مستقبل علاقات أوروبا بالخصم والشريك في آن واحد
::cck::2136::/cck::
::introtext::
كثيراً ما تتضح ضرورة الجمع بين القوة (الناعمة) والقوة (الصارمة) لاكتساب استراتيجية (القوة الذكية)، فالقوة العسكرية تشكل مصدراً للقوة الصارمة، إلا أن المصدر نفسه قد يسهم أحياناً في تشكيل القوة الناعمة.
إن الأحداث الأخيرة في جورجيا ليست بمعزل عن الصراع الأوسع بين روسيا وحلف الناتو، ورغم حساسية العلاقات بين الطرفين، إلا أن لهما مصالح مشتركة لن تنتهي، لذا تعد هذه الفترة مؤشراً إلى تحديد العلاقات بين الطرفين ومعرفة من الأقوى في منطقة القوقاز التي تعتبرها روسيا مكان نفوذها. ففي قمة بوخارست في إبريل 2008 كانت جورجيا وجارتها أوكرانيا موضع خلاف بين الناتو وروسيا، فبينما كان المسؤولون في تبليسي وكييف يطالبون بانضمام بلديهما إلى الناتو، شددت روسيا من معارضتها وضغطت خاصة على ألمانيا لرفض هذا المقترح، لأن كافة قرارات الناتو تتخذ بالإجماع، فرفض عدد من الدول فكرة انضمام الدولتين إلى الناتو كان كافياً لإرجاء هذه الخطوة.
::/introtext::
::fulltext::
كثيراً ما تتضح ضرورة الجمع بين القوة (الناعمة) والقوة (الصارمة) لاكتساب استراتيجية (القوة الذكية)، فالقوة العسكرية تشكل مصدراً للقوة الصارمة، إلا أن المصدر نفسه قد يسهم أحياناً في تشكيل القوة الناعمة.
إن الأحداث الأخيرة في جورجيا ليست بمعزل عن الصراع الأوسع بين روسيا وحلف الناتو، ورغم حساسية العلاقات بين الطرفين، إلا أن لهما مصالح مشتركة لن تنتهي، لذا تعد هذه الفترة مؤشراً إلى تحديد العلاقات بين الطرفين ومعرفة من الأقوى في منطقة القوقاز التي تعتبرها روسيا مكان نفوذها. ففي قمة بوخارست في إبريل 2008 كانت جورجيا وجارتها أوكرانيا موضع خلاف بين الناتو وروسيا، فبينما كان المسؤولون في تبليسي وكييف يطالبون بانضمام بلديهما إلى الناتو، شددت روسيا من معارضتها وضغطت خاصة على ألمانيا لرفض هذا المقترح، لأن كافة قرارات الناتو تتخذ بالإجماع، فرفض عدد من الدول فكرة انضمام الدولتين إلى الناتو كان كافياً لإرجاء هذه الخطوة.
ولم تكتف روسيا بمحاولاتها تلك، بل اتخذت خطوة استباقية قبل قمة ديسمبر 2008 في تحقيق وعود الناتو لإمكانية انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى عضوية الغرب في مهاجمة جورجيا في 9 أغسطس 2008 بعدما هاجم الجيش الجورجي عاصمة أوسيتيا الجنوبية الانفصالية من أجل إعادة السيطرة عليها، واستبقت روسيا الاعتراف باستقلال الإقليمين الانفصاليين أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا على غرار خطوة الغرب اعترافهم باستقلال كوسوفو عن صربيا حليفة روسيا، تبادل على أثرها أعضاء الناتو وروسيا تصريحات واتهامات أشبه بالقرن الماضي الذي هيمنت عليه الحرب الباردة والذي كان يفترض أنه كسر الستار الحديدي بين غرب أوروبا وشرقها إلى الأبد.
