السياسة الخارجية الأوروبية وتحديات جيوبوليتيكا الطاقة
::cck::1993::/cck::
::introtext::
خلال السنوات الأخيرة بدأ موضوع أمن الطاقة يحتل موقعاً متقدماً على سلم أولويات السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي وحكومات الدول الأعضاء. أو ذلك على الأقل ما يستشف من التصريحات المتواترة للحكومات والمفوضين الأوروبيين، وتعكسه أيضاً الوثائق والاستراتيجيات التي أنجزتها المؤسسات الاتحادية حول الموضوع.
تضمن الكتاب الأخضر على سبيل المثال حول الطاقة والذي صدر عن اللجنة الأوروبية سنة 2006 التزاماً جوهرياً بجعل الأهداف المتعلقة بالطاقة حاضرة بشكل أفضل ضمن الاعتبارات التي تحكم العلاقات السياسية مع البلدان الأخرى.
::/introtext::
::fulltext::
خلال السنوات الأخيرة بدأ موضوع أمن الطاقة يحتل موقعاً متقدماً على سلم أولويات السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي وحكومات الدول الأعضاء. أو ذلك على الأقل ما يستشف من التصريحات المتواترة للحكومات والمفوضين الأوروبيين، وتعكسه أيضاً الوثائق والاستراتيجيات التي أنجزتها المؤسسات الاتحادية حول الموضوع.
تضمن الكتاب الأخضر على سبيل المثال حول الطاقة والذي صدر عن اللجنة الأوروبية سنة 2006 التزاماً جوهرياً بجعل الأهداف المتعلقة بالطاقة حاضرة بشكل أفضل ضمن الاعتبارات التي تحكم العلاقات السياسية مع البلدان الأخرى. وترتب على هذا الالتزام فعلاً إبرام سلسلة من اتفاقيات الشراكة والتعاون وتنظيم حوارات وعقد جولات تفاوض مع بلدان وتجمعات إقليمية مختلفة، كما أصبح موضوع الطاقة عنصراً مؤثراً في العلاقات السياسية الخارجية للحكومات والمؤسسات الاتحادية الأوروبية خلافا لما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة حين كان هذا الموضوع غائباً تماماً عن أجندة السياسة الخارجية للمؤسسات الاتحادية فيما كانت تتم معالجته من منطلق تجاري بحت على مستوى السياسات الحكومية.
بدأ موضوع أمن الطاقة يحتل موقعاً متقدماً على سلم أولويات السياسية الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي
ويرى بعض محللي السياسة الأوروبية في ميدان الطاقة، مثل ريتشارد يونغ من جامعة وورويك والباحث بجمعية العلاقات الدولية والحوار الخارجي، أن الحكومات الأوروبية ظلت إلى وقت قريب تعتمد في سياساتها الخاصة بالطاقة على مقاربة ترتكز على فكرة الاحتكام إلى قوانين السوق رغم إدراكها الكامل لوجود حاجة موضوعية للتعامل مع قضايا الطاقة من منظور جيوبوليتيكي، ولم تشرع بتعديل رؤيتها بهذا الخصوص إلا تحت ضغط تزايد رفض كبار المنتجين لمسايرة سياستها القائمة على الثقة المطلقة في حكم السوق. وترتب على التحول الذي حصل على مستوى رؤيتها لقضايا الطاقة أن المؤسسات الأوروبية أصبحت تبدي عناية متزايدة بتنسيق مواقف الدول الأعضاء ذات الصلة بتلك القضايا واهتماماً لا يخفى باعتماد دبلوماسية نشطة في هذا الميدان تنطلق من رؤية محددة للتحديات القائمة ووعي كامل لمعطيات المشهد الاستراتيجي العالمي وما يتطلبه التعامل مع التعقيدات التي ينطوي عليها.
منطلقات ورهانات الدبلوماسية الأوروبية في ميدان الطاقة
تنطلق سياسة أوروبا الخارجية في ميدان الطاقة من رؤية للتحديات القائمة تلحظ وجود تحديين بارزين يواجهان العالم عامة والبلدان المتقدمة بصورة خاصة. يتعلق الأول بتأمين تغطية منتظمة وبتكلفة يمكن تحملها للاحتياجات المتزايدة من مصادر الطاقة. أما الثاني فيتعلق بالتصدي للمخاطر المتفاقمة لظاهرة التغير المناخي ومخاطرها الماثلة للعيان على أكثر من صعيد. وترى مفوضة العلاقات الخارجية في اللجنة الأوروبية بينيتا فيريرو فالدنير أن رفع هذين التحديين معا يقتضي بالضرورة العمل بالتوازي على تنويع مصادر التزود وتعدد مسارات النقل والسعي إلى تحقيق المزيد من تنويع مصادر إنتاج الطاقة.
