زيادة الطلب على النفط: الاتجاهات والتوقعات على المدى الطويل

::cck::1920::/cck::
::introtext::

لا يعتبر النفط مجرد سلعة اقتصادية عادية تخضع لظروف العرض والطلب التقليدية فقط، وإنما هو سلعة استراتيجية تحكمها أبعاد اقتصادية وسياسية وأمنية باتت تؤثر بشكل ملموس في مختلف الأطراف الفاعلة في السوق النفطي، سواء الدول المنتجة له والتي تعتمد على عوائده بصفة أساسية لإنجاز برامجها التنموية أو الدول الصناعية المستهلكة والتي أصبحت السيطرة على النفط وضمان وصوله إليها هما هدفها الرئيسي، باعتباره يمثل المصدر الرئيسي للطاقة وأحد أهم جوانب الأمن القومي لمختلف الدول. 

::/introtext::
::fulltext::

لا يعتبر النفط مجرد سلعة اقتصادية عادية تخضع لظروف العرض والطلب التقليدية فقط، وإنما هو سلعة استراتيجية تحكمها أبعاد اقتصادية وسياسية وأمنية باتت تؤثر بشكل ملموس في مختلف الأطراف الفاعلة في السوق النفطي، سواء الدول المنتجة له والتي تعتمد على عوائده بصفة أساسية لإنجاز برامجها التنموية أو الدول الصناعية المستهلكة والتي أصبحت السيطرة على النفط وضمان وصوله إليها هما هدفها الرئيسي، باعتباره يمثل المصدر الرئيسي للطاقة وأحد أهم جوانب الأمن القومي لمختلف الدول.

لقد فرضت التطورات العالمية المتسارعة على صعيد الوصول إلى مصادر الطاقة وضمان إمدادات منتظمة منها، تبديد الأوهام حول محدودية تأثير النفط في كافة مفاصل الاقتصاد العالمي، في ظل ما يشهده العالم من تعطش متزايد للطاقة، وتزايد الاعتماد على مصادر الطاقة الناضبة، وارتفاع تكلفة استكشافها والتنقيب عنها، وتضارب التوقعات المتصلة بالإنتاج والاستهلاك، بالإضافة إلى الوضع الدولي الذي يشهد استمرار أسباب عدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية بفعل الأزمات الراهنة.

وأظهرت موجة ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية خلال السنوات الأربع الماضية شكلاً من التنافسية بين العرض والطلب العالمي على النفط، يتضح في سعي الدول المستهلكة إلى تأمين إمداداتها من مصادر الطاقة لمواجهة احتياجاتها المتزايدة نتيجة للنمو الاقتصادي الكبير والتكاثر السكاني المطرد والتوسع في استخدام الطاقة، وتحرك الدول المنتجة والمصدرة للنفط إلى تلبية احتياجات الدول المستهلكة من الطاقة واستغلال ارتفاع الأسعار لمعالجة العجز في ميزانياتها العامة، وتوظيف هذه العائدات في تطوير القاعدة الاقتصادية بشكل عام، والمنشآت النفطية بشكل خاص. وقد شكّل ارتفاع أسعار النفط دافعاً للعديد من الدول للتحرك والدخول إلى حلبة المنافسة في الأسواق النفطية، تدعمها الدول المستهلكة التي تحاول إيجاد مسارات جديدة في مصادر الطاقة تتخطى دول الخليج، ومنها دول بحر قزوين التي ركزت عليها الدول الغربية كثيراً من خلال مد خطوط أنابيب لكي ينساب نفط بحر قزوينإلى دول مجاورة لنقله إلى الأسواق العالمية.

