الدور الأوروبي: هل يستطيع نزع فتيل أزمة البرنامج النووي الإيراني؟
::cck::1996::/cck::
::introtext::
يرجع اهتمام إيران بالطاقة النووية إلى الخمسينات من القرن الماضي عندما رفعت أمريكا شعار (الذرة من أجل السلام) تعويضاً عن الصورة القاتمة التي عكستها للعالم لدى استخدامها قنابل هيروشيما وناغازاكي في اليابان بنهاية الحرب العالمية الثانية.
::/introtext::
::fulltext::
يرجع اهتمام إيران بالطاقة النووية إلى الخمسينات من القرن الماضي عندما رفعت أمريكا شعار (الذرة من أجل السلام) تعويضاً عن الصورة القاتمة التي عكستها للعالم لدى استخدامها قنابل هيروشيما وناغازاكي في اليابان بنهاية الحرب العالمية الثانية.
ابتدأ شاه إيران مشروع إيران النووي لأغراض البحث والتطوير، وكان يطمح إلى انتاج طاقة كهربائية قوامها 23000 ميغاواط من المفاعلات النووية في نهاية القرن العشرين. وعلى الرغم من اندفاعه إلا أن المشروع لم يتطور كما كان متوقعاً لأسباب عدة، ثم تعثر المشروع بالكامل بعد قيام الجمهورية الإسلامية سنة 1979 وتورطها في حرب الثماني سنوات مع العراق. وقد أعيدت الحياة إلى المشروع في نهاية الثمانينات وبدأ يتنامى على كافة صعد (دورة الوقود النووي) مع التركيز على تطوير وتعزيز القدرات الذاتية.
وأهم تطور تقني إيراني كشف عنه بين العامين (2002 ـ 2003) عندما صرحت إيران بأن لديها خططاً لبناء مصنعين لتخصيب الوقود النووي، ومفاعل إنتاج يعمل على الماء الثقيل، وآخر لتصنيع الوقود النووي، وإنها ابتدأت فعلاً بإجراء أبحاث أولية في مجالي التمويل والتخصيب (ومنها نفاثات الطرد المركزي الغازي والتخصيب بالليزر).
وفي 19 أغسطس 2003 بدأت إيران باختبار عشرة أجهزة تعاقبية في مصنع للتخصيب في (ناتانز) مستخدمة سادس فلوريد اليورانيوم (UF6).
وبعد إعلانها بتاريخ 21 أكتوبر 2003 أنها ستتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقّعت إيران بتاريخ 18 ديسمبر من السنة نفسها بروتوكولاً إضافياً لاتفاقية حظر الانتشار النووي (NPT) أصبحت بموجبه مُلزمة بالتفتيش الاستثنائي للوكالة (وقّعت إيران على اتفاقية منع الانتشار النووي في عام 1968)، وقد وجه اهتمام إيران- بتطوير كافة مراحل دورة الوقود النووي، واعتمادها على قدراتها الذاتية، بالإضافة إلى بعض التصريحات المسؤولة والأخرى غير المسؤولة لبعض المسؤولين الإيرانيين على خلفية التغيّرات السياسية في المنطقة – الشكوك حول نية البرنامج النووي الإيراني، والسعي للاستفادة من هذه الطاقة لتصنيع قنابل نووية، علماً أن معظم مفاعلات إيران لا تزال غير إنتاجية، ومناهجها ومختبراتها الخاصة بتحويل اليورانيوم أو تخصيبه هي في مراحلها التجريبية، وإذا استمر الأمر في هذا المعدل من التطور فلا يمكن التوقع بأن إيران تقترب من تصنيع أسلحة نووية من أي عيار لفترة لا تقل عن عقد من الزمان.
أعيدت الحياة إلى مشروع الطاقة النووية الإيراني في نهاية الثمانينات وبدأ يتنامى على كافة صعد دورة الوقود النووي
في أواسط عام 2002 كشفت مجموعة معارضة تقيم في فرنسا (المجلس الوطني للمعارضة الإيرانية NCRI) عن وجود منشأتين سريتين لتخصيب اليورانيوم في موقع (ناتانز) ومصنع للماء الثقيل في (آراك).
وبعد اكتشاف خزين من خام اليورانيوم في ساجاد (مقاطعة يزد) أعلنت إيران أنها تطور استخدام مفاعل نووي صغير يعتمد تماماً على المصادر والقدرات الذاتية. لقد قرع هذان الحدثان جرس الإنذار في أوساط السياسة والمخابرات الغربية، فالتخصيب وإنتاج الماء الثقيل، واستخراج الوقود النووي من مصادر محلية يعني بمفهومهم أن ذلك سيساهم بشكل فاعل في تطوير دورة وقود محلية ومن ثم سلاح نووي في وقت لاحق.
تطور المشروع النووي الإيراني ووكالة الطاقة الذرية
استنتجت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بعد زيارات عدة إلى مواقع إيرانية تقع تحت دائرة الشك في فبراير 2003 وبالاقتران مع تصريحات عديدة لمسؤولين إيرانيين أن هنالك عدداً من المنشآت التقنية ذات خصوصية حساسة إما في بداية عملها أو لا تزال تحت الإنجاز أو في طور التخطيط للإنجاز. وقد أثارت الوكالة تساؤلات إزاء احتمال قيام فعاليات تخصيب لليورانيوم في ورش (كاليا) للإلكترونيات تتعلق بإنتاج أجهزة للطرد المركزي الغازي.

جاء ذلك بعد فترة من اعتراف إيران باستيرادها لـ 1.8 طن من المواد (UF6 وUF4 وUO2) من الصين وهي مواد تستخدم لاستخلاص عنصر اليورانيوم 235 الأساسي في التخصيب وفي وقود القنبلة النووية. كما أن إيران صرحت لدى لقائها مع رسميين من الوكالة الدولية في أغسطس 2003، ولأول مرة، بأنها أجرت 113 تجربة تحويل لليورانيوم تتضمن إنتاج عنصر اليورانيوم من الكعكة الصفراء (UF4)، وإنتاج الكعكة من أكسيد اليورانيوم (UO2)،بالإضافة إلى إجرائها تجارب مختبرية لإنتاج الماء الثقيل في ثمانينات القرن الماضي. وعلى الرغم من مستوى التجارب المختبري وليس الإنتاجي لم تعلق الوكالة على الأمر في حينه. ولكن، وبعد عملية تحليل أجرتها الوكالة في يونيو 2003 على نماذج من التربة في مصنع ناتانز لتخصيب الوقود (التجريبي) وظهور يورانيوم عالي التخصيب (HEU) فيها صرّح الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية بأن إيران أخفقت في التزاماتها تجاه معاهدة حظر الانتشار النووي تحت البند (4) وأنها لم تكن شفافة في نشاطاتها النووية أو استيرادها للمواد ذات العلاقة (مزدوجة الاستخدام). وطالب البرادعي إيران بالإفصاح الكامل عن كافة نشاطاتها ولا سيما مشروع التخصيب وتجارب ما بعد التحويل، ثم دعاها إلى وقف نشاطات التخصيب كافة وتوقيع بروتوكول إضافي مع الوكالة قبل 31 أكتوبر 2003 يبيح للأخيرة التفتيش الاستثنائي على منشآت إيران ذات العلاقة بالمشروع النووي.
ولنزع فتيل أزمة متفجرة بين الوكالة الدولية وإيران عمل وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا على حث إيران على استصدار موافقة للتعاون مع الوكالة قبل نهاية فترة الإشعار. وكانت النتيجة أن أعلنت إيران في 21 أكتوبر 2003 أنها ستتعاون مع الوكالة بكل شفافية ووضوح، وأنها ستوقع البروتوكول وتوقف كافة نشاطات التخصيب، وتم توقيع البروتوكول فعلاً في 18 يناير 2003.
بعد توقيع البروتوكول الذي أباح للوكالة حق التفتيش الاستثنائي اعتبرت إيران متعاونة بحسب الوكالة ولكن ليس بالمطلق. وفي 18 حزيران 2004 صوّت أعضاء مجلس أمناء الوكالة الدولية، وثلثهم من الأمريكيين، بوجوب إشعار إيران بأنها لا تقدم دعماً كاملاً للبروتوكول لا سيما بعد تأجيلها لزيارة وفد من الوكالة إلى عدد من مواقع أجهزة الطرد المركزي (P2) وعدم تسليمها مخططات وتصاميم هذه الأجهزة وكذلك نتائج أبحاث أجرتها حول تحويل واختبار مواد نووية.
ونتيجة لذلك، طلبت الوكالة من إيران أن تكون (مطواعة) في تنفيذ بنود البروتوكول وحل المشكلات القائمة بينهما ومن ضمنها قضية تلوث أجهزة الطرد المركزي بيورانيوم عالي التخصيب (الذي بررته إيران بأن سبب التلوث أجزاء من الأجهزة المستوردة)، وتحديد إنتاج البلوتونيوم 210. ومنذ هذا التاريخ أخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها في مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالادعاء المباشر بأن مشروع إيران النووي هو مشروع تسليحي يسعى إلى إنتاج قنبلة نووية بأقرب فرصة ممكنة. وفي محاولة سياسية لإرجاع إيران إلى صف الإرادة الدولية حسب تعبير الأوساط الدبلوماسية الغربية عرض ممثلون عن كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا بالتعاون مع الوكالة الدولية مساعدات نووية وتجارية مقابل تخلي إيران عن مشروعها النووي الطموح (ولا سيما عمليات التخصيب والتحويل).
يتجاوز حجم التجارة البينية سنوياً بين إيران ودول الاتحاد الأوربي 10 مليارات دولار قابلة للزيادة
وفي نوفمبر 2004 اتفقت الأطراف جميعاً على الالتزام بمقررات معاهدة (NPT)، والحفاظ على مفهوم الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تقتنع بهذا الاتفاق، واستمرت في تحريض المجتمع الدولي والمنظمة الدولية على الاستمرار في عمليات التفتيش الاستثنائية. وفي نهاية نوفمبر 2004 أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تقريراً يفيد بوجود علاقة تعاون بين عالم الذرة الباكستاني عبدالقدير خان وإيران تبنى مجلس إدارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجبه (بتاريخ 29 نوفمبر 2004) قراراً يُخضع إيران لإيقاف كافة نشاطاتها النووية حتى الانتهاء من أعمال التفتيش.
ووافق المسؤولون الإيرانيون على القرار رسمياً، لكنهم استمروا بإعطاء تصريحات بأن إيران لن تتخلى عن مشروعها النووي، وأن الاتفاق الذي أبرم اتفاق مؤقت وليس دائماً.
وفي ديسمبر 2004 تمكن مفتشو الوكالة الدولية نتيجة لوشاية من المعارضة الإيرانية في الخارج من الوصول إلى موقعين عسكريين إيرانيين هما (بارجين ولافيزان). وتبين أن الموقعين معدان لاختبار المتفجرات التقليدية وتخزين معدات ومواد نقلت إليهما من مواقع أخرى كانت قد صنفت بأنها ذات طبيعة نووية. وفي مارس 2005 رفضت إيران الزيارة الثانية إلى موقع بارجين من قبل مفتشي الوكالة على أساس أنها غير مسوّغة.
وهذا ما دعا الوكالة إلى القول إن هذا الرفض عطّل جهد المنظمة الدولية في التحري عن أجهزة الطرد ومصدر التلوث باليورانيوم عالي التخصيب الذي كشفته في أحد المواقع فيما لم تظهر تحاليلهم في مواقع خمسة أخرى أي شيء يدعو للشك.
ونتيجة لهذه المواقف المتعاقبة صرح علي أكبر صالحي في 22 إبريل 2005 إبان المباحثات الثنائية مع المجموعة الأوروبية بأن خطة إيران في تحقيق دورة وقود نووي ذاتية أمر واضح ولا رجعة عنه، لكن هذا لا يعني السعي للحصول على سلاح نووي. وقد أثار هذا التصريح موجة انتقاد واسعة في الأوساط الرسمية الغربية (الأوروبية والأمريكية). وفي رسالة تهديد عاجلة وغير مباشرة إلى إيران وافقت الولايات المتحدة الأمريكية في 25 إبريل 2004 على بيع إسرائيل 500 قنبلة خارقة للحصون (Bunkerbustes) قادرة على اختراق المنشآت تحت الأرض. وكرد فعل مقابل قامت إيران في أغسطس 2005 بفك أختام الوكالة ووسائل مراقبتها على منشآت نووية يعتقد أنها تعنى بأجهزة التخصيب بالطرد المركزي في محاولة سياسية لقطع دابر تدخل أجنبي متواصل لا حدود له في مشروع لا يخلو من طموح، لكنه لا يزال وليداً، وفي مراحل نشأته الأولى. لكن لماذا التركيز على مشروع التخصيب؟ ولماذا يشكل لقمة لا يسهل ابتلاعها من قبل الوكالة الدولية والإدارة الأمريكية على وجه الخصوص؟ وما هي حقيقته ومواقعه في إيران؟
التطورات الأخيرة
لقد اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفاً متشدداً حيال طهران داعياً السلطات الإيرانية إلى التوقيع على بروتوكول يسمح بتفتيش دولي أدق لمنشآتها النووية، مرفقاً ذلك بلهجة تحذيرية اقتربت من الموقف الأمريكي، وربط وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم في لوكسمبورغ تجاوب طهران مع دعوتهم بمواصلة الحوار معها في شأن إبرام اتفاق تجاري بين الجانبين، وتؤيد بعض الدول الأوروبية وأستراليا وجهة النظر الأمريكية بأن المساعي النووية الإيرانية لا تدل على أن برنامجها النووي مخصص للاستخدام السلمي.
وخيمت تعقيدات وتطورات المسألة النووية الإيرانية على العلاقات بين طهران ودول الاتحاد الأوروبي، بحيث غدت الترويكا الأوروبية فاعلاً رئيسياً في إدارة الأزمة النووية الإيرانية، وعلى الرغم من اتفاق الأوروبيين مع الأمريكيين على ضرورة منع إيران من تصنيع أو امتلاك السلاح النووي، إلا أن الترويكا الأوروبية ترى في المفاوضات سبيلاً أمثل لتحقيق هذه الغاية. وربما يعود المنحى الأوروبي نحو الطرق الدبلوماسية مع إيران لتسوية مسألتها النووية إلى اعتبارات عدة أهمها:
1- عدم استعداد الأوروبيين لتأييد أو مشاركة في أي عمل عسكري ضد أي من دول الشرق الأوسط في هذه المرحلة الحرجة، لاسيما أن إيران تختلف عن كل من أفغانستان والعراق وستكون تكلفة أي عمل عسكري ضدها كبيرة.
2- العلاقات التجارية الوثيقة بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي، حيث يتجاوز حجم التجارة البينية سنوياً للجانبين عشرة مليارات دولار قابلة للزيادة في ظل التوجهات الإصلاحية والانفتاحية لنظام طهران.
ومن ثم سعت دول الترويكا إلى تبني سياسة تقوم من ناحية على إغراء إيران ببعض المكاسب الاقتصادية والسياسية لقبول وقف أنشطة تخصيب اليورانيوم، وتم توقيع (اتفاق باريس) بين الجانبين في نوفمبر 2004 والذي جرت على أساسه مفاوضات مطولة بين الجانبين طيلة النصف الأول من عام 2005، لكن مع التلويح لإيران من ناحية بأن عدم استجابتها للمطالب بشأن الإيقاف الكامل والنهائي لأنشطة تخصيب اليورانيوم سوف يعرضها للعقوبات والعزلة الدولية.
لقد تراجع الاتحاد الأوروبي عن إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي في الوقت الحالي وفق مشروع قرار جديد طرح في اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وطالب مشروع القرار من مدير الوكالة الذرية محمد البرادعي تقديم تقرير بشأن برنامج إيران النووي إلى مجلس الوكالة الذي سيحدد موعد ومضمون تقرير حول الملف الإيراني يرفع إلى مجلس الأمن، مع أن نص المشروع لم يذكر المجلس تحديداً.
وكان الاتحاد الأوروبي قد دعا بوضوح إلى إحالة الملف الإيراني فوراً إلى مجلس الأمن، لكنه واجه معارضة من قبل روسيا والصين ودول عدم الانحياز في اجتماع مجلس محافظي الوكالة في فيينا. جاء ذلك بعدما قدم الاتحاد مسودة قرار وصفت بالقاسية على أعضاء مجلس المحافظين الـ35 بشأن الملف النووي الإيراني.
وقد تبنى مجلس حكام الوكالة في 24 سبتمبر 2005 مشروع القرار الأوروبي بأغلبية 22 صوتاً مقابل اعتراض فنزويلا فقط وامتناع 12 دولة من أعضاء مجلس الـ 35 عن التصويت بينها روسيا والصين. ويمهد القرار لإحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي انتظاراً للتقرير الذي سيقدمه البرادعي إلى المجلس، وينتقد القرار ما سماه عدم احترام إيران لالتزاماتها وتعهداتها في إطار معاهدة )حظر انتشارالأسلحة النووية(.وفي الوقت الذي رحبت فيه الأوساط الغربية بهذا القرار، انتقدته إيران واعتبرته غير قانوني، وأنها ستقوم بدراسته وستتخذ ما تراه مناسباً.
لقد أظهرت الترويكا موقفاً متسقاً مع سياستها إزاء المسألة النووية الإيرانية، حيث أكد المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر في يناير 2005 معارضته لاستخدام القوة من أجل تسوية المسألة النووية الإيرانية. أما بريطانيا فقد أكدت على الحل الدبلوماسي للمسألة النووية الإيرانية.
إن الموقف الأوروبي من الأزمة النووية الإيرانية كان يتفق مبدئياً مع التقييم الأمريكي بأن إيران تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، وأن البرنامج النووي الإيراني لا يندرج بالكامل في إطار الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وإنما توجد فيه مكونات سرية مهمة تندرج في إطار ما يمكن اعتباره انتهاكاً لاتفاقية الضمانات النووية، لكن الموقف الأوروبي اختلف مع ذلك بدرجة كبيرة عن الموقف الأمريكي من ناحيتين رئيسيتين هما:
1- التمهل الشديد في نقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن إلى حين استنفاد الخيارات الدبلوماسية.
2- الاستبعاد الكامل للخيار العسكري في التعامل مع هذه الأزمة.
وهكذا يبدو أن الأوروبيين يتبنون موقفاً يقوم من ناحية على عدم التسرع بنقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، لكنهم يحرصون من ناحية أخرى على تنسيق جهودهم وسياساتهم مع الولايات المتحدة، لا سيما أن اتفاق الجانبين الأوروبي والأمريكي على ضرورة تفكيك البرنامج النووي الإيراني يحمل في طياته قبولاً بالتصعيد الأمريكي ضد إيران إذ لم تتجاوب الأخيرة مع المطالب الأوروبية، أو إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.
لقد شددت الإدارة الأوروبية للأزمة النووية الإيرانية على قدرة وفاعلية الدبلوماسية الأوروبية إزاء الأزمات الدولية والإقليمية، وكانت واحدة من حالات نجاح قليلة لهذه الدبلوماسية، وقد استفادت الدول الأوروبية المعنية، وبالذات ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، من عناصر محددة كانت تتيح لها مساحة أكبر من الحركة في الأزمة، ويأتي في مقدمتها متانة العلاقات التجارية بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1996::/cck::
::introtext::
يرجع اهتمام إيران بالطاقة النووية إلى الخمسينات من القرن الماضي عندما رفعت أمريكا شعار (الذرة من أجل السلام) تعويضاً عن الصورة القاتمة التي عكستها للعالم لدى استخدامها قنابل هيروشيما وناغازاكي في اليابان بنهاية الحرب العالمية الثانية.
::/introtext::
::fulltext::
يرجع اهتمام إيران بالطاقة النووية إلى الخمسينات من القرن الماضي عندما رفعت أمريكا شعار (الذرة من أجل السلام) تعويضاً عن الصورة القاتمة التي عكستها للعالم لدى استخدامها قنابل هيروشيما وناغازاكي في اليابان بنهاية الحرب العالمية الثانية.
ابتدأ شاه إيران مشروع إيران النووي لأغراض البحث والتطوير، وكان يطمح إلى انتاج طاقة كهربائية قوامها 23000 ميغاواط من المفاعلات النووية في نهاية القرن العشرين. وعلى الرغم من اندفاعه إلا أن المشروع لم يتطور كما كان متوقعاً لأسباب عدة، ثم تعثر المشروع بالكامل بعد قيام الجمهورية الإسلامية سنة 1979 وتورطها في حرب الثماني سنوات مع العراق. وقد أعيدت الحياة إلى المشروع في نهاية الثمانينات وبدأ يتنامى على كافة صعد (دورة الوقود النووي) مع التركيز على تطوير وتعزيز القدرات الذاتية.
وأهم تطور تقني إيراني كشف عنه بين العامين (2002 ـ 2003) عندما صرحت إيران بأن لديها خططاً لبناء مصنعين لتخصيب الوقود النووي، ومفاعل إنتاج يعمل على الماء الثقيل، وآخر لتصنيع الوقود النووي، وإنها ابتدأت فعلاً بإجراء أبحاث أولية في مجالي التمويل والتخصيب (ومنها نفاثات الطرد المركزي الغازي والتخصيب بالليزر).
وفي 19 أغسطس 2003 بدأت إيران باختبار عشرة أجهزة تعاقبية في مصنع للتخصيب في (ناتانز) مستخدمة سادس فلوريد اليورانيوم (UF6).
وبعد إعلانها بتاريخ 21 أكتوبر 2003 أنها ستتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقّعت إيران بتاريخ 18 ديسمبر من السنة نفسها بروتوكولاً إضافياً لاتفاقية حظر الانتشار النووي (NPT) أصبحت بموجبه مُلزمة بالتفتيش الاستثنائي للوكالة (وقّعت إيران على اتفاقية منع الانتشار النووي في عام 1968)، وقد وجه اهتمام إيران- بتطوير كافة مراحل دورة الوقود النووي، واعتمادها على قدراتها الذاتية، بالإضافة إلى بعض التصريحات المسؤولة والأخرى غير المسؤولة لبعض المسؤولين الإيرانيين على خلفية التغيّرات السياسية في المنطقة – الشكوك حول نية البرنامج النووي الإيراني، والسعي للاستفادة من هذه الطاقة لتصنيع قنابل نووية، علماً أن معظم مفاعلات إيران لا تزال غير إنتاجية، ومناهجها ومختبراتها الخاصة بتحويل اليورانيوم أو تخصيبه هي في مراحلها التجريبية، وإذا استمر الأمر في هذا المعدل من التطور فلا يمكن التوقع بأن إيران تقترب من تصنيع أسلحة نووية من أي عيار لفترة لا تقل عن عقد من الزمان.
أعيدت الحياة إلى مشروع الطاقة النووية الإيراني في نهاية الثمانينات وبدأ يتنامى على كافة صعد دورة الوقود النووي
في أواسط عام 2002 كشفت مجموعة معارضة تقيم في فرنسا (المجلس الوطني للمعارضة الإيرانية NCRI) عن وجود منشأتين سريتين لتخصيب اليورانيوم في موقع (ناتانز) ومصنع للماء الثقيل في (آراك).
وبعد اكتشاف خزين من خام اليورانيوم في ساجاد (مقاطعة يزد) أعلنت إيران أنها تطور استخدام مفاعل نووي صغير يعتمد تماماً على المصادر والقدرات الذاتية. لقد قرع هذان الحدثان جرس الإنذار في أوساط السياسة والمخابرات الغربية، فالتخصيب وإنتاج الماء الثقيل، واستخراج الوقود النووي من مصادر محلية يعني بمفهومهم أن ذلك سيساهم بشكل فاعل في تطوير دورة وقود محلية ومن ثم سلاح نووي في وقت لاحق.
تطور المشروع النووي الإيراني ووكالة الطاقة الذرية
استنتجت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بعد زيارات عدة إلى مواقع إيرانية تقع تحت دائرة الشك في فبراير 2003 وبالاقتران مع تصريحات عديدة لمسؤولين إيرانيين أن هنالك عدداً من المنشآت التقنية ذات خصوصية حساسة إما في بداية عملها أو لا تزال تحت الإنجاز أو في طور التخطيط للإنجاز. وقد أثارت الوكالة تساؤلات إزاء احتمال قيام فعاليات تخصيب لليورانيوم في ورش (كاليا) للإلكترونيات تتعلق بإنتاج أجهزة للطرد المركزي الغازي.

جاء ذلك بعد فترة من اعتراف إيران باستيرادها لـ 1.8 طن من المواد (UF6 وUF4 وUO2) من الصين وهي مواد تستخدم لاستخلاص عنصر اليورانيوم 235 الأساسي في التخصيب وفي وقود القنبلة النووية. كما أن إيران صرحت لدى لقائها مع رسميين من الوكالة الدولية في أغسطس 2003، ولأول مرة، بأنها أجرت 113 تجربة تحويل لليورانيوم تتضمن إنتاج عنصر اليورانيوم من الكعكة الصفراء (UF4)، وإنتاج الكعكة من أكسيد اليورانيوم (UO2)،بالإضافة إلى إجرائها تجارب مختبرية لإنتاج الماء الثقيل في ثمانينات القرن الماضي. وعلى الرغم من مستوى التجارب المختبري وليس الإنتاجي لم تعلق الوكالة على الأمر في حينه. ولكن، وبعد عملية تحليل أجرتها الوكالة في يونيو 2003 على نماذج من التربة في مصنع ناتانز لتخصيب الوقود (التجريبي) وظهور يورانيوم عالي التخصيب (HEU) فيها صرّح الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية بأن إيران أخفقت في التزاماتها تجاه معاهدة حظر الانتشار النووي تحت البند (4) وأنها لم تكن شفافة في نشاطاتها النووية أو استيرادها للمواد ذات العلاقة (مزدوجة الاستخدام). وطالب البرادعي إيران بالإفصاح الكامل عن كافة نشاطاتها ولا سيما مشروع التخصيب وتجارب ما بعد التحويل، ثم دعاها إلى وقف نشاطات التخصيب كافة وتوقيع بروتوكول إضافي مع الوكالة قبل 31 أكتوبر 2003 يبيح للأخيرة التفتيش الاستثنائي على منشآت إيران ذات العلاقة بالمشروع النووي.
ولنزع فتيل أزمة متفجرة بين الوكالة الدولية وإيران عمل وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا على حث إيران على استصدار موافقة للتعاون مع الوكالة قبل نهاية فترة الإشعار. وكانت النتيجة أن أعلنت إيران في 21 أكتوبر 2003 أنها ستتعاون مع الوكالة بكل شفافية ووضوح، وأنها ستوقع البروتوكول وتوقف كافة نشاطات التخصيب، وتم توقيع البروتوكول فعلاً في 18 يناير 2003.
بعد توقيع البروتوكول الذي أباح للوكالة حق التفتيش الاستثنائي اعتبرت إيران متعاونة بحسب الوكالة ولكن ليس بالمطلق. وفي 18 حزيران 2004 صوّت أعضاء مجلس أمناء الوكالة الدولية، وثلثهم من الأمريكيين، بوجوب إشعار إيران بأنها لا تقدم دعماً كاملاً للبروتوكول لا سيما بعد تأجيلها لزيارة وفد من الوكالة إلى عدد من مواقع أجهزة الطرد المركزي (P2) وعدم تسليمها مخططات وتصاميم هذه الأجهزة وكذلك نتائج أبحاث أجرتها حول تحويل واختبار مواد نووية.
ونتيجة لذلك، طلبت الوكالة من إيران أن تكون (مطواعة) في تنفيذ بنود البروتوكول وحل المشكلات القائمة بينهما ومن ضمنها قضية تلوث أجهزة الطرد المركزي بيورانيوم عالي التخصيب (الذي بررته إيران بأن سبب التلوث أجزاء من الأجهزة المستوردة)، وتحديد إنتاج البلوتونيوم 210. ومنذ هذا التاريخ أخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها في مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالادعاء المباشر بأن مشروع إيران النووي هو مشروع تسليحي يسعى إلى إنتاج قنبلة نووية بأقرب فرصة ممكنة. وفي محاولة سياسية لإرجاع إيران إلى صف الإرادة الدولية حسب تعبير الأوساط الدبلوماسية الغربية عرض ممثلون عن كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا بالتعاون مع الوكالة الدولية مساعدات نووية وتجارية مقابل تخلي إيران عن مشروعها النووي الطموح (ولا سيما عمليات التخصيب والتحويل).
يتجاوز حجم التجارة البينية سنوياً بين إيران ودول الاتحاد الأوربي 10 مليارات دولار قابلة للزيادة
وفي نوفمبر 2004 اتفقت الأطراف جميعاً على الالتزام بمقررات معاهدة (NPT)، والحفاظ على مفهوم الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تقتنع بهذا الاتفاق، واستمرت في تحريض المجتمع الدولي والمنظمة الدولية على الاستمرار في عمليات التفتيش الاستثنائية. وفي نهاية نوفمبر 2004 أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تقريراً يفيد بوجود علاقة تعاون بين عالم الذرة الباكستاني عبدالقدير خان وإيران تبنى مجلس إدارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجبه (بتاريخ 29 نوفمبر 2004) قراراً يُخضع إيران لإيقاف كافة نشاطاتها النووية حتى الانتهاء من أعمال التفتيش.
ووافق المسؤولون الإيرانيون على القرار رسمياً، لكنهم استمروا بإعطاء تصريحات بأن إيران لن تتخلى عن مشروعها النووي، وأن الاتفاق الذي أبرم اتفاق مؤقت وليس دائماً.
وفي ديسمبر 2004 تمكن مفتشو الوكالة الدولية نتيجة لوشاية من المعارضة الإيرانية في الخارج من الوصول إلى موقعين عسكريين إيرانيين هما (بارجين ولافيزان). وتبين أن الموقعين معدان لاختبار المتفجرات التقليدية وتخزين معدات ومواد نقلت إليهما من مواقع أخرى كانت قد صنفت بأنها ذات طبيعة نووية. وفي مارس 2005 رفضت إيران الزيارة الثانية إلى موقع بارجين من قبل مفتشي الوكالة على أساس أنها غير مسوّغة.
وهذا ما دعا الوكالة إلى القول إن هذا الرفض عطّل جهد المنظمة الدولية في التحري عن أجهزة الطرد ومصدر التلوث باليورانيوم عالي التخصيب الذي كشفته في أحد المواقع فيما لم تظهر تحاليلهم في مواقع خمسة أخرى أي شيء يدعو للشك.
ونتيجة لهذه المواقف المتعاقبة صرح علي أكبر صالحي في 22 إبريل 2005 إبان المباحثات الثنائية مع المجموعة الأوروبية بأن خطة إيران في تحقيق دورة وقود نووي ذاتية أمر واضح ولا رجعة عنه، لكن هذا لا يعني السعي للحصول على سلاح نووي. وقد أثار هذا التصريح موجة انتقاد واسعة في الأوساط الرسمية الغربية (الأوروبية والأمريكية). وفي رسالة تهديد عاجلة وغير مباشرة إلى إيران وافقت الولايات المتحدة الأمريكية في 25 إبريل 2004 على بيع إسرائيل 500 قنبلة خارقة للحصون (Bunkerbustes) قادرة على اختراق المنشآت تحت الأرض. وكرد فعل مقابل قامت إيران في أغسطس 2005 بفك أختام الوكالة ووسائل مراقبتها على منشآت نووية يعتقد أنها تعنى بأجهزة التخصيب بالطرد المركزي في محاولة سياسية لقطع دابر تدخل أجنبي متواصل لا حدود له في مشروع لا يخلو من طموح، لكنه لا يزال وليداً، وفي مراحل نشأته الأولى. لكن لماذا التركيز على مشروع التخصيب؟ ولماذا يشكل لقمة لا يسهل ابتلاعها من قبل الوكالة الدولية والإدارة الأمريكية على وجه الخصوص؟ وما هي حقيقته ومواقعه في إيران؟
التطورات الأخيرة
لقد اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفاً متشدداً حيال طهران داعياً السلطات الإيرانية إلى التوقيع على بروتوكول يسمح بتفتيش دولي أدق لمنشآتها النووية، مرفقاً ذلك بلهجة تحذيرية اقتربت من الموقف الأمريكي، وربط وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم في لوكسمبورغ تجاوب طهران مع دعوتهم بمواصلة الحوار معها في شأن إبرام اتفاق تجاري بين الجانبين، وتؤيد بعض الدول الأوروبية وأستراليا وجهة النظر الأمريكية بأن المساعي النووية الإيرانية لا تدل على أن برنامجها النووي مخصص للاستخدام السلمي.
وخيمت تعقيدات وتطورات المسألة النووية الإيرانية على العلاقات بين طهران ودول الاتحاد الأوروبي، بحيث غدت الترويكا الأوروبية فاعلاً رئيسياً في إدارة الأزمة النووية الإيرانية، وعلى الرغم من اتفاق الأوروبيين مع الأمريكيين على ضرورة منع إيران من تصنيع أو امتلاك السلاح النووي، إلا أن الترويكا الأوروبية ترى في المفاوضات سبيلاً أمثل لتحقيق هذه الغاية. وربما يعود المنحى الأوروبي نحو الطرق الدبلوماسية مع إيران لتسوية مسألتها النووية إلى اعتبارات عدة أهمها:
1- عدم استعداد الأوروبيين لتأييد أو مشاركة في أي عمل عسكري ضد أي من دول الشرق الأوسط في هذه المرحلة الحرجة، لاسيما أن إيران تختلف عن كل من أفغانستان والعراق وستكون تكلفة أي عمل عسكري ضدها كبيرة.
2- العلاقات التجارية الوثيقة بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي، حيث يتجاوز حجم التجارة البينية سنوياً للجانبين عشرة مليارات دولار قابلة للزيادة في ظل التوجهات الإصلاحية والانفتاحية لنظام طهران.
ومن ثم سعت دول الترويكا إلى تبني سياسة تقوم من ناحية على إغراء إيران ببعض المكاسب الاقتصادية والسياسية لقبول وقف أنشطة تخصيب اليورانيوم، وتم توقيع (اتفاق باريس) بين الجانبين في نوفمبر 2004 والذي جرت على أساسه مفاوضات مطولة بين الجانبين طيلة النصف الأول من عام 2005، لكن مع التلويح لإيران من ناحية بأن عدم استجابتها للمطالب بشأن الإيقاف الكامل والنهائي لأنشطة تخصيب اليورانيوم سوف يعرضها للعقوبات والعزلة الدولية.
لقد تراجع الاتحاد الأوروبي عن إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي في الوقت الحالي وفق مشروع قرار جديد طرح في اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وطالب مشروع القرار من مدير الوكالة الذرية محمد البرادعي تقديم تقرير بشأن برنامج إيران النووي إلى مجلس الوكالة الذي سيحدد موعد ومضمون تقرير حول الملف الإيراني يرفع إلى مجلس الأمن، مع أن نص المشروع لم يذكر المجلس تحديداً.
وكان الاتحاد الأوروبي قد دعا بوضوح إلى إحالة الملف الإيراني فوراً إلى مجلس الأمن، لكنه واجه معارضة من قبل روسيا والصين ودول عدم الانحياز في اجتماع مجلس محافظي الوكالة في فيينا. جاء ذلك بعدما قدم الاتحاد مسودة قرار وصفت بالقاسية على أعضاء مجلس المحافظين الـ35 بشأن الملف النووي الإيراني.
وقد تبنى مجلس حكام الوكالة في 24 سبتمبر 2005 مشروع القرار الأوروبي بأغلبية 22 صوتاً مقابل اعتراض فنزويلا فقط وامتناع 12 دولة من أعضاء مجلس الـ 35 عن التصويت بينها روسيا والصين. ويمهد القرار لإحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي انتظاراً للتقرير الذي سيقدمه البرادعي إلى المجلس، وينتقد القرار ما سماه عدم احترام إيران لالتزاماتها وتعهداتها في إطار معاهدة )حظر انتشارالأسلحة النووية(.وفي الوقت الذي رحبت فيه الأوساط الغربية بهذا القرار، انتقدته إيران واعتبرته غير قانوني، وأنها ستقوم بدراسته وستتخذ ما تراه مناسباً.
لقد أظهرت الترويكا موقفاً متسقاً مع سياستها إزاء المسألة النووية الإيرانية، حيث أكد المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر في يناير 2005 معارضته لاستخدام القوة من أجل تسوية المسألة النووية الإيرانية. أما بريطانيا فقد أكدت على الحل الدبلوماسي للمسألة النووية الإيرانية.
إن الموقف الأوروبي من الأزمة النووية الإيرانية كان يتفق مبدئياً مع التقييم الأمريكي بأن إيران تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، وأن البرنامج النووي الإيراني لا يندرج بالكامل في إطار الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وإنما توجد فيه مكونات سرية مهمة تندرج في إطار ما يمكن اعتباره انتهاكاً لاتفاقية الضمانات النووية، لكن الموقف الأوروبي اختلف مع ذلك بدرجة كبيرة عن الموقف الأمريكي من ناحيتين رئيسيتين هما:
1- التمهل الشديد في نقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن إلى حين استنفاد الخيارات الدبلوماسية.
2- الاستبعاد الكامل للخيار العسكري في التعامل مع هذه الأزمة.
وهكذا يبدو أن الأوروبيين يتبنون موقفاً يقوم من ناحية على عدم التسرع بنقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، لكنهم يحرصون من ناحية أخرى على تنسيق جهودهم وسياساتهم مع الولايات المتحدة، لا سيما أن اتفاق الجانبين الأوروبي والأمريكي على ضرورة تفكيك البرنامج النووي الإيراني يحمل في طياته قبولاً بالتصعيد الأمريكي ضد إيران إذ لم تتجاوب الأخيرة مع المطالب الأوروبية، أو إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.
لقد شددت الإدارة الأوروبية للأزمة النووية الإيرانية على قدرة وفاعلية الدبلوماسية الأوروبية إزاء الأزمات الدولية والإقليمية، وكانت واحدة من حالات نجاح قليلة لهذه الدبلوماسية، وقد استفادت الدول الأوروبية المعنية، وبالذات ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، من عناصر محددة كانت تتيح لها مساحة أكبر من الحركة في الأزمة، ويأتي في مقدمتها متانة العلاقات التجارية بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي.
::/fulltext::
::cck::1996::/cck::