وفي هذا السياق يسعى الاتحاد الأوروبي إلى خفض درجة اعتماده على استيراد الطاقة من الخارج وذلك عبر تعزيز قدرته على تحقيق التضامن بين البلدان الأعضاء في مواجهة الأزمات وتأمين مستوى مقبول من الاعتماد على الموارد الذاتية من خلال زيادة قدرات إنتاج الطاقات المتجددة والوقود الحيوي بنسب تصل 20 في المائة و10 في المائة على التوالي، الأمر الذي من شأنه أن يسمح بخفض فاتورة الطاقة على المستوى الأوروبي بما يعادل خمسين مليار يورو في حدود سنة 2020م. غير أن صناع السياسة الخارجية الأوروبية في ميدان الطاقة يدركون أكثر من غيرهم أنه، حتى حسب أكثر التقديرات الأوروبية تفاؤلاً، ستظل بلدان الاتحاد الأوروبي ولعقود مقبلة مضطرة لاستيراد ما يزيد على نصف احتياجاتها من الطاقة وخاصة من المحروقات.
إن حرص الحكومات الأوروبية ومؤسسات الاتحاد على التوصل إلى سياسة جماعية في مجال الطاقة ينبع من الوعي بأن توحيد المواقف وتنسيق السياسات ينطوي بالنسبة لبلدان الاتحاد على مزايا عديدة، منها دعم الموقف التفاوضي في مواجهة الدول المنتجة وتعزيز القدرة التنافسية مقارنة بالبلدان المستهلكة الأخرى. أضف إلى ذلك أن بناء دبلوماسية الطاقة الأوروبية على أسس صلبة من الشراكة والتضامن يمكن أن تترتب عليه نتائج إيجابية أخرى للبلدان الأعضاء، حيث ينظر إلى نجاح سياسة كهذه باعتباره كفيلاً بأن يمثل إضافة لها قيمتها لصرح التكامل الأوروبي وخطوة على الطريق الصحيح الذي يقود إلى تحقيق المزيد من الاندماج. ومثل هذا الطموح يستند إلى سوابق تاريخية تبرر التفاؤل الذي يبديه المتحمسون له، فالمعلوم أن النواة الأولى للاتحاد الأوروبي تشكلت على أساس تكتل اقتصادي دفعت إليه ضرورات التعاون والتنسيق في ميدان الطاقة، وتمثلت في الجماعة الاقتصادية للفحم والصلب التي تأسست في أواخر الخمسينات من القرن الماضي.
غير أن ترسيخ هذا التوجه يحتاج إلى دور أكبر للشركات النفطية التي يرى بعض المختصين أنها مطالبة بالاهتمام بشكل أكبر بممارسة ضغط منتظم على الحكومات والمؤسسات الاتحادية في اتجاه المزيد من إدماج القضايا المتعلقة بالطاقة في السياسات الخارجية والأمنية المشتركة، كما تطالَب أيضاً بمساندة قطاع السياسة الخارجية والأمن في اللجنة الأوروبية في مقاربته لأمن الطاقة من منظور يقوم على دعم الإصلاحات المؤسسية و(عقلنة) أساليب الحكم وآليات اتخاذ القرار في البلدان المنتجة للطاقة.
تضيف الإشكاليات المتعلقة بظاهرة التغير المناخي تعقيدات مضاعفة على استهلاك النفط والغاز والفحم
وحتى الآن يبقى هذا الاهتمام في الحدود الدنيا بالنظر إلى أن شركات النفط الأوروبية لا تزال منصرفة بالأساس إلى قضايا مثل تحرير السوق الداخلية ودعم إنتاج الطاقات المتجددة، ولا تبدي إلا انشغالاً محدوداً بمسائل السياسة الخارجية الجماعية في ميدان الطاقة، رغم أن الاعتبارات السياسية المؤثرة في هذا المجال ستكتسب أهمية متزايدة باطراد على امتداد عقود عديدة مقبلة، حتى لو أتيح للاتحاد الأوروبي أن يحقق مجمل الأهداف التي رسمها لنفسه في موضوعات مثل الحد من الانبعاثات وترقية إنتاج الطاقات المتجددة والوصول بصورة عامة إلى مستوى مناسب من النجاعة في سياساته المتعلقة بالطاقة.