مستوى الأسعار الحالي لا يعكس التحديات الجيو-سياسية فقط بل يعكس أيضاً اختناقات الطاقة الإنتاجية الفائضة للنفط الخام

مستقبل سوق النفط العالمي

يوضح التقرير الصادر عن مجموعة مراقبة الطاقة (Energy Watch Group)خلال شهر أكتوبر من العام الماضي، أن إنتاج النفط العالمي بلغ ذروته في عام 2006، وأن الإنتاج سيتناقص بمقدار 7 في المائة سنوياً ليصل إلى 58 مليون برميل يومياً عام 2020م، وصولاً إلى 39 مليوناً عام 2030م. ورغم أن التوقعات السابقة تتعارض مع توقعات وكالة الطاقة الدولية، التي تقدر الإنتاج العالمي من النفط بنحو 105 ملايين برميل يومياً عام 2020، وسيرتفع إلى 116 مليون برميل عام 2030م، إلا أن معظم الآراء ترجح أن تتمكن الدول المنتجة للنفط من مواجهة الطلب،

شكل ارتفاع أسعار النفط دافعاً للعديد من الدول للتحرك والدخول إلى حلبة المنافسة في الأسواق النفطية

ولكن من دون النجاح في تحقيق فائض في الطاقة يفوق الاحتياج الفعلي الذي قد يصل إلى 92 مليون برميل يومياً بحلول 2010، سيرتفع بعد ذلك إلى نحو 100 مليون برميل بحلول عام 2015، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى استمرار حالة القلق في أسواق النفط العالمية لسنوات عديدة، وأيضاً استمرار ارتفاع الأسعار، ومن ثم تشير أغلب التوقعات إلى أن أسعار النفط سوف تستمر في الارتفاع خلال المستقبل لعوامل عدة أهمها:

أولاً: هناك فجوة متنامية ما بين الاستهلاك العالمي المتزايد من النفط وقدرات المنتجين على تلبية الطلب، في الوقت الذي تنتج فيه أقطار (أوبك) بكامل طاقتها؛ إذ إن غالبية الدول النفطية الكبرى تقف على قمة مقدرتها الإنتاجية حالياً، ما يجعل السبيل الوحيد لرفع الإنتاج العالمي إلى مستويات أعلى هو اكتشاف حقول نفطية جديدة، إذ إن مستوى الأسعار الحالي لا يعكس التحديات الجيو-سياسية فقط، بل يعكس أيضاً اختناقات الطاقة الإنتاجية الفائضة للنفط الخام، والتي لا تتعدى مليوني برميل في الوقت الراهن تمتلك المملكة العربية السعودية غالبيتها.

ثانياً: يعد نمط استهلاك النفط في الولايات المتحدة، التي تستهلك نحو 25 في المائة من إجمالي الاستهلاك العالمي، أحد الأسباب الرئيسية لأزمة النفط الحالية، حيث إن معدل استهلاك الفرد الأمريكي يبلغ 27 برميلاً سنوياً، بينما لا يتجاوز هذا الرقم 1.2 في الصين، و1.1 برميل في الهند، وبالنسبة إلى البنزين، فإن الفرد الأمريكي يستهلك حوالي 3 جالونات يومياً مقارنة بـ1.2 في بريطانيا، 0.8 في روسيا، 0.5 في البرازيل، 0.2 في الصين، و0.1 في كل من الهند وبلد نفطي كبير مثل نيجيريا.

ثالثاً: نقص إنتاج المصافي العالمية وقلة الاستثمارات التي تنفقها الشركات النفطية لبناء مصاف جديدة لمواجهة الطلب على المنتجات المكررة، فمنذ عقود توقف بناء مصاف جديدة في الدول الصناعية الغربية واليابان، وكان السبب الأساسي وراء ذلك هي توفر فائض من الطاقة التكريرية، بيد أنه بعد فترة ومع تقلص الفائض هيمنت القوانين والتشريعات البيئية التي جمّدت تشييد مصاف جديدة ذات مواصفات عالمية تستطيع أن تعالج النفوط الجديدة، وبالذات الثقيلة منها وذات الحموضة العالية التي تتطلب وحدات خاصة لمعالجتها لتكييفها مع قوانين البيئة الجديدة.