فما حدث في جورجيا يؤكد على عدم الاستقرار في منطقة القوقاز وأهمية التريث في تقديم خطة العمل للعضوية رغم أن البعض يعتبر أن العضوية لا تزال قائمة وستتحقق عاجلاً أم آجلاً، وتستغل روسيا (الفيتو) الذي يتمتع به الحلف، حيث إن وزن لوكسمبرغ والولايات المتحدة واحد بحسب قوانين الحلف، لكن البند الخامس ذا الأهمية الكبيرة في معاهدة شمال الأطلسي والذي أقر في إبريل 1949 ينص على (أن هجوماً مسلحاً على واحد أو أكثر من أعضاء الحلف في أوروبا أو أمريكا الشمالية سيعتبر هجوماً عليهم وبالتالي يتفقون على أنه في حال وقوع مثل هذا الهجوم المسلح فإن كل واحد منهم سيساعد الطرف أو الأطراف التي تتعرض لهجوم). وبالفعل تم اللجوء إلى البند الخامس عندما تعرضت الولايات المتحدة لهجمات 11 سبتمبر 2001، ويخشى المسؤولون في (الناتو) من أي تحرك في المنطقة قد يؤدي إلى اللجوء إلى البند الخامس مجدداً.
وروسيا بعدما استعادت عافية اقتصادها إثر ارتفاع أسعار البترول ترى في الناتو تهديداً استراتيجياً لمناطق مهمة لها ولا تريد أن تشعر بأنها محاصرة من قبل الناتو من جهة والصين من جهة أخرى.
إن تركيز موسكو وبروكسل في الوقت الراهن هو على القوقاز من أجل أن تتفادى مواجهة ممكنة، وأن الحد من علاقات التعاون بين الطرفين يؤثر فيهما وسيكون ضربة أقوى للناتو، وإن كانت سبل التعاون في المجلس الأطلسي الروسي المشترك علقت فعلياً في الوقت الراهن وإلى أجل غير مسمى، بينما يحتفل الناتو بعامه الستين عام 2009 وهناك تساؤلات حول مستقبل علاقاته بالخصم والشريك في آن واحد.
ويعتبر بعض المحللين أن روسيا استخدمت الجيش الروسي في الهجوم على جورجيا، ولم تترك ذلك لقوات حفظ السلام الروسية الموجودة في المنطقة، مثلما فعلت قوات حفظ السلام التابعة للناتو في حرب البلقان، لكن روسيا إلى جانب أنها استخدمت الجيش لم تستمر في الاحتلال مثلما فعلت أمريكا في العراق وفي أفغانستان وكذلك روسيا زمن الحرب الباردة في احتلال أفغانستان فهي كلها دروس استفادت منها روسيا في الوقت الحاضر.
وبذلك فإن روسيا اتبعت سياسة تقطيع أوصال جورجيا عندما اعترفت باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا تماماً مثلما فعلت أمريكا وحلف الأطلسي في تقطيع يوغسلافيا ابتداء بحرب البوسنة وانتهاء بكوسوفو من أجل إيجاد موطئ قدم دائم لروسيا على البحر الأسود من خلال أبخازيا، وهي بذلك قد تستغني عن الموانئ الأوكرانية على البحر نفسه، وكان أن هددت أوكرانيا روسيا بعدم السماح للسفن الحربية الروسية بالعودة إلى الموانئ الأوكرانية، وبذلك تكون لروسيا سيطرة على طرق نقل النفط المارة بجورجيا، وأنها ليست بمأمن من التهديدات الروسية، وكانت الشركات الغربية أنفقت خمسة مليارات دولار على بناء شبكة أنابيب نفط قادمة من حقول أذربيجان على بحر قزوين، بالإضافة إلى تطوير موانئ في أبخازيا التي تسيطر عليها روسيا، وهذه الخطوط هي خط أنابيب باكو – تبليسي – جيهان، وخط باكو – تبليسي – أضروم، وأهم هذه الخطوط خط أنابيب باكو – تبليسي-جيهان الذي يبلغ طوله 1760 كيلو متراً وبطاقة مليون برميل يومياً.
وحاولت روسيا إقناع منظمة شنغهاي للتعاون في الاجتماع، لكن لم تحصل على الدعم المطلوب أو لم تستطع أن تقنع الصين، بل حاولت الصين أن تقنع روسيا بأنه لا حاجة في الوقت الحاضر لإعلان مثل هذا الدعم لأنه يوسع من نطاق المواجهة مع الغرب، ويعزز نظرية المحاور زمن الحرب الباردة، ويمكن أن تلعب الصين مستقبلاً دور الوسيط للحفاظ على مصالحها مع الغرب وفي الوقت نفسه الحفاظ على تقاسم النفوذ وحماية المصالح في الظهير الاستراتيجي.
فلا تزال روسيا في مرحلة استعادة عافيتها التي سلبها تحجر النظام السوفييتي السابق وفترة الاضطراب التي تلت ذلك النظام، والغرب محتاج إلى روسيا والصين لمعالجة الملفين النوويين الكوري والإيراني.
وفي 29 أغسطس 2008 دعا رئيس بيلا روسيا إلى عقد قمة معاهدة (الأمن الجماعي) تأييداً للسياسة الروسية، وأن بلاده ستظل حليفاً وفياً، لكن دول بيلا روسيا و قيرغيزستان وطاجيكستان وأرمينيا لم تعترف باستقلال الجمهوريتين القوقازيتين وتفسيراً لموقف أرمينيا في عدم إعلان الاعتراف لأنه وضع مماثل لناغورني قرة باغ وهو الإقليم المتنازع عليه بين أذربيجان وأرمينيا منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، واستطاعت أرمينيا انتزاعه بعيداً عن السيادة الأذربيجانية في أعقاب حرب طالت لعدة سنوات أسفرت عن احتلال أرمينيا لأجزاء كبيرة من الأراضي الأذربيجانية، وهذا السبب جعل أرمينيا لا تعترف بكوسوفو ولكل دولة أسبابها فقيرغيزستان تخشى التأثير في استثماراتها الكبيرة في جورجيا.
الأحداث الأخيرة في جورجيا ليست بمعزل عن الصراع الأوسع بين روسيا وحلف الناتو
ومن الأسباب الأخرى لحرب القوقاز ضرب روسيا مطارات كانت تخصصها جورجيا لإسرائيل بموجب اتفاقية سرية أبرمت بمعرفة واشنطن، وكان مقرراً أن تنطلق منها الطائرات الإسرائيلية في مهمة ضرب إيران، وبذلك فإن حرب القوقاز أحبطت خطة لضرب إيران لأن الهجوم على إيران بالغ الخطر في نتائجه وحيث إن كافة الدول المحيطة بإيران رفضت ضرب إيران من أراضيها عندما زارها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، وهذا ما جعل المملكة العربية السعودية من خلال زيارة الأمير بندر بن سلطان إلى موسكو تدعم السياسات الروسية في منع أي هجوم على إيران.وأعلنت دول مجلس التعاون تأييدها لروسيا ضد السياسات الأوروبية غير الواقعية وتعنتها الذي قد يكون سبباً في الوصول إلى حرب باردة مغلقة، وستقف دول الخليج موقف الحياد تجاه هذه الصراعات الدولية ولن تكون طرفاً فيها.
وقبل النزاع مع جورجيا كان من المقرر أن تتكثف العلاقات الأوروبية – الروسية ضمن (شراكة استراتيجية) وهي الأكثر كثافة، حيث تعقد قمتان سنوياً للاتحاد الأوروبي وروسيا مقابل قمة واحدة مع الولايات المتحدة وقمة واحدة مع الصين، ويشكل الاتحاد الأوروبي أول شريك تجاري لروسيا رغم أن الصادرات الروسية إلى دول الاتحاد لا تزال تهيمن عليها منتجات الطاقة، لكن دخلت العلاقات الأوروبية – الروسية في عام 2004 مرحلة الاضطراب مع توسع الاتحاد إلى دول أوروبا الشرقية سابقاً إلى جانب عدة نزاعات في مجال الطاقة بين روسيا وبعض هذه الدول مثل أوكرانيا وليتوانيا.
فهل لا تزال العلاقات الدولية تقوم على هرم القوة؟ لسوء الطالع أن هذه حقيقة سعى إليها الجميع أو تورط فيها الجميع وكأن العالم لا يزال في حرب باردة، ولذلك هناك من المحافظين من نصح رئيس جورجيا ميخائيل ساكاشفيلي بمهاجمة الجيوب التي يوجد فيها الانفصاليون.
إن حرباً باردة جديدة تحدث كردة فعل هو أمر مبالغ فيه رغم أن روسيا دولة مهمة، لكنها لا تمثل تهديداً استراتيجياً ضخماً للغرب، ولا تمتلك أيديولوجية كي تصدرها كما كان الوضع في السابق وهي قوة إقليمية كبرى لا يمكن تجاهلها وتمثل 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين، ولا بد أن يعترف الغرب بأنه ارتكب أخطاء في التعامل مع روسيا، وعليه أن يتوقف عن ضم المزيد من الدول إلى الاتحاد الأوروبي، وإذا أراد فليبدأ بضم روسيا نفسها كي يجعل الرغبة في السلام أقوى من الخوف.
لذا فإن دعاة الحرب الباردة أغفلوا بعدين محوريين في الحرب الباردة هما البعد الأيديولوجي والبعد الاستراتيجي المتعلق بقيام كتلتين دوليتين متمحورتين حول القوتين المتصادمتين، وكذلك مقولة القطب الواحد تنتمي للسياق الاستراتيجي المندثرنفسه، بينما الواقع يقود إلى قيام مراكز متعددة للعولمة الاقتصادية.
إن الحرب الجورجية الأخيرة ليست مؤشراً إلى نظام دولي جديد مهما كانت سماته، بل إنها تندرج في سياق المعادلة الجديدة للعولمة التي حولت مفهوم الحرب إلى نموذج العملية الأمنية الداخلية لحماية النفس في مواجهة خطر لا وطن له ولا حدود، أي أن مفهوم المصالح الحيوية بدأ يتلاشى في عصر العولمة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2136::/cck::
::introtext::
كثيراً ما تتضح ضرورة الجمع بين القوة (الناعمة) والقوة (الصارمة) لاكتساب استراتيجية (القوة الذكية)، فالقوة العسكرية تشكل مصدراً للقوة الصارمة، إلا أن المصدر نفسه قد يسهم أحياناً في تشكيل القوة الناعمة.
إن الأحداث الأخيرة في جورجيا ليست بمعزل عن الصراع الأوسع بين روسيا وحلف الناتو، ورغم حساسية العلاقات بين الطرفين، إلا أن لهما مصالح مشتركة لن تنتهي، لذا تعد هذه الفترة مؤشراً إلى تحديد العلاقات بين الطرفين ومعرفة من الأقوى في منطقة القوقاز التي تعتبرها روسيا مكان نفوذها. ففي قمة بوخارست في إبريل 2008 كانت جورجيا وجارتها أوكرانيا موضع خلاف بين الناتو وروسيا، فبينما كان المسؤولون في تبليسي وكييف يطالبون بانضمام بلديهما إلى الناتو، شددت روسيا من معارضتها وضغطت خاصة على ألمانيا لرفض هذا المقترح، لأن كافة قرارات الناتو تتخذ بالإجماع، فرفض عدد من الدول فكرة انضمام الدولتين إلى الناتو كان كافياً لإرجاء هذه الخطوة.
::/introtext::
::fulltext::
كثيراً ما تتضح ضرورة الجمع بين القوة (الناعمة) والقوة (الصارمة) لاكتساب استراتيجية (القوة الذكية)، فالقوة العسكرية تشكل مصدراً للقوة الصارمة، إلا أن المصدر نفسه قد يسهم أحياناً في تشكيل القوة الناعمة.
