خبرة القمم الخليجية في أكثر من ربع قرن

::cck::2142::/cck::
::introtext::

مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية من حيث الزمن امتدت إلى أكثر من ربع قرن سواء بالتقويم الهجري (27 سنة) أو التقويم الميلادي (26 سنة)، ومن حيث الفعل والعمل ساهم المجلس في تحقيق هدف التحالف الاستراتيجي لدوله الست انطلاقاً من أسس ومبادئ وقيم مشتركة ترتبط بدورها بالمصالح الخليجية الحيوية المشتركة التي أفضت إلى خلق مجالات عدة من الاعتماد المتبادل والتعاون الوثيق في شتى المجالات الإنسانية والمادية التي تهم الدول الأعضاء فيها. 

::/introtext::
::fulltext::

مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية من حيث الزمن امتدت إلى أكثر من ربع قرن سواء بالتقويم الهجري (27 سنة) أو التقويم الميلادي (26 سنة)، ومن حيث الفعل والعمل ساهم المجلس في تحقيق هدف التحالف الاستراتيجي لدوله الست انطلاقاً من أسس ومبادئ وقيم مشتركة ترتبط بدورها بالمصالح الخليجية الحيوية المشتركة التي أفضت إلى خلق مجالات عدة من الاعتماد المتبادل والتعاون الوثيق في شتى المجالات الإنسانية والمادية التي تهم الدول الأعضاء فيها.

يمكن القول من خلال نظرة تقييم تحليلية عامة وشاملة، إن مجلس التعاون الخليجي على مدى السنوات الماضية نجح في بناء كيان إقليمي متماثل ومندمج نوعاً ما مكّن المجلس من تحقيق أهداف إقليمية ودولية عديدة لعبت دوراً كبيراً في تحقيق سقف متواضع ومحدد من الانصهار السياسي والاقتصادي بين دوله الست. بيد أن محاولات دول المجلس لتأطير الكيان الخليجي العربي وتفعيله لكي يصبح نموذجاً سياسياً انصهارياً فاعلاً ينضوي في ركب نماذج التكتلات الإقليمية الناجحة لم تتحقق بعد وفقاً لرؤية التكامل، ناهيك عن الاندماج أو الانصهار.

وحتى الآن تتحرك دول مجلس التعاون الخليجي ببطء، لكن بخطى ثابتة وموزونة لتحقيق المصالح والأهداف المشتركه مرتكزة على تقاربها مع بعضها بعضاً جغرافياً وتشابهها في السمات الوطنية وترابطها بروابط التاريخ والعادات والتقاليد والقيم العربية والإسلامية.

صحيح أن مجلس التعاون في قمتيه الأخيرتين حقق عدداً من الإنجازات في المجالات الرئيسية التي تهم أعضاءه في النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والبيئية والاجتماعية، بيد أن هذه الإنجازات على الرغم من تواضعها مقارنة بعمر الزمن فإنها ساعدت في الحفاظ على مصالحها الفردية والجماعية، ونوعاً ما على توحيد مواقفها السياسية والاقتصادية تجاه العديد من القضايا العربية والإسلامية والدولية، وعلى الرغم أيضاً من تواضع إنجازات المجلس السياسية والاقتصادية تحديداً، إلا أنه حافظ على وضعه كمركز ثقل في منطقة الشرق الأوسط وقوة سياسية واقتصادية لا يستهان بها لها وزنها وثقلها ومكانتها الإقليميه والدولية.

إن الكيانات الدولية والتكتلات الإقليمية لا يمكن أن تتبوأ مكانتها بين الكيانات والتكتلات الأخرى، وبالتالي تحظى بالاحترام والتقدير والمكانة المرموقة، إلا إذا تمكنت من تحقيق تعاون وثيق وتفاعل متكامل بين الدول الأعضاء فيها في المجالات التي تهم كل الأطراف المعنية بشكل يحقق على الأقل أهدافها ومصالحها الجماعية. وهذا نوعاً ما تحقق بالفعل في مجلس التعاون الخليجي خاصة في بعض المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، فمن الواضح أن المخاوف والهواجس الأمنية من التحديات والمخاطر الإقليمية دائماً ما تدفع بالدول الخليجية إلى التعاون والتقارب، وتسهم في تقوية وتدعيم الإرادة السياسية الجماعية بضرورة الحفاظ على مجلس التعاون الخليجي ككيان مستقل وتكتل يمكن بواسطته مواجهة التحديات والمخاطر الإقليمية تحديداً.

إن الاهتمام الخليجي بالملف الأمني يعتبر رد فعل طبيعياً متوقعاً لما واجهته دول الخليج من تحديات إقليمية بالغة الخطورة هددت أمنها الوطني بصورة متصلة. وليس بأدل على ذلك من التداعيات الخطيرة التي سادت أجواء المنطقة بعد الثورة الإيرانية عام 1979م وما تلاها من أحداث جسام بدأت بالحرب العراقية-الإيرانية والغزو العراقي للكويت، ولم تنته حتى بعد الاحتلال الأمريكي للعراق والقضاء على نظام صدام حسين. بل إن تصفية خطر نظام صدام حسين البعثي ربما تكون قد فتحت (قمقم) مارد العنف الطائفي والمذهبي الذي هدد الأمن والاستقرار الخليجي خوفاً من تداعيات وسلبيات نظرية (الدومينو) فيما لو انتشرت العدوى المذهبية والطائفية إلى دول الجوار الخليجي. 

 

ويعود السبب بالطبع إلى أن تلك الأحداث فتحت أبواب الإرهاب والعنف على مصاريعها في بعض دول المنطقة، تصعيداً إلى العالم، ومن ثم عودة إلى العنف في المنطقة بعد أن أعمى داء التطرف والغلو عقول بعض الجماعات المتشددة والمتطرفة ودفعها إلى ضرب مقومات وقواعد الأمن الخليجي من الداخل.

إن الأوضاع الإقليمية الخطيرة إذن كان لها الأثر المباشر في تحريك الحاجة الخليجية لوضع ترتيبات أمنية جماعية لا تتطلب التعاون والتنسيق الأمني الوثيق فقط، وإنما تفرض الحاجة إلى تبادل المعلومات الأمنية بين الدول الست، والاشتراك في إنشاء مركز خليجي مشترك للمعلومات الأمنية، والعمل على إنشاء مركز مشترك لهذه العمليات. والمطلوب في المرحلة الخليجية المقبلة أن تنتقل الدول الخليجية بجهود جماعية إلى مرحلة اتخاذ الأفعال ضد الإرهابيين والمتطرفين بالاعتماد على العمليات الأمنية الإجهاضية والاستباقية ضد مراكز وأوكار الإرهابيين وكذا إحكام السيطرة على عقول وتوجهات ونشاطات المتطرفين.

والذي يمكن قوله بدقة إن المسيرة الخليجية التعاونية التي تعد من القضايا الوطنية والخليجية المثيرة لجدل كبير في مختلف الأوساط الشعبية والنخبوية الخليجية لأسباب مختلفة لا بد أن تعيد النظر في الاستراتيجية الخليجية السابقة، وتشرع بوضع استراتيجية خليجية جماعية حديثة تأخذ في الاعتبار كافة المستجدات والمتغيرات الجديدة بجانبها الأمني في الوقت الذي لا تغفل فيه مطلب تسريع هدف التقارب الخليجي – الخليجي سواء في شكل التكامل أو في شكل التجانس والانصهار. وما يمكن توظيفه في هذا السياق هو وجود إرادة سياسية خليجية عليا على مستوى القيادات تحرص على تحريك مسيرة المجلس بسرعة أكبر من ذي قبل، بالإضافة إلى تفعيل ما يمكن من مقررات القمم السابقة وهذا ما حدث بالإعلان عن إطلاق السوق الخليجية المشتركة في قمة الدوحة الأخيرة.  

ويمكن الجزم بهذه الحقيقة من دراسة وتحليل الحركة السياسية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي الذي يعكس الإرادة السياسية الموحدة لدول الخليج العربية، ويضطلع بمهام رسم السياسات العامة واتخاذ القرارات السياسية الجماعية كموقف موحد يعكس مصالح وأهداف الدول الأعضاء في إطار الأهداف والمصالح العربية والإسلامية والعمل على تحقيقها بأقل تكلفة ممكنة. أضف إلى ذلك فإن التحرك السياسي الخليجي لمواجهة الأزمات والتحديات التي واجهت المنطقة بأسرها كان ولا يزال تحركاً سياسياً واحداً لست دول مجتمعة. كما أن الأزمات والتحديات والمخاطر الإقليمية ساعدت على ضمان استمرارية المجلس، وحققت له الحد الأدنى من المنجزات، كما ساعدت على تكاتف المجلس بغية الحفاظ على الأمن والاستقرار في الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط.