دول الخليج واستقرار سوق النفط العالمي

تتضح أهمية منطقة الخليج بالنسبة لسوق النفط العالمي مما لديها من احتياطيات ضخمة ومؤكدة سهلة الاكتشاف ومنخفضة التكاليف مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم، حيث تقدر احتياطيات دول الخليج من النفط بنحو 467.3 مليار برميل، أي حوالي 45.1 في المائة من إجمالي الاحتياطي العالمي، كما يلبي إنتاجها نحو 25 في المائة من الطلب العالمي على النفط. وفي المقابل نجد أن الاحتياطيات الموجودة خارج المنطقة ضئيلة إلى حد بعيد، كما أن الموقع الجغرافي المتميز لدول الخليج الذي يسهّل من عمليات النقل بأدنى تكاليف ممكنة، بالإضافة إلى الجدوى الاقتصادية العالية لاستخراج النفط في دول الخليج العربية، بحيث يمكنها مواصلة الإنتاج من دون توقف وفي مختلف الظروف مقارنة بالمناطق الأخرى في روسيا والقوقاز وبحر الشمال والتي تبحث عن النفط في المياه العميقة، وفي ظل تكوّن طبقات الجليد في فصل الشتاء، والمسافات الشاسعة لنقل النفط، ويلاحظ أن استخراج برميل واحد من النفط من الآبار والحقول النفطية في منطقة بحر قزوين يتجاوز 10 دولارات، في حين أن تكلفة استخراج برميل النفط في المملكة العربية السعودية لا تتجاوز دولارين إن لم تكن أقل من ذلك.

وتشير التوقعات إلى أن دول الخليج العربية ومعها إيران وفنزويلا ستمسك بمفاتيح الإمدادات النفطية العالمية بحلول 2020م، حيث تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن هناك ست دول داخل (أوبك) ستكون لها القدرة على توسيع وتنمية طاقاتها الإنتاجية بحيث ترتفع إلى نحو 34 مليون برميل عام 2010 ونحو 47 مليون برميل عام 2020، وهذه الدول هي (السعودية، الإمارات، الكويت، العراق، إيران، فنزويلا). ومن جهة ثانية تشير التوقعات إلى ارتفاع صافي العجز في الدول المستهلكة مع الوقت، مما يؤدي إلى اتساع فجوة الاستيراد في الوقت الذي يزداد فيه تركز الإنتاج وخاصة في دول الخليج العربية، ووفقاً لتقديرات الخبراء سيصل العجز في الولايات المتحدة عام 2010 إلى حوالي 14 مليون برميل يومياً و16 مليون برميل في عام 2020، وأن يصل العجز في أوروبا الغربية إلى نحو 12 مليون برميل يومياً في عام 2010، سيرتفع إلى أكثر من 15 مليوناً عام 2020، وأن يصل العجز في بقية دول العالم في 2010 إلى نحو 20.6 مليون برميل يومياً، ليرتفع في 2020 إلى 29 مليون برميل يومياً.

السبيل الوحيد لرفع الإنتاج العالمي إلى مستويات أعلى هو اكتشاف حقول نفطية جديدة

دول الخليج ومستقبل إمدادات الطاقة في العالم

رغم أن تطور الموارد النفطية في أماكن عديدة من العالم، مثل بحر قزوين وغرب إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، قد يغير من شكل صورة إمدادات الطاقة في العالم، إلا أنه لن يخفض من الأهمية الإجمالية لمنطقة الخليج على المدى المتوسط، وستظل منطقة الخليج تحتل موقع الهيمنة في عالم تجارة الطاقة برغم النمو المتواصل والثابت في الاحتياطيات المؤكدة في سائر أنحاء العالم، لكن أنماط الاستيراد سوف تتغير بشكل ملحوظ على مدى العقد المقبل، إذ يتوقع معظم المحللين أن يستمر الطلب الآسيوي على الطاقة في التزايد بشكل كبير للغاية، وخاصة في الصين والهند، إلى أن تحل هذه الدول في يوم من الأيام محل أمريكا الشمالية كمستهلك رئيسي للطاقة في العالم. فتصاعد الطلب الآسيوي على الطاقة يتوقع له أن يشكل معظم الزيادة العالمية التي ستحصل في الطلب على النفط، ومعظم هذا الطلب الآسيوي الجديد ستتم تلبيته من خلال الاستيراد من منطقة الخليج العربي، وبدرجة أقل من إفريقيا وروسيا وبحر قزوين.

وفي النهاية لا يبقى إلا أن نؤكد على أهمية استفادة دول الخليج من الارتفاع الحالي للأسعار بتوجيه عوائدها النفطية نحو تنمية القطاعات الاقتصادية المختلفة، وتنويع القاعدة الاقتصادية فيها بهدف تقليل الاعتماد على النفط كمصدر للدخل القومي من أجل تفادي الصدمات التي قد تحدث نتيجة للتقلبات الشديدة في الأسعار في ضوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية غير المستقرة في العالم، وعلى هذه الدول مواصلة الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت بها وتحسين مناخ الاستثمار فيها لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتهيئة المناخ لعودة رؤوس الأموال الخليجية المهاجرة والتي تتجاوز تريليون دولار، بما يدعم برامج التنمية في هذه البلدان ويرفع من قدرتها على مواجهة أية أزمات خارجية. كما تبقى مصلحة دول الخليج في استمرار التعاون مع بقية الدول المنتجة للنفط من داخل (أوبك) وخارجها، بالشكل الذي يحفظ الاستقرار في السوق الدولي للنفط من خلال الحرص على التزام الدول الأعضاء في (أوبك) بالحصص الإنتاجية المتفق عليها، ومواصلة التنسيق فيما بينها استمراراً للمسيرة الناجحة للمنظمة على أن يتم تدخلها بمرونة كبيرة في تصحيح أوضاع السوق، فضلاً عن استمرار التنسيق بين (أوبك) والدول المنتجة من خارجها وخاصة روسيا ودول بحر قزوين وغيرها من الدول الإفريقية من أجل الحفاظ على أسعار النفط في حدود عادلة بما يضمن تحقيق عوائد مالية مناسبة للبرامج التنموية للدول المنتجة والمصدّرة وبما لا يضر بنمو الاقتصاد العالمي.

::/fulltext::

araa43_25-d0b
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1920::/cck::
::introtext::

لا يعتبر النفط مجرد سلعة اقتصادية عادية تخضع لظروف العرض والطلب التقليدية فقط، وإنما هو سلعة استراتيجية تحكمها أبعاد اقتصادية وسياسية وأمنية باتت تؤثر بشكل ملموس في مختلف الأطراف الفاعلة في السوق النفطي، سواء الدول المنتجة له والتي تعتمد على عوائده بصفة أساسية لإنجاز برامجها التنموية أو الدول الصناعية المستهلكة والتي أصبحت السيطرة على النفط وضمان وصوله إليها هما هدفها الرئيسي، باعتباره يمثل المصدر الرئيسي للطاقة وأحد أهم جوانب الأمن القومي لمختلف الدول. 

::/introtext::
::fulltext::

لا يعتبر النفط مجرد سلعة اقتصادية عادية تخضع لظروف العرض والطلب التقليدية فقط، وإنما هو سلعة استراتيجية تحكمها أبعاد اقتصادية وسياسية وأمنية باتت تؤثر بشكل ملموس في مختلف الأطراف الفاعلة في السوق النفطي، سواء الدول المنتجة له والتي تعتمد على عوائده بصفة أساسية لإنجاز برامجها التنموية أو الدول الصناعية المستهلكة والتي أصبحت السيطرة على النفط وضمان وصوله إليها هما هدفها الرئيسي، باعتباره يمثل المصدر الرئيسي للطاقة وأحد أهم جوانب الأمن القومي لمختلف الدول.

لقد فرضت التطورات العالمية المتسارعة على صعيد الوصول إلى مصادر الطاقة وضمان إمدادات منتظمة منها، تبديد الأوهام حول محدودية تأثير النفط في كافة مفاصل الاقتصاد العالمي، في ظل ما يشهده العالم من تعطش متزايد للطاقة، وتزايد الاعتماد على مصادر الطاقة الناضبة، وارتفاع تكلفة استكشافها والتنقيب عنها، وتضارب التوقعات المتصلة بالإنتاج والاستهلاك، بالإضافة إلى الوضع الدولي الذي يشهد استمرار أسباب عدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية بفعل الأزمات الراهنة.

