أمريكا في العالم العربي إشكالية تحسين الصورة وتناقض معطيات الواقع عندما تنطفئ أضواء القلعة الأمريكية فوق تل العالم
::cck::2012::/cck::
::introtext::
(قبل وقت غير طويل كان الحلم الأمريكي خيالاً ونزعة عالمية، لم يكن الأمريكيون وحدهم يرون في أنفسهم منارة للأمم الأخرى، فهكذا رأتهم بقية دول العالم، أوروبا الشرقية استمعت لإذاعة أوروبا الحرب، ونصب الطلبة الصينيون نسخة من تمثال الحرية في ميدان يتانانمن).
::/introtext::
::fulltext::
(قبل وقت غير طويل كان الحلم الأمريكي خيالاً ونزعة عالمية، لم يكن الأمريكيون وحدهم يرون في أنفسهم منارة للأمم الأخرى، فهكذا رأتهم بقية دول العالم، أوروبا الشرقية استمعت لإذاعة أوروبا الحرب، ونصب الطلبة الصينيون نسخة من تمثال الحرية في ميدان يتانانمن).
هكذا يستهل البروفيسور أندروا مورافشيك أستاذ السياسة الدولية ومدير برنامج الاتحاد الأوروبي في جامعة برنستون الأمريكية العريقة مداخلة قيمة عن صورة أمريكا في العالم على نحو عام وفي المنطقة العربية بشكل خاص عندما يؤكد أن أمريكا وطوال سنواتها حتى منتصف القرن الماضي تقريباً كانت دولة صديقة للعالم العربي، ولم يعرفها العرب كدولة احتلال لأراضيهم مثل إنكلترا أو فرنسا أو إيطاليا، غير أنه مع الاعتراف السريع بدولة إسرائيل بعد ساعة واحدة من إعلان مولدها وصولاً إلى غزو العراق كان من الطبيعي أن تتبدل وتتغير تلك الصورة طولاً وعرضاً، شكلاً ومضموناً مما يلقي بتساؤل جوهري عن مستقبل تلك الصورة وهل من أمل في تغييرها بعدما مسها السوء؟
تراجع صورة أمريكا في العالم العربي
في استطلاع حديث للرأي أجرته مؤسسة زغبي إنترناشيونال في الولايات المتحدة عن صورة الولايات المتحدة في العالم العربي بات واضحاً حالة الرفض لكل ما هو أمريكي لسببين رئيسيين هما الحرب في العراق والنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وقد أثر هذان النزاعان تأثيراً عميقاً على ثقة العرب بالتطور الاقتصادي والاستقرار السياسي في مناطقهم، وأعربت أكثرية الأشخاص الذين استُطلعت آراؤهم في البلدان العربية عن آراء غير مشجعة وهو تعبير أقرب ما يكون للدبلوماسية تجاه الولايات المتحدة وسياساتها، وجاءت نسبة الرفض 90 في المائة في الأردن، 83 في المائة في مصر و82 في المائة في السعودية، واعتبروا جميعاً باستثناء لبنان أن صورة الولايات المتحدة وقيمها وشعبها وثقافتها قد تراجعت خلال العام الماضي.
والثابت بحسب جيمس زغبي رئيس المؤسسة العربية الأمريكية في واشنطن أن الاستطلاع يكشف عن أهمية ربط حل المشكلة الإسرائيلية-الفلسطينية بالحلول التي يتم البحث عنها للنزاعات الأخرى في المنطقة.
والثابت منهجياً أن رفض صورة الولايات المتحدة لم يقتصر فقط على العالم العربي، بل امتد كذلك لكثير من البقاع والأصقاع حول العالم لا سيما أن الإدارة الأمريكية في زمن الرئيس بوش لم تقدم على أي تعديلات جزئية في هيكلها تقود إلى إقرار مشروعات حقيقية غير دعائية ترتبط بعدالة صادقة للمظلومين أو مساندة فعالة للمقهورين، كما أنها لم تقدم على نشر الحرية والديمقراطية لما لهما من قيم أخلاقية، بل لأنهما يروجان لاقتصاديات السوق وبما يخدم الأهداف الأمريكية في سياقاتها الإمبراطورية الأوسع التي تتطلع إليها.
وقد ظهر جلياً الازدواج الأخلاقي الأمريكي في مساندة واشنطن للاستبداد في بلدان ترتبط معها بمصالح معينة، في حين تطالب بالتغيير والتعديل والتصحيح في دول أخرى تراها واشنطن بعين مغايرة، فإدارة بوش تهادن العديد من الأنظمة التي تراها كثير من المؤسسات الأمريكية الحكومية أو الأهلية غير ديمقراطية مثل الصين وروسيا وباكستان على الرغم من أنها تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة على أكثر من صعيد.
ولعل ما يهمنا في هذا الصعيد على نحو خاص البحث في الأسباب الحقيقية التي قادت إلى جعل صورة (الأمريكي القبيح) – والتعبير هنا لـ (كيث رينهارد) رئيس منظمة (بيزنس فور ديبلوماتيك أكشن) – هي الصورة السائدة والغالبة في العالم العربي.
رفض صورة الولايات المتحدة لم يقتصر فقط على العالم العربي بل امتد لكثير من البقاع في العالم
عقبات في الطريق صورة الأمريكي
يمكن باختصار غير مخل الإشارة في هذا المقام إلى عدد وافر من النقاط التي تمثل وعن حق حجر زاوية ومراكز ارتكاز في تشويه الصورة الأمريكية وفي قراءتها بعين فاحصة متأملة ربما يجد الأمريكيون أنفسهم جواباً عن ذلك التساؤل الذي طرحه فريد زكريا رئيس تحرير (النيوزويك) الأمريكية في أعقاب ما جرى في نيويورك وواشنطن عام 2001 (لماذا يكرهوننا) رغم أنه الثابت تاريخياً أن العرب والمسلمين لم يكرهوا أمريكا من قبل، بل نظر الكثير منهم إلى أنها تمثل نقطة مفصلية جديدة في تاريخ العالم لا سيما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومن تلك الأسباب:
*القضية الفلسطينية: ذلك أن الاعتراف المبكر جداً الذي أسبغته الولايات المتحدة على شرعية الدولة العبرية مسّ قلوب العرب والمسلمين بالكثير من الحزن والأسى والذي تحول لاحقاً إلى مرارة حقيقية على الألسنة وفي القلوب لا سيما في ضوء الدعم السياسي والعسكري بل والاقتصادي غير المحدد من واشنطن لتل أبيب.
*احتلال العراق: والثابت كذلك أن الصورة الأمريكية قد تبدلت بالمطلق منذ مارس 2003، إذ أصبحت الولايات المحتدة ولأول مرة في تاريخها دولة احتلال أجنبي لبلد عربي، ولم تكن الشراكة الإسرائيلية ـ الأمريكية في ذلك الغزو بعيدة عن أذهان العرب مما زاد الطين بلة كما يقال.
*إشكالية محاربة الإرهاب: وهنا أيضاً يمكن للمرء أن يتوقف أمام تلك الحرب الهلامية التي تشنها الولايات المتحدة على العالم أجمع والعرب والمسلمين في القلب منها على نحو خاص تحت دعاوى الإرهاب التي لا تفرق بين ظالم ومظلوم والتي تبسط مظلة اتهامات بالتعميم حتى بات الإرهاب صنواً لكل ما هو ومن هو عربي ومسلم تحديداً.
*حرب أفغانستان: رغم إدانة غالبية العرب والمسلمين إن لم يكن معظمهم لما جرى من اعتداءات على أرواح الأمريكيين الآمنين في 11 سبتمبر إلا أن الانتقام الأعمى الذي جرى في أفغانستان، وإزهاق الأرواح البريئة من الأطفال والنساء والشيوخ التي ساويا بين أفعال الطرفين، الطرف الذي قصف قندهار على رؤوس المدنيين فيها والذي دمر مباني مركز التجارة العالمي.
*اللاعدالة الدولية: ولعله كذلك لا يغيب عن ناظري القارئ ما تقوم به واشنطن بوصفها (مالئ العصر وصانع قراره) من تحيز مناف ومجاف للعدالة الدولية لجهة الكثير من القرارات الشرعية الأممية وفي مقدمتها تلك الخاصة بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني والتي تضرب بها إسرائيل عرض الحائط بمساندة ودعم أمريكيين، وكان الاعتراض الأمريكي الأخير في مجلس الأمن الدولي على استصدار أي قرار يدين حصار إسرائيل لغزة دليلاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
*امتهان كرامة العربي: وفي هذا السياق ربما ساعد الانتشار الكبير وغير المسبوق لوسائط الإعلام في كشف حقيقة الصورة المشوهة وأبعاد ما يجري من قهر أخلاقي ومادي للعرب والمسلمين، وقد جاءت أحداث بعينها مثل ما جرى في سجون غوانتانامو للذين اعتقلوا من دون محاكمات، وما دار داخل سجن أبو غريب في العراق من انتهاكات لآدمية العراقيين، إضافة إلى التمايز الواضح في النظرة الدونية للعربي جاءت لتعمق الانفصال الذي أضحى شرخاً واضحاً في الجدار الأمريكي ـ العربي النفسي.
*الأسلاموفوبيا الأمريكية: والمؤكد أن المرء يستطيع أن يعدد الكثير من الأسباب التي ألقت بظلالها الكئيبة على صورة الأمريكي في العالمين العربي والإسلامي، وكلها تدخل في إطار الاختلافات المادية النسبية القابلة بحال أو آخر للإصلاح، غير أن ما جعل الصورة على السوء الذي ينذر بالشر المستطير أن الأمر اقترب من العقيدة والدين، فإدارة الرئيس بوش صورت وربما عن قناعة لديها بأن ما جرى منذ عام 2001 هو حرب دينية، وبدأأصحاب تيار التخويف من كل ما هو ومن هو إسلامي يجدون ضالتهم في تلك المظلة الواسعة التي أفردها الرئيس بوش، فرأينا حالات تمزيق وتدنيس للقرآن الكريم، وشهدنا آراء رسمية وشعبية تحط من قدر المسلمين عطفاً على دينهم، وليس على شخوصهم، ناهيك عن المعاملة العنصرية التي بات المسلمون يلقونها في كثير العواصم الغربية والتي بلغت أخبارها أقطار الأرض مما كان له الأثر السيئ على سمعة أمريكا.
والحاصل أن ما جرى لم يك بعيداً عن أعين الإدارة الأمريكية لا سيما أن اختلال الصورة على هذا النحو أمر له أضرار بالغة على المصالح الأمريكية في منطقة حيوية واستراتيجية في العالم، وهذا يطرح تساؤلاً من شقين عن تلك الأضرار من جهة وكيفية تلافيها من ناحية أخرى؟
صورة أمريكا… والتكاليف الأمنية والاقتصادية
في منتصف مايو الماضي كان مكتب محاسبة الحكومة إحدى الأذرع الأساسية للكونغرس الأمريكي لتدقيق وتقييم أنشطة وسياسات الإدارة الأمريكية يلقي ضوءاً بالغ الأهمية على ما آلت إليه الصورة الأمريكية حول العالم والأضرار التي ستواجهها واشنطن على الصعيدين الأمني والاقتصادي من جراء تلك الصورة الممجوجة والممقوتة، وقد صدر عن المكتب تقرير أكد أن هناك علاقة مهمة لدى مختلف شرائح المجتمع الأمريكي خاصة الأكاديميين ومجتمع الأعمال بوجود علاقة قوية بين تدهور شعبية الولايات المتحدة في العالم وقدرة الولايات المتحدة على تحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية، ورصد التقرير في هذا السياق الكثير من نتائج استطلاعات الرأي والتحليلات والتقارير التي تؤكد التدهور في صورة أمريكا خاصة في العالم الإسلامي، وتراجعت الاتجاهات الإيجابية تجاه أمريكا في إندونيسيا من 75 في المائة في عام 2000 إلى 30 في المائة عام 2006، وتراجعها في تركيا من 52 في المائة إلى 12 في المائة فقط خلال الفترة ذاتها.
أما مجلس علوم الدفاع الأمريكي فأشار في تقرير له إلى أن تصاعد مشاعر العداء ضد الولايات المتحدة ربما يؤدي إلى تحجيم قدرة السياسة الأمريكية الخارجية على تحقيق أهدافها وحماية مصالحها الأمنية.
والشاهد على ذلك أن تقارير عدة صدرت عن مراكز متعددة منها معهد (بروكنجر) ومنها مجموعة العمل حول مشاعر العداء ضد الولايات المتحدة، وأشارت في مجموعها إلى أن القيادات السياسية في الكثير من الدول وفي مقدمتها الدول العربية والإسلامية قد تلجأ إلى استغلال المشاعر العدائية ضد الولايات المتحدة في بلادها لتحقيق مصالح سياسية خاصة، وقد تحد مستقبلاً من قدرة هذه القيادات على دعم السياسة والمصالح الأمريكية، وليس غريباً في هذا السياق أن يشير المرء إلى أمر مهم بدوره توقفت عنده اللجنة التي كلفت بإعداد تقرير عما جرى في الحادي عشر من سبتمبر، إذ أشارت إلى أن نمو المشاعر العدائية ضد الولايات المتحدة ربما يمثل حاجزاً أمام نجاح الحرب ضد الإرهاب، والعمليات العسكرية التي يتم تنفيذها في إطار هذه الحرب، فقد أشار تقرير لجنة 11 سبتمبر في يوليو 2004 إلى أن النظر إلى السياسات الأمريكية باعتبارها موجهة ضد العرب والمسلمين وخدمة المصالح الإسرائيلية أدى إلى تزايد العمليات الانتقامية ضد الولايات المتحدة.
بعد مارس 2003 أصبحت الولايات المتحدة ولأول مرة في تاريخها دولة احتلال أجنبي لبلد عربي
ولعل هذا وغيره دعا الولايات المتحدة إلى تفعيل الدبلوماسية الشعبية وتكريس وظائف بعينها في محاولة منها لتصحيح الصورة لا سيما في السنوات الأربع الماضية فماذا كانت نتيجة التجربة؟
فشل الدبلوماسية العامة في العالم العربي
وفي واقع الأمر وانطلاقاً من البراغماتية السياسية الأمريكية والتي يهمها بالدرجة الأولى الحفاظ على المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط فقد شهدنا حملة قادها عدد من وكلاء وزارة الخارجية الأمريكية سواء في عهد كولن باول أو كونداليزا رايس في محاولة دؤوبة لتصحيح الصورة المغلوطة عن أمريكا، فقد عين باول بداية شارلوت بيرنز مديرة الإعلانات الناجحة والتي قامت بإعداد أفلام وثائقية تلفزيونية وطباعة نشرات دعائية عن التسامح الديني في أمريكا، غير أن مشروعها فشل بعدما رفضت غالبية محطات التلفزة العربية إذاعة هذه الأفلام الوثائقية التي وصفت بالسخيفة ثم تم شغل منصبها بواسطة مارجريت تاتوايلر التي لم تمكث طويلاً في منصبها وظل المنصب شاغراً إلى أن جاءت كارين هيوز التكساسية التي لازمت بوش في سنوات حكمه كحاكم للولاية، وحاولت جاهدة إقامة جسور دبلوماسية شعبية مع العالم العربي، ولعل معظمنا يذكر زيارتها للأزهر الشريف في عام 2005، حيث كان شهر رمضان وهناك ظهرت حاملة لفانوس رمضان الشهير في مشهد لم ينطل على الكثيرين، وأعاد للأذهان محاولات نابليون بونابرت التقرب من المصريين عبر التودد لهم من خلال رجال الأزهر.
وللعدالة والموضوعية نقول إن كارين هيوز حملت على الرغم من ذلك بوادر محاولة أولية لفهم وتفاهم متبادلين ففي شهادتها أمام الكونغرس عن طريقة عملها قالت إنني على دراية بأننا قبل أن نطلب أن يفهمونا يجب أن نعمل أولاً على أن نفهمهم، وأكدت على ما قالته الوزيرة رايس من قبل من أن الدبلوماسية العامة هي حوار بين طرفين، وليست منولوجاً من طرف واحد.
ويبدو أن هيوز كانت قد بدأت في السير في طريق الانفتاح على العالم الخارجي لا سيما العربي والإسلامي منه وتحدثت كثيراً عن أهمية الاستفادة من التبادل التعليمي والثقافي وجذب المدرسين والصحفيين وقادة الشباب وكل من لهم القدرة على التأثير في دوائرهم المحيطة بهم والقيام بتحسين عملية منح تأشيرات الدخول وإقناع الشباب العربي والمسلم بالدراسة في أمريكا، فضلاً عن الاستعانة بالمشاهير من عالم الموسيقا والسينما في أمريكا للمشاركة في الجهود التي سوف تبذل.
ولأن نظرية المؤامرة تحكم في كثير من أنحاء العالم لا سيما في واشنطن (روما العصر) صانعة القرار والأفكار، فقد وجد هناك من لم يرد لهيوز أن تمضي قدماً في مهمتها، وتم إجبارها على الرحيل بعد أن أغلقوا الأبواب التي أرادت أن تشرعها واسعة أمام أمريكا لتصحيح صورتها، وكان واضحاً أن صقور واشنطن من المحافظين الجدد الذين لا يريدون سوى الهيمنة الأمريكية على العالم والذين يسعون من منطلقات دوغمائية إلى تكريس العداء التاريخي والديني للعرب والمسلمين كانوا وراء رحيل صديقة بوش، ولتبق صورة أمريكا على هذا النحو المشوه والمغلوط لا سيما وأن ذلك يبرر الكثير من تصرفاتهم وسياساتهم العدوانية حالياً ومستقبلاً، غير أن التساؤل الثاني،هل من طريق لتصحيح تلك الصورة حفاظاً على العلاقات المتبادلة بين الأطراف الدولية ودرءاً للمخاطر التي تكمن في عقول وأفئدة الحاقدين والكارهين للعرب والمسلمين؟
نمو المشاعر العدائية ضد الولايات المتحدة ربما يمثل حاجزاً أمام نجاح الحرب ضد الإرهاب
أمريكا والعودة للمدنية فوق الجبل
الأمر المؤكد أنه على الرغم من الصورة السلبية التي تنتاب أو تهيمن على المشهد الأمريكي في المنطقة العربية إلا أن ذلك لا يمنع من احتمال تغيرها إلى نحو إيجابي، غير أن ذلك إنما يخضع لشروط ويتطلب تضحيات أمريكية يشير إليها عدد من الخبراء وصناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
فعلى سبيل المثال يذهب الدكتور جون زغبي رئيس مركز زغبي إنترناشيونال لأبحاث الرأي في واشنطن إلى أن تصحيح صورة أمريكا يقتضي أولاً أن تقود واشنطن مساعي عقد مؤتمر إقليمي للتعامل مع الوضع في العراق وتسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وتهدئة الوضع في لبنان، وبعد ذلك يمكن أن تسهم الدبلوماسية العامة في تحسين الصورة ليس بادعاء أن أغاني مادونا التي يبثها راديو (سوا) هي التي ستغير المشاعر المعادية لأمريكا وإنما بإدراك أن الشعوب العربية والإسلامية بل والأفارقة والآسيويين لا تحركهم الدعاية ولا الأغاني الشعبية وإنما نوع ومستوى العلاقة مع الآخرين وهذا ما لا تقدم عليه الولايات المتحدة.
والشاهد على ذلك أن الاستطلاع الجديد الذي أجرته مؤسسة (بيو) لاستطلاعات الرأي في واشنطن مؤخراً أشار إلى أن 67 في المائة من العينة التي شملها الاستطلاع في دول العالم العربي أكدوا أن الولايات المتحدة يمكن أن تحسّن صورتها من خلال التوسط في اتفاقية سلام شاملة بالشرق الأوسط، وحال سحبت واشنطن قواتها من العراق.
وفي كلمات قليلة يمكن إجمال المشهد بالقول إن على أمريكا أن تثبت حسن نيتها بالأعمال وليس بالأقوال، ويجب ألا تنسى أصدقاءها ويمكنهاأن تستغل فرصة رحيل الرئيس بوش، والتي كانت مثار خلافات وأزمات وحروب وعداوات غير مسبوقة، وانتخاب رئيس جديد في عام 2008 لتبدأ صفحة جديدة مع العالم.
ولعل أفضل كلمات تلك التي أوردها حكيم أمريكا المعاصر ومستشارها للأمن القومي السابق زيغينو بريجنسكي بقوله إنه من المستحيل بمكان أن تنصب قلعة فوق تل، كما يذهب أنصار التيارات اليمينية الأمريكية في خطابهم لتلقي بظلال من الرعب على كل ما هو أسفلها، وتطلب من العالم الانسياق وراء نموذجها المليء بالازدواجيات المكروهة والملغومة بفكرة تكافؤ الأضداد في الروح الأمريكية الواحدة، ومن الطبيعي أن تضحي ساعتها المدينة المقامة فوق الجبل محط الكراهية العالمية.
ويقيناً أن الولايات المتحدة ضيعت أكثر من فرصة في النصف الثاني من القرن الماضي لأن تكون مدينة فوق هضبة يمكنها أن تضيء العالم بأمل التقدم الإنساني وبالحث على نشر روح العدالة وسيادة قيم المساواة وسمو أخلاقيات الإخاء، وعندها فقط كان يمكن للنموذج الأمريكي أن يكون رمزاً ورؤية حقيقية مطلوبة ومرغوبة من العرب والمسلمين وسائر البلاد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2012::/cck::
::introtext::
(قبل وقت غير طويل كان الحلم الأمريكي خيالاً ونزعة عالمية، لم يكن الأمريكيون وحدهم يرون في أنفسهم منارة للأمم الأخرى، فهكذا رأتهم بقية دول العالم، أوروبا الشرقية استمعت لإذاعة أوروبا الحرب، ونصب الطلبة الصينيون نسخة من تمثال الحرية في ميدان يتانانمن).
::/introtext::
::fulltext::
(قبل وقت غير طويل كان الحلم الأمريكي خيالاً ونزعة عالمية، لم يكن الأمريكيون وحدهم يرون في أنفسهم منارة للأمم الأخرى، فهكذا رأتهم بقية دول العالم، أوروبا الشرقية استمعت لإذاعة أوروبا الحرب، ونصب الطلبة الصينيون نسخة من تمثال الحرية في ميدان يتانانمن).
هكذا يستهل البروفيسور أندروا مورافشيك أستاذ السياسة الدولية ومدير برنامج الاتحاد الأوروبي في جامعة برنستون الأمريكية العريقة مداخلة قيمة عن صورة أمريكا في العالم على نحو عام وفي المنطقة العربية بشكل خاص عندما يؤكد أن أمريكا وطوال سنواتها حتى منتصف القرن الماضي تقريباً كانت دولة صديقة للعالم العربي، ولم يعرفها العرب كدولة احتلال لأراضيهم مثل إنكلترا أو فرنسا أو إيطاليا، غير أنه مع الاعتراف السريع بدولة إسرائيل بعد ساعة واحدة من إعلان مولدها وصولاً إلى غزو العراق كان من الطبيعي أن تتبدل وتتغير تلك الصورة طولاً وعرضاً، شكلاً ومضموناً مما يلقي بتساؤل جوهري عن مستقبل تلك الصورة وهل من أمل في تغييرها بعدما مسها السوء؟
تراجع صورة أمريكا في العالم العربي
في استطلاع حديث للرأي أجرته مؤسسة زغبي إنترناشيونال في الولايات المتحدة عن صورة الولايات المتحدة في العالم العربي بات واضحاً حالة الرفض لكل ما هو أمريكي لسببين رئيسيين هما الحرب في العراق والنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وقد أثر هذان النزاعان تأثيراً عميقاً على ثقة العرب بالتطور الاقتصادي والاستقرار السياسي في مناطقهم، وأعربت أكثرية الأشخاص الذين استُطلعت آراؤهم في البلدان العربية عن آراء غير مشجعة وهو تعبير أقرب ما يكون للدبلوماسية تجاه الولايات المتحدة وسياساتها، وجاءت نسبة الرفض 90 في المائة في الأردن، 83 في المائة في مصر و82 في المائة في السعودية، واعتبروا جميعاً باستثناء لبنان أن صورة الولايات المتحدة وقيمها وشعبها وثقافتها قد تراجعت خلال العام الماضي.
والثابت بحسب جيمس زغبي رئيس المؤسسة العربية الأمريكية في واشنطن أن الاستطلاع يكشف عن أهمية ربط حل المشكلة الإسرائيلية-الفلسطينية بالحلول التي يتم البحث عنها للنزاعات الأخرى في المنطقة.
والثابت منهجياً أن رفض صورة الولايات المتحدة لم يقتصر فقط على العالم العربي، بل امتد كذلك لكثير من البقاع والأصقاع حول العالم لا سيما أن الإدارة الأمريكية في زمن الرئيس بوش لم تقدم على أي تعديلات جزئية في هيكلها تقود إلى إقرار مشروعات حقيقية غير دعائية ترتبط بعدالة صادقة للمظلومين أو مساندة فعالة للمقهورين، كما أنها لم تقدم على نشر الحرية والديمقراطية لما لهما من قيم أخلاقية، بل لأنهما يروجان لاقتصاديات السوق وبما يخدم الأهداف الأمريكية في سياقاتها الإمبراطورية الأوسع التي تتطلع إليها.
وقد ظهر جلياً الازدواج الأخلاقي الأمريكي في مساندة واشنطن للاستبداد في بلدان ترتبط معها بمصالح معينة، في حين تطالب بالتغيير والتعديل والتصحيح في دول أخرى تراها واشنطن بعين مغايرة، فإدارة بوش تهادن العديد من الأنظمة التي تراها كثير من المؤسسات الأمريكية الحكومية أو الأهلية غير ديمقراطية مثل الصين وروسيا وباكستان على الرغم من أنها تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة على أكثر من صعيد.
ولعل ما يهمنا في هذا الصعيد على نحو خاص البحث في الأسباب الحقيقية التي قادت إلى جعل صورة (الأمريكي القبيح) – والتعبير هنا لـ (كيث رينهارد) رئيس منظمة (بيزنس فور ديبلوماتيك أكشن) – هي الصورة السائدة والغالبة في العالم العربي.
رفض صورة الولايات المتحدة لم يقتصر فقط على العالم العربي بل امتد لكثير من البقاع في العالم
عقبات في الطريق صورة الأمريكي
يمكن باختصار غير مخل الإشارة في هذا المقام إلى عدد وافر من النقاط التي تمثل وعن حق حجر زاوية ومراكز ارتكاز في تشويه الصورة الأمريكية وفي قراءتها بعين فاحصة متأملة ربما يجد الأمريكيون أنفسهم جواباً عن ذلك التساؤل الذي طرحه فريد زكريا رئيس تحرير (النيوزويك) الأمريكية في أعقاب ما جرى في نيويورك وواشنطن عام 2001 (لماذا يكرهوننا) رغم أنه الثابت تاريخياً أن العرب والمسلمين لم يكرهوا أمريكا من قبل، بل نظر الكثير منهم إلى أنها تمثل نقطة مفصلية جديدة في تاريخ العالم لا سيما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومن تلك الأسباب:
*القضية الفلسطينية: ذلك أن الاعتراف المبكر جداً الذي أسبغته الولايات المتحدة على شرعية الدولة العبرية مسّ قلوب العرب والمسلمين بالكثير من الحزن والأسى والذي تحول لاحقاً إلى مرارة حقيقية على الألسنة وفي القلوب لا سيما في ضوء الدعم السياسي والعسكري بل والاقتصادي غير المحدد من واشنطن لتل أبيب.
*احتلال العراق: والثابت كذلك أن الصورة الأمريكية قد تبدلت بالمطلق منذ مارس 2003، إذ أصبحت الولايات المحتدة ولأول مرة في تاريخها دولة احتلال أجنبي لبلد عربي، ولم تكن الشراكة الإسرائيلية ـ الأمريكية في ذلك الغزو بعيدة عن أذهان العرب مما زاد الطين بلة كما يقال.
*إشكالية محاربة الإرهاب: وهنا أيضاً يمكن للمرء أن يتوقف أمام تلك الحرب الهلامية التي تشنها الولايات المتحدة على العالم أجمع والعرب والمسلمين في القلب منها على نحو خاص تحت دعاوى الإرهاب التي لا تفرق بين ظالم ومظلوم والتي تبسط مظلة اتهامات بالتعميم حتى بات الإرهاب صنواً لكل ما هو ومن هو عربي ومسلم تحديداً.
*حرب أفغانستان: رغم إدانة غالبية العرب والمسلمين إن لم يكن معظمهم لما جرى من اعتداءات على أرواح الأمريكيين الآمنين في 11 سبتمبر إلا أن الانتقام الأعمى الذي جرى في أفغانستان، وإزهاق الأرواح البريئة من الأطفال والنساء والشيوخ التي ساويا بين أفعال الطرفين، الطرف الذي قصف قندهار على رؤوس المدنيين فيها والذي دمر مباني مركز التجارة العالمي.
*اللاعدالة الدولية: ولعله كذلك لا يغيب عن ناظري القارئ ما تقوم به واشنطن بوصفها (مالئ العصر وصانع قراره) من تحيز مناف ومجاف للعدالة الدولية لجهة الكثير من القرارات الشرعية الأممية وفي مقدمتها تلك الخاصة بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني والتي تضرب بها إسرائيل عرض الحائط بمساندة ودعم أمريكيين، وكان الاعتراض الأمريكي الأخير في مجلس الأمن الدولي على استصدار أي قرار يدين حصار إسرائيل لغزة دليلاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
*امتهان كرامة العربي: وفي هذا السياق ربما ساعد الانتشار الكبير وغير المسبوق لوسائط الإعلام في كشف حقيقة الصورة المشوهة وأبعاد ما يجري من قهر أخلاقي ومادي للعرب والمسلمين، وقد جاءت أحداث بعينها مثل ما جرى في سجون غوانتانامو للذين اعتقلوا من دون محاكمات، وما دار داخل سجن أبو غريب في العراق من انتهاكات لآدمية العراقيين، إضافة إلى التمايز الواضح في النظرة الدونية للعربي جاءت لتعمق الانفصال الذي أضحى شرخاً واضحاً في الجدار الأمريكي ـ العربي النفسي.
*الأسلاموفوبيا الأمريكية: والمؤكد أن المرء يستطيع أن يعدد الكثير من الأسباب التي ألقت بظلالها الكئيبة على صورة الأمريكي في العالمين العربي والإسلامي، وكلها تدخل في إطار الاختلافات المادية النسبية القابلة بحال أو آخر للإصلاح، غير أن ما جعل الصورة على السوء الذي ينذر بالشر المستطير أن الأمر اقترب من العقيدة والدين، فإدارة الرئيس بوش صورت وربما عن قناعة لديها بأن ما جرى منذ عام 2001 هو حرب دينية، وبدأأصحاب تيار التخويف من كل ما هو ومن هو إسلامي يجدون ضالتهم في تلك المظلة الواسعة التي أفردها الرئيس بوش، فرأينا حالات تمزيق وتدنيس للقرآن الكريم، وشهدنا آراء رسمية وشعبية تحط من قدر المسلمين عطفاً على دينهم، وليس على شخوصهم، ناهيك عن المعاملة العنصرية التي بات المسلمون يلقونها في كثير العواصم الغربية والتي بلغت أخبارها أقطار الأرض مما كان له الأثر السيئ على سمعة أمريكا.
والحاصل أن ما جرى لم يك بعيداً عن أعين الإدارة الأمريكية لا سيما أن اختلال الصورة على هذا النحو أمر له أضرار بالغة على المصالح الأمريكية في منطقة حيوية واستراتيجية في العالم، وهذا يطرح تساؤلاً من شقين عن تلك الأضرار من جهة وكيفية تلافيها من ناحية أخرى؟
صورة أمريكا… والتكاليف الأمنية والاقتصادية
في منتصف مايو الماضي كان مكتب محاسبة الحكومة إحدى الأذرع الأساسية للكونغرس الأمريكي لتدقيق وتقييم أنشطة وسياسات الإدارة الأمريكية يلقي ضوءاً بالغ الأهمية على ما آلت إليه الصورة الأمريكية حول العالم والأضرار التي ستواجهها واشنطن على الصعيدين الأمني والاقتصادي من جراء تلك الصورة الممجوجة والممقوتة، وقد صدر عن المكتب تقرير أكد أن هناك علاقة مهمة لدى مختلف شرائح المجتمع الأمريكي خاصة الأكاديميين ومجتمع الأعمال بوجود علاقة قوية بين تدهور شعبية الولايات المتحدة في العالم وقدرة الولايات المتحدة على تحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية، ورصد التقرير في هذا السياق الكثير من نتائج استطلاعات الرأي والتحليلات والتقارير التي تؤكد التدهور في صورة أمريكا خاصة في العالم الإسلامي، وتراجعت الاتجاهات الإيجابية تجاه أمريكا في إندونيسيا من 75 في المائة في عام 2000 إلى 30 في المائة عام 2006، وتراجعها في تركيا من 52 في المائة إلى 12 في المائة فقط خلال الفترة ذاتها.
أما مجلس علوم الدفاع الأمريكي فأشار في تقرير له إلى أن تصاعد مشاعر العداء ضد الولايات المتحدة ربما يؤدي إلى تحجيم قدرة السياسة الأمريكية الخارجية على تحقيق أهدافها وحماية مصالحها الأمنية.
والشاهد على ذلك أن تقارير عدة صدرت عن مراكز متعددة منها معهد (بروكنجر) ومنها مجموعة العمل حول مشاعر العداء ضد الولايات المتحدة، وأشارت في مجموعها إلى أن القيادات السياسية في الكثير من الدول وفي مقدمتها الدول العربية والإسلامية قد تلجأ إلى استغلال المشاعر العدائية ضد الولايات المتحدة في بلادها لتحقيق مصالح سياسية خاصة، وقد تحد مستقبلاً من قدرة هذه القيادات على دعم السياسة والمصالح الأمريكية، وليس غريباً في هذا السياق أن يشير المرء إلى أمر مهم بدوره توقفت عنده اللجنة التي كلفت بإعداد تقرير عما جرى في الحادي عشر من سبتمبر، إذ أشارت إلى أن نمو المشاعر العدائية ضد الولايات المتحدة ربما يمثل حاجزاً أمام نجاح الحرب ضد الإرهاب، والعمليات العسكرية التي يتم تنفيذها في إطار هذه الحرب، فقد أشار تقرير لجنة 11 سبتمبر في يوليو 2004 إلى أن النظر إلى السياسات الأمريكية باعتبارها موجهة ضد العرب والمسلمين وخدمة المصالح الإسرائيلية أدى إلى تزايد العمليات الانتقامية ضد الولايات المتحدة.
بعد مارس 2003 أصبحت الولايات المتحدة ولأول مرة في تاريخها دولة احتلال أجنبي لبلد عربي
ولعل هذا وغيره دعا الولايات المتحدة إلى تفعيل الدبلوماسية الشعبية وتكريس وظائف بعينها في محاولة منها لتصحيح الصورة لا سيما في السنوات الأربع الماضية فماذا كانت نتيجة التجربة؟
فشل الدبلوماسية العامة في العالم العربي
وفي واقع الأمر وانطلاقاً من البراغماتية السياسية الأمريكية والتي يهمها بالدرجة الأولى الحفاظ على المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط فقد شهدنا حملة قادها عدد من وكلاء وزارة الخارجية الأمريكية سواء في عهد كولن باول أو كونداليزا رايس في محاولة دؤوبة لتصحيح الصورة المغلوطة عن أمريكا، فقد عين باول بداية شارلوت بيرنز مديرة الإعلانات الناجحة والتي قامت بإعداد أفلام وثائقية تلفزيونية وطباعة نشرات دعائية عن التسامح الديني في أمريكا، غير أن مشروعها فشل بعدما رفضت غالبية محطات التلفزة العربية إذاعة هذه الأفلام الوثائقية التي وصفت بالسخيفة ثم تم شغل منصبها بواسطة مارجريت تاتوايلر التي لم تمكث طويلاً في منصبها وظل المنصب شاغراً إلى أن جاءت كارين هيوز التكساسية التي لازمت بوش في سنوات حكمه كحاكم للولاية، وحاولت جاهدة إقامة جسور دبلوماسية شعبية مع العالم العربي، ولعل معظمنا يذكر زيارتها للأزهر الشريف في عام 2005، حيث كان شهر رمضان وهناك ظهرت حاملة لفانوس رمضان الشهير في مشهد لم ينطل على الكثيرين، وأعاد للأذهان محاولات نابليون بونابرت التقرب من المصريين عبر التودد لهم من خلال رجال الأزهر.
وللعدالة والموضوعية نقول إن كارين هيوز حملت على الرغم من ذلك بوادر محاولة أولية لفهم وتفاهم متبادلين ففي شهادتها أمام الكونغرس عن طريقة عملها قالت إنني على دراية بأننا قبل أن نطلب أن يفهمونا يجب أن نعمل أولاً على أن نفهمهم، وأكدت على ما قالته الوزيرة رايس من قبل من أن الدبلوماسية العامة هي حوار بين طرفين، وليست منولوجاً من طرف واحد.
ويبدو أن هيوز كانت قد بدأت في السير في طريق الانفتاح على العالم الخارجي لا سيما العربي والإسلامي منه وتحدثت كثيراً عن أهمية الاستفادة من التبادل التعليمي والثقافي وجذب المدرسين والصحفيين وقادة الشباب وكل من لهم القدرة على التأثير في دوائرهم المحيطة بهم والقيام بتحسين عملية منح تأشيرات الدخول وإقناع الشباب العربي والمسلم بالدراسة في أمريكا، فضلاً عن الاستعانة بالمشاهير من عالم الموسيقا والسينما في أمريكا للمشاركة في الجهود التي سوف تبذل.
ولأن نظرية المؤامرة تحكم في كثير من أنحاء العالم لا سيما في واشنطن (روما العصر) صانعة القرار والأفكار، فقد وجد هناك من لم يرد لهيوز أن تمضي قدماً في مهمتها، وتم إجبارها على الرحيل بعد أن أغلقوا الأبواب التي أرادت أن تشرعها واسعة أمام أمريكا لتصحيح صورتها، وكان واضحاً أن صقور واشنطن من المحافظين الجدد الذين لا يريدون سوى الهيمنة الأمريكية على العالم والذين يسعون من منطلقات دوغمائية إلى تكريس العداء التاريخي والديني للعرب والمسلمين كانوا وراء رحيل صديقة بوش، ولتبق صورة أمريكا على هذا النحو المشوه والمغلوط لا سيما وأن ذلك يبرر الكثير من تصرفاتهم وسياساتهم العدوانية حالياً ومستقبلاً، غير أن التساؤل الثاني،هل من طريق لتصحيح تلك الصورة حفاظاً على العلاقات المتبادلة بين الأطراف الدولية ودرءاً للمخاطر التي تكمن في عقول وأفئدة الحاقدين والكارهين للعرب والمسلمين؟
نمو المشاعر العدائية ضد الولايات المتحدة ربما يمثل حاجزاً أمام نجاح الحرب ضد الإرهاب
أمريكا والعودة للمدنية فوق الجبل
الأمر المؤكد أنه على الرغم من الصورة السلبية التي تنتاب أو تهيمن على المشهد الأمريكي في المنطقة العربية إلا أن ذلك لا يمنع من احتمال تغيرها إلى نحو إيجابي، غير أن ذلك إنما يخضع لشروط ويتطلب تضحيات أمريكية يشير إليها عدد من الخبراء وصناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
فعلى سبيل المثال يذهب الدكتور جون زغبي رئيس مركز زغبي إنترناشيونال لأبحاث الرأي في واشنطن إلى أن تصحيح صورة أمريكا يقتضي أولاً أن تقود واشنطن مساعي عقد مؤتمر إقليمي للتعامل مع الوضع في العراق وتسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وتهدئة الوضع في لبنان، وبعد ذلك يمكن أن تسهم الدبلوماسية العامة في تحسين الصورة ليس بادعاء أن أغاني مادونا التي يبثها راديو (سوا) هي التي ستغير المشاعر المعادية لأمريكا وإنما بإدراك أن الشعوب العربية والإسلامية بل والأفارقة والآسيويين لا تحركهم الدعاية ولا الأغاني الشعبية وإنما نوع ومستوى العلاقة مع الآخرين وهذا ما لا تقدم عليه الولايات المتحدة.
والشاهد على ذلك أن الاستطلاع الجديد الذي أجرته مؤسسة (بيو) لاستطلاعات الرأي في واشنطن مؤخراً أشار إلى أن 67 في المائة من العينة التي شملها الاستطلاع في دول العالم العربي أكدوا أن الولايات المتحدة يمكن أن تحسّن صورتها من خلال التوسط في اتفاقية سلام شاملة بالشرق الأوسط، وحال سحبت واشنطن قواتها من العراق.
وفي كلمات قليلة يمكن إجمال المشهد بالقول إن على أمريكا أن تثبت حسن نيتها بالأعمال وليس بالأقوال، ويجب ألا تنسى أصدقاءها ويمكنهاأن تستغل فرصة رحيل الرئيس بوش، والتي كانت مثار خلافات وأزمات وحروب وعداوات غير مسبوقة، وانتخاب رئيس جديد في عام 2008 لتبدأ صفحة جديدة مع العالم.
ولعل أفضل كلمات تلك التي أوردها حكيم أمريكا المعاصر ومستشارها للأمن القومي السابق زيغينو بريجنسكي بقوله إنه من المستحيل بمكان أن تنصب قلعة فوق تل، كما يذهب أنصار التيارات اليمينية الأمريكية في خطابهم لتلقي بظلال من الرعب على كل ما هو أسفلها، وتطلب من العالم الانسياق وراء نموذجها المليء بالازدواجيات المكروهة والملغومة بفكرة تكافؤ الأضداد في الروح الأمريكية الواحدة، ومن الطبيعي أن تضحي ساعتها المدينة المقامة فوق الجبل محط الكراهية العالمية.
ويقيناً أن الولايات المتحدة ضيعت أكثر من فرصة في النصف الثاني من القرن الماضي لأن تكون مدينة فوق هضبة يمكنها أن تضيء العالم بأمل التقدم الإنساني وبالحث على نشر روح العدالة وسيادة قيم المساواة وسمو أخلاقيات الإخاء، وعندها فقط كان يمكن للنموذج الأمريكي أن يكون رمزاً ورؤية حقيقية مطلوبة ومرغوبة من العرب والمسلمين وسائر البلاد.
::/fulltext::
::cck::2012::/cck::
