أوروبا تسير عكس الاتجاه الأمريكي في التسوية الشرق أوسطية
::cck::2133::/cck::
::introtext::
انطلاقاً من رغبة حقيقية في تحقيق استقرار منطقة الشرق الأوسط التي تلج بالتوترات السياسية والأمنية في ضوء استمرار الصراع العربي – الإسرائيلي وحرب العراق وتداعيات الملف النووي الإيراني، فقد بدا جلياً أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى اختراق هذه المنطقة المتخمة بمشكلاتها المعقدة، خاصة ما يتعلق منها بملف التسوية السلمية لإنهاء الصراع المستمر منذ ما يقرب من ستين عاماً أو على الأقل التدخل بصورة فاعلة لتحريك المياه الراكدة. وهو ما لا يقبله الإسرائيليون والأمريكيون.
::/introtext::
::fulltext::
انطلاقاً من رغبة حقيقية في تحقيق استقرار منطقة الشرق الأوسط التي تلج بالتوترات السياسية والأمنية في ضوء استمرار الصراع العربي – الإسرائيلي وحرب العراق وتداعيات الملف النووي الإيراني، فقد بدا جلياً أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى اختراق هذه المنطقة المتخمة بمشكلاتها المعقدة، خاصة ما يتعلق منها بملف التسوية السلمية لإنهاء الصراع المستمر منذ ما يقرب من ستين عاماً أو على الأقل التدخل بصورة فاعلة لتحريك المياه الراكدة. وهو ما لا يقبله الإسرائيليون والأمريكيون.
إن الاتحاد الأوروبي، وخلال الفترة الأخيرة، يحاول تبني بعض الخطوات رغم عدم فاعليتها حتى وقتنا الراهن بسبب تلاشي الحماسة الإسرائيلية والأمريكية معاً. بيد أن الأمر المهم هو سعي الأوروبيين إلى الوصول إلى مواقف سياسية أكثر استقلالية عن المواقف الأمريكية، مما يصب في الحرب المستعرة على جانبي الأطلسي، خاصة مع تنامي الدور الأوروبي وهو ما يغضب واشنطن. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار الزيارات الأوروبية الأخيرة إلى المنطقة ومن بينها خافيير سولانا المنسق الأعلى للسياسات الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، ووزيرا خارجية فرنسا برنار كوشنير وإسبانيا ميغيل موراتينوس، وصبت جميعها في محاولة لدفع عملية السلام قدماً وتنفيذ التعهدات التي تم التوصل إليها خلال مؤتمر أنابوليس الذي نظمته الولايات المتحدة في نوفمبر الماضي. وتشكل زيارة كوشنير تحديداً بالإضافة إلى كونها جهداً فرنسياً، مهمة أوروبية تهدف إلى تعبئة الفراغ الناشئ عن غياب الدور الأمريكي في هذه المرحلة التي تشهد فيها الولايات المتحدة سباقاً انتخابياً نحو البيت الأبيض، بالتزامن مع مرحلة سياسية هشة في إسرائيل تحاول فيها تسيبي ليفني وزيرة الخارجية وزعيمة حزب (كاديما) الجديدة ملء الفراغ السياسي هي الأخرى لتشكيل حكومة ائتلافية، وهي مرحلة بالمناسبة تتلاشى فيها ملامح المفاوضات تماماً، وينصب الجهد بصورة كلية على المفاوضات الائتلافية للانتهاء من تشكيل الحكومة في الفترة الزمنية الممنوحة لها.
الأزمات الشرق أوسطية تحمل دائماً إلى أوروبا تداعيات أمنية وموجات هجرة بشرية
ويندرج الحرص الأوروبي على دعم دوره من أجل تحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة، من خلال أهداف عدة من بينها:
* المساهمة في تحقيق استقرار في السوق الخلفية لدول الاتحاد الأوروبي بشكل يعزز اقتصادياً أوروبا، كمقدمة لتشكيل كتلة اقتصادية ضخمة تقف في مواجهة الكتل القائمة أو تلك الآخذة بالتشكل.
* إزالة مخاطر استمرار التوتر والأزمات في المنطقة العربية، حيث تظل الدول الأوروبية وخاصة المتوسطية منها ترقب بقلق إمكانيات وصول إفرازات تلك الأزمات إلى عقر دارها. فالأزمات الشرق أوسطية مرشحة في كل لحظة لانفجار يحمل إلى أوروبا تداعيات أمنية، أو موجات هجرة بشرية بحثاً عن الأمن والاستقرار. ويرى قادة الدول الأوروبية عامة والمتوسطية منها خاصة أنه كلما أمكن تخفيف حدة التوتر في المنطقة العربية، أمكن تجنب إفرازات تلك الأزمات في ظل جوار جغرافي لا يمكن تجاهل دوره في الربط بين مجريات الأحداث في المنطقتين العربية والأوروبية.
* وثمة عامل مهم يدفع الأوروبيين للعمل من أجل تحقيق استقرار في المنطقة هو قناعتهم بأن الصراع العربي – الإسرائيلي هو أهم الصراعات الدائرة في المنطقة، ومن شأن إنهاء هذا الصراع توجيه الأموال المخصصة لسباق التسلح إلى مشاريع تنموية تؤمن الاستقرار في الباحة الخلفية للقارة الأوروبية، وكذلك تعزيز عمليات التبادل التجاري بين أوروبا ودول المنطقة.
من هذه المنطلقات، أظهرت أوروبا، رغم انحسار نفوذها الدولي، رغبة وإصراراً على لعب دور في عملية التسوية، ولئن نجحت الولايات المتحدة في تحجيم أثر الدور الأوروبي في مجريات الأحداث، فإنها فشلت في وقف المحاولات الأوروبية الساعية للعودة إلى دائرة الضوء.
وقد لعبت أوروبا دور الممول الاقتصادي لعملية التسوية، حيث بذل الأوروبيون جهوداً كبيرة لحفظ الحد الأدنى من التأييد الشعبي والرسمي الفلسطيني لعملية التسوية من خلال توفير دعم اقتصادي للتسوية وتمويل أنشطة سلطة الحكم الذاتي، وظل هذا الدور الاقتصادي لدول المجموعة الأوروبية يثير شهية أطراف رئيسية في تلك المجموعة لجسر الهوة بين المسؤوليات الاقتصادية لأوروبا تجاه مشروع التسوية والنفوذ السياسي لها في المنطقة، غير أن الرغبات الأوروبية ظلت تصطدم بمعارضة أمريكية وإسرائيلية.