تحولات وتحديات المشهد الاستراتيجي
منذ الحرب العالمية الثانية وإلى وقت قريب لم يواجه المجتمع الدولي صعوبات كبيرة في إدارة السوق العالمية للطاقة، إذا استثنينا حالات محدودة مثل أزمات النفط التي اندلعت خلال سبعينات القرن العشرين. وتجسد هذا الوضع في استقرار نسبي للأسعار، ولم يكن الرأي العام في كبريات الدول المستهلكة ينظر إلى الاعتماد على الخارج في تأمين الاحتياجات من الطاقة باعتباره مشكلة يتعين الضغط من أجل إيجاد حلول لها، لكن تقلبات الأسعار تحت تأثير الطلب المتزايد من طرف الاقتصادات الصاعدة وامتداد النزعة القومية إلى سياسات الطاقة، سواء في البلدان المنتجة أو المستهلكة، تترتب عليها تحديات جديدة تفرض مزيداً من الربط بين الاعتبارات الاستراتيجية الدولية من جهة والسياسات ذات الصلة بقضايا الطاقة من جهة أخرى. كما تضيف الإشكاليات المتعلقة بظاهرة التغير المناخي تعقيدات مضاعفة بما تقتضيه من البحث عن حلول لمشكلة الانبعاثات الناجمة أساساً عن استهلاك النفط والغاز والفحم التي تمثل 80 في المائة من مصادر الطاقة التي يتم استهلاكها عالمياً.
لقد تسببت القفزة التي عرفتها معدلات نمو الاقتصاد العالمي خلال السنوات الخمس الأخيرة بفضل حيوية القوى الصاعدة في زيادة غير مسبوقة لمستوى الطلب على الطاقة كان من تأثيراتها تقلب أسعار النفط التي اقتربت في أواسط سنة 2008 من 150 دولاراً للبرميل. وهو رقم وإن كان لا يختلف بمقاييس القيمة الفعلية عن الأرقام التي وصلت إليها أسعار النفط إبان أزمة البترول الثانية (1979) إلا أنه كانت له آثاره النفسية البالغة على مستوى الأسواق المالية العالمية.
يسعى الاتحاد الأوروبي إلى خفض درجة اعتماده على استيراد الطاقة من الخارج عبر تعزيز اعتماده على الموارد الذاتية
وفي ما يتعلق بالتوقعات حول الطلب على الطاقة تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن منحنى الطلب على مختلف مصادر الطاقة، باستثناء الطاقة الذرية، سيستمر في الصعود حتى سنة 2030، وسيرتفع معدل استهلاك البترول من 84 مليون برميل يومياً الحالية ليصل إلى 116 مليون برميل يومياً سنة 2030م. لكن التغير الهيكلي الأساسي، حسب ما يراه فيديريكو ستينبيرغ الباحث بمعهد الكانو الملكي للدراسات الدولية والاستراتيجية في مدريد، هو ذلك الذي يتعلق بالتوزيع الجغرافي لزيادة الطلب حيث ستتراجع حصة البلدان المتقدمة من 50 في المائة إلى 40 في المائة خلال الفترة المذكورة وستعود الزيادة في الطلب بنسبة 74 في المائة إلى البلدان الصاعدة التي ستضيف إلى سوق الطاقة مليارين من المستهلكين الجدد خلال السنوات القليلة المقبلة.
وتتطلب الاستجابة لهذه الاحتياجات المتنامية إنجاز استثمارات لزيادة العرض بقيمة 22 مليار دولار في أفق سنة 2030، وهو أمر لن يكون ميسوراً بالنظر إلى هيمنة الشركات المملوكة للدولة على قطاع المحروقات وتردد كثير من البلدان في فتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمارات الأجنبية، خاصة في وقت تتجه فيه الطاقة إلى أن تصبح أحد الموضوعات المفضلة للتعبير عن النزعة القومية التي ارتفعت نبرتها أخيراً في كثير من البلدان المنتجة والمستهلكة على السواء وسلاحاً لن يتردد البعض بإشهاره في خضم حالة الاستقطاب الاستراتيجي القائمة الآن في مواقع عديدة تمتاز بأهميتها فيما يتعلق بتأمين مصادر الطاقة.
الاتجاه نحو تنويع مصادر التزود بالطاقة وموقع بلدان الخليج
تظل روسيا الاتحادية الشريك الخارجي الرئيسي لدول الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة، وربما يبقى الأمر على هذا النحو لبعض الوقت. لكن هناك عوامل عديدة اقتصادية واستراتيجية تحمل أوروبا على التفكير في الحد من درجة اعتمادها على الشريك الروسي. من جهة، تؤكد كل التقديرات أن احتياجات أوروبا من الطاقة ستواصل النمو بمعدلات تتجاوز بكثير تطور القدرة الإنتاجية لروسيا. ومن جهة أخرى فإن اعتبارات سياسية لا تخفى تحمل أوروبا على القلق من مخاطر الارتهان لروسيا في مجال الطاقة، لا سيما في ظل تنامي طموح الاتحاد الروسي إلى لعب دور سياسي وأمني أكثر تقدماً على المستويين الإقليمي والدولي، ولا يخفى على القادة الأوروبيين التحدي الذي يمثله هذا الوضع وهم يذكرون كيف أن روسيا لم تتردد في أكثر من مناسبة باستخدام سلاح الطاقة لترويض بعض جيرانها الدائرين في فلك المعسكر الأمريكي ـ الأوروبي.
لمواجهة هذا التحدي تحرك الاتحاد الأوروبي في مسعى لتنشيط دبلوماسية الطاقة في اتجاهات عدة شرقاً وجنوباً، فقد تم توقيع اتفاقيات مع أوكرانيا وبعض دول آسيا الوسطى المنضوية سابقاً تحت الاتحاد السوفييتي، بحثاً عن مسالك وخطوط إمداد بديلة. وفي السياق نفسه، باشرت الدبلوماسية الأوروبية ببذل جهود لوضع لبنات يمكن أن تسهم في إرساء أسس لسوق متوسطية في مجال الطاقة عبر توقيع اتفاقيات مع بلدان مثل الجزائر وليبيا والمغرب ومصر والأردن، في الوقت الذي امتد فيه التحرك الأوروبي ليصل إلى بعض البلدان المنتجة للنفط في إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء حرصاًعلى إيجاد شركاء إضافيين وحجز موطئ قدم في منطقة بدأت تستقطب اهتمام المستثمرين ومستهلكي الطاقة.
ويبقى القول إن كل هذه المواقع لا يمكن أن تغني بلدان الاتحاد الأوروبي عن الاهتمام بمنطقة الخليج التي تزخر بموارد الطاقة وينظر إلى بلدانها باعتبارها شريكاً يغري وضعه بالتعامل معه لما تملكه من احتياطيات هائلة وموارد مالية تؤمن لها قدرات أكبر على رفع طاقتها الإنتاجية بالتناسب مع زيادة الطلب على المحروقات. ويندرج التحرك الأوروبي في هذا الاتجاه ضمن رؤية أشمل تنطلق من اهتمام استراتيجي بإقامة حوار وشراكة دائمة وعلى أسس مؤسسية صلبة مع بلدان مجلس التعاون الخليجي التي تحتل موقعاً حيوياً للسياسة الدولية والسلم العالمي، وتوفر سوقاً تمتاز بقدرتها الشرائية العالية.
ويأتي الاهتمام الأوروبي بتنشيط آليات الحوار وتسريع استحقاقات الشراكة، التي انتظمت جولات عدة من التفاوض حولها على امتداد العقدين الماضيين، وعرفت بعض التقدم خلال السنوات الأخيرة، في سياق التنافس على مواقع النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تتمتع بعلاقات تجارية وسياسية متميزة مع دول مجلس التعاون الخليجي، وهي العلاقات التي تعززت خلال السنوات الأخيرة بتوقيع اتفاقيات للتجارة الحرة أو اتفاقات إطار للتجارة والاستثمار مع بعض البلدان، وتقدمت المفاوضات بشأنها مع بلدان أخرى. ويزداد السباق نحو الحظوة بنصيب من السوق الخليجية حيوية بالنسبة للأوروبيين مع دخول قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والهند على خط التفاوض مع دول المنطقة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1993::/cck::
::introtext::
خلال السنوات الأخيرة بدأ موضوع أمن الطاقة يحتل موقعاً متقدماً على سلم أولويات السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي وحكومات الدول الأعضاء. أو ذلك على الأقل ما يستشف من التصريحات المتواترة للحكومات والمفوضين الأوروبيين، وتعكسه أيضاً الوثائق والاستراتيجيات التي أنجزتها المؤسسات الاتحادية حول الموضوع.