وأظهرت موجة ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية خلال السنوات الأربع الماضية شكلاً من التنافسية بين العرض والطلب العالمي على النفط، يتضح في سعي الدول المستهلكة إلى تأمين إمداداتها من مصادر الطاقة لمواجهة احتياجاتها المتزايدة نتيجة للنمو الاقتصادي الكبير والتكاثر السكاني المطرد والتوسع في استخدام الطاقة، وتحرك الدول المنتجة والمصدرة للنفط إلى تلبية احتياجات الدول المستهلكة من الطاقة واستغلال ارتفاع الأسعار لمعالجة العجز في ميزانياتها العامة، وتوظيف هذه العائدات في تطوير القاعدة الاقتصادية بشكل عام، والمنشآت النفطية بشكل خاص. وقد شكّل ارتفاع أسعار النفط دافعاً للعديد من الدول للتحرك والدخول إلى حلبة المنافسة في الأسواق النفطية، تدعمها الدول المستهلكة التي تحاول إيجاد مسارات جديدة في مصادر الطاقة تتخطى دول الخليج، ومنها دول بحر قزوين التي ركزت عليها الدول الغربية كثيراً من خلال مد خطوط أنابيب لكي ينساب نفط بحر قزوينإلى دول مجاورة لنقله إلى الأسواق العالمية.

مستوى الأسعار الحالي لا يعكس التحديات الجيو-سياسية فقط بل يعكس أيضاً اختناقات الطاقة الإنتاجية الفائضة للنفط الخام

مستقبل سوق النفط العالمي

يوضح التقرير الصادر عن مجموعة مراقبة الطاقة (Energy Watch Group)خلال شهر أكتوبر من العام الماضي، أن إنتاج النفط العالمي بلغ ذروته في عام 2006، وأن الإنتاج سيتناقص بمقدار 7 في المائة سنوياً ليصل إلى 58 مليون برميل يومياً عام 2020م، وصولاً إلى 39 مليوناً عام 2030م. ورغم أن التوقعات السابقة تتعارض مع توقعات وكالة الطاقة الدولية، التي تقدر الإنتاج العالمي من النفط بنحو 105 ملايين برميل يومياً عام 2020، وسيرتفع إلى 116 مليون برميل عام 2030م، إلا أن معظم الآراء ترجح أن تتمكن الدول المنتجة للنفط من مواجهة الطلب،

شكل ارتفاع أسعار النفط دافعاً للعديد من الدول للتحرك والدخول إلى حلبة المنافسة في الأسواق النفطية

ولكن من دون النجاح في تحقيق فائض في الطاقة يفوق الاحتياج الفعلي الذي قد يصل إلى 92 مليون برميل يومياً بحلول 2010، سيرتفع بعد ذلك إلى نحو 100 مليون برميل بحلول عام 2015، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى استمرار حالة القلق في أسواق النفط العالمية لسنوات عديدة، وأيضاً استمرار ارتفاع الأسعار، ومن ثم تشير أغلب التوقعات إلى أن أسعار النفط سوف تستمر في الارتفاع خلال المستقبل لعوامل عدة أهمها:

أولاً: هناك فجوة متنامية ما بين الاستهلاك العالمي المتزايد من النفط وقدرات المنتجين على تلبية الطلب، في الوقت الذي تنتج فيه أقطار (أوبك) بكامل طاقتها؛ إذ إن غالبية الدول النفطية الكبرى تقف على قمة مقدرتها الإنتاجية حالياً، ما يجعل السبيل الوحيد لرفع الإنتاج العالمي إلى مستويات أعلى هو اكتشاف حقول نفطية جديدة، إذ إن مستوى الأسعار الحالي لا يعكس التحديات الجيو-سياسية فقط، بل يعكس أيضاً اختناقات الطاقة الإنتاجية الفائضة للنفط الخام، والتي لا تتعدى مليوني برميل في الوقت الراهن تمتلك المملكة العربية السعودية غالبيتها.

ثانياً: يعد نمط استهلاك النفط في الولايات المتحدة، التي تستهلك نحو 25 في المائة من إجمالي الاستهلاك العالمي، أحد الأسباب الرئيسية لأزمة النفط الحالية، حيث إن معدل استهلاك الفرد الأمريكي يبلغ 27 برميلاً سنوياً، بينما لا يتجاوز هذا الرقم 1.2 في الصين، و1.1 برميل في الهند، وبالنسبة إلى البنزين، فإن الفرد الأمريكي يستهلك حوالي 3 جالونات يومياً مقارنة بـ1.2 في بريطانيا، 0.8 في روسيا، 0.5 في البرازيل، 0.2 في الصين، و0.1 في كل من الهند وبلد نفطي كبير مثل نيجيريا.

ثالثاً: نقص إنتاج المصافي العالمية وقلة الاستثمارات التي تنفقها الشركات النفطية لبناء مصاف جديدة لمواجهة الطلب على المنتجات المكررة، فمنذ عقود توقف بناء مصاف جديدة في الدول الصناعية الغربية واليابان، وكان السبب الأساسي وراء ذلك هي توفر فائض من الطاقة التكريرية، بيد أنه بعد فترة ومع تقلص الفائض هيمنت القوانين والتشريعات البيئية التي جمّدت تشييد مصاف جديدة ذات مواصفات عالمية تستطيع أن تعالج النفوط الجديدة، وبالذات الثقيلة منها وذات الحموضة العالية التي تتطلب وحدات خاصة لمعالجتها لتكييفها مع قوانين البيئة الجديدة.

دول الخليج واستقرار سوق النفط العالمي

تتضح أهمية منطقة الخليج بالنسبة لسوق النفط العالمي مما لديها من احتياطيات ضخمة ومؤكدة سهلة الاكتشاف ومنخفضة التكاليف مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم، حيث تقدر احتياطيات دول الخليج من النفط بنحو 467.3 مليار برميل، أي حوالي 45.1 في المائة من إجمالي الاحتياطي العالمي، كما يلبي إنتاجها نحو 25 في المائة من الطلب العالمي على النفط. وفي المقابل نجد أن الاحتياطيات الموجودة خارج المنطقة ضئيلة إلى حد بعيد، كما أن الموقع الجغرافي المتميز لدول الخليج الذي يسهّل من عمليات النقل بأدنى تكاليف ممكنة، بالإضافة إلى الجدوى الاقتصادية العالية لاستخراج النفط في دول الخليج العربية، بحيث يمكنها مواصلة الإنتاج من دون توقف وفي مختلف الظروف مقارنة بالمناطق الأخرى في روسيا والقوقاز وبحر الشمال والتي تبحث عن النفط في المياه العميقة، وفي ظل تكوّن طبقات الجليد في فصل الشتاء، والمسافات الشاسعة لنقل النفط، ويلاحظ أن استخراج برميل واحد من النفط من الآبار والحقول النفطية في منطقة بحر قزوين يتجاوز 10 دولارات، في حين أن تكلفة استخراج برميل النفط في المملكة العربية السعودية لا تتجاوز دولارين إن لم تكن أقل من ذلك.

وتشير التوقعات إلى أن دول الخليج العربية ومعها إيران وفنزويلا ستمسك بمفاتيح الإمدادات النفطية العالمية بحلول 2020م، حيث تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن هناك ست دول داخل (أوبك) ستكون لها القدرة على توسيع وتنمية طاقاتها الإنتاجية بحيث ترتفع إلى نحو 34 مليون برميل عام 2010 ونحو 47 مليون برميل عام 2020، وهذه الدول هي (السعودية، الإمارات، الكويت، العراق، إيران، فنزويلا). ومن جهة ثانية تشير التوقعات إلى ارتفاع صافي العجز في الدول المستهلكة مع الوقت، مما يؤدي إلى اتساع فجوة الاستيراد في الوقت الذي يزداد فيه تركز الإنتاج وخاصة في دول الخليج العربية، ووفقاً لتقديرات الخبراء سيصل العجز في الولايات المتحدة عام 2010 إلى حوالي 14 مليون برميل يومياً و16 مليون برميل في عام 2020، وأن يصل العجز في أوروبا الغربية إلى نحو 12 مليون برميل يومياً في عام 2010، سيرتفع إلى أكثر من 15 مليوناً عام 2020، وأن يصل العجز في بقية دول العالم في 2010 إلى نحو 20.6 مليون برميل يومياً، ليرتفع في 2020 إلى 29 مليون برميل يومياً.

السبيل الوحيد لرفع الإنتاج العالمي إلى مستويات أعلى هو اكتشاف حقول نفطية جديدة

دول الخليج ومستقبل إمدادات الطاقة في العالم

رغم أن تطور الموارد النفطية في أماكن عديدة من العالم، مثل بحر قزوين وغرب إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، قد يغير من شكل صورة إمدادات الطاقة في العالم، إلا أنه لن يخفض من الأهمية الإجمالية لمنطقة الخليج على المدى المتوسط، وستظل منطقة الخليج تحتل موقع الهيمنة في عالم تجارة الطاقة برغم النمو المتواصل والثابت في الاحتياطيات المؤكدة في سائر أنحاء العالم، لكن أنماط الاستيراد سوف تتغير بشكل ملحوظ على مدى العقد المقبل، إذ يتوقع معظم المحللين أن يستمر الطلب الآسيوي على الطاقة في التزايد بشكل كبير للغاية، وخاصة في الصين والهند، إلى أن تحل هذه الدول في يوم من الأيام محل أمريكا الشمالية كمستهلك رئيسي للطاقة في العالم. فتصاعد الطلب الآسيوي على الطاقة يتوقع له أن يشكل معظم الزيادة العالمية التي ستحصل في الطلب على النفط، ومعظم هذا الطلب الآسيوي الجديد ستتم تلبيته من خلال الاستيراد من منطقة الخليج العربي، وبدرجة أقل من إفريقيا وروسيا وبحر قزوين.

وفي النهاية لا يبقى إلا أن نؤكد على أهمية استفادة دول الخليج من الارتفاع الحالي للأسعار بتوجيه عوائدها النفطية نحو تنمية القطاعات الاقتصادية المختلفة، وتنويع القاعدة الاقتصادية فيها بهدف تقليل الاعتماد على النفط كمصدر للدخل القومي من أجل تفادي الصدمات التي قد تحدث نتيجة للتقلبات الشديدة في الأسعار في ضوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية غير المستقرة في العالم، وعلى هذه الدول مواصلة الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت بها وتحسين مناخ الاستثمار فيها لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتهيئة المناخ لعودة رؤوس الأموال الخليجية المهاجرة والتي تتجاوز تريليون دولار، بما يدعم برامج التنمية في هذه البلدان ويرفع من قدرتها على مواجهة أية أزمات خارجية. كما تبقى مصلحة دول الخليج في استمرار التعاون مع بقية الدول المنتجة للنفط من داخل (أوبك) وخارجها، بالشكل الذي يحفظ الاستقرار في السوق الدولي للنفط من خلال الحرص على التزام الدول الأعضاء في (أوبك) بالحصص الإنتاجية المتفق عليها، ومواصلة التنسيق فيما بينها استمراراً للمسيرة الناجحة للمنظمة على أن يتم تدخلها بمرونة كبيرة في تصحيح أوضاع السوق، فضلاً عن استمرار التنسيق بين (أوبك) والدول المنتجة من خارجها وخاصة روسيا ودول بحر قزوين وغيرها من الدول الإفريقية من أجل الحفاظ على أسعار النفط في حدود عادلة بما يضمن تحقيق عوائد مالية مناسبة للبرامج التنموية للدول المنتجة والمصدّرة وبما لا يضر بنمو الاقتصاد العالمي.

::/fulltext::
::cck::1920::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *