أمن الطاقة الأوروبي ودول الخليج

::cck::1997::/cck::
::introtext::

دفعت التطورات الأخيرة في مجال الطاقة إلى إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة وذلك على المستويات الأكاديمية والتطبيقية، حيث أخذت دول عدة تعيد التفكير في مفهومها الخاص بأمن الطاقة وكذلك سبل وآليات ضمان أمن الطاقة الخاصة بها، هذا الأمر لم يقتصر على الدول المستهلكة للطاقة فحسب، بل إن الدول المنتجة للطاقة أخذت هي الأخرى تفكر في مفهومها الجديد لأمن الطاقة والذي اتجه في دول عدة إلى إحكام الدولة لقبضتها على هذا القطاع الاقتصادي المهم بما يضمن للحكومات أدوات للتأثير السياسي.

::/introtext::
::fulltext::

دفعت التطورات الأخيرة في مجال الطاقة إلى إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة وذلك على المستويات الأكاديمية والتطبيقية، حيث أخذت دول عدة تعيد التفكير في مفهومها الخاص بأمن الطاقة وكذلك سبل وآليات ضمان أمن الطاقة الخاصة بها، هذا الأمر لم يقتصر على الدول المستهلكة للطاقة فحسب، بل إن الدول المنتجة للطاقة أخذت هي الأخرى تفكر في مفهومها الجديد لأمن الطاقة والذي اتجه في دول عدة إلى إحكام الدولة لقبضتها على هذا القطاع الاقتصادي المهم بما يضمن للحكومات أدوات للتأثير السياسي.

إذا ما نظرنا إلى المفهوم الأوروبي لأمن الطاقة للتعرف إلى موقع منطقة الخليج كأهم منتج لمصادر الطاقة التقليدية في العالم فنجد أنه رغم أن المصالح الأوروبية في منطقة الخليج في مجال الطاقة تتسم بأنها محدودة، إلا أن هناك اتجاهاً أوروبياً نحو تطوير تعاون مستقبلي بين الطرفين في هذا المجال. وسنحاول إلقاء الضوء أولاً على واقع ومفهوم أمن الطاقة الأوروبي وموقع منطقة الخليج في هذا المفهوم، بالإضافة إلى إمكانيات التعاون المستقبلي بين الطرفين في هذا المجال.

إذا ما نظرنا إلى واقع أمن الطاقة الأوروبي فيتضح أن معظم الدول الأوروبية تعتمد على الخارج لتأمين احتياجاتها من مصادر الطاقة من النفط والغاز الطبيعي، فالاتحاد الأوروبي هو ثاني أكبر سوق للطاقة في العالم حيث يوجد فيه 450 مليون مستهلك. وفي الوقت الحالي تستورد دول الاتحاد الأوروبي 50 في المائة من احتياجاتها من مصادر الطاقة من الخارج وهي النسبة التي من المتوقع أن تزيد لتبلغ 70 في المائة بحلول عام 2030م، حيث تستهلك دول الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي نحو 18 في المائة من الإنتاج العالمي من النفط، و 19 في المائة من الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي. وتعتمد دول الاتحاد الأوروبي على كل من دول الشرق الأوسط وروسيا في تلبية تلك الاحتياجات، حيث تستورد 25 في المائة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا، وهي النسبة التي من المتوقع أن تزيد لتبلغ 40 في المائة بحلول 2030م، كما يتوقع بحلول التاريخ ذاته أن تبلغ واردات دول الاتحاد الأوروبي من نفط الشرق الأوسط 45 في المائة من احتياجاتها النفطية. وفي الوقت الحالي فإن تقريباً نصف استهلاك دول الاتحاد الأوروبي من الغاز يأتي من ثلاث دول هي روسيا والنرويج والجزائر. وتستورد ألمانيا 32 في المائة من احتياجاتها من الطاقة من روسيا، أما بولندا فتستورد ثلثي احتياجاتها من الغاز الطبيعي و97 في المائة من احتياجاتها من النفط من روسيا أيضاً.

ويشكل النفط نحو 37 في المائة من استهلاك دول الاتحاد الأوروبي الحالي من مصادر الطاقة المختلفة، وبلغ إنتاج دول الاتحاد الأوروبي المختلفة من النفط نحو 4731 ألف برميل يومياً في نهاية عام 2007 في حين أن استهلاك تلك الدول مثّل 15 مليون برميل.

ومن بين الدول الأوروبية فإن النرويج وانكلترا هما الدولتان اللتان لديهما إنتاج يعتد به من النفط، ورغم ذلك فمن المتوقع أن تتحول إنكلترا لأن تصبح دولة مستوردة للنفط بحلول 2010. أما في ما يتعلق بالنرويج فرغم أنها وفرت نحو 24.13 في المائة من استهلاك دول الاتحاد الأوروبي من النفط في عام 2001، إلا أن تلك النسبة انخفضت في عام 2006 لتصبح 15.8 في المائة.

أما بالنسبة للغاز الطبيعي فقد بلغ الإنتاج الأوروبي منه نحو 274.9 مليون متر مكعب في نهاية عام 2007 وهو ما مثل 9.3 في المائة من الإنتاج العالمي، كما أن الاحتياطيات الأوروبية من الغاز الطبيعي تمثل 9.3 في المائة من الاحتياطيات العالمية.  

تعد النرويج وإنكلترا من بين الدول الأوروبية التي لديها إنتاج يعتد به من النفط

وتوضح هذه الأرقام هشاشة وضع أمن الطاقة في دول الاتحاد الأوروبي وهو ما أكده الموقف الروسي في يناير عام 2006 عندما قررت موسكو التوقف عن ضخ الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا وهو الوضع الذي أثر في كلِّ من ألمانيا والنمسا.

ودفع هذا الواقع بدول الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في مفهومها لأمن الطاقة، وقد حددت الوثائق الصادرة مؤخراً عن المفوضية الأوروبية المفهوم الأوروبي لأمن الطاقة انطلاقاً من أربعة مكونات هي: إدارة الطلب، وتنويع مصادر الطاقة، وتنظيم سوق الطاقة الداخلي، والتحكم في العرض الخارجي.

* إدارة الطلب: يدعو الاتحاد الأوروبي إلى تقليل استهلاك الطاقة قدر الإمكان. ووفقاً للمفوضية فإنه إذا تم تقليل استخدام الطاقة بنسبة واحد في المائة كل عام حتى عام 2010 يمكن توفير طاقة تُقدّر بـ 200 مليون طن من النفط كل عام. كما ركز الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن على طرح مفاهيم تتعلق بكفاءة استخدام الطاقة.

* التنوع في مصادر الطاقة: وهو الأمر الذي من شأنه تقليل التبعية لمنطقة أو دولة بعينها من خلال العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي. وفي هذا السياق يتبنى الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي خطة لزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة لتزيد من 6 في المائة في الوقت الحالي إلى 12 في المائة بحلول 2010.

أما المكون الثالث في الاستراتيجية الأوروبية لتحقيق أمن الطاقة فيتمثل في تجنب الأزمات في سوق الطاقة من خلال قناعة مفادها أن تحقيق أمن العرض يتطلب أن يكون السوق منظماً بصورة جيدة بشكل يحول دون حدوث الأزمات.

أما المكوّن الرابع في تلك الاستراتيجية، فيتمثل في التحكم في العرض الخارجي من خلال التركيز على الدخول في شراكة مع الدول الأساسية التي يعتمد عليها الاتحاد الأوروبي في تأمين وارداته من النفط والغاز الطبيعي. وفي هذا السياق ركز الاتحاد الأوروبي بصورة أساسية على الجار الروسي، حيث بدأ الطرفان في حوار بهذا الشأن منذ أكتوبر عام 2000، إلا أن هذا الحوار لم يحل دون بروز أزمات على غرار الموقف الروسي في أوائل عام 2006. كما أن هذا الوضع دفع بالاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في دول الخليج وإيران كبدائل في مجال الطاقة.

وتجدر الإشارة إلى أنه رغم الاستراتيجية المعلنة للاتحاد الأوروبي، إلا أن هناك صعوبة في إيجاد استراتيجية موحدة للطاقة تجمع كافة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، حيث تتبنى كلُّ واحدة من الدول الأعضاء مفهومها الخاص بأمن الطاقة. ففرنسا على سبيل المثال ترفض أي تدخل من خارج أو داخل الاتحاد الأوروبي في تنظيم إنتاج أو استهلاك الطاقة النووية في البلاد، والأمر ذاته تطبقه دول أخرى على النفط والغاز الطبيعي مثل بريطانيا وهولندا. بينما تطرح دول مثل إيطاليا والنمسا – وهي دول غير نووية- فكرة شراكة جيرانها من الدول النووية في الاستفادة من الطاقة النووية المتوافرة لديها.

إن فكرة وطنية الطاقة تحكم كل واحدة من الدول الأوروبية في الوقت الحالي بصدد علاقاتها في مجال الطاقة مع بقية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وهو ما برز مؤخراً في شكل بعض الخلافات ومنها الخلاف الذي نشب في مارس عام 2006 بين فرنسا وإيطاليا عندما منعت الحكومة الفرنسية شركة إيطالية من دخول السوق الفرنسي بهدف تعجيل دمج شركتين فرنسيتين منتجتين للغاز الطبيعي، الأمر الذي بررته الحكومة الفرنسية آنذاك بأنه يجنب البلاد الاعتماد على مصادر خارجية، خاصة أن هذا الموقف الفرنسي جاء بعد القرار الروسي بوقف ضخ الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا. ودفع هذا الأمر الحكومة الإيطالية إلى رفع القضية للمفوضية الأوروبية، حيث اتهمت فرنسا بأنها تخترق مبادئ السوق التي تقوم على التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. 

على الجانب الآخر تمتلك دول الخليج 38 في المائة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط الخام ونحو 22 في المائة من الاحتياطيات العالمية من الغاز الطبيعي. وفي الوقت الحالي يستورد الاتحاد الأوروبي نحو 20 في المائة من احتياجاته من الطاقة من دول الخليج. كما أن مجلس التعاون الخليجي يعد حالياً سادس أكبر سوق مستورد من الاتحاد الأوروبي، أما الأخير فيعد الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون الخليجي. وتشير المصادر إلى أن صادرات دول مجلس التعاون الخليجي إلى الاتحاد الأوروبي تقتصر على عدد محدود من السلع لتشمل النفط الخام والبتروكيماويات والألمنيوم. بينما تتنوع وارداتها وتغلب عليها المنتجات المصنعة والتي تمثل ثلاثة أرباع الواردات، بالإضافة إلى المنتجات الزراعية والغذائية.

وفي هذا السياق تشير التحليلات إلى أن نفط الخليج يظهر كبديل مهم للاتحاد الأوروبي خاصة في ظل المواقف الروسية التي ظهرت مؤخراً والتي أثرت في أمن الطاقة الأوروبي مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى التفكير في بدائل أخرى، لذا فقد أخذت بعض الشركات الأوروبية تهتم بالتعاون مع دول المنطقة في مجال الطاقة.

وفي الواقع هناك مجموعة من العوامل دفعت دول الاتحاد الأوروبي مؤخراً إلى زيادة الاهتمام بقضية الطاقة على المستوى العالمي والتي تمثلت في تزايد الطلب العالمي على مصادر الطاقة وعدم الاستقرار في معظم المناطق الأساسية المنتجة لمصادر الطاقة المختلفة، بالإضافة إلى الرغبة الروسية في استخدام الطاقة كسلاح استراتيجي في علاقاتها مع الغرب.

وتجدر الإشارة إلى أنه يجري حالياً ومنذ سنوات طويلة تفاوض بين الطرفين من أجل التوصل إلى الاتفاقية تجارة حرة وعند توقيعها ستكون أول اتفاقية تجارة حرة بين منطقتين، كما أنها ستوفر روابط إقليمية مهمة. وفي إطار هذه المفاوضات توصل الطرفان إلى إيجاد حوار بشأن التعاون في مجال الطاقة والبيئة وهذا الحوار من شأنه خلق إمكانية لمزيد من التعاون المستقبلي بين المنطقتين في هذا المجال.

وعلى هذا الأساس وفي سياق الرغبة الأوروبية في البديل الخليجي في مجال النفط في إطار التوتر القائم مع روسيا في هذا المجال، فإن من مصلحة الطرفين تطوير التعاون في مجال الطاقة وبما يضمن مصلحتهما.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1997::/cck::
::introtext::

دفعت التطورات الأخيرة في مجال الطاقة إلى إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة وذلك على المستويات الأكاديمية والتطبيقية، حيث أخذت دول عدة تعيد التفكير في مفهومها الخاص بأمن الطاقة وكذلك سبل وآليات ضمان أمن الطاقة الخاصة بها، هذا الأمر لم يقتصر على الدول المستهلكة للطاقة فحسب، بل إن الدول المنتجة للطاقة أخذت هي الأخرى تفكر في مفهومها الجديد لأمن الطاقة والذي اتجه في دول عدة إلى إحكام الدولة لقبضتها على هذا القطاع الاقتصادي المهم بما يضمن للحكومات أدوات للتأثير السياسي.

::/introtext::
::fulltext::

دفعت التطورات الأخيرة في مجال الطاقة إلى إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة وذلك على المستويات الأكاديمية والتطبيقية، حيث أخذت دول عدة تعيد التفكير في مفهومها الخاص بأمن الطاقة وكذلك سبل وآليات ضمان أمن الطاقة الخاصة بها، هذا الأمر لم يقتصر على الدول المستهلكة للطاقة فحسب، بل إن الدول المنتجة للطاقة أخذت هي الأخرى تفكر في مفهومها الجديد لأمن الطاقة والذي اتجه في دول عدة إلى إحكام الدولة لقبضتها على هذا القطاع الاقتصادي المهم بما يضمن للحكومات أدوات للتأثير السياسي.

إذا ما نظرنا إلى المفهوم الأوروبي لأمن الطاقة للتعرف إلى موقع منطقة الخليج كأهم منتج لمصادر الطاقة التقليدية في العالم فنجد أنه رغم أن المصالح الأوروبية في منطقة الخليج في مجال الطاقة تتسم بأنها محدودة، إلا أن هناك اتجاهاً أوروبياً نحو تطوير تعاون مستقبلي بين الطرفين في هذا المجال. وسنحاول إلقاء الضوء أولاً على واقع ومفهوم أمن الطاقة الأوروبي وموقع منطقة الخليج في هذا المفهوم، بالإضافة إلى إمكانيات التعاون المستقبلي بين الطرفين في هذا المجال.

إذا ما نظرنا إلى واقع أمن الطاقة الأوروبي فيتضح أن معظم الدول الأوروبية تعتمد على الخارج لتأمين احتياجاتها من مصادر الطاقة من النفط والغاز الطبيعي، فالاتحاد الأوروبي هو ثاني أكبر سوق للطاقة في العالم حيث يوجد فيه 450 مليون مستهلك. وفي الوقت الحالي تستورد دول الاتحاد الأوروبي 50 في المائة من احتياجاتها من مصادر الطاقة من الخارج وهي النسبة التي من المتوقع أن تزيد لتبلغ 70 في المائة بحلول عام 2030م، حيث تستهلك دول الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي نحو 18 في المائة من الإنتاج العالمي من النفط، و 19 في المائة من الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي. وتعتمد دول الاتحاد الأوروبي على كل من دول الشرق الأوسط وروسيا في تلبية تلك الاحتياجات، حيث تستورد 25 في المائة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا، وهي النسبة التي من المتوقع أن تزيد لتبلغ 40 في المائة بحلول 2030م، كما يتوقع بحلول التاريخ ذاته أن تبلغ واردات دول الاتحاد الأوروبي من نفط الشرق الأوسط 45 في المائة من احتياجاتها النفطية. وفي الوقت الحالي فإن تقريباً نصف استهلاك دول الاتحاد الأوروبي من الغاز يأتي من ثلاث دول هي روسيا والنرويج والجزائر. وتستورد ألمانيا 32 في المائة من احتياجاتها من الطاقة من روسيا، أما بولندا فتستورد ثلثي احتياجاتها من الغاز الطبيعي و97 في المائة من احتياجاتها من النفط من روسيا أيضاً.

ويشكل النفط نحو 37 في المائة من استهلاك دول الاتحاد الأوروبي الحالي من مصادر الطاقة المختلفة، وبلغ إنتاج دول الاتحاد الأوروبي المختلفة من النفط نحو 4731 ألف برميل يومياً في نهاية عام 2007 في حين أن استهلاك تلك الدول مثّل 15 مليون برميل.

ومن بين الدول الأوروبية فإن النرويج وانكلترا هما الدولتان اللتان لديهما إنتاج يعتد به من النفط، ورغم ذلك فمن المتوقع أن تتحول إنكلترا لأن تصبح دولة مستوردة للنفط بحلول 2010. أما في ما يتعلق بالنرويج فرغم أنها وفرت نحو 24.13 في المائة من استهلاك دول الاتحاد الأوروبي من النفط في عام 2001، إلا أن تلك النسبة انخفضت في عام 2006 لتصبح 15.8 في المائة.

أما بالنسبة للغاز الطبيعي فقد بلغ الإنتاج الأوروبي منه نحو 274.9 مليون متر مكعب في نهاية عام 2007 وهو ما مثل 9.3 في المائة من الإنتاج العالمي، كما أن الاحتياطيات الأوروبية من الغاز الطبيعي تمثل 9.3 في المائة من الاحتياطيات العالمية.  

تعد النرويج وإنكلترا من بين الدول الأوروبية التي لديها إنتاج يعتد به من النفط

وتوضح هذه الأرقام هشاشة وضع أمن الطاقة في دول الاتحاد الأوروبي وهو ما أكده الموقف الروسي في يناير عام 2006 عندما قررت موسكو التوقف عن ضخ الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا وهو الوضع الذي أثر في كلِّ من ألمانيا والنمسا.

ودفع هذا الواقع بدول الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في مفهومها لأمن الطاقة، وقد حددت الوثائق الصادرة مؤخراً عن المفوضية الأوروبية المفهوم الأوروبي لأمن الطاقة انطلاقاً من أربعة مكونات هي: إدارة الطلب، وتنويع مصادر الطاقة، وتنظيم سوق الطاقة الداخلي، والتحكم في العرض الخارجي.

* إدارة الطلب: يدعو الاتحاد الأوروبي إلى تقليل استهلاك الطاقة قدر الإمكان. ووفقاً للمفوضية فإنه إذا تم تقليل استخدام الطاقة بنسبة واحد في المائة كل عام حتى عام 2010 يمكن توفير طاقة تُقدّر بـ 200 مليون طن من النفط كل عام. كما ركز الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن على طرح مفاهيم تتعلق بكفاءة استخدام الطاقة.

* التنوع في مصادر الطاقة: وهو الأمر الذي من شأنه تقليل التبعية لمنطقة أو دولة بعينها من خلال العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي. وفي هذا السياق يتبنى الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي خطة لزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة لتزيد من 6 في المائة في الوقت الحالي إلى 12 في المائة بحلول 2010.

أما المكون الثالث في الاستراتيجية الأوروبية لتحقيق أمن الطاقة فيتمثل في تجنب الأزمات في سوق الطاقة من خلال قناعة مفادها أن تحقيق أمن العرض يتطلب أن يكون السوق منظماً بصورة جيدة بشكل يحول دون حدوث الأزمات.

أما المكوّن الرابع في تلك الاستراتيجية، فيتمثل في التحكم في العرض الخارجي من خلال التركيز على الدخول في شراكة مع الدول الأساسية التي يعتمد عليها الاتحاد الأوروبي في تأمين وارداته من النفط والغاز الطبيعي. وفي هذا السياق ركز الاتحاد الأوروبي بصورة أساسية على الجار الروسي، حيث بدأ الطرفان في حوار بهذا الشأن منذ أكتوبر عام 2000، إلا أن هذا الحوار لم يحل دون بروز أزمات على غرار الموقف الروسي في أوائل عام 2006. كما أن هذا الوضع دفع بالاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في دول الخليج وإيران كبدائل في مجال الطاقة.

وتجدر الإشارة إلى أنه رغم الاستراتيجية المعلنة للاتحاد الأوروبي، إلا أن هناك صعوبة في إيجاد استراتيجية موحدة للطاقة تجمع كافة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، حيث تتبنى كلُّ واحدة من الدول الأعضاء مفهومها الخاص بأمن الطاقة. ففرنسا على سبيل المثال ترفض أي تدخل من خارج أو داخل الاتحاد الأوروبي في تنظيم إنتاج أو استهلاك الطاقة النووية في البلاد، والأمر ذاته تطبقه دول أخرى على النفط والغاز الطبيعي مثل بريطانيا وهولندا. بينما تطرح دول مثل إيطاليا والنمسا – وهي دول غير نووية- فكرة شراكة جيرانها من الدول النووية في الاستفادة من الطاقة النووية المتوافرة لديها.

إن فكرة وطنية الطاقة تحكم كل واحدة من الدول الأوروبية في الوقت الحالي بصدد علاقاتها في مجال الطاقة مع بقية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وهو ما برز مؤخراً في شكل بعض الخلافات ومنها الخلاف الذي نشب في مارس عام 2006 بين فرنسا وإيطاليا عندما منعت الحكومة الفرنسية شركة إيطالية من دخول السوق الفرنسي بهدف تعجيل دمج شركتين فرنسيتين منتجتين للغاز الطبيعي، الأمر الذي بررته الحكومة الفرنسية آنذاك بأنه يجنب البلاد الاعتماد على مصادر خارجية، خاصة أن هذا الموقف الفرنسي جاء بعد القرار الروسي بوقف ضخ الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا. ودفع هذا الأمر الحكومة الإيطالية إلى رفع القضية للمفوضية الأوروبية، حيث اتهمت فرنسا بأنها تخترق مبادئ السوق التي تقوم على التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. 

على الجانب الآخر تمتلك دول الخليج 38 في المائة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط الخام ونحو 22 في المائة من الاحتياطيات العالمية من الغاز الطبيعي. وفي الوقت الحالي يستورد الاتحاد الأوروبي نحو 20 في المائة من احتياجاته من الطاقة من دول الخليج. كما أن مجلس التعاون الخليجي يعد حالياً سادس أكبر سوق مستورد من الاتحاد الأوروبي، أما الأخير فيعد الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون الخليجي. وتشير المصادر إلى أن صادرات دول مجلس التعاون الخليجي إلى الاتحاد الأوروبي تقتصر على عدد محدود من السلع لتشمل النفط الخام والبتروكيماويات والألمنيوم. بينما تتنوع وارداتها وتغلب عليها المنتجات المصنعة والتي تمثل ثلاثة أرباع الواردات، بالإضافة إلى المنتجات الزراعية والغذائية.

وفي هذا السياق تشير التحليلات إلى أن نفط الخليج يظهر كبديل مهم للاتحاد الأوروبي خاصة في ظل المواقف الروسية التي ظهرت مؤخراً والتي أثرت في أمن الطاقة الأوروبي مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى التفكير في بدائل أخرى، لذا فقد أخذت بعض الشركات الأوروبية تهتم بالتعاون مع دول المنطقة في مجال الطاقة.

وفي الواقع هناك مجموعة من العوامل دفعت دول الاتحاد الأوروبي مؤخراً إلى زيادة الاهتمام بقضية الطاقة على المستوى العالمي والتي تمثلت في تزايد الطلب العالمي على مصادر الطاقة وعدم الاستقرار في معظم المناطق الأساسية المنتجة لمصادر الطاقة المختلفة، بالإضافة إلى الرغبة الروسية في استخدام الطاقة كسلاح استراتيجي في علاقاتها مع الغرب.

وتجدر الإشارة إلى أنه يجري حالياً ومنذ سنوات طويلة تفاوض بين الطرفين من أجل التوصل إلى الاتفاقية تجارة حرة وعند توقيعها ستكون أول اتفاقية تجارة حرة بين منطقتين، كما أنها ستوفر روابط إقليمية مهمة. وفي إطار هذه المفاوضات توصل الطرفان إلى إيجاد حوار بشأن التعاون في مجال الطاقة والبيئة وهذا الحوار من شأنه خلق إمكانية لمزيد من التعاون المستقبلي بين المنطقتين في هذا المجال.

وعلى هذا الأساس وفي سياق الرغبة الأوروبية في البديل الخليجي في مجال النفط في إطار التوتر القائم مع روسيا في هذا المجال، فإن من مصلحة الطرفين تطوير التعاون في مجال الطاقة وبما يضمن مصلحتهما.

 

::/fulltext::
::cck::1997::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *