الفضائيات العربية وسياسة الفوضى البناءة
::cck::1959::/cck::
::introtext::
تقع على الفضائيات مسؤولية أخلاقية كبيرة، لأنها لم تعد ناقلة للخبر، بل صانعة للقيم وموجهة للثقافات وكذلك صانعة للحدث أحياناً. إلا أن شكوكاً كبيرة تدور حول علاقة بعض الفضائيات العربية بسياسة الفوضى البناءة التي ترعاها واشنطن، وهل بالفعل إن بعض هذه الفضائيات تخدم هذه السياسة ولو من دون أن تقصد ذلك.
::/introtext::
::fulltext::
تقع على الفضائيات مسؤولية أخلاقية كبيرة، لأنها لم تعد ناقلة للخبر، بل صانعة للقيم وموجهة للثقافات وكذلك صانعة للحدث أحياناً. إلا أن شكوكاً كبيرة تدور حول علاقة بعض الفضائيات العربية بسياسة الفوضى البناءة التي ترعاها واشنطن، وهل بالفعل إن بعض هذه الفضائيات تخدم هذه السياسة ولو من دون أن تقصد ذلك.
بغض النظر عن حكم القيمة الذي أضفاه ويضفيه المفكرون والسياسيون على الثورة المعلوماتية وخصوصاً الفضائيات، وتعدد المقاربات بشأنها كما فعلوا مع العولمة وقبلها الحداثة، فقد تم تجاوز صدمة مواجهتها لأن هذه الثورة لم تنتظر جواباً من العرب أو غيرهم لتستمر في مفاعيلها متعددة الأبعاد، كما أن العرب لم تكن عندهم أصلاً بدائل، وكانت تساؤلات بعض المفكرين تعكس قلقاً تاريخياً من كل ما يأتي من الغرب. الثورة المعلوماتية ليست سلعة معروضة للبيع لمن يريد أن يشتري فحالها حال العولمة، وقبلها عصر النهضة والحداثة وما بعد الحداثة.. إلخ. الثورة المعلوماتية وتحديداً الفضائيات تشكل تحدياً وليس خياراً، إنها أمر واقع لأنها مرحلة من مراحل التطور الطبيعي للحياة الاقتصادية والعلمية والسياسية التي قادتها ووضعت أسسها الحضارة الغربية منذ عصر النهضة، بما يتضمنه هذا التطور من إيجابيات وسلبيات. إن صيرورتها واقعاً وتحدياً لا تمنع من محاولة توظيفها بما يخدم قضايا الأمة أو على الأقل الحد من سلبياتها على المصالح القومية لدول الجنوب التي أقحمت عليها هذه التقنية.
إن الثورة المعلوماتية، وخصوصاً الفضائيات لم تعد مجرد إنجاز تقني محايد، بل هي جزء من العولمة ومن النظام الدولي الجديد بما يحفل به من صراعات مصالح وإيديولوجيات. ما يشهده العالمان العربي والإسلامي من تصدعات وتفتيت للثوابت والمرتكزات الثقافية والقيمية للأمة غير بعيد عن مفاعيل هذه الثورة المعلوماتية، بل أصبحت بعض الفضائيات أدوات تحريض وفتنة. ولا شك في أن الثورة المعلوماتية بما فيها الفضائيات والإنترنت أسهمت في تطور المعرفة الإنسانية بشكل كبير، إلا أن ما أثار القلق بل الشكوك حول أداء بعض مشتملات الثورة المعلوماتية وخصوصاً الفضائيات، أن انتشارها تزامن مع انهيار المعسكر الاشتراكي، ومحاولة واشنطن تأسيس نظام عالمي جديد سالكة كل الطرق، بدءاً من إعادة سياسة الاستعمار المباشر، ونشر القواعد العسكرية، إلى الهيمنة من خلال سلاح الغذاء والمساعدات، إلى محاولة السيطرة على العقول وتطويع الإيديولوجيات وتشويه القيم والمفاهيم، ومن هنا جاء مصطلح العولمة الثقافية، وكانت الفضائيات والإنترنت إحدى أدوات سياسة التفكيك والتدمير ثم السيطرة والهيمنة على الشعوب.
سيبدو من التبسيط الساذج المخل بأي تحليل علمي القول إن تزامن المسعى الأمريكي للهيمنة على العالم في إطار النظام الدولي الجديد مع انتشار الفضائيات والشبكة العنكبوتية، ومع سياسة (الفوضى البناءة) الأمريكية، كان فعلاً مخططاً ومدروساً، لكن هذا التزامن ومن خلال الواقع المعاش، قد يسمح بالاستنتاج أن واشنطن والغرب استطاعا توظيف الثورة التقانية وخصوصاً الفضائيات بما يخدم تنفيذ سياسة الفوضى البناءة، وأن العديد من الفضائيات العربية خدمت هذه السياسية سواء بحسن نية أو سوئها. فمن حيث المبدأ وبعيداً عن الحديث المسهب عن الحيادية الإعلامية فإنه لا يوجد إعلام محايد مائة في المائة، حتى في أكثر الدول ديمقراطية، ويكفي الرجوع إلى تعامل الإعلام الأمريكي والغربي مع القضية العراقية منذ عام 1990 إلى اليوم. ونعتقد أن الصراع للسيطرة على الفضاء الإعلامي أو التأثير فيه هو امتداد للصراع السياسي، وأن الإعلام الموجه جزء من استراتيجيات الدول لتعبئة وتحريض الجماهير وفرض مكانتها دولياً وللتأثير في مواقف الخصم.
بعد نهاية الحرب الباردة ودخول العالم حقبة جديدة أهم سماتها محاولة واشنطن توجيه الأمور بما يمكنها من السيطرة على العالم، لجأت واشنطن إلى سياسة الفوضى البناءة، وكانت الفضائيات أهم الأدوات لنشر هذه الفوضى وخصوصاً في العالمين العربي والإسلامي، اللذين اعتبرهما الرئيس السابق بوش الابن جزءاً من معسكر الأعداء أو المعسكر المُنتِج والداعم للإرهاب، ولذلك كانت الحاجة لتوظيف فضائيات ذات قدرة على تغطية واسعة، وتنطق باللغة العربية ولديها الإمكانات المالية والتقنية للوصول إلى مواقع الأحداث والدخول إلى كل بيت والتواصل مع كل تنظيم سياسي أو حركة معارضة، فضائيات لا تؤمن بمسلمات أو ثوابت لا وطنية ولا قومية ولا أخلاقية، بل تضع كل شيء محل الشك والتساؤل، وتفتح المجال لكل من هبّ ودبّ ممن يدعون أنهم مجاهدون أو ناطقون باسم حركات إسلامية أو قومية أو اجتماعية، فضائيات بمراسلين ومقدمي برامج مدربين تدريباً عالياً هم أقرب للمحققين الأمنيين منهم للصحفيين أثناء محاورة الضيف، مراسلين يبحثون عن الخبر والمعلومة في كل زقاق ومخيم وكهف وغابة وصالون وفندق.. إلخ، من دون ضوابط أمن وطني أو قومي أو ديني.
فتحت عنوان السبق الصحفي والتطور الإعلامي ومسابقة الغرب في مجال الإعلام ـ وصدَّقنا أن بعض فضائيات العرب قد تفوقت على الفضائيات الأمريكية والأوروبية ـ هيمنت فضائيات على المشهد الإعلامي ومن الإعلام مدت نفوذها للسياسة، فضائيات تقول إنها عملت ثورة في تفكير المواطن العربي وجعلت تحت تصرف هذا المواطن العربي (المسلم الذكي واللماح والمتحضر واسع الثقافة والأفق والمتفرغ لتمحيص كل خبر ومعلومة وصورة) الحقيقة كل الحقيقة، الحقيقة التي تحجبها الفضائيات الأمريكية والأوروبية عن مواطنيها (الجهلة والمتخلفين الذين لا يعرفون مصلحتهم ولا مصلحة بلدهم…)! قد يقول قائل: ولماذا تلجأ واشنطن إلى فضائيات عربية وهي سيدة التكنولوجيا والثورة المعلوماتية ولديها القدرة على إيجاد آلاف الفضائيات؟ الجواب ببساطة أن الفضائيات وكل وسيلة إعلامية تابعة مباشرة لواشنطن وللغرب فقدت مصداقيتها، ودائماً متهمة بأنها منحازة، أما فضائيات تحمل أسماء عربية وبمذيعين ومقدمي برامج عرب وتنطق بالعربية وتتقن التواصل مع الشعوب العربية وإبداء التفاعل مع العواطف والانفعالات والشعارات الكبيرة بل المزايدة على الجماهير الشعبية في هذا السياق، هذه الفضائيات لن تثار حولها الشكوك وإن أثيرت فلدى هذه الفضائيات من المال وجحافل المنتفعين ما يمكنها من تفنيد هذه الشكوك وإرهاب مروجيها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1959::/cck::
::introtext::
تقع على الفضائيات مسؤولية أخلاقية كبيرة، لأنها لم تعد ناقلة للخبر، بل صانعة للقيم وموجهة للثقافات وكذلك صانعة للحدث أحياناً. إلا أن شكوكاً كبيرة تدور حول علاقة بعض الفضائيات العربية بسياسة الفوضى البناءة التي ترعاها واشنطن، وهل بالفعل إن بعض هذه الفضائيات تخدم هذه السياسة ولو من دون أن تقصد ذلك.
::/introtext::
::fulltext::
تقع على الفضائيات مسؤولية أخلاقية كبيرة، لأنها لم تعد ناقلة للخبر، بل صانعة للقيم وموجهة للثقافات وكذلك صانعة للحدث أحياناً. إلا أن شكوكاً كبيرة تدور حول علاقة بعض الفضائيات العربية بسياسة الفوضى البناءة التي ترعاها واشنطن، وهل بالفعل إن بعض هذه الفضائيات تخدم هذه السياسة ولو من دون أن تقصد ذلك.
بغض النظر عن حكم القيمة الذي أضفاه ويضفيه المفكرون والسياسيون على الثورة المعلوماتية وخصوصاً الفضائيات، وتعدد المقاربات بشأنها كما فعلوا مع العولمة وقبلها الحداثة، فقد تم تجاوز صدمة مواجهتها لأن هذه الثورة لم تنتظر جواباً من العرب أو غيرهم لتستمر في مفاعيلها متعددة الأبعاد، كما أن العرب لم تكن عندهم أصلاً بدائل، وكانت تساؤلات بعض المفكرين تعكس قلقاً تاريخياً من كل ما يأتي من الغرب. الثورة المعلوماتية ليست سلعة معروضة للبيع لمن يريد أن يشتري فحالها حال العولمة، وقبلها عصر النهضة والحداثة وما بعد الحداثة.. إلخ. الثورة المعلوماتية وتحديداً الفضائيات تشكل تحدياً وليس خياراً، إنها أمر واقع لأنها مرحلة من مراحل التطور الطبيعي للحياة الاقتصادية والعلمية والسياسية التي قادتها ووضعت أسسها الحضارة الغربية منذ عصر النهضة، بما يتضمنه هذا التطور من إيجابيات وسلبيات. إن صيرورتها واقعاً وتحدياً لا تمنع من محاولة توظيفها بما يخدم قضايا الأمة أو على الأقل الحد من سلبياتها على المصالح القومية لدول الجنوب التي أقحمت عليها هذه التقنية.
إن الثورة المعلوماتية، وخصوصاً الفضائيات لم تعد مجرد إنجاز تقني محايد، بل هي جزء من العولمة ومن النظام الدولي الجديد بما يحفل به من صراعات مصالح وإيديولوجيات. ما يشهده العالمان العربي والإسلامي من تصدعات وتفتيت للثوابت والمرتكزات الثقافية والقيمية للأمة غير بعيد عن مفاعيل هذه الثورة المعلوماتية، بل أصبحت بعض الفضائيات أدوات تحريض وفتنة. ولا شك في أن الثورة المعلوماتية بما فيها الفضائيات والإنترنت أسهمت في تطور المعرفة الإنسانية بشكل كبير، إلا أن ما أثار القلق بل الشكوك حول أداء بعض مشتملات الثورة المعلوماتية وخصوصاً الفضائيات، أن انتشارها تزامن مع انهيار المعسكر الاشتراكي، ومحاولة واشنطن تأسيس نظام عالمي جديد سالكة كل الطرق، بدءاً من إعادة سياسة الاستعمار المباشر، ونشر القواعد العسكرية، إلى الهيمنة من خلال سلاح الغذاء والمساعدات، إلى محاولة السيطرة على العقول وتطويع الإيديولوجيات وتشويه القيم والمفاهيم، ومن هنا جاء مصطلح العولمة الثقافية، وكانت الفضائيات والإنترنت إحدى أدوات سياسة التفكيك والتدمير ثم السيطرة والهيمنة على الشعوب.