إن الأحداث الأخيرة في جورجيا ليست بمعزل عن الصراع الأوسع بين روسيا وحلف الناتو، ورغم حساسية العلاقات بين الطرفين، إلا أن لهما مصالح مشتركة لن تنتهي، لذا تعد هذه الفترة مؤشراً إلى تحديد العلاقات بين الطرفين ومعرفة من الأقوى في منطقة القوقاز التي تعتبرها روسيا مكان نفوذها. ففي قمة بوخارست في إبريل 2008 كانت جورجيا وجارتها أوكرانيا موضع خلاف بين الناتو وروسيا، فبينما كان المسؤولون في تبليسي وكييف يطالبون بانضمام بلديهما إلى الناتو، شددت روسيا من معارضتها وضغطت خاصة على ألمانيا لرفض هذا المقترح، لأن كافة قرارات الناتو تتخذ بالإجماع، فرفض عدد من الدول فكرة انضمام الدولتين إلى الناتو كان كافياً لإرجاء هذه الخطوة.
ولم تكتف روسيا بمحاولاتها تلك، بل اتخذت خطوة استباقية قبل قمة ديسمبر 2008 في تحقيق وعود الناتو لإمكانية انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى عضوية الغرب في مهاجمة جورجيا في 9 أغسطس 2008 بعدما هاجم الجيش الجورجي عاصمة أوسيتيا الجنوبية الانفصالية من أجل إعادة السيطرة عليها، واستبقت روسيا الاعتراف باستقلال الإقليمين الانفصاليين أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا على غرار خطوة الغرب اعترافهم باستقلال كوسوفو عن صربيا حليفة روسيا، تبادل على أثرها أعضاء الناتو وروسيا تصريحات واتهامات أشبه بالقرن الماضي الذي هيمنت عليه الحرب الباردة والذي كان يفترض أنه كسر الستار الحديدي بين غرب أوروبا وشرقها إلى الأبد.
فما حدث في جورجيا يؤكد على عدم الاستقرار في منطقة القوقاز وأهمية التريث في تقديم خطة العمل للعضوية رغم أن البعض يعتبر أن العضوية لا تزال قائمة وستتحقق عاجلاً أم آجلاً، وتستغل روسيا (الفيتو) الذي يتمتع به الحلف، حيث إن وزن لوكسمبرغ والولايات المتحدة واحد بحسب قوانين الحلف، لكن البند الخامس ذا الأهمية الكبيرة في معاهدة شمال الأطلسي والذي أقر في إبريل 1949 ينص على (أن هجوماً مسلحاً على واحد أو أكثر من أعضاء الحلف في أوروبا أو أمريكا الشمالية سيعتبر هجوماً عليهم وبالتالي يتفقون على أنه في حال وقوع مثل هذا الهجوم المسلح فإن كل واحد منهم سيساعد الطرف أو الأطراف التي تتعرض لهجوم). وبالفعل تم اللجوء إلى البند الخامس عندما تعرضت الولايات المتحدة لهجمات 11 سبتمبر 2001، ويخشى المسؤولون في (الناتو) من أي تحرك في المنطقة قد يؤدي إلى اللجوء إلى البند الخامس مجدداً.
وروسيا بعدما استعادت عافية اقتصادها إثر ارتفاع أسعار البترول ترى في الناتو تهديداً استراتيجياً لمناطق مهمة لها ولا تريد أن تشعر بأنها محاصرة من قبل الناتو من جهة والصين من جهة أخرى.
إن تركيز موسكو وبروكسل في الوقت الراهن هو على القوقاز من أجل أن تتفادى مواجهة ممكنة، وأن الحد من علاقات التعاون بين الطرفين يؤثر فيهما وسيكون ضربة أقوى للناتو، وإن كانت سبل التعاون في المجلس الأطلسي الروسي المشترك علقت فعلياً في الوقت الراهن وإلى أجل غير مسمى، بينما يحتفل الناتو بعامه الستين عام 2009 وهناك تساؤلات حول مستقبل علاقاته بالخصم والشريك في آن واحد.