تضمن الكتاب الأخضر على سبيل المثال حول الطاقة والذي صدر عن اللجنة الأوروبية سنة 2006 التزاماً جوهرياً بجعل الأهداف المتعلقة بالطاقة حاضرة بشكل أفضل ضمن الاعتبارات التي تحكم العلاقات السياسية مع البلدان الأخرى.
::/introtext::
::fulltext::
خلال السنوات الأخيرة بدأ موضوع أمن الطاقة يحتل موقعاً متقدماً على سلم أولويات السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي وحكومات الدول الأعضاء. أو ذلك على الأقل ما يستشف من التصريحات المتواترة للحكومات والمفوضين الأوروبيين، وتعكسه أيضاً الوثائق والاستراتيجيات التي أنجزتها المؤسسات الاتحادية حول الموضوع.
تضمن الكتاب الأخضر على سبيل المثال حول الطاقة والذي صدر عن اللجنة الأوروبية سنة 2006 التزاماً جوهرياً بجعل الأهداف المتعلقة بالطاقة حاضرة بشكل أفضل ضمن الاعتبارات التي تحكم العلاقات السياسية مع البلدان الأخرى. وترتب على هذا الالتزام فعلاً إبرام سلسلة من اتفاقيات الشراكة والتعاون وتنظيم حوارات وعقد جولات تفاوض مع بلدان وتجمعات إقليمية مختلفة، كما أصبح موضوع الطاقة عنصراً مؤثراً في العلاقات السياسية الخارجية للحكومات والمؤسسات الاتحادية الأوروبية خلافا لما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة حين كان هذا الموضوع غائباً تماماً عن أجندة السياسة الخارجية للمؤسسات الاتحادية فيما كانت تتم معالجته من منطلق تجاري بحت على مستوى السياسات الحكومية.
بدأ موضوع أمن الطاقة يحتل موقعاً متقدماً على سلم أولويات السياسية الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي
ويرى بعض محللي السياسة الأوروبية في ميدان الطاقة، مثل ريتشارد يونغ من جامعة وورويك والباحث بجمعية العلاقات الدولية والحوار الخارجي، أن الحكومات الأوروبية ظلت إلى وقت قريب تعتمد في سياساتها الخاصة بالطاقة على مقاربة ترتكز على فكرة الاحتكام إلى قوانين السوق رغم إدراكها الكامل لوجود حاجة موضوعية للتعامل مع قضايا الطاقة من منظور جيوبوليتيكي، ولم تشرع بتعديل رؤيتها بهذا الخصوص إلا تحت ضغط تزايد رفض كبار المنتجين لمسايرة سياستها القائمة على الثقة المطلقة في حكم السوق. وترتب على التحول الذي حصل على مستوى رؤيتها لقضايا الطاقة أن المؤسسات الأوروبية أصبحت تبدي عناية متزايدة بتنسيق مواقف الدول الأعضاء ذات الصلة بتلك القضايا واهتماماً لا يخفى باعتماد دبلوماسية نشطة في هذا الميدان تنطلق من رؤية محددة للتحديات القائمة ووعي كامل لمعطيات المشهد الاستراتيجي العالمي وما يتطلبه التعامل مع التعقيدات التي ينطوي عليها.
منطلقات ورهانات الدبلوماسية الأوروبية في ميدان الطاقة
تنطلق سياسة أوروبا الخارجية في ميدان الطاقة من رؤية للتحديات القائمة تلحظ وجود تحديين بارزين يواجهان العالم عامة والبلدان المتقدمة بصورة خاصة. يتعلق الأول بتأمين تغطية منتظمة وبتكلفة يمكن تحملها للاحتياجات المتزايدة من مصادر الطاقة. أما الثاني فيتعلق بالتصدي للمخاطر المتفاقمة لظاهرة التغير المناخي ومخاطرها الماثلة للعيان على أكثر من صعيد. وترى مفوضة العلاقات الخارجية في اللجنة الأوروبية بينيتا فيريرو فالدنير أن رفع هذين التحديين معا يقتضي بالضرورة العمل بالتوازي على تنويع مصادر التزود وتعدد مسارات النقل والسعي إلى تحقيق المزيد من تنويع مصادر إنتاج الطاقة.
وفي هذا السياق يسعى الاتحاد الأوروبي إلى خفض درجة اعتماده على استيراد الطاقة من الخارج وذلك عبر تعزيز قدرته على تحقيق التضامن بين البلدان الأعضاء في مواجهة الأزمات وتأمين مستوى مقبول من الاعتماد على الموارد الذاتية من خلال زيادة قدرات إنتاج الطاقات المتجددة والوقود الحيوي بنسب تصل 20 في المائة و10 في المائة على التوالي، الأمر الذي من شأنه أن يسمح بخفض فاتورة الطاقة على المستوى الأوروبي بما يعادل خمسين مليار يورو في حدود سنة 2020م. غير أن صناع السياسة الخارجية الأوروبية في ميدان الطاقة يدركون أكثر من غيرهم أنه، حتى حسب أكثر التقديرات الأوروبية تفاؤلاً، ستظل بلدان الاتحاد الأوروبي ولعقود مقبلة مضطرة لاستيراد ما يزيد على نصف احتياجاتها من الطاقة وخاصة من المحروقات.
إن حرص الحكومات الأوروبية ومؤسسات الاتحاد على التوصل إلى سياسة جماعية في مجال الطاقة ينبع من الوعي بأن توحيد المواقف وتنسيق السياسات ينطوي بالنسبة لبلدان الاتحاد على مزايا عديدة، منها دعم الموقف التفاوضي في مواجهة الدول المنتجة وتعزيز القدرة التنافسية مقارنة بالبلدان المستهلكة الأخرى. أضف إلى ذلك أن بناء دبلوماسية الطاقة الأوروبية على أسس صلبة من الشراكة والتضامن يمكن أن تترتب عليه نتائج إيجابية أخرى للبلدان الأعضاء، حيث ينظر إلى نجاح سياسة كهذه باعتباره كفيلاً بأن يمثل إضافة لها قيمتها لصرح التكامل الأوروبي وخطوة على الطريق الصحيح الذي يقود إلى تحقيق المزيد من الاندماج. ومثل هذا الطموح يستند إلى سوابق تاريخية تبرر التفاؤل الذي يبديه المتحمسون له، فالمعلوم أن النواة الأولى للاتحاد الأوروبي تشكلت على أساس تكتل اقتصادي دفعت إليه ضرورات التعاون والتنسيق في ميدان الطاقة، وتمثلت في الجماعة الاقتصادية للفحم والصلب التي تأسست في أواخر الخمسينات من القرن الماضي.
غير أن ترسيخ هذا التوجه يحتاج إلى دور أكبر للشركات النفطية التي يرى بعض المختصين أنها مطالبة بالاهتمام بشكل أكبر بممارسة ضغط منتظم على الحكومات والمؤسسات الاتحادية في اتجاه المزيد من إدماج القضايا المتعلقة بالطاقة في السياسات الخارجية والأمنية المشتركة، كما تطالَب أيضاً بمساندة قطاع السياسة الخارجية والأمن في اللجنة الأوروبية في مقاربته لأمن الطاقة من منظور يقوم على دعم الإصلاحات المؤسسية و(عقلنة) أساليب الحكم وآليات اتخاذ القرار في البلدان المنتجة للطاقة.
تضيف الإشكاليات المتعلقة بظاهرة التغير المناخي تعقيدات مضاعفة على استهلاك النفط والغاز والفحم
وحتى الآن يبقى هذا الاهتمام في الحدود الدنيا بالنظر إلى أن شركات النفط الأوروبية لا تزال منصرفة بالأساس إلى قضايا مثل تحرير السوق الداخلية ودعم إنتاج الطاقات المتجددة، ولا تبدي إلا انشغالاً محدوداً بمسائل السياسة الخارجية الجماعية في ميدان الطاقة، رغم أن الاعتبارات السياسية المؤثرة في هذا المجال ستكتسب أهمية متزايدة باطراد على امتداد عقود عديدة مقبلة، حتى لو أتيح للاتحاد الأوروبي أن يحقق مجمل الأهداف التي رسمها لنفسه في موضوعات مثل الحد من الانبعاثات وترقية إنتاج الطاقات المتجددة والوصول بصورة عامة إلى مستوى مناسب من النجاعة في سياساته المتعلقة بالطاقة.
تحولات وتحديات المشهد الاستراتيجي
منذ الحرب العالمية الثانية وإلى وقت قريب لم يواجه المجتمع الدولي صعوبات كبيرة في إدارة السوق العالمية للطاقة، إذا استثنينا حالات محدودة مثل أزمات النفط التي اندلعت خلال سبعينات القرن العشرين. وتجسد هذا الوضع في استقرار نسبي للأسعار، ولم يكن الرأي العام في كبريات الدول المستهلكة ينظر إلى الاعتماد على الخارج في تأمين الاحتياجات من الطاقة باعتباره مشكلة يتعين الضغط من أجل إيجاد حلول لها، لكن تقلبات الأسعار تحت تأثير الطلب المتزايد من طرف الاقتصادات الصاعدة وامتداد النزعة القومية إلى سياسات الطاقة، سواء في البلدان المنتجة أو المستهلكة، تترتب عليها تحديات جديدة تفرض مزيداً من الربط بين الاعتبارات الاستراتيجية الدولية من جهة والسياسات ذات الصلة بقضايا الطاقة من جهة أخرى. كما تضيف الإشكاليات المتعلقة بظاهرة التغير المناخي تعقيدات مضاعفة بما تقتضيه من البحث عن حلول لمشكلة الانبعاثات الناجمة أساساً عن استهلاك النفط والغاز والفحم التي تمثل 80 في المائة من مصادر الطاقة التي يتم استهلاكها عالمياً.
لقد تسببت القفزة التي عرفتها معدلات نمو الاقتصاد العالمي خلال السنوات الخمس الأخيرة بفضل حيوية القوى الصاعدة في زيادة غير مسبوقة لمستوى الطلب على الطاقة كان من تأثيراتها تقلب أسعار النفط التي اقتربت في أواسط سنة 2008 من 150 دولاراً للبرميل. وهو رقم وإن كان لا يختلف بمقاييس القيمة الفعلية عن الأرقام التي وصلت إليها أسعار النفط إبان أزمة البترول الثانية (1979) إلا أنه كانت له آثاره النفسية البالغة على مستوى الأسواق المالية العالمية.
يسعى الاتحاد الأوروبي إلى خفض درجة اعتماده على استيراد الطاقة من الخارج عبر تعزيز اعتماده على الموارد الذاتية
وفي ما يتعلق بالتوقعات حول الطلب على الطاقة تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن منحنى الطلب على مختلف مصادر الطاقة، باستثناء الطاقة الذرية، سيستمر في الصعود حتى سنة 2030، وسيرتفع معدل استهلاك البترول من 84 مليون برميل يومياً الحالية ليصل إلى 116 مليون برميل يومياً سنة 2030م. لكن التغير الهيكلي الأساسي، حسب ما يراه فيديريكو ستينبيرغ الباحث بمعهد الكانو الملكي للدراسات الدولية والاستراتيجية في مدريد، هو ذلك الذي يتعلق بالتوزيع الجغرافي لزيادة الطلب حيث ستتراجع حصة البلدان المتقدمة من 50 في المائة إلى 40 في المائة خلال الفترة المذكورة وستعود الزيادة في الطلب بنسبة 74 في المائة إلى البلدان الصاعدة التي ستضيف إلى سوق الطاقة مليارين من المستهلكين الجدد خلال السنوات القليلة المقبلة.
وتتطلب الاستجابة لهذه الاحتياجات المتنامية إنجاز استثمارات لزيادة العرض بقيمة 22 مليار دولار في أفق سنة 2030، وهو أمر لن يكون ميسوراً بالنظر إلى هيمنة الشركات المملوكة للدولة على قطاع المحروقات وتردد كثير من البلدان في فتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمارات الأجنبية، خاصة في وقت تتجه فيه الطاقة إلى أن تصبح أحد الموضوعات المفضلة للتعبير عن النزعة القومية التي ارتفعت نبرتها أخيراً في كثير من البلدان المنتجة والمستهلكة على السواء وسلاحاً لن يتردد البعض بإشهاره في خضم حالة الاستقطاب الاستراتيجي القائمة الآن في مواقع عديدة تمتاز بأهميتها فيما يتعلق بتأمين مصادر الطاقة.
الاتجاه نحو تنويع مصادر التزود بالطاقة وموقع بلدان الخليج
تظل روسيا الاتحادية الشريك الخارجي الرئيسي لدول الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة، وربما يبقى الأمر على هذا النحو لبعض الوقت. لكن هناك عوامل عديدة اقتصادية واستراتيجية تحمل أوروبا على التفكير في الحد من درجة اعتمادها على الشريك الروسي. من جهة، تؤكد كل التقديرات أن احتياجات أوروبا من الطاقة ستواصل النمو بمعدلات تتجاوز بكثير تطور القدرة الإنتاجية لروسيا. ومن جهة أخرى فإن اعتبارات سياسية لا تخفى تحمل أوروبا على القلق من مخاطر الارتهان لروسيا في مجال الطاقة، لا سيما في ظل تنامي طموح الاتحاد الروسي إلى لعب دور سياسي وأمني أكثر تقدماً على المستويين الإقليمي والدولي، ولا يخفى على القادة الأوروبيين التحدي الذي يمثله هذا الوضع وهم يذكرون كيف أن روسيا لم تتردد في أكثر من مناسبة باستخدام سلاح الطاقة لترويض بعض جيرانها الدائرين في فلك المعسكر الأمريكي ـ الأوروبي.
لمواجهة هذا التحدي تحرك الاتحاد الأوروبي في مسعى لتنشيط دبلوماسية الطاقة في اتجاهات عدة شرقاً وجنوباً، فقد تم توقيع اتفاقيات مع أوكرانيا وبعض دول آسيا الوسطى المنضوية سابقاً تحت الاتحاد السوفييتي، بحثاً عن مسالك وخطوط إمداد بديلة. وفي السياق نفسه، باشرت الدبلوماسية الأوروبية ببذل جهود لوضع لبنات يمكن أن تسهم في إرساء أسس لسوق متوسطية في مجال الطاقة عبر توقيع اتفاقيات مع بلدان مثل الجزائر وليبيا والمغرب ومصر والأردن، في الوقت الذي امتد فيه التحرك الأوروبي ليصل إلى بعض البلدان المنتجة للنفط في إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء حرصاًعلى إيجاد شركاء إضافيين وحجز موطئ قدم في منطقة بدأت تستقطب اهتمام المستثمرين ومستهلكي الطاقة.
ويبقى القول إن كل هذه المواقع لا يمكن أن تغني بلدان الاتحاد الأوروبي عن الاهتمام بمنطقة الخليج التي تزخر بموارد الطاقة وينظر إلى بلدانها باعتبارها شريكاً يغري وضعه بالتعامل معه لما تملكه من احتياطيات هائلة وموارد مالية تؤمن لها قدرات أكبر على رفع طاقتها الإنتاجية بالتناسب مع زيادة الطلب على المحروقات. ويندرج التحرك الأوروبي في هذا الاتجاه ضمن رؤية أشمل تنطلق من اهتمام استراتيجي بإقامة حوار وشراكة دائمة وعلى أسس مؤسسية صلبة مع بلدان مجلس التعاون الخليجي التي تحتل موقعاً حيوياً للسياسة الدولية والسلم العالمي، وتوفر سوقاً تمتاز بقدرتها الشرائية العالية.
ويأتي الاهتمام الأوروبي بتنشيط آليات الحوار وتسريع استحقاقات الشراكة، التي انتظمت جولات عدة من التفاوض حولها على امتداد العقدين الماضيين، وعرفت بعض التقدم خلال السنوات الأخيرة، في سياق التنافس على مواقع النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تتمتع بعلاقات تجارية وسياسية متميزة مع دول مجلس التعاون الخليجي، وهي العلاقات التي تعززت خلال السنوات الأخيرة بتوقيع اتفاقيات للتجارة الحرة أو اتفاقات إطار للتجارة والاستثمار مع بعض البلدان، وتقدمت المفاوضات بشأنها مع بلدان أخرى. ويزداد السباق نحو الحظوة بنصيب من السوق الخليجية حيوية بالنسبة للأوروبيين مع دخول قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والهند على خط التفاوض مع دول المنطقة.
::/fulltext::
::cck::1993::/cck::