دلالات الدعم الأوروبي
على عكس المواقف الأمريكية التي تغالي في دعمها لإسرائيل والانحياز لها، نجد أن موقف الاتحاد الأوروبي من عملية السلام في الشرق الأوسط يعتبر تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط هدفاً مركزياً له، وهذا يتحقق عبر حل بدولتين يفضي إلى تسوية نهائية وشاملة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. ويستند إلى تنفيذ خريطة الطريق مع إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية قابلة للحياة وذات سيادة تعيش في سلام جنباً إلى جنب ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وتتمتع بعلاقات طبيعية مع جيرانها حسب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومبادئ مؤتمر مدريد. وتتضمن هذه التسوية حلاً عادلاً لقضية القدس المعقدة مع حل عادل وقابل للحياة وواقعي ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين مع تجميد كافة الأنشطة الاستيطانية التي تعوق عملية التسوية السلمية. ومن دلالات الدعم الأوروبي لعملية السلام:
* مشاركة الاتحاد الأوروبي في اللجنة الرباعية الدولية إلى جانب روسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة، بما في ذلك دعم الموارد السياسية والمالية والبشرية للسلطة الفلسطينية والتي تم تكريسها من خلال الشراكة أو الاتفاقيات الانتقالية ومن خلال خطط العمل الخاصة بسياسة الجوار الأوروبية التي تم تبنيها عام 2005.
* تسهيل الحوار الإقليمي من خلال الشراكة الأورو- متوسطية (عملية برشلونة) حتى قبل تدشين الاتحاد من أجل المتوسط.
* إجراءات بناء الثقة بما في ذلك نشاطات الرقابة على الانتخابات التي مولتها المفوضية الأوروبية، باعتبار أن الانتخابات الحرة والعادلة تشكل خطوة حيوية نحو ضمان نجاح خريطة الطريق.
* إجراءات بناء الثقة التي شملت إشراف الاتحاد على التنفيذ السليم للاتفاقيات الإسرائيلية – الفلسطينية المتعلقة بمعبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر ومساعدة المجموعة على بناء قدرات ضبط الحدود لدى السلطة الفلسطينية، وذلك حتى قبل 14 يونيو 2007 عندما قررت حركة حماس الانفراد بحكم قطاع غزة.
* نظّم الاتحاد حوارات سياسية ثلاثية الأطراف بمشاركة المفوضية الأوروبية وطرفي النزاع حول قضايا المواصلات والطاقة والتجارة.
* تبني خطوات أخرى من شأنها المساعدة على تهيئة الظروف من أجل السلام والاستقرار والرخاء في المنطقة، مثل تقوية عمليات الإصلاح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية الفلسطينية مع تقديم المساعدة الإنسانية للاجئين، مع جمع النشطين من المجتمع المدني من إسرائيل والأراضي المحتلة والدول المجاورة من خلال شراكة الاتحاد الأوروبي لبرنامج السلام.
المبادرات الأوروبية.. نبذة تاريخية
* تعتبر البداية في ما يسمى (وثيقة شومان)، نسبة إلى موريس شومان وزير الخارجية الفرنسي في عهد الرئيس جورج بومبيدو، عندما كان المجتمع الأوروبي مؤلفاً من ستة أعضاء فقط في عام 1971، فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ. وحاولت المجموعة الأوروبية آنذاك أن تكون لها كلمتها في الشؤون الدولية مع الحرص على ضمان ألا تعرض الأزمات الدولية المجتمع الأوروبي نفسه للخطر. وكانت حرب يونيو 1967 والصراع الإسرائيلي- العربي موضوعاً رئيسياً للاهتمام والتدخل. ولم يكن ذلك لأن المنطقة المعنية قريبة جغرافياً من أوروبا فحسب، بل أيضاً لأن الدول الأعضاء لم تكن على وفاق. وتمكنت فرنسا من إقناع شركائها بتبني نص مشترك يعلن المقترحات الأوروبية لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وفقاً لوثيقة شومان في مايو 1971، وأعلنت تأييدها لقرار مجلس الأمن 242، وطالبت تحديداً بانسحاب إسرائيلي إلى خطوط 4 يونيو 1967، مع تغييرات طفيفة، وإقامة خطوط منزوعة السلاح على كلا جانبي حدود إسرائيل، ونشر قوات دولية غير تابعة للدول الكبرى، ووضع دولي للقدس وتعليق مستمر لأي قرار بشأن السيادة على البلدة القديمة. ثم الأهم، وهو حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم أو منحهم خيارات أخرى من بينها التعويض.
* ثم تشكل موقف الاتحاد الأوروبي الأساسي تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط على يد المجلس الأوروبي بداية في إعلان البندقية في يونيو 1980، والذي نص على حق الوجود والأمن لكل الدول في المنطقة، بما فيها إسرائيل، وعلى العدالة لكل الشعوب، مما يعني الاعتراف بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.
* جاء إعلان بروكسل في فبراير 1987، ليقترح عقد مؤتمر سلام دولي تحت رعاية الأمم المتحدة، ومساندة أمن كافة الدول في المنطقة، بما فيها إسرائيل، أي حقها في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها ومضمونة، وإقرار عادل لجميع شعوب المنطقة يشتمل على اعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بما فيها حقه في تقرير مصيره مع كل ما يستتبعه هذا. وكانت أول إشارة ضمنية إلى حق الفلسطينيين في إقامة دولة.
* بلغ هذا التأييد للحقوق الوطنية الفلسطينية ذروته في إعلان المجلس الأوروبي في أمستردام في يونيو 1997، وهو الإعلان الذي دعا إسرائيل إلى الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم من دون استبعاد خيار إقامة دولة. وأتبع ذلك بإعلان برلين في لقاء قمة الاتحاد الأوروبي في مارس 1999، الذي دعا إلى تأكيد حق الفلسطينيين الدائم وغير المشروط في تقرير مصيرهم بما في ذلك خيار إقامة دولة. ونص أيضاً على أن يكون هذا الحق بـ (منأى عن أي فيتو)، وعلى (استعداد) أوروبا للنظر في الاعتراف بدولة فلسطينية في الوقت المناسب. وقد تبنى إعلان برلين (مفهوم الدولة الفلسطينية القابلة للحياة) في قاموسه السياسي، حيث نص على أن الاتحاد الأوروبي مقتنع بأن إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية ومسالمة وذات سيادة وقابلة للحياة على أساس الاتفاقيات القائمة ومن خلال المفاوضات تعتبر أفضل ضمانة لأمن إسرائيل وقبولها كشريك مساو في المنطقة.