ويعتبر بعض المحللين أن روسيا استخدمت الجيش الروسي في الهجوم على جورجيا، ولم تترك ذلك لقوات حفظ السلام الروسية الموجودة في المنطقة، مثلما فعلت قوات حفظ السلام التابعة للناتو في حرب البلقان، لكن روسيا إلى جانب أنها استخدمت الجيش لم تستمر في الاحتلال مثلما فعلت أمريكا في العراق وفي أفغانستان وكذلك روسيا زمن الحرب الباردة في احتلال أفغانستان فهي كلها دروس استفادت منها روسيا في الوقت الحاضر.
وبذلك فإن روسيا اتبعت سياسة تقطيع أوصال جورجيا عندما اعترفت باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا تماماً مثلما فعلت أمريكا وحلف الأطلسي في تقطيع يوغسلافيا ابتداء بحرب البوسنة وانتهاء بكوسوفو من أجل إيجاد موطئ قدم دائم لروسيا على البحر الأسود من خلال أبخازيا، وهي بذلك قد تستغني عن الموانئ الأوكرانية على البحر نفسه، وكان أن هددت أوكرانيا روسيا بعدم السماح للسفن الحربية الروسية بالعودة إلى الموانئ الأوكرانية، وبذلك تكون لروسيا سيطرة على طرق نقل النفط المارة بجورجيا، وأنها ليست بمأمن من التهديدات الروسية، وكانت الشركات الغربية أنفقت خمسة مليارات دولار على بناء شبكة أنابيب نفط قادمة من حقول أذربيجان على بحر قزوين، بالإضافة إلى تطوير موانئ في أبخازيا التي تسيطر عليها روسيا، وهذه الخطوط هي خط أنابيب باكو – تبليسي – جيهان، وخط باكو – تبليسي – أضروم، وأهم هذه الخطوط خط أنابيب باكو – تبليسي-جيهان الذي يبلغ طوله 1760 كيلو متراً وبطاقة مليون برميل يومياً.
وحاولت روسيا إقناع منظمة شنغهاي للتعاون في الاجتماع، لكن لم تحصل على الدعم المطلوب أو لم تستطع أن تقنع الصين، بل حاولت الصين أن تقنع روسيا بأنه لا حاجة في الوقت الحاضر لإعلان مثل هذا الدعم لأنه يوسع من نطاق المواجهة مع الغرب، ويعزز نظرية المحاور زمن الحرب الباردة، ويمكن أن تلعب الصين مستقبلاً دور الوسيط للحفاظ على مصالحها مع الغرب وفي الوقت نفسه الحفاظ على تقاسم النفوذ وحماية المصالح في الظهير الاستراتيجي.
فلا تزال روسيا في مرحلة استعادة عافيتها التي سلبها تحجر النظام السوفييتي السابق وفترة الاضطراب التي تلت ذلك النظام، والغرب محتاج إلى روسيا والصين لمعالجة الملفين النوويين الكوري والإيراني.
وفي 29 أغسطس 2008 دعا رئيس بيلا روسيا إلى عقد قمة معاهدة (الأمن الجماعي) تأييداً للسياسة الروسية، وأن بلاده ستظل حليفاً وفياً، لكن دول بيلا روسيا و قيرغيزستان وطاجيكستان وأرمينيا لم تعترف باستقلال الجمهوريتين القوقازيتين وتفسيراً لموقف أرمينيا في عدم إعلان الاعتراف لأنه وضع مماثل لناغورني قرة باغ وهو الإقليم المتنازع عليه بين أذربيجان وأرمينيا منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، واستطاعت أرمينيا انتزاعه بعيداً عن السيادة الأذربيجانية في أعقاب حرب طالت لعدة سنوات أسفرت عن احتلال أرمينيا لأجزاء كبيرة من الأراضي الأذربيجانية، وهذا السبب جعل أرمينيا لا تعترف بكوسوفو ولكل دولة أسبابها فقيرغيزستان تخشى التأثير في استثماراتها الكبيرة في جورجيا.
الأحداث الأخيرة في جورجيا ليست بمعزل عن الصراع الأوسع بين روسيا وحلف الناتو
ومن الأسباب الأخرى لحرب القوقاز ضرب روسيا مطارات كانت تخصصها جورجيا لإسرائيل بموجب اتفاقية سرية أبرمت بمعرفة واشنطن، وكان مقرراً أن تنطلق منها الطائرات الإسرائيلية في مهمة ضرب إيران، وبذلك فإن حرب القوقاز أحبطت خطة لضرب إيران لأن الهجوم على إيران بالغ الخطر في نتائجه وحيث إن كافة الدول المحيطة بإيران رفضت ضرب إيران من أراضيها عندما زارها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، وهذا ما جعل المملكة العربية السعودية من خلال زيارة الأمير بندر بن سلطان إلى موسكو تدعم السياسات الروسية في منع أي هجوم على إيران.وأعلنت دول مجلس التعاون تأييدها لروسيا ضد السياسات الأوروبية غير الواقعية وتعنتها الذي قد يكون سبباً في الوصول إلى حرب باردة مغلقة، وستقف دول الخليج موقف الحياد تجاه هذه الصراعات الدولية ولن تكون طرفاً فيها.
وقبل النزاع مع جورجيا كان من المقرر أن تتكثف العلاقات الأوروبية – الروسية ضمن (شراكة استراتيجية) وهي الأكثر كثافة، حيث تعقد قمتان سنوياً للاتحاد الأوروبي وروسيا مقابل قمة واحدة مع الولايات المتحدة وقمة واحدة مع الصين، ويشكل الاتحاد الأوروبي أول شريك تجاري لروسيا رغم أن الصادرات الروسية إلى دول الاتحاد لا تزال تهيمن عليها منتجات الطاقة، لكن دخلت العلاقات الأوروبية – الروسية في عام 2004 مرحلة الاضطراب مع توسع الاتحاد إلى دول أوروبا الشرقية سابقاً إلى جانب عدة نزاعات في مجال الطاقة بين روسيا وبعض هذه الدول مثل أوكرانيا وليتوانيا.
فهل لا تزال العلاقات الدولية تقوم على هرم القوة؟ لسوء الطالع أن هذه حقيقة سعى إليها الجميع أو تورط فيها الجميع وكأن العالم لا يزال في حرب باردة، ولذلك هناك من المحافظين من نصح رئيس جورجيا ميخائيل ساكاشفيلي بمهاجمة الجيوب التي يوجد فيها الانفصاليون.
إن حرباً باردة جديدة تحدث كردة فعل هو أمر مبالغ فيه رغم أن روسيا دولة مهمة، لكنها لا تمثل تهديداً استراتيجياً ضخماً للغرب، ولا تمتلك أيديولوجية كي تصدرها كما كان الوضع في السابق وهي قوة إقليمية كبرى لا يمكن تجاهلها وتمثل 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين، ولا بد أن يعترف الغرب بأنه ارتكب أخطاء في التعامل مع روسيا، وعليه أن يتوقف عن ضم المزيد من الدول إلى الاتحاد الأوروبي، وإذا أراد فليبدأ بضم روسيا نفسها كي يجعل الرغبة في السلام أقوى من الخوف.
لذا فإن دعاة الحرب الباردة أغفلوا بعدين محوريين في الحرب الباردة هما البعد الأيديولوجي والبعد الاستراتيجي المتعلق بقيام كتلتين دوليتين متمحورتين حول القوتين المتصادمتين، وكذلك مقولة القطب الواحد تنتمي للسياق الاستراتيجي المندثرنفسه، بينما الواقع يقود إلى قيام مراكز متعددة للعولمة الاقتصادية.
إن الحرب الجورجية الأخيرة ليست مؤشراً إلى نظام دولي جديد مهما كانت سماته، بل إنها تندرج في سياق المعادلة الجديدة للعولمة التي حولت مفهوم الحرب إلى نموذج العملية الأمنية الداخلية لحماية النفس في مواجهة خطر لا وطن له ولا حدود، أي أن مفهوم المصالح الحيوية بدأ يتلاشى في عصر العولمة.
::/fulltext::
::cck::2136::/cck::
