركيبة الفكرية وهوية المجتمع، كما أن (تبيئة) الأفكار والنظم من خارج السياق الفكري والثقافي تحتاج إلى فرز وانتقاء وعملية نهوض مصاحبة لهذا التوجه. فطريق النهوض الحضاري الذي ترتجيه الأمة يحدد مسارات لا بد من السير فيها، فإنه أيضاً يفرض علينا الدعوة الجادة إلى إيجاد رؤية تخطيطية واعية، ترتكز على الاختيار الإيجابي للعناصر الشابة المؤهلة القادرة على استيعاب أسباب النهوض المرتجى، لأن أي نهضة مرجوة، لا تضع في اعتبارها الإنسان باعتباره محور النهضة وقائدها، ستجعلنا نجد أنفسنا مجرد مقلدين ومستهلكين إنجازات الآخرين، وتظل مجتمعاتنا في مكانها لا تتقدم إلى الإمام، ولا تحقق إبداعاً يرفع عن كاهل أمتنا واقعها المتخلف وتراجعها في كل الميادين المتعددة لا سيما أزمة الغذاء التي تحتاج إلى مراجعة شاملة في بلداننا العربية.
كما أن الصدمات الاقتصادية والاجتماعية ـ كما يقول د. سالم النجفي ـ التي واجهتها أوضاع التفكك العربي، وما آلت إليه البلدان العربية من تراجع في العديد من مؤشرات القدرات الأساسية لأفراد المجتمع، لا تقتضي أن تضاف إليها صدمات أخرى، مثل انعدام الأمن الغذائي، الذي تظهر بوادره في مناطق مختلفة من الوطن العربي، إنما يتطلب الأمر التخفيف من آثارها بالقدر الذي تسمح به أوضاع الموارد، وإعادة توزيع عوائدها بصورة تؤدي إلى تقليص فاعلية المتغيرات المؤدية إلى الجوع، لا سيما أن أسعار الغذاء (الحبوب) العالمية آخذةً في التزايد المتسارع منذ مطلع الألفية الثالثة، وذلك لأسباب خارجية، في مقدمتها تزايد أسعار الطاقة، وتنظيمات الأسواق العالمية للحبوب باتجاه احتكار القلة، وتوسيع أساليب الهيمنة والحصار الاقتصادي على البلدان التي وصفتها الرأسمالية بالدول المارقة.
كما أن مسارات الإصلاح الاقتصادي، أياً كان مصدرها ومتضمناتها، لا يمكن أن تتحقق في بيئة يكتنف مؤشراتها الرئيسية الفساد والتشوهات في المنظومة القيمية الأخلاقية، والاختلالات في أسواق مواردها وناتجها السلعي، والإفراط في منظورها القطري (المحلي). ولذلك، فإن اعتماد سياسات تستهدف تحقيق أمن غذائي، يستدعي وضع برامج بعيدة الأمد لإعادة تكوين القدرات الأساسية لأفراد المجتمع، ولا سيما في ما يخص التنمية البشرية والإنسانية، ومكافحة الفساد والاستبداد، والسعي نحو نظام الحكم الصالح في العديد من البلدان العربية، وإشاعة أجواء من الحرية الحقيقية التي تقود إلى ديمقراطية أفراد المجتمع، وليس النخب المجتمعية، الأمر الذي يكّون في مجمله بيئة تمكن السياسات من أداء مهماتها بفاعلية مرضية في تحقيق أهدافها في مجالات الأمن الغذائي.
ومن الضروري والمهم أن تحقيق التنمية الزراعية المستدامة -كما يشير الباحث الاقتصادي د. محمود الأشرم- واستدامة تأمين الغذاء للملايين من سكان الدول النامية والعربية في العقود الثلاثة الأول من القرن الحادي والعشرين (أكثر من 4/5 سكان العالم)، لن يتم إلا بزيادة الإنتاج من خلال زيادة الغلال في وحدة المساحة. وهذا لن يتم أيضاً إلا من خلال تطوير البحوث الزراعية، التي قطعت بها الدول المتطورة شوطاً كبيراً، وحققت بنتائجها ليس أمنها الغذائي فقط بل أمن الكثير من الدول النامية الأخرى، في حين لم تستطع معظم الدول النامية ولا الدول العربية أن تساير الدول المتطورة في حجم بحوثها الزراعية والفوائد الناتجة عنها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1912::/cck::
::introtext::
قبل الأزمة المالية العالمية التي لا تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن بصور متعددة في تأثيراتها الاقتصادية، ومنها أزمة الغذاء، تحدّث الكثير من الباحثين الذين يمكن تسميتهم بالليبراليين عن أهمية وضرورة اندماج العالم العربي في النظم الليبرالية الجديدة المطبقة، من دون محاذير أو توجسات أو النظر في أحكام سلبية متوقعة أو غيرها لما سيسفر عن هذا التوجه الذي سيصب حتماً في نجاح اقتصادنا ومشاريعنا التجارية ودخولنا عالم المعرفة التكنولوجية من أوسع الأبواب.
::/introtext::
::fulltext::
قبل الأزمة المالية العالمية التي لا تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن بصور متعددة في تأثيراتها الاقتصادية، ومنها أزمة الغذاء، تحدّث الكثير من الباحثين الذين يمكن تسميتهم بالليبراليين عن أهمية وضرورة اندماج العالم العربي في النظم الليبرالية الجديدة المطبقة، من دون محاذير أو توجسات أو النظر في أحكام سلبية متوقعة أو غيرها لما سيسفر عن هذا التوجه الذي سيصب حتماً في نجاح اقتصادنا ومشاريعنا التجارية ودخولنا عالم المعرفة التكنولوجية من أوسع الأبواب.
طرحت الأزمة المالية الراهنة أيضاً بجدية مخاطر تطبيقات العولمة على دول وشعوب الأقل نمواً من الدول المتقدمة، لذلك من المهم أن تقوم الدول التي انضمت إلى منظمة التجارة العالمية (الغات) بمراجعة ما تم الاتفاق عليه حتى يمكن تفادي مخاطر أكبر على هذه الدول وشعوبها، لأن الأزمة المالية أعمق من اختزالها في قضية المضاربات وغياب الرقابة التي يمكن تفاديها لإنقاذ الاقتصاد العالمي، كما أن آثارها ستمتد إلى أزمات اقتصادية أخرى ومنها مسألة الغذاء إذا لم تتم مراجعة سياساتنا الاقتصادية في ضوء هذه الأزمة المالية.
والواقع أن هذا الكلام ينم عن توقعات وأحلام وردية تنظر إلى الفكرة نظرة غير مخططة في مسألة الاندماج الكامل في كل النظرات الاقتصادية الرأسمالية ـ وهذا قبل الأزمة ـ لأن هذا الدمج لو كانوا واقعيين حقاً لا يستطيع بصورة سريعة أن يحل أزمات قائمة في بعض السياسات الاقتصادية، أو ينقلها مباشرة إلى ما هو أفضل من دون تعثرات أو هزات كما هو معتاد في هكذا قضايا كبيرة ومهمة. إنما الأمر يخضع لأسس وتطورات وتحولات مملوءة بكل التوقعات وربما يكون الأمر انتكاسة كاملة وليس عافية اقتصادية شافية، لأن القضية أكبر من هذه الرؤية الاختزالية السريعة لمفاهيم وفلسفات معقدة في التطبيق العملي، فالاقتصاد يعتبر امتداداً للفكرة الثقافية وتراكم الممارسة الفعلية، ويخضع للبيئة والظروف والتركيبة الفكرية وهوية المجتمع، كما أن (تبيئة) الأفكار والنظم من خارج السياق الفكري والثقافي تحتاج إلى فرز وانتقاء وعملية نهوض مصاحبة لهذا التوجه. فطريق النهوض الحضاري الذي ترتجيه الأمة يحدد مسارات لا بد من السير فيها، فإنه أيضاً يفرض علينا الدعوة الجادة إلى إيجاد رؤية تخطيطية واعية، ترتكز على الاختيار الإيجابي للعناصر الشابة المؤهلة القادرة على استيعاب أسباب النهوض المرتجى، لأن أي نهضة مرجوة، لا تضع في اعتبارها الإنسان باعتباره محور النهضة وقائدها، ستجعلنا نجد أنفسنا مجرد مقلدين ومستهلكين إنجازات الآخرين، وتظل مجتمعاتنا في مكانها لا تتقدم إلى الإمام، ولا تحقق إبداعاً يرفع عن كاهل أمتنا واقعها المتخلف وتراجعها في كل الميادين المتعددة لا سيما أزمة الغذاء التي تحتاج إلى مراجعة شاملة في بلداننا العربية.
كما أن الصدمات الاقتصادية والاجتماعية ـ كما يقول د. سالم النجفي ـ التي واجهتها أوضاع التفكك العربي، وما آلت إليه البلدان العربية من تراجع في العديد من مؤشرات القدرات الأساسية لأفراد المجتمع، لا تقتضي أن تضاف إليها صدمات أخرى، مثل انعدام الأمن الغذائي، الذي تظهر بوادره في مناطق مختلفة من الوطن العربي، إنما يتطلب الأمر التخفيف من آثارها بالقدر الذي تسمح به أوضاع الموارد، وإعادة توزيع عوائدها بصورة تؤدي إلى تقليص فاعلية المتغيرات المؤدية إلى الجوع، لا سيما أن أسعار الغذاء (الحبوب) العالمية آخذةً في التزايد المتسارع منذ مطلع الألفية الثالثة، وذلك لأسباب خارجية، في مقدمتها تزايد أسعار الطاقة، وتنظيمات الأسواق العالمية للحبوب باتجاه احتكار القلة، وتوسيع أساليب الهيمنة والحصار الاقتصادي على البلدان التي وصفتها الرأسمالية بالدول المارقة.
كما أن مسارات الإصلاح الاقتصادي، أياً كان مصدرها ومتضمناتها، لا يمكن أن تتحقق في بيئة يكتنف مؤشراتها الرئيسية الفساد والتشوهات في المنظومة القيمية الأخلاقية، والاختلالات في أسواق مواردها وناتجها السلعي، والإفراط في منظورها القطري (المحلي). ولذلك، فإن اعتماد سياسات تستهدف تحقيق أمن غذائي، يستدعي وضع برامج بعيدة الأمد لإعادة تكوين القدرات الأساسية لأفراد المجتمع، ولا سيما في ما يخص التنمية البشرية والإنسانية، ومكافحة الفساد والاستبداد، والسعي نحو نظام الحكم الصالح في العديد من البلدان العربية، وإشاعة أجواء من الحرية الحقيقية التي تقود إلى ديمقراطية أفراد المجتمع، وليس النخب المجتمعية، الأمر الذي يكّون في مجمله بيئة تمكن السياسات من أداء مهماتها بفاعلية مرضية في تحقيق أهدافها في مجالات الأمن الغذائي.
ومن الضروري والمهم أن تحقيق التنمية الزراعية المستدامة -كما يشير الباحث الاقتصادي د. محمود الأشرم- واستدامة تأمين الغذاء للملايين من سكان الدول النامية والعربية في العقود الثلاثة الأول من القرن الحادي والعشرين (أكثر من 4/5 سكان العالم)، لن يتم إلا بزيادة الإنتاج من خلال زيادة الغلال في وحدة المساحة. وهذا لن يتم أيضاً إلا من خلال تطوير البحوث الزراعية، التي قطعت بها الدول المتطورة شوطاً كبيراً، وحققت بنتائجها ليس أمنها الغذائي فقط بل أمن الكثير من الدول النامية الأخرى، في حين لم تستطع معظم الدول النامية ولا الدول العربية أن تساير الدول المتطورة في حجم بحوثها الزراعية والفوائد الناتجة عنها.
::/fulltext::
::cck::1912::/cck::