الرؤية الأمريكية لحل الصراع العربي-الإسرائيلي تعتبر أحد أكبر المعوقات التي تعترض الدور الأوروبي
* جاء تصريح إشبيلية في يونيو 2002 صريحاً بشأن الحل المتوقع للصراع، إذ يمكن تحقيق التسوية من خلال المفاوضات، ويكون هدفها وضع حد للاحتلال الإسرائيلي والتأسيس المبكر لدولة فلسطين المسالمة والديمقراطية وذات السيادة والقابلة للحياة، على أساس حدود 1967، وإذا لزم الأمر مع بعض التعديلات البسيطة التي يتفق عليها الطرفان. وينبغي أن يكون الحل النهائي عبارة عن دولتين تعيشان جنباً إلى جنب وفق حدود آمنة ومعترف بها وتتمتعان بعلاقات طبيعية مع جيرانهما. وفي هذا السياق، يمكن تحقيق حل عادل لقضية القدس المعقدة وحل منصف وقابل للحياة ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
معوقات الدور الأوروبي
بيد أنه ثمة بعض المعوقات التي تعترض الدور الأوروبي، ونقصد هنا ميل التوازن الاستراتيجي، في الصراع العربي ـ الإسرائيلي في مصلحة إسرائيل لعوامل ثلاثة هي:
الأول- وفقاً للتفوق التكنولوجي لقدرات إسرائيل التقليدية، وانفرادها بامتلاك الرادع النووي، والسبق في مجال الفضاء، وامتلاكها النظم المضادة للصواريخ، قاعدة متقدمة للصناعات العسكرية، بالإضافة إلى ما توفره علاقاتها من عمق دولي وإقليمي في مجالات التعاون العسكري، واحتياطيات من مخزون عسكري أمريكي. ولا ننسى الخلل في التوازن السياسي الناجم عن غياب التنسيق العربي، وعجز العرب عن بلورة استجابة لواقع المتغيرات الدولية والإقليمية لتحقيق المصالح القومية العربية. وفي المقابل، تستحوذ إسرائيل على معظم الأوراق التفاوضية من خلال استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية، وقدرتها على اعتماد استراتيجية مرنة قادرة على التفاعل مع المتغيرات المعاصرة، وتكريسها لتحقيق مصالحها وأهدافها. ويزيد من ثِقَل موازين القوى الإسرائيلية وجود بعض المتغيرات الدولية أهمها:
* انفراد الولايات المتحدة الأمريكية، حليف إسرائيل الاستراتيجي، بقِمة النظام العالمي، واستبعاد إسرائيل من الضغوط الأمريكية، وتجنيب أمنها كل ما يؤثر فيه، فضلاً عن عدم تدخل واشنطن تدخلاً إيجابياً في مفاوضات التسوية في المسارات المختلفة.
* افتقاد الدول العربية الحليف الاستراتيجي.
* محدودية فاعلية الإسهام الأوروبي في التسوية السياسية، وتميز إسرائيل بالتفاعل مع المشروعات التي تستهدف إعادة ترتيب الأوضاع الاقتصادية في المنطقة، سواء المتوسطية مع الاتحاد الأوروبي أو الأوسطية مع الولايات المتحدة، وتبادل الخبرة التكنولوجية مع الصين والهند وغيرهما.
* الرغبة الأمريكية في تأسيس نظام أمني إقليمي قوامه تفوق إسرائيل العسكري، وإغفال امتلاكها الرادع النووي في ظل قناعة بعقلانية النظام الديمقراطي الإسرائيلي، واستحواذ إسرائيل الدائم على معظم أوراق التسوية السلمية، مما يزيد التوازن الاستراتيجي خللاً في مصلحتها.
الثاني- الخلل في التوازن التكنولوجي والاقتصادي والذي تمخض عنه نجاح إسرائيل في بلورة استراتيجية واضحة لبناء قاعدة تكنولوجية متطورة، تتيح لها الميزة التنافسية النسبية وخطة الإصلاح الاقتصادي، ومد شبكة متميزة لعلاقتها بالتكتلات الاقتصادية العالمية
الثالث- الرؤية الأمريكية لحل الصراع، والتي تعتبر أحد أكبر المعوقات التي تعترض الدور الأوروبي في دعم عملية السلام بالمنطقة، لا سيما أنها ترتكز على مبادئ تعتبر كلها إخلالاً بمبدأ عملية السلام، منها حل دائم للصراع قوامه إقامة دولتين لشعبَين، طبقاً لـ (خريطة الطريق) مع مساندة الإدارة الأمريكية لرفض الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 4 يونيو 1967. والأخطر من كل ذلك، الاعتراف الأمريكي بضم الكثير من البؤر الاستيطانية الكبرى التي تريد إسرائيل الاحتفاظ بها داخل حدود إسرائيل الكبرى. ويدخل في هذا السياق السماح لإسرائيل في بناء جدار الفصل العنصري في إطار حدود أمنية واعتباره حدوداً سياسية تفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
محاولات أوروبية لإعادة التوازن
انطلاقاً من هذا الخلل الواضح في موازين القوى، يحاول الأوروبيون التوازن بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. فالفلسطينيون يطالبون إسرائيل بتنفيذ قرارَي مجلس الأمن الدولي رقمَي (242) و(338)، والانسحاب من الأراضي الفلسطينية، التي احتلت في الرابع من يونيو 1967 وإنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في حدود يونيو 1967، وعلى أن تكون عاصمتها القدس الشرقية، فضلاً عن حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وتستند رؤية الفلسطينيين إلى ضرورة أن يتكفل المجتمع الدولي بإقامة دولة فلسطينية وفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة و(خريطة الطريق) التي وافقت عليها اللجنة الرباعية، ومبدأ الأرض مقابل السلام الوارد في مرجعية مدريد عام 1991، ومبادرة السلام العربية.
وعلى الجانب الإسرائيلي، فهناك رفض تام للتسوية الشاملة مع الفلسطينيين، وأيضاًَ رفض العودة إلى حدود 4 يونيو 1967. وتستند الرؤية الإسرائيلية إلى خطوط حمراء هي:
* القدس الموحدة عاصمة أبدية لدولة إسرائيل.
* الاحتفاظ بمناطق أمنية في منطقة غور الأردن، وحزام أمني شرق الخط الأخضر في إطار جدار الفصل العنصري وسلاسل الجبال في منتصف الضفة الغربية، حيث أنشئت المستوطنات الإسرائيلية.
* تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، وتسيطر إسرائيل على حدودها البرية ومياهها الإقليمية ومجالها الجوي مع احتفاظ إسرائيل بحق الطيران في هذا المجال.
* السيطرة الإسرائيلية على الساحل البحري لقطاع غزة.
* احتفاظ إسرائيل بالمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
(الشق الصراعي) والسعي لتأييد الفلسطينيين
نعود إلى الشق الصراعي بين إسرائيل وفلسطين من وجهة النظر الأوروبية التي تؤشر إلى توجيه دفة التأييد إلى الفلسطينيين نوعاً ما، لكن ليس في كل الأحوال. فهناك دراسة أعدتها وزارة الخارجية الإسرائيلية في أواخر عام 2004، وخلصت نتائجها إلى أن إسرائيل مهددة بالعزلة إذا ما واصلت الاستناد إلى الدعم الأمريكي غير المحدود، والاستخفاف بما يسمى (أوروبا القديمة). وبحثت الدراسة في السيناريوهات المحتملة لتطوير علاقات إسرائيل مع دول أوروبا، لتؤكد أن المستقبل مع دولها التي تزداد مكانة وأكثر قوة ورسوخاً في العالم. ومن هنا، شكلت الدراسة المشار إليها قلقاً في الأوساط الإسرائيلية طالت حكومة أرييل شارون وقتها، لا سيما أن الاتحاد الأوروبي كثف من انتقاداته للسياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. والأهم في الدراسة، هو تحذيرها من أن إسرائيل وأوروبا ستجدان نفسيهما في مسار تفاوضي. وحينها قد تلجأ أوروبا إلى فرض عقوبات اقتصادية على تل أبيب. وقد ربطت الدراسة بين نزعة السياسة الإسرائيلية (حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية ذات سيادة) وبين استطلاع سياسي أجراه الاتحاد الأوروبي وضعت نتائجه إسرائيل على رأس الأطراف التي تهدد استقرار العالم وأمنه.
ولم يكن الاتحاد الأوروبي متخاذلاً مع إسرائيل بل انتقد موقفها بشدة، عندما رفضت جملة وتفصيلاً التقرير السنوي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة والذي اتهم تل أبيب بانتهاك فاضح لحقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتدمير المفرط في البنية التحتية فيهما وإقامة جدار الفصل العنصري الذي أمر بتشييده أرييل شارون رئيس الوزراء الغائب عن الوعي، استكمالاً لإنجاز المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة.
وفي كل الأحوال يجب الاعتراف بأن الدور الأوروبي لا يزال رهين انقسام أوروبا على نفسها، وخاضعاً للمواقف والأولويات الأمريكية والإسرائيلية، وليس مستقلاً أو قادراً على شق طريقه وحده وسط زوابع الشرق الأوسط. لكن هذا لا يمنع من شعور إسرائيل بالقلق، خاصة إذا نشط الأوروبيون وجاهدوا لملء الفراغ، وثمة محاولات لبعض الدول النافذة في الاتحاد الأوروبي لمواجهة الفوضى التي عصفت بالعلاقات الدولية نتيجة لنزعة الهيمنة والأوهام الإمبراطورية للإدارة الأمريكية. فالحاصل الآن أن الاتحاد الأوروبي يحاول جاهداً ويواصل مساعيه لإحلال السلام العالمي والمساهمة في حل الصراع العربي- الإسرائيلي. والأهم هو مواجهة الأحادية الأمريكية التي أثارت البلبلة على الساحة الدولية، ولتمهيد الطريق لقطبية عالمية متعددة، تعيد التوازن إلى السياسة الدولية، وتفسح المجال لصياغة حلول عادلة لمشكلات العالم التي زادت تعقيداً وخطراً بسبب الاستخدام الأمريكي المفرط للقوة وغير المحسوب أو غير المستند إلى أي تفويض دولي في ما يتعلق بالعراق.
من دلالات الدعم الأوروبي لعملية التسوية مشاركته في اللجنة الرباعية الدولية
ويحاول الأوروبيون صياغة مبادرات تتفادى مخاطر التسوية المنشودة أمريكياً، فمثلاً لا ترى الولايات المتحدة أنها وسيطاً في عملية السلام، وإنما هي طرف في الصراع باعتبار شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل. ويسعى الأوروبيون إلى أن يكون الحل شاملاً ونهائياً، بعكس رغبة واشنطن التي لا تلتزم بربط مراحل التفاوض إلى جانب تأييدها للحلول الجزئية، خاصة مع الرعب الأمريكي من تنامي قوة الإسلاميين في المنطقة واحتمال تسلمهم للسلطة وتمكنهم منها مثلما حدث مع قطاع غزة بعد فوز حركة حماس في انتخابات 2005. والأهم هو أن الولايات المتحدة لا تستبعد إقامة النظام الشرق أوسطي بعد إنجاز مهمة التسوية، وهو النظام الذي يمنح إسرائيل قيادة المنطقة، وذلك على النقيض من الدور الأوروبي الذي يسعى لأن يكون محايداً ومتوازناً في عملية التسوية الشرق أوسطية.

وأخيراً فقد ذكر برنار كوشنير لدى زيارته الأراضي الفلسطينية عقب عيد الفطر المبارك أنه يخشى أن يدفع تغير الإدارة الأمريكية وتشكيل الحكومة الإسرائيلية والانشغالات التي تصب نحو إيران، الجميع إلى نسيان عملية التسوية في الشرق الأوسط. لكن – وحسب ما أشار – إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هي الضمانة الأساسية لأمن إسرائيل، مع ضرورة توقف تل أبيب عن سياسة الاستيطان. هكذا أجمل وزير خارجية فرنسا رؤية بلاده والاتحاد الأوروبي الذي يمثله لمضمون السلام في الشرق الأوسط.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2133::/cck::
::introtext::
انطلاقاً من رغبة حقيقية في تحقيق استقرار منطقة الشرق الأوسط التي تلج بالتوترات السياسية والأمنية في ضوء استمرار الصراع العربي – الإسرائيلي وحرب العراق وتداعيات الملف النووي الإيراني، فقد بدا جلياً أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى اختراق هذه المنطقة المتخمة بمشكلاتها المعقدة، خاصة ما يتعلق منها بملف التسوية السلمية لإنهاء الصراع المستمر منذ ما يقرب من ستين عاماً أو على الأقل التدخل بصورة فاعلة لتحريك المياه الراكدة. وهو ما لا يقبله الإسرائيليون والأمريكيون.
::/introtext::
::fulltext::
انطلاقاً من رغبة حقيقية في تحقيق استقرار منطقة الشرق الأوسط التي تلج بالتوترات السياسية والأمنية في ضوء استمرار الصراع العربي – الإسرائيلي وحرب العراق وتداعيات الملف النووي الإيراني، فقد بدا جلياً أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى اختراق هذه المنطقة المتخمة بمشكلاتها المعقدة، خاصة ما يتعلق منها بملف التسوية السلمية لإنهاء الصراع المستمر منذ ما يقرب من ستين عاماً أو على الأقل التدخل بصورة فاعلة لتحريك المياه الراكدة. وهو ما لا يقبله الإسرائيليون والأمريكيون.
إن الاتحاد الأوروبي، وخلال الفترة الأخيرة، يحاول تبني بعض الخطوات رغم عدم فاعليتها حتى وقتنا الراهن بسبب تلاشي الحماسة الإسرائيلية والأمريكية معاً. بيد أن الأمر المهم هو سعي الأوروبيين إلى الوصول إلى مواقف سياسية أكثر استقلالية عن المواقف الأمريكية، مما يصب في الحرب المستعرة على جانبي الأطلسي، خاصة مع تنامي الدور الأوروبي وهو ما يغضب واشنطن. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار الزيارات الأوروبية الأخيرة إلى المنطقة ومن بينها خافيير سولانا المنسق الأعلى للسياسات الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، ووزيرا خارجية فرنسا برنار كوشنير وإسبانيا ميغيل موراتينوس، وصبت جميعها في محاولة لدفع عملية السلام قدماً وتنفيذ التعهدات التي تم التوصل إليها خلال مؤتمر أنابوليس الذي نظمته الولايات المتحدة في نوفمبر الماضي. وتشكل زيارة كوشنير تحديداً بالإضافة إلى كونها جهداً فرنسياً، مهمة أوروبية تهدف إلى تعبئة الفراغ الناشئ عن غياب الدور الأمريكي في هذه المرحلة التي تشهد فيها الولايات المتحدة سباقاً انتخابياً نحو البيت الأبيض، بالتزامن مع مرحلة سياسية هشة في إسرائيل تحاول فيها تسيبي ليفني وزيرة الخارجية وزعيمة حزب (كاديما) الجديدة ملء الفراغ السياسي هي الأخرى لتشكيل حكومة ائتلافية، وهي مرحلة بالمناسبة تتلاشى فيها ملامح المفاوضات تماماً، وينصب الجهد بصورة كلية على المفاوضات الائتلافية للانتهاء من تشكيل الحكومة في الفترة الزمنية الممنوحة لها.
الأزمات الشرق أوسطية تحمل دائماً إلى أوروبا تداعيات أمنية وموجات هجرة بشرية
ويندرج الحرص الأوروبي على دعم دوره من أجل تحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة، من خلال أهداف عدة من بينها:
* المساهمة في تحقيق استقرار في السوق الخلفية لدول الاتحاد الأوروبي بشكل يعزز اقتصادياً أوروبا، كمقدمة لتشكيل كتلة اقتصادية ضخمة تقف في مواجهة الكتل القائمة أو تلك الآخذة بالتشكل.
* إزالة مخاطر استمرار التوتر والأزمات في المنطقة العربية، حيث تظل الدول الأوروبية وخاصة المتوسطية منها ترقب بقلق إمكانيات وصول إفرازات تلك الأزمات إلى عقر دارها. فالأزمات الشرق أوسطية مرشحة في كل لحظة لانفجار يحمل إلى أوروبا تداعيات أمنية، أو موجات هجرة بشرية بحثاً عن الأمن والاستقرار. ويرى قادة الدول الأوروبية عامة والمتوسطية منها خاصة أنه كلما أمكن تخفيف حدة التوتر في المنطقة العربية، أمكن تجنب إفرازات تلك الأزمات في ظل جوار جغرافي لا يمكن تجاهل دوره في الربط بين مجريات الأحداث في المنطقتين العربية والأوروبية.
* وثمة عامل مهم يدفع الأوروبيين للعمل من أجل تحقيق استقرار في المنطقة هو قناعتهم بأن الصراع العربي – الإسرائيلي هو أهم الصراعات الدائرة في المنطقة، ومن شأن إنهاء هذا الصراع توجيه الأموال المخصصة لسباق التسلح إلى مشاريع تنموية تؤمن الاستقرار في الباحة الخلفية للقارة الأوروبية، وكذلك تعزيز عمليات التبادل التجاري بين أوروبا ودول المنطقة.
من هذه المنطلقات، أظهرت أوروبا، رغم انحسار نفوذها الدولي، رغبة وإصراراً على لعب دور في عملية التسوية، ولئن نجحت الولايات المتحدة في تحجيم أثر الدور الأوروبي في مجريات الأحداث، فإنها فشلت في وقف المحاولات الأوروبية الساعية للعودة إلى دائرة الضوء.
وقد لعبت أوروبا دور الممول الاقتصادي لعملية التسوية، حيث بذل الأوروبيون جهوداً كبيرة لحفظ الحد الأدنى من التأييد الشعبي والرسمي الفلسطيني لعملية التسوية من خلال توفير دعم اقتصادي للتسوية وتمويل أنشطة سلطة الحكم الذاتي، وظل هذا الدور الاقتصادي لدول المجموعة الأوروبية يثير شهية أطراف رئيسية في تلك المجموعة لجسر الهوة بين المسؤوليات الاقتصادية لأوروبا تجاه مشروع التسوية والنفوذ السياسي لها في المنطقة، غير أن الرغبات الأوروبية ظلت تصطدم بمعارضة أمريكية وإسرائيلية.
دلالات الدعم الأوروبي
على عكس المواقف الأمريكية التي تغالي في دعمها لإسرائيل والانحياز لها، نجد أن موقف الاتحاد الأوروبي من عملية السلام في الشرق الأوسط يعتبر تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط هدفاً مركزياً له، وهذا يتحقق عبر حل بدولتين يفضي إلى تسوية نهائية وشاملة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. ويستند إلى تنفيذ خريطة الطريق مع إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية قابلة للحياة وذات سيادة تعيش في سلام جنباً إلى جنب ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وتتمتع بعلاقات طبيعية مع جيرانها حسب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومبادئ مؤتمر مدريد. وتتضمن هذه التسوية حلاً عادلاً لقضية القدس المعقدة مع حل عادل وقابل للحياة وواقعي ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين مع تجميد كافة الأنشطة الاستيطانية التي تعوق عملية التسوية السلمية. ومن دلالات الدعم الأوروبي لعملية السلام:
* مشاركة الاتحاد الأوروبي في اللجنة الرباعية الدولية إلى جانب روسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة، بما في ذلك دعم الموارد السياسية والمالية والبشرية للسلطة الفلسطينية والتي تم تكريسها من خلال الشراكة أو الاتفاقيات الانتقالية ومن خلال خطط العمل الخاصة بسياسة الجوار الأوروبية التي تم تبنيها عام 2005.
* تسهيل الحوار الإقليمي من خلال الشراكة الأورو- متوسطية (عملية برشلونة) حتى قبل تدشين الاتحاد من أجل المتوسط.
* إجراءات بناء الثقة بما في ذلك نشاطات الرقابة على الانتخابات التي مولتها المفوضية الأوروبية، باعتبار أن الانتخابات الحرة والعادلة تشكل خطوة حيوية نحو ضمان نجاح خريطة الطريق.
* إجراءات بناء الثقة التي شملت إشراف الاتحاد على التنفيذ السليم للاتفاقيات الإسرائيلية – الفلسطينية المتعلقة بمعبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر ومساعدة المجموعة على بناء قدرات ضبط الحدود لدى السلطة الفلسطينية، وذلك حتى قبل 14 يونيو 2007 عندما قررت حركة حماس الانفراد بحكم قطاع غزة.
* نظّم الاتحاد حوارات سياسية ثلاثية الأطراف بمشاركة المفوضية الأوروبية وطرفي النزاع حول قضايا المواصلات والطاقة والتجارة.
* تبني خطوات أخرى من شأنها المساعدة على تهيئة الظروف من أجل السلام والاستقرار والرخاء في المنطقة، مثل تقوية عمليات الإصلاح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية الفلسطينية مع تقديم المساعدة الإنسانية للاجئين، مع جمع النشطين من المجتمع المدني من إسرائيل والأراضي المحتلة والدول المجاورة من خلال شراكة الاتحاد الأوروبي لبرنامج السلام.
المبادرات الأوروبية.. نبذة تاريخية
* تعتبر البداية في ما يسمى (وثيقة شومان)، نسبة إلى موريس شومان وزير الخارجية الفرنسي في عهد الرئيس جورج بومبيدو، عندما كان المجتمع الأوروبي مؤلفاً من ستة أعضاء فقط في عام 1971، فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ. وحاولت المجموعة الأوروبية آنذاك أن تكون لها كلمتها في الشؤون الدولية مع الحرص على ضمان ألا تعرض الأزمات الدولية المجتمع الأوروبي نفسه للخطر. وكانت حرب يونيو 1967 والصراع الإسرائيلي- العربي موضوعاً رئيسياً للاهتمام والتدخل. ولم يكن ذلك لأن المنطقة المعنية قريبة جغرافياً من أوروبا فحسب، بل أيضاً لأن الدول الأعضاء لم تكن على وفاق. وتمكنت فرنسا من إقناع شركائها بتبني نص مشترك يعلن المقترحات الأوروبية لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وفقاً لوثيقة شومان في مايو 1971، وأعلنت تأييدها لقرار مجلس الأمن 242، وطالبت تحديداً بانسحاب إسرائيلي إلى خطوط 4 يونيو 1967، مع تغييرات طفيفة، وإقامة خطوط منزوعة السلاح على كلا جانبي حدود إسرائيل، ونشر قوات دولية غير تابعة للدول الكبرى، ووضع دولي للقدس وتعليق مستمر لأي قرار بشأن السيادة على البلدة القديمة. ثم الأهم، وهو حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم أو منحهم خيارات أخرى من بينها التعويض.
* ثم تشكل موقف الاتحاد الأوروبي الأساسي تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط على يد المجلس الأوروبي بداية في إعلان البندقية في يونيو 1980، والذي نص على حق الوجود والأمن لكل الدول في المنطقة، بما فيها إسرائيل، وعلى العدالة لكل الشعوب، مما يعني الاعتراف بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.
* جاء إعلان بروكسل في فبراير 1987، ليقترح عقد مؤتمر سلام دولي تحت رعاية الأمم المتحدة، ومساندة أمن كافة الدول في المنطقة، بما فيها إسرائيل، أي حقها في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها ومضمونة، وإقرار عادل لجميع شعوب المنطقة يشتمل على اعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بما فيها حقه في تقرير مصيره مع كل ما يستتبعه هذا. وكانت أول إشارة ضمنية إلى حق الفلسطينيين في إقامة دولة.
* بلغ هذا التأييد للحقوق الوطنية الفلسطينية ذروته في إعلان المجلس الأوروبي في أمستردام في يونيو 1997، وهو الإعلان الذي دعا إسرائيل إلى الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم من دون استبعاد خيار إقامة دولة. وأتبع ذلك بإعلان برلين في لقاء قمة الاتحاد الأوروبي في مارس 1999، الذي دعا إلى تأكيد حق الفلسطينيين الدائم وغير المشروط في تقرير مصيرهم بما في ذلك خيار إقامة دولة. ونص أيضاً على أن يكون هذا الحق بـ (منأى عن أي فيتو)، وعلى (استعداد) أوروبا للنظر في الاعتراف بدولة فلسطينية في الوقت المناسب. وقد تبنى إعلان برلين (مفهوم الدولة الفلسطينية القابلة للحياة) في قاموسه السياسي، حيث نص على أن الاتحاد الأوروبي مقتنع بأن إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية ومسالمة وذات سيادة وقابلة للحياة على أساس الاتفاقيات القائمة ومن خلال المفاوضات تعتبر أفضل ضمانة لأمن إسرائيل وقبولها كشريك مساو في المنطقة.