سيبدو من التبسيط الساذج المخل بأي تحليل علمي القول إن تزامن المسعى الأمريكي للهيمنة على العالم في إطار النظام الدولي الجديد مع انتشار الفضائيات والشبكة العنكبوتية، ومع سياسة (الفوضى البناءة) الأمريكية، كان فعلاً مخططاً ومدروساً، لكن هذا التزامن ومن خلال الواقع المعاش، قد يسمح بالاستنتاج أن واشنطن والغرب استطاعا توظيف الثورة التقانية وخصوصاً الفضائيات بما يخدم تنفيذ سياسة الفوضى البناءة، وأن العديد من الفضائيات العربية خدمت هذه السياسية سواء بحسن نية أو سوئها. فمن حيث المبدأ وبعيداً عن الحديث المسهب عن الحيادية الإعلامية فإنه لا يوجد إعلام محايد مائة في المائة، حتى في أكثر الدول ديمقراطية، ويكفي الرجوع إلى تعامل الإعلام الأمريكي والغربي مع القضية العراقية منذ عام 1990 إلى اليوم. ونعتقد أن الصراع للسيطرة على الفضاء الإعلامي أو التأثير فيه هو امتداد للصراع السياسي، وأن الإعلام الموجه جزء من استراتيجيات الدول لتعبئة وتحريض الجماهير وفرض مكانتها دولياً وللتأثير في مواقف الخصم.
بعد نهاية الحرب الباردة ودخول العالم حقبة جديدة أهم سماتها محاولة واشنطن توجيه الأمور بما يمكنها من السيطرة على العالم، لجأت واشنطن إلى سياسة الفوضى البناءة، وكانت الفضائيات أهم الأدوات لنشر هذه الفوضى وخصوصاً في العالمين العربي والإسلامي، اللذين اعتبرهما الرئيس السابق بوش الابن جزءاً من معسكر الأعداء أو المعسكر المُنتِج والداعم للإرهاب، ولذلك كانت الحاجة لتوظيف فضائيات ذات قدرة على تغطية واسعة، وتنطق باللغة العربية ولديها الإمكانات المالية والتقنية للوصول إلى مواقع الأحداث والدخول إلى كل بيت والتواصل مع كل تنظيم سياسي أو حركة معارضة، فضائيات لا تؤمن بمسلمات أو ثوابت لا وطنية ولا قومية ولا أخلاقية، بل تضع كل شيء محل الشك والتساؤل، وتفتح المجال لكل من هبّ ودبّ ممن يدعون أنهم مجاهدون أو ناطقون باسم حركات إسلامية أو قومية أو اجتماعية، فضائيات بمراسلين ومقدمي برامج مدربين تدريباً عالياً هم أقرب للمحققين الأمنيين منهم للصحفيين أثناء محاورة الضيف، مراسلين يبحثون عن الخبر والمعلومة في كل زقاق ومخيم وكهف وغابة وصالون وفندق.. إلخ، من دون ضوابط أمن وطني أو قومي أو ديني.
فتحت عنوان السبق الصحفي والتطور الإعلامي ومسابقة الغرب في مجال الإعلام ـ وصدَّقنا أن بعض فضائيات العرب قد تفوقت على الفضائيات الأمريكية والأوروبية ـ هيمنت فضائيات على المشهد الإعلامي ومن الإعلام مدت نفوذها للسياسة، فضائيات تقول إنها عملت ثورة في تفكير المواطن العربي وجعلت تحت تصرف هذا المواطن العربي (المسلم الذكي واللماح والمتحضر واسع الثقافة والأفق والمتفرغ لتمحيص كل خبر ومعلومة وصورة) الحقيقة كل الحقيقة، الحقيقة التي تحجبها الفضائيات الأمريكية والأوروبية عن مواطنيها (الجهلة والمتخلفين الذين لا يعرفون مصلحتهم ولا مصلحة بلدهم…)! قد يقول قائل: ولماذا تلجأ واشنطن إلى فضائيات عربية وهي سيدة التكنولوجيا والثورة المعلوماتية ولديها القدرة على إيجاد آلاف الفضائيات؟ الجواب ببساطة أن الفضائيات وكل وسيلة إعلامية تابعة مباشرة لواشنطن وللغرب فقدت مصداقيتها، ودائماً متهمة بأنها منحازة، أما فضائيات تحمل أسماء عربية وبمذيعين ومقدمي برامج عرب وتنطق بالعربية وتتقن التواصل مع الشعوب العربية وإبداء التفاعل مع العواطف والانفعالات والشعارات الكبيرة بل المزايدة على الجماهير الشعبية في هذا السياق، هذه الفضائيات لن تثار حولها الشكوك وإن أثيرت فلدى هذه الفضائيات من المال وجحافل المنتفعين ما يمكنها من تفنيد هذه الشكوك وإرهاب مروجيها.
::/fulltext::
::cck::1959::/cck::
