الفساد في عالمنا العربي ومجتمعنا الخليجي
::cck::2138::/cck::
::introtext::
الفساد الإداري والمالي، المحسوبية، الرشوة، غياب الشفافية والرقابة الذاتية كلها آفات اجتماعية عرفتها المجتمعات الإنسانية منذ القدم، وعانت منها منذ ظهور الإنسان على وجه البسيطة وحتى يومنا هذا، وهي اليوم موجودة في كافة المجتمعات الغنية والفقيرة، المتعلمة والأمية، القوية والضعيفة على حد سواء.
يرتبط ظهور هذه الآفات واستمراريتها أيضاً برغبة الإنسان في الحصول على مكاسب مادية سريعة أو مكاسب معنوية مهمة يعتقد في قرارة نفسه أنه ليس له حق فيها. لذا فهو يلجأ إلى وسائل غير مشروعة أو ملتوية للوصول إليها منها على سبيل المثال: إقصاء من له أحقية أو أفضلية فيها، أو الحصول عليها عن طريق رشوة من بيده الأمر، أو عن طريق آخر هو المحسوبية أو (الواسطة) عند ذوي الشأن، ويساعده على تحقيق كل ذلك عامل مهم هو غياب الرقابة الرسمية والذاتية والوازع الديني.
::/introtext::
::fulltext::
الفساد الإداري والمالي، المحسوبية، الرشوة، غياب الشفافية والرقابة الذاتية كلها آفات اجتماعية عرفتها المجتمعات الإنسانية منذ القدم، وعانت منها منذ ظهور الإنسان على وجه البسيطة وحتى يومنا هذا، وهي اليوم موجودة في كافة المجتمعات الغنية والفقيرة، المتعلمة والأمية، القوية والضعيفة على حد سواء.
يرتبط ظهور هذه الآفات واستمراريتها أيضاً برغبة الإنسان في الحصول على مكاسب مادية سريعة أو مكاسب معنوية مهمة يعتقد في قرارة نفسه أنه ليس له حق فيها. لذا فهو يلجأ إلى وسائل غير مشروعة أو ملتوية للوصول إليها منها على سبيل المثال: إقصاء من له أحقية أو أفضلية فيها، أو الحصول عليها عن طريق رشوة من بيده الأمر، أو عن طريق آخر هو المحسوبية أو (الواسطة) عند ذوي الشأن، ويساعده على تحقيق كل ذلك عامل مهم هو غياب الرقابة الرسمية والذاتية والوازع الديني.
إن هذه الآفات المجتمعية التي يطلق عليها في مجملها (فساد مجتمعي) جاهد كثير من المجتمعات العالمية الحديثة للتخلص منها وعقاب المتسبب فيها لأنها عقبة كأداء في سبيل التطور السليم والصحيح والصحي لهذه المجتمعات. لذا يمكن اعتبار ارتفاع مؤشر الفساد في أي مجتمع دليلاً قوياً على تدني فاعلية الرقابة الحكومية، وغياب الشفافية وضعف القانون وأيضاً غياب التشريعات الفعالة، في الوقت الذي اعتبر فيه انخفاض مؤشر الفساد دليلاً على قوة القانون وهيبته وفاعلية التشريعات ووجود رقابة فاعلة ومؤثرة وحضور قوي وفعال لمبدأ الشفافية الحكومية.
وفي العالم العربي، الذي يجاهد اليوم للخروج من شرنقة الفقر والتخلف والحروب والإرهاب، تتراوح نسب الفساد بين دوله ما بين عالية جداً ومنخفضة، ولكنه كآفة مجتمعية موجود في أغلب المجتمعات العربية من دون تمييز، حيث لا يوجد مجتمع عربي خال منها أو لا يشعر بتأثيراتها القوية في أفراده ومؤسساته الحكومية والخاصة. وتأتي بعض الدول العربية (مصر والعراق وفلسطين) حسب تقديرات المنظمات الدولية المتخصصة، في قائمة الدول الأعلى من حيث الفساد الإداري والمالي، بينما يأتي البعض الآخر في نهاية تلك القائمة. ومن هنا يمكن القول إن الفساد في العالم العربي غير مرتبط بوجود الديمقراطية السياسية من عدمها، فبعض الدول العربية (الديمقراطية) تأتي في قائمة الأعلى عالمياً من حيث ارتفاع مؤشر الفساد. كما لا يرتبط مؤشر الفساد بنسب التعليم أو الأمية ولا بنسبة الفقر والغنى؛ حيث يبدو أن مؤشر الفساد لا يخضع لتلك القيم المجتمعية، فهذه الآفة تستمد جذورها ومقومات بقائها من ثقافة مجتمعية تبيحها وتحلل عواقبها وآثارها.
ارتبط ظهور آفة الفساد في دول الخليج بالتنمية المتسارعة وانتشار الثراء الفاحش وهشاشة المؤسسات الرقابية
ومما يجعل من هذه الآفة وباء خطيراً هو أنها سريعة الانتشار والانشطار في المجتمع. فما أن تتسلل إلى مجتمع أو بيئة حتى تنتشر بسرعة كالمرض المميت، تنتقل إلى الجسم السليم فتنتشر فيه مسببة له الوهن والإنهاك، وما أن تفتك به حتى تنتقل إلى آخر. وما لم يتم كبح جماحها بسرعة والسيطرة عليها فإنها تهدد بالانتشار إلى أبعد مدى مسببة الضعف والانهيار للمجتمع بأكمله تماماً، كما نجحت عبر التاريخ في سقوط مجتمعات كثيرة وانحلالها. ويمكن اعتبار تدهور وانحلال الدولة العثمانية دليلاً قوياً على ما يمكن أن يسببه الفساد الإداري في جسم الدولة.
ولكن هل ترفع هذه الآفات حالة الوعي عند المواطن العربي لدرجة تدفعه للتحرك الفعلي والجاد باتجاه الإصلاح والتخلص من كافة أشكال الفساد؟ وهل يكون الفساد هو القشة التي تقصم ظهر الأنظمة السياسية، خاصة أن سجل معظمها متدن في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية الرأي؟
ما شد الانتباه قبل فترة هو خروج مظاهرة في المغرب تطالب بتشديد الرقابة على المال العام، وتطالب أيضاً الحكومة بالمزيد من الشفافية ومحاربة الفساد والرشوة والمحسوبية. كما يلفت الانتباه أن المغرب من أكثر الدول العربية محافظة وذات رصيد متدن في مجال حقوق الإنسان والحريات المدنية، وكونها سمحت بخروج هذه المظاهرة فذلك يعني كما يقول المثل قد بلغ السيل الزبى، وأن الناشطين في مجال الحريات العامة نفد صبرهم ولم يعد بوسعهم التحمل. هذه المظاهرة تعني أن الوعي العربي بالسلبيات المجتمعية في تزايد وأن زمن تمجيد النظام والسكوت على الخطأ قد ولى وأتى الزمان الذي يكون فيه المواطن العربي قادراً على توجيه اللوم والنقد لقيادته السياسية متى ما أحس بأن هذه القيادة مقصرة في واجباتها تجاه الوطن والمواطن.
خليجياً، تعتبر هذه الآفة جديدة نوعاً ما على مجتمعات الخليج، فقد ارتبط ظهورها بالتنمية المتسارعة وانتشار الثراء الفاحش وهشاشة المؤسسات الرقابية في بدايات التكوين السياسي لهذه الدول وضعف الشفافية. ومما أسهم في ظهورها أيضاً هو التركيبة الاجتماعية للمجتمع والقائم على التراتبية الاجتماعية وظهور الطبقية الاجتماعية والقبلية والتغيير القيمي عند الإفراد. ويمكن أن تكون المحسوبية أو الواسطة هي الأكثر شيوعاً، حيث عرفتها الثقافة المحلية تهكماً (بفيتامين واو)، لكن هذا لا يلغي وجود أنواع الفساد الأخرى كالاختلاسات المالية واستغلال المناصب الرسمية للحصول على الثروات.
وتعتبر (الواسطة) نوعاً من أنواع الفساد الإداري كما أنها من أكثر أنواع الفساد الإداري انتشاراً في مجتمعات الخليج، ويبدو أن أمر استمراريتها يكمن في أن الثقافة الاجتماعية تتقبلها ولا تعتبرها فساداً كالرشوة مثلاً، بل وفي الكثير من الأحيان تساهم الثقافة الاجتماعية القائمة على تقديم العون والدعم للآخر في استمرارية مثل هذا النوع من الآفات، بل في إيجاد المبررات الشرعية لها. وعلى الرغم من شيوع الواسطة إلا أن ذلك لا يلغي ظهور آفة جديدة هي الاختلاس المالي واستغلال المناصب للثراء. والجدير بالملاحظة أن معظم أنواع الاختلاسات واستغلال المناصب كوسيلة للثراء والتي ظهرت للعلن تتركز في المشاريع الجديدة كالمشاريع العقارية والخدمية مثلاً، حيث يسهل استغلال المناصب للوصول إلى الثراء السريع.
ومنذ أن تنبهت المؤسسات الرسمية إلى خطورة هذه الأوبئة الاجتماعية عملت على مكافحتها بطريقة جادة حتى اكتسبت بعض الدول الخليجية، كدولة الإمارات، سمعة دولية متميزة في مجال مكافحة أشكال الفساد الإداري والمالي والمؤسسي (منها على سبيل المثال الكشف عن أسماء المتورطين في تلك الجرائم للرأي العام وإحالتهم إلى المحاكمة). وكذلك عملت دولة الإمارات جادة على وضع معايير مؤسسية والالتزام بمبدأ الشفافية والالتزام بها لمحاربة كافة أشكال الفساد.
تعتبر ظاهرة الفساد من الآفات الجديدة نوعاً ما على مجتمعات الخليج
ولكن على الرغم من هذا الالتزام الرسمي إلا أن الثقافة الاجتماعية لا تزال تسمح لبعض الممارسات باكتساب صفة الاستمرارية والصمود في مجتمعنا. فالواسطة، مثلاً، هي أشد تلك الممارسات السلبية بقاء واستمرارية وهي مهيأة اليوم أن تأخذ صفة البقاء الدائم في بعض مؤسساتنا ودوائرنا لعدة أسباب. فطوابير الباحثين عن عمل وسكن وقروض ميسرة طويلة، والوقوف فيها ممل وقد يطول لسنوات وسنوات. كما أن الغلاء الذي يضرب كل سلعة يعد عاملاً حاسماً يهيئ الطريق لضعاف النفوس لاستغلال مناصبهم لتحقيق الثراء السريع. كما أن ضعف الرقابة الحكومية وأيضاً ضعف الرقابة الذاتية عند ذوي النفوس الضعيفة بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني تعد سبباً مهماً لشيوع الفساد المالي والإداري. فالفرد في هذه الحالة يستسهل القفز فوق أكتاف الآخرين، وأحياناً فوق رؤوسهم، متى ما سنحت له الفرصة المواتية لاستغلال منصبه لتحقيق الثراء السريع أو اغتنام فرصة معينة.
إن دول الخليج حين تعمل اليوم جاهدة على محاربة كافة أشكال التميز والفساد الإداري والمحسوبية إنما تعمل على وضع أسس مجتمع صحي تتعايش فيه كافة الطبقات جنباً إلى جنب دون أي تفرقة أو تمييز. فالنظر إلى معايير كفاءة وخبرة الفرد وحاجته المجتمعية وليس طبقته الاجتماعية وخلفيته يجب أن يكون هو المعيار الفاصل، حيث إن تطبيق مثل هذه المعايير السليمة هو الذي أفسح المجال أمام كفاءات كثيرة من أبناء الوطن لكي تبرز وتبدع وتعمل في حب الوطن. فإذا ما أفسح المجال لهذه المعايير بالبروز فإن ذلك يؤدي إلى اختفاء آفات مجتمعية عديدة وإلى تغير طبقي يؤدي إلى ظهور طبقات اجتماعية جديدة جلها من رجال الأعمال والمبدعين والتكنوقراط الذين تميزوا وأبدعوا في كافة المجالات حين رأوا أن الأفق أمامهم مفتوح، وأنه لا حدود يمكن أن تعيق طموحهم. إننا حين نبني مجتمعاً سليماً معافى خالياً من الأمراض الاجتماعية كالفساد وغياب الشفافية إنما نرسي دعائم مجتمع عادل قائم على دعائم قوية أساسها العدل ومبدأ الشفافية، مجتمع سليم ومعافى قادر على التفاعل مع غيره من المجتمعات الإنسانية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2138::/cck::
::introtext::
الفساد الإداري والمالي، المحسوبية، الرشوة، غياب الشفافية والرقابة الذاتية كلها آفات اجتماعية عرفتها المجتمعات الإنسانية منذ القدم، وعانت منها منذ ظهور الإنسان على وجه البسيطة وحتى يومنا هذا، وهي اليوم موجودة في كافة المجتمعات الغنية والفقيرة، المتعلمة والأمية، القوية والضعيفة على حد سواء.
يرتبط ظهور هذه الآفات واستمراريتها أيضاً برغبة الإنسان في الحصول على مكاسب مادية سريعة أو مكاسب معنوية مهمة يعتقد في قرارة نفسه أنه ليس له حق فيها. لذا فهو يلجأ إلى وسائل غير مشروعة أو ملتوية للوصول إليها منها على سبيل المثال: إقصاء من له أحقية أو أفضلية فيها، أو الحصول عليها عن طريق رشوة من بيده الأمر، أو عن طريق آخر هو المحسوبية أو (الواسطة) عند ذوي الشأن، ويساعده على تحقيق كل ذلك عامل مهم هو غياب الرقابة الرسمية والذاتية والوازع الديني.
::/introtext::
::fulltext::
الفساد الإداري والمالي، المحسوبية، الرشوة، غياب الشفافية والرقابة الذاتية كلها آفات اجتماعية عرفتها المجتمعات الإنسانية منذ القدم، وعانت منها منذ ظهور الإنسان على وجه البسيطة وحتى يومنا هذا، وهي اليوم موجودة في كافة المجتمعات الغنية والفقيرة، المتعلمة والأمية، القوية والضعيفة على حد سواء.
يرتبط ظهور هذه الآفات واستمراريتها أيضاً برغبة الإنسان في الحصول على مكاسب مادية سريعة أو مكاسب معنوية مهمة يعتقد في قرارة نفسه أنه ليس له حق فيها. لذا فهو يلجأ إلى وسائل غير مشروعة أو ملتوية للوصول إليها منها على سبيل المثال: إقصاء من له أحقية أو أفضلية فيها، أو الحصول عليها عن طريق رشوة من بيده الأمر، أو عن طريق آخر هو المحسوبية أو (الواسطة) عند ذوي الشأن، ويساعده على تحقيق كل ذلك عامل مهم هو غياب الرقابة الرسمية والذاتية والوازع الديني.
إن هذه الآفات المجتمعية التي يطلق عليها في مجملها (فساد مجتمعي) جاهد كثير من المجتمعات العالمية الحديثة للتخلص منها وعقاب المتسبب فيها لأنها عقبة كأداء في سبيل التطور السليم والصحيح والصحي لهذه المجتمعات. لذا يمكن اعتبار ارتفاع مؤشر الفساد في أي مجتمع دليلاً قوياً على تدني فاعلية الرقابة الحكومية، وغياب الشفافية وضعف القانون وأيضاً غياب التشريعات الفعالة، في الوقت الذي اعتبر فيه انخفاض مؤشر الفساد دليلاً على قوة القانون وهيبته وفاعلية التشريعات ووجود رقابة فاعلة ومؤثرة وحضور قوي وفعال لمبدأ الشفافية الحكومية.
وفي العالم العربي، الذي يجاهد اليوم للخروج من شرنقة الفقر والتخلف والحروب والإرهاب، تتراوح نسب الفساد بين دوله ما بين عالية جداً ومنخفضة، ولكنه كآفة مجتمعية موجود في أغلب المجتمعات العربية من دون تمييز، حيث لا يوجد مجتمع عربي خال منها أو لا يشعر بتأثيراتها القوية في أفراده ومؤسساته الحكومية والخاصة. وتأتي بعض الدول العربية (مصر والعراق وفلسطين) حسب تقديرات المنظمات الدولية المتخصصة، في قائمة الدول الأعلى من حيث الفساد الإداري والمالي، بينما يأتي البعض الآخر في نهاية تلك القائمة. ومن هنا يمكن القول إن الفساد في العالم العربي غير مرتبط بوجود الديمقراطية السياسية من عدمها، فبعض الدول العربية (الديمقراطية) تأتي في قائمة الأعلى عالمياً من حيث ارتفاع مؤشر الفساد. كما لا يرتبط مؤشر الفساد بنسب التعليم أو الأمية ولا بنسبة الفقر والغنى؛ حيث يبدو أن مؤشر الفساد لا يخضع لتلك القيم المجتمعية، فهذه الآفة تستمد جذورها ومقومات بقائها من ثقافة مجتمعية تبيحها وتحلل عواقبها وآثارها.
ارتبط ظهور آفة الفساد في دول الخليج بالتنمية المتسارعة وانتشار الثراء الفاحش وهشاشة المؤسسات الرقابية
ومما يجعل من هذه الآفة وباء خطيراً هو أنها سريعة الانتشار والانشطار في المجتمع. فما أن تتسلل إلى مجتمع أو بيئة حتى تنتشر بسرعة كالمرض المميت، تنتقل إلى الجسم السليم فتنتشر فيه مسببة له الوهن والإنهاك، وما أن تفتك به حتى تنتقل إلى آخر. وما لم يتم كبح جماحها بسرعة والسيطرة عليها فإنها تهدد بالانتشار إلى أبعد مدى مسببة الضعف والانهيار للمجتمع بأكمله تماماً، كما نجحت عبر التاريخ في سقوط مجتمعات كثيرة وانحلالها. ويمكن اعتبار تدهور وانحلال الدولة العثمانية دليلاً قوياً على ما يمكن أن يسببه الفساد الإداري في جسم الدولة.
ولكن هل ترفع هذه الآفات حالة الوعي عند المواطن العربي لدرجة تدفعه للتحرك الفعلي والجاد باتجاه الإصلاح والتخلص من كافة أشكال الفساد؟ وهل يكون الفساد هو القشة التي تقصم ظهر الأنظمة السياسية، خاصة أن سجل معظمها متدن في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية الرأي؟
ما شد الانتباه قبل فترة هو خروج مظاهرة في المغرب تطالب بتشديد الرقابة على المال العام، وتطالب أيضاً الحكومة بالمزيد من الشفافية ومحاربة الفساد والرشوة والمحسوبية. كما يلفت الانتباه أن المغرب من أكثر الدول العربية محافظة وذات رصيد متدن في مجال حقوق الإنسان والحريات المدنية، وكونها سمحت بخروج هذه المظاهرة فذلك يعني كما يقول المثل قد بلغ السيل الزبى، وأن الناشطين في مجال الحريات العامة نفد صبرهم ولم يعد بوسعهم التحمل. هذه المظاهرة تعني أن الوعي العربي بالسلبيات المجتمعية في تزايد وأن زمن تمجيد النظام والسكوت على الخطأ قد ولى وأتى الزمان الذي يكون فيه المواطن العربي قادراً على توجيه اللوم والنقد لقيادته السياسية متى ما أحس بأن هذه القيادة مقصرة في واجباتها تجاه الوطن والمواطن.
خليجياً، تعتبر هذه الآفة جديدة نوعاً ما على مجتمعات الخليج، فقد ارتبط ظهورها بالتنمية المتسارعة وانتشار الثراء الفاحش وهشاشة المؤسسات الرقابية في بدايات التكوين السياسي لهذه الدول وضعف الشفافية. ومما أسهم في ظهورها أيضاً هو التركيبة الاجتماعية للمجتمع والقائم على التراتبية الاجتماعية وظهور الطبقية الاجتماعية والقبلية والتغيير القيمي عند الإفراد. ويمكن أن تكون المحسوبية أو الواسطة هي الأكثر شيوعاً، حيث عرفتها الثقافة المحلية تهكماً (بفيتامين واو)، لكن هذا لا يلغي وجود أنواع الفساد الأخرى كالاختلاسات المالية واستغلال المناصب الرسمية للحصول على الثروات.
وتعتبر (الواسطة) نوعاً من أنواع الفساد الإداري كما أنها من أكثر أنواع الفساد الإداري انتشاراً في مجتمعات الخليج، ويبدو أن أمر استمراريتها يكمن في أن الثقافة الاجتماعية تتقبلها ولا تعتبرها فساداً كالرشوة مثلاً، بل وفي الكثير من الأحيان تساهم الثقافة الاجتماعية القائمة على تقديم العون والدعم للآخر في استمرارية مثل هذا النوع من الآفات، بل في إيجاد المبررات الشرعية لها. وعلى الرغم من شيوع الواسطة إلا أن ذلك لا يلغي ظهور آفة جديدة هي الاختلاس المالي واستغلال المناصب للثراء. والجدير بالملاحظة أن معظم أنواع الاختلاسات واستغلال المناصب كوسيلة للثراء والتي ظهرت للعلن تتركز في المشاريع الجديدة كالمشاريع العقارية والخدمية مثلاً، حيث يسهل استغلال المناصب للوصول إلى الثراء السريع.
ومنذ أن تنبهت المؤسسات الرسمية إلى خطورة هذه الأوبئة الاجتماعية عملت على مكافحتها بطريقة جادة حتى اكتسبت بعض الدول الخليجية، كدولة الإمارات، سمعة دولية متميزة في مجال مكافحة أشكال الفساد الإداري والمالي والمؤسسي (منها على سبيل المثال الكشف عن أسماء المتورطين في تلك الجرائم للرأي العام وإحالتهم إلى المحاكمة). وكذلك عملت دولة الإمارات جادة على وضع معايير مؤسسية والالتزام بمبدأ الشفافية والالتزام بها لمحاربة كافة أشكال الفساد.
تعتبر ظاهرة الفساد من الآفات الجديدة نوعاً ما على مجتمعات الخليج
ولكن على الرغم من هذا الالتزام الرسمي إلا أن الثقافة الاجتماعية لا تزال تسمح لبعض الممارسات باكتساب صفة الاستمرارية والصمود في مجتمعنا. فالواسطة، مثلاً، هي أشد تلك الممارسات السلبية بقاء واستمرارية وهي مهيأة اليوم أن تأخذ صفة البقاء الدائم في بعض مؤسساتنا ودوائرنا لعدة أسباب. فطوابير الباحثين عن عمل وسكن وقروض ميسرة طويلة، والوقوف فيها ممل وقد يطول لسنوات وسنوات. كما أن الغلاء الذي يضرب كل سلعة يعد عاملاً حاسماً يهيئ الطريق لضعاف النفوس لاستغلال مناصبهم لتحقيق الثراء السريع. كما أن ضعف الرقابة الحكومية وأيضاً ضعف الرقابة الذاتية عند ذوي النفوس الضعيفة بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني تعد سبباً مهماً لشيوع الفساد المالي والإداري. فالفرد في هذه الحالة يستسهل القفز فوق أكتاف الآخرين، وأحياناً فوق رؤوسهم، متى ما سنحت له الفرصة المواتية لاستغلال منصبه لتحقيق الثراء السريع أو اغتنام فرصة معينة.
إن دول الخليج حين تعمل اليوم جاهدة على محاربة كافة أشكال التميز والفساد الإداري والمحسوبية إنما تعمل على وضع أسس مجتمع صحي تتعايش فيه كافة الطبقات جنباً إلى جنب دون أي تفرقة أو تمييز. فالنظر إلى معايير كفاءة وخبرة الفرد وحاجته المجتمعية وليس طبقته الاجتماعية وخلفيته يجب أن يكون هو المعيار الفاصل، حيث إن تطبيق مثل هذه المعايير السليمة هو الذي أفسح المجال أمام كفاءات كثيرة من أبناء الوطن لكي تبرز وتبدع وتعمل في حب الوطن. فإذا ما أفسح المجال لهذه المعايير بالبروز فإن ذلك يؤدي إلى اختفاء آفات مجتمعية عديدة وإلى تغير طبقي يؤدي إلى ظهور طبقات اجتماعية جديدة جلها من رجال الأعمال والمبدعين والتكنوقراط الذين تميزوا وأبدعوا في كافة المجالات حين رأوا أن الأفق أمامهم مفتوح، وأنه لا حدود يمكن أن تعيق طموحهم. إننا حين نبني مجتمعاً سليماً معافى خالياً من الأمراض الاجتماعية كالفساد وغياب الشفافية إنما نرسي دعائم مجتمع عادل قائم على دعائم قوية أساسها العدل ومبدأ الشفافية، مجتمع سليم ومعافى قادر على التفاعل مع غيره من المجتمعات الإنسانية.
::/fulltext::
::cck::2138::/cck::