الرؤية الأمريكية لحل الصراع العربي-الإسرائيلي تعتبر أحد أكبر المعوقات التي تعترض الدور الأوروبي
* جاء تصريح إشبيلية في يونيو 2002 صريحاً بشأن الحل المتوقع للصراع، إذ يمكن تحقيق التسوية من خلال المفاوضات، ويكون هدفها وضع حد للاحتلال الإسرائيلي والتأسيس المبكر لدولة فلسطين المسالمة والديمقراطية وذات السيادة والقابلة للحياة، على أساس حدود 1967، وإذا لزم الأمر مع بعض التعديلات البسيطة التي يتفق عليها الطرفان. وينبغي أن يكون الحل النهائي عبارة عن دولتين تعيشان جنباً إلى جنب وفق حدود آمنة ومعترف بها وتتمتعان بعلاقات طبيعية مع جيرانهما. وفي هذا السياق، يمكن تحقيق حل عادل لقضية القدس المعقدة وحل منصف وقابل للحياة ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
معوقات الدور الأوروبي
بيد أنه ثمة بعض المعوقات التي تعترض الدور الأوروبي، ونقصد هنا ميل التوازن الاستراتيجي، في الصراع العربي ـ الإسرائيلي في مصلحة إسرائيل لعوامل ثلاثة هي:
الأول- وفقاً للتفوق التكنولوجي لقدرات إسرائيل التقليدية، وانفرادها بامتلاك الرادع النووي، والسبق في مجال الفضاء، وامتلاكها النظم المضادة للصواريخ، قاعدة متقدمة للصناعات العسكرية، بالإضافة إلى ما توفره علاقاتها من عمق دولي وإقليمي في مجالات التعاون العسكري، واحتياطيات من مخزون عسكري أمريكي. ولا ننسى الخلل في التوازن السياسي الناجم عن غياب التنسيق العربي، وعجز العرب عن بلورة استجابة لواقع المتغيرات الدولية والإقليمية لتحقيق المصالح القومية العربية. وفي المقابل، تستحوذ إسرائيل على معظم الأوراق التفاوضية من خلال استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية، وقدرتها على اعتماد استراتيجية مرنة قادرة على التفاعل مع المتغيرات المعاصرة، وتكريسها لتحقيق مصالحها وأهدافها. ويزيد من ثِقَل موازين القوى الإسرائيلية وجود بعض المتغيرات الدولية أهمها:
* انفراد الولايات المتحدة الأمريكية، حليف إسرائيل الاستراتيجي، بقِمة النظام العالمي، واستبعاد إسرائيل من الضغوط الأمريكية، وتجنيب أمنها كل ما يؤثر فيه، فضلاً عن عدم تدخل واشنطن تدخلاً إيجابياً في مفاوضات التسوية في المسارات المختلفة.
* افتقاد الدول العربية الحليف الاستراتيجي.
* محدودية فاعلية الإسهام الأوروبي في التسوية السياسية، وتميز إسرائيل بالتفاعل مع المشروعات التي تستهدف إعادة ترتيب الأوضاع الاقتصادية في المنطقة، سواء المتوسطية مع الاتحاد الأوروبي أو الأوسطية مع الولايات المتحدة، وتبادل الخبرة التكنولوجية مع الصين والهند وغيرهما.
* الرغبة الأمريكية في تأسيس نظام أمني إقليمي قوامه تفوق إسرائيل العسكري، وإغفال امتلاكها الرادع النووي في ظل قناعة بعقلانية النظام الديمقراطي الإسرائيلي، واستحواذ إسرائيل الدائم على معظم أوراق التسوية السلمية، مما يزيد التوازن الاستراتيجي خللاً في مصلحتها.
الثاني- الخلل في التوازن التكنولوجي والاقتصادي والذي تمخض عنه نجاح إسرائيل في بلورة استراتيجية واضحة لبناء قاعدة تكنولوجية متطورة، تتيح لها الميزة التنافسية النسبية وخطة الإصلاح الاقتصادي، ومد شبكة متميزة لعلاقتها بالتكتلات الاقتصادية العالمية
الثالث- الرؤية الأمريكية لحل الصراع، والتي تعتبر أحد أكبر المعوقات التي تعترض الدور الأوروبي في دعم عملية السلام بالمنطقة، لا سيما أنها ترتكز على مبادئ تعتبر كلها إخلالاً بمبدأ عملية السلام، منها حل دائم للصراع قوامه إقامة دولتين لشعبَين، طبقاً لـ (خريطة الطريق) مع مساندة الإدارة الأمريكية لرفض الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 4 يونيو 1967. والأخطر من كل ذلك، الاعتراف الأمريكي بضم الكثير من البؤر الاستيطانية الكبرى التي تريد إسرائيل الاحتفاظ بها داخل حدود إسرائيل الكبرى. ويدخل في هذا السياق السماح لإسرائيل في بناء جدار الفصل العنصري في إطار حدود أمنية واعتباره حدوداً سياسية تفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
محاولات أوروبية لإعادة التوازن
انطلاقاً من هذا الخلل الواضح في موازين القوى، يحاول الأوروبيون التوازن بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. فالفلسطينيون يطالبون إسرائيل بتنفيذ قرارَي مجلس الأمن الدولي رقمَي (242) و(338)، والانسحاب من الأراضي الفلسطينية، التي احتلت في الرابع من يونيو 1967 وإنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في حدود يونيو 1967، وعلى أن تكون عاصمتها القدس الشرقية، فضلاً عن حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وتستند رؤية الفلسطينيين إلى ضرورة أن يتكفل المجتمع الدولي بإقامة دولة فلسطينية وفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة و(خريطة الطريق) التي وافقت عليها اللجنة الرباعية، ومبدأ الأرض مقابل السلام الوارد في مرجعية مدريد عام 1991، ومبادرة السلام العربية.
وعلى الجانب الإسرائيلي، فهناك رفض تام للتسوية الشاملة مع الفلسطينيين، وأيضاًَ رفض العودة إلى حدود 4 يونيو 1967. وتستند الرؤية الإسرائيلية إلى خطوط حمراء هي:
* القدس الموحدة عاصمة أبدية لدولة إسرائيل.
* الاحتفاظ بمناطق أمنية في منطقة غور الأردن، وحزام أمني شرق الخط الأخضر في إطار جدار الفصل العنصري وسلاسل الجبال في منتصف الضفة الغربية، حيث أنشئت المستوطنات الإسرائيلية.
* تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، وتسيطر إسرائيل على حدودها البرية ومياهها الإقليمية ومجالها الجوي مع احتفاظ إسرائيل بحق الطيران في هذا المجال.
* السيطرة الإسرائيلية على الساحل البحري لقطاع غزة.
* احتفاظ إسرائيل بالمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
(الشق الصراعي) والسعي لتأييد الفلسطينيين
نعود إلى الشق الصراعي بين إسرائيل وفلسطين من وجهة النظر الأوروبية التي تؤشر إلى توجيه دفة التأييد إلى الفلسطينيين نوعاً ما، لكن ليس في كل الأحوال. فهناك دراسة أعدتها وزارة الخارجية الإسرائيلية في أواخر عام 2004، وخلصت نتائجها إلى أن إسرائيل مهددة بالعزلة إذا ما واصلت الاستناد إلى الدعم الأمريكي غير المحدود، والاستخفاف بما يسمى (أوروبا القديمة). وبحثت الدراسة في السيناريوهات المحتملة لتطوير علاقات إسرائيل مع دول أوروبا، لتؤكد أن المستقبل مع دولها التي تزداد مكانة وأكثر قوة ورسوخاً في العالم. ومن هنا، شكلت الدراسة المشار إليها قلقاً في الأوساط الإسرائيلية طالت حكومة أرييل شارون وقتها، لا سيما أن الاتحاد الأوروبي كثف من انتقاداته للسياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. والأهم في الدراسة، هو تحذيرها من أن إسرائيل وأوروبا ستجدان نفسيهما في مسار تفاوضي. وحينها قد تلجأ أوروبا إلى فرض عقوبات اقتصادية على تل أبيب. وقد ربطت الدراسة بين نزعة السياسة الإسرائيلية (حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية ذات سيادة) وبين استطلاع سياسي أجراه الاتحاد الأوروبي وضعت نتائجه إسرائيل على رأس الأطراف التي تهدد استقرار العالم وأمنه.
ولم يكن الاتحاد الأوروبي متخاذلاً مع إسرائيل بل انتقد موقفها بشدة، عندما رفضت جملة وتفصيلاً التقرير السنوي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة والذي اتهم تل أبيب بانتهاك فاضح لحقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتدمير المفرط في البنية التحتية فيهما وإقامة جدار الفصل العنصري الذي أمر بتشييده أرييل شارون رئيس الوزراء الغائب عن الوعي، استكمالاً لإنجاز المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة.
وفي كل الأحوال يجب الاعتراف بأن الدور الأوروبي لا يزال رهين انقسام أوروبا على نفسها، وخاضعاً للمواقف والأولويات الأمريكية والإسرائيلية، وليس مستقلاً أو قادراً على شق طريقه وحده وسط زوابع الشرق الأوسط. لكن هذا لا يمنع من شعور إسرائيل بالقلق، خاصة إذا نشط الأوروبيون وجاهدوا لملء الفراغ، وثمة محاولات لبعض الدول النافذة في الاتحاد الأوروبي لمواجهة الفوضى التي عصفت بالعلاقات الدولية نتيجة لنزعة الهيمنة والأوهام الإمبراطورية للإدارة الأمريكية. فالحاصل الآن أن الاتحاد الأوروبي يحاول جاهداً ويواصل مساعيه لإحلال السلام العالمي والمساهمة في حل الصراع العربي- الإسرائيلي. والأهم هو مواجهة الأحادية الأمريكية التي أثارت البلبلة على الساحة الدولية، ولتمهيد الطريق لقطبية عالمية متعددة، تعيد التوازن إلى السياسة الدولية، وتفسح المجال لصياغة حلول عادلة لمشكلات العالم التي زادت تعقيداً وخطراً بسبب الاستخدام الأمريكي المفرط للقوة وغير المحسوب أو غير المستند إلى أي تفويض دولي في ما يتعلق بالعراق.
من دلالات الدعم الأوروبي لعملية التسوية مشاركته في اللجنة الرباعية الدولية
ويحاول الأوروبيون صياغة مبادرات تتفادى مخاطر التسوية المنشودة أمريكياً، فمثلاً لا ترى الولايات المتحدة أنها وسيطاً في عملية السلام، وإنما هي طرف في الصراع باعتبار شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل. ويسعى الأوروبيون إلى أن يكون الحل شاملاً ونهائياً، بعكس رغبة واشنطن التي لا تلتزم بربط مراحل التفاوض إلى جانب تأييدها للحلول الجزئية، خاصة مع الرعب الأمريكي من تنامي قوة الإسلاميين في المنطقة واحتمال تسلمهم للسلطة وتمكنهم منها مثلما حدث مع قطاع غزة بعد فوز حركة حماس في انتخابات 2005. والأهم هو أن الولايات المتحدة لا تستبعد إقامة النظام الشرق أوسطي بعد إنجاز مهمة التسوية، وهو النظام الذي يمنح إسرائيل قيادة المنطقة، وذلك على النقيض من الدور الأوروبي الذي يسعى لأن يكون محايداً ومتوازناً في عملية التسوية الشرق أوسطية.

وأخيراً فقد ذكر برنار كوشنير لدى زيارته الأراضي الفلسطينية عقب عيد الفطر المبارك أنه يخشى أن يدفع تغير الإدارة الأمريكية وتشكيل الحكومة الإسرائيلية والانشغالات التي تصب نحو إيران، الجميع إلى نسيان عملية التسوية في الشرق الأوسط. لكن – وحسب ما أشار – إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هي الضمانة الأساسية لأمن إسرائيل، مع ضرورة توقف تل أبيب عن سياسة الاستيطان. هكذا أجمل وزير خارجية فرنسا رؤية بلاده والاتحاد الأوروبي الذي يمثله لمضمون السلام في الشرق الأوسط.
::/fulltext::
::cck::2133::/cck::