وبالمنطق ذاته فإن التوقيع على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 تم البدء في تطبيقها فعلياً عام 1983 (أي بعد قرابة عامين من اتخاذ القرار)، وتمكنت حتى الآن مع قطع شوط كبير في تطبيق معظم بنودها وموادها الأساسية. وعلى الرغم من البطء إلا أن الاتفاقية الاقتصادية لعبت دوراً كبيراً في تحقيق التعاون الاقتصادي بين كل دول المجلس بل وفي تطوير تلك العلاقات وتنميتها بما يحقق المصالح والأهداف الاقتصادية والتجارية المشتركة التي من أهمها إزالة الحواجز أمام التحرك الاجتماعي للأفراد والجماعات بين الدول الست والسماح لهم بممارسة النشاطات الاقتصادية والمهنية والحرفية في أية دولة من الدول الأعضاء ومعاملتهم معاملة مواطني تلك الدولة، وإلغاء الجمارك على منتجات دول المجلس المصنعة في الدول الأعضاء، والبدء في تطبيق تعرفة جمركية موحدة تجاه العالم الخارجي، وإعداد مشروع موحد للتنمية الصناعية والتنمية الزراعية (سياسة زراعية مشتركة) وتنمية الموارد المائية والثروات السمكية بهدف تحقيق الأمن الغذائي المشترك لدول المجلس الست.

وحتى الآن من الملاحظ أن حركة مجلس التعاون لدول الخليج العربية ترتكز على مسيرة تعاون أكثر من مسيرة اندماج، لكن يمكن الجزم بأنها مسيرة جماعية موحدة توجهها جملة من الأهداف والمصالح الخليجية المشتركة التي تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار والرفاهية لشعوبها. وبدورها عملت تطورات الأحداث الأمنية في المنطقة على تعميق مسيرة المجلس جنباً إلى جنب مع حقائق التاريخ والجغرافيا والروابط المشتركة التي تقوي من دعائم سياسات الدول الخليجية الموحدة، وفي الحفاظ على وحدتها وترابطها في ظل بقاء مصالح الأمن والاستقرار والرفاهية المشتركه.    

حتى الآن تتحرك دول مجلس التعاون ببطء لكن بخطى ثابتة لتحقيق المصالح والأهداف المشتركة                                               

إن البطء في التنفيذ الفاعل لمقررات القمم الخليجية، والتعقيدات البيروقراطية والإجرائية الروتينية، يحتمان على الجميع دعم التيار الإصلاحي في مجلس التعاون الخليجي، الذي بدوره يضمن مسيرة الإصلاح الشامل للبيت الخليجي في مرحلة إقليمية ودولية خطيرة تعيشها حالياً دوله الست، ومخاطر أخرى قادمة لا تقل خطورة عما سبقها من مخاطر الحقب الزمنية الماضية. فخطر صدام حسين وإن انتهى كفرد حكم دولة بشكل دكتاتوري وبآلية قمعية، إلا أنه حل محله خطر التشتت والتمزق المذهبي والطائفي للمنطقة، ناهيك عن مخاطر العنف والتطرف والتشدد التي بلغت أقاصي درجاتها بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ المنطقة.

إذاًأخطار عدة تهدد دول المجلس الست، من الداخل ممثلة في جماعات وتنظيمات الإرهاب والتطرف والغلو، ومن الخارج سواء في شكل الإرهاب الإقليمي والدولي أو سياسات الهيمنة الإقليمية والدولية التي تحاول فرضها الدول الكبرى. والذي نود قوله إن المنطقة الخليجية برمتها تقف على فوهة بركان ثائر بفعل حركات الإرهاب والتطرف والغلو التي يصعب تحديد مصادرها وأوقات ظهورها. ولعل هذا الخطر تحديداً يفسر تخوف دول المجلس من مخاطر الهيمنة الإقليمية والدولية، ويفسر حرصها على التقارب أكثر من التباعد.

أضف إلى ما سبق هاجس الخوف من آثار العولمة والانفتاح بالكامل على العالم فهو من ضمن المخاوف الخليجية لا سيما أن معظم إن لم يكن كل بناها الاجتماعية تم اختراقها بأعداد كبيرة من الوافدين والمقيمين الذين فاق عددهم في بعض دول المجلس أعداد مواطنيها الأصليين. وهذا الخوف تقريباً دفع البعض من المحللين والكتّاب الخليجيين السياسيين الى القول إن مجلس التعاون الخليجي سيتأثر كلياً بقوى العولمة بعد الدخول في منظمة التجارة العالمية التي ستفتح كل الأبواب الاقتصادية والتجارية والاجتماعية المغلقة، كما ستلغيكل سياسات الحماية العامة والخاصة، بل من المتوقع أن تفرض أنماطاً سلوكية اجتماعية واقتصادية جديدة على كل المجتمعات الخليجية.

والحقيقة التي لا تزال حلماً، أو الحلم الذي نأمل في أن يغدو حقيقة دائماً هو ما تعلقه شعوب المنطقة على كل قمة خليجية تعقد أو عقدت في الماضي من أمل، وأن تتمكن قيادات الدول الخليجية من تنقية أجواء قممها السياسية التي بمقدورها وحدها أن تسهم في تسريع حركة المجلس بشكل جماعي مؤثر للتعامل مع أي تنظيمات أو منظمات دولية لا تعترف وبالتالي لا تتأثر إلا بقوة التكتلات الإقليمية القوية.

وتغدو الحقيقة هذه أكثر نفعاً وإيجابية فيما لو تمكن المجلس من تحقيق الهدف ذاته الذي حققته دول الاتحاد الأوروبي من تقارب واندماج اقتصادي وشبه انصهار سياسي. فهل حقاً بمقدور القمم الخليجية المقبلة بعد قمة الصفاء القطرية التي عقدت في شهر ديسمبر الماضي في الدوحة أن تكون فاتحة خير لإنهاء كافة الخلافات والقضاء على كل الإشكاليات بدعم حركة الإصلاحات بهدف ركوب أمواج المتغيرات بقوة وبثقة واقتدار؟

أخيراً الذي يمكن قوله حتى الآن إن التحديات والمخاطر الأمنية التي تحيق بالدول الخليجية لا تزال كما هي إن لم تتضخم، كما أن الإمكانيات والقدرات الخليجية الأمنية لا تزال أيضاً كما هي متواضعة ومحدودة في الوقت ذاته الذي تتضخم فيه إن لم تتراكم وتنمُ احتياجاتها ومتطلباتها الأمنية. 

::/fulltext::

araa40_24-635
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2142::/cck::
::introtext::

مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية من حيث الزمن امتدت إلى أكثر من ربع قرن سواء بالتقويم الهجري (27 سنة) أو التقويم الميلادي (26 سنة)، ومن حيث الفعل والعمل ساهم المجلس في تحقيق هدف التحالف الاستراتيجي لدوله الست انطلاقاً من أسس ومبادئ وقيم مشتركة ترتبط بدورها بالمصالح الخليجية الحيوية المشتركة التي أفضت إلى خلق مجالات عدة من الاعتماد المتبادل والتعاون الوثيق في شتى المجالات الإنسانية والمادية التي تهم الدول الأعضاء فيها. 

::/introtext::
::fulltext::

مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية من حيث الزمن امتدت إلى أكثر من ربع قرن سواء بالتقويم الهجري (27 سنة) أو التقويم الميلادي (26 سنة)، ومن حيث الفعل والعمل ساهم المجلس في تحقيق هدف التحالف الاستراتيجي لدوله الست انطلاقاً من أسس ومبادئ وقيم مشتركة ترتبط بدورها بالمصالح الخليجية الحيوية المشتركة التي أفضت إلى خلق مجالات عدة من الاعتماد المتبادل والتعاون الوثيق في شتى المجالات الإنسانية والمادية التي تهم الدول الأعضاء فيها.

يمكن القول من خلال نظرة تقييم تحليلية عامة وشاملة، إن مجلس التعاون الخليجي على مدى السنوات الماضية نجح في بناء كيان إقليمي متماثل ومندمج نوعاً ما مكّن المجلس من تحقيق أهداف إقليمية ودولية عديدة لعبت دوراً كبيراً في تحقيق سقف متواضع ومحدد من الانصهار السياسي والاقتصادي بين دوله الست. بيد أن محاولات دول المجلس لتأطير الكيان الخليجي العربي وتفعيله لكي يصبح نموذجاً سياسياً انصهارياً فاعلاً ينضوي في ركب نماذج التكتلات الإقليمية الناجحة لم تتحقق بعد وفقاً لرؤية التكامل، ناهيك عن الاندماج أو الانصهار.

وحتى الآن تتحرك دول مجلس التعاون الخليجي ببطء، لكن بخطى ثابتة وموزونة لتحقيق المصالح والأهداف المشتركه مرتكزة على تقاربها مع بعضها بعضاً جغرافياً وتشابهها في السمات الوطنية وترابطها بروابط التاريخ والعادات والتقاليد والقيم العربية والإسلامية.

صحيح أن مجلس التعاون في قمتيه الأخيرتين حقق عدداً من الإنجازات في المجالات الرئيسية التي تهم أعضاءه في النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والبيئية والاجتماعية، بيد أن هذه الإنجازات على الرغم من تواضعها مقارنة بعمر الزمن فإنها ساعدت في الحفاظ على مصالحها الفردية والجماعية، ونوعاً ما على توحيد مواقفها السياسية والاقتصادية تجاه العديد من القضايا العربية والإسلامية والدولية، وعلى الرغم أيضاً من تواضع إنجازات المجلس السياسية والاقتصادية تحديداً، إلا أنه حافظ على وضعه كمركز ثقل في منطقة الشرق الأوسط وقوة سياسية واقتصادية لا يستهان بها لها وزنها وثقلها ومكانتها الإقليميه والدولية.

إن الكيانات الدولية والتكتلات الإقليمية لا يمكن أن تتبوأ مكانتها بين الكيانات والتكتلات الأخرى، وبالتالي تحظى بالاحترام والتقدير والمكانة المرموقة، إلا إذا تمكنت من تحقيق تعاون وثيق وتفاعل متكامل بين الدول الأعضاء فيها في المجالات التي تهم كل الأطراف المعنية بشكل يحقق على الأقل أهدافها ومصالحها الجماعية. وهذا نوعاً ما تحقق بالفعل في مجلس التعاون الخليجي خاصة في بعض المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، فمن الواضح أن المخاوف والهواجس الأمنية من التحديات والمخاطر الإقليمية دائماً ما تدفع بالدول الخليجية إلى التعاون والتقارب، وتسهم في تقوية وتدعيم الإرادة السياسية الجماعية بضرورة الحفاظ على مجلس التعاون الخليجي ككيان مستقل وتكتل يمكن بواسطته مواجهة التحديات والمخاطر الإقليمية تحديداً.

إن الاهتمام الخليجي بالملف الأمني يعتبر رد فعل طبيعياً متوقعاً لما واجهته دول الخليج من تحديات إقليمية بالغة الخطورة هددت أمنها الوطني بصورة متصلة. وليس بأدل على ذلك من التداعيات الخطيرة التي سادت أجواء المنطقة بعد الثورة الإيرانية عام 1979م وما تلاها من أحداث جسام بدأت بالحرب العراقية-الإيرانية والغزو العراقي للكويت، ولم تنته حتى بعد الاحتلال الأمريكي للعراق والقضاء على نظام صدام حسين. بل إن تصفية خطر نظام صدام حسين البعثي ربما تكون قد فتحت (قمقم) مارد العنف الطائفي والمذهبي الذي هدد الأمن والاستقرار الخليجي خوفاً من تداعيات وسلبيات نظرية (الدومينو) فيما لو انتشرت العدوى المذهبية والطائفية إلى دول الجوار الخليجي. 

 

ويعود السبب بالطبع إلى أن تلك الأحداث فتحت أبواب الإرهاب والعنف على مصاريعها في بعض دول المنطقة، تصعيداً إلى العالم، ومن ثم عودة إلى العنف في المنطقة بعد أن أعمى داء التطرف والغلو عقول بعض الجماعات المتشددة والمتطرفة ودفعها إلى ضرب مقومات وقواعد الأمن الخليجي من الداخل.

إن الأوضاع الإقليمية الخطيرة إذن كان لها الأثر المباشر في تحريك الحاجة الخليجية لوضع ترتيبات أمنية جماعية لا تتطلب التعاون والتنسيق الأمني الوثيق فقط، وإنما تفرض الحاجة إلى تبادل المعلومات الأمنية بين الدول الست، والاشتراك في إنشاء مركز خليجي مشترك للمعلومات الأمنية، والعمل على إنشاء مركز مشترك لهذه العمليات. والمطلوب في المرحلة الخليجية المقبلة أن تنتقل الدول الخليجية بجهود جماعية إلى مرحلة اتخاذ الأفعال ضد الإرهابيين والمتطرفين بالاعتماد على العمليات الأمنية الإجهاضية والاستباقية ضد مراكز وأوكار الإرهابيين وكذا إحكام السيطرة على عقول وتوجهات ونشاطات المتطرفين.

والذي يمكن قوله بدقة إن المسيرة الخليجية التعاونية التي تعد من القضايا الوطنية والخليجية المثيرة لجدل كبير في مختلف الأوساط الشعبية والنخبوية الخليجية لأسباب مختلفة لا بد أن تعيد النظر في الاستراتيجية الخليجية السابقة، وتشرع بوضع استراتيجية خليجية جماعية حديثة تأخذ في الاعتبار كافة المستجدات والمتغيرات الجديدة بجانبها الأمني في الوقت الذي لا تغفل فيه مطلب تسريع هدف التقارب الخليجي – الخليجي سواء في شكل التكامل أو في شكل التجانس والانصهار. وما يمكن توظيفه في هذا السياق هو وجود إرادة سياسية خليجية عليا على مستوى القيادات تحرص على تحريك مسيرة المجلس بسرعة أكبر من ذي قبل، بالإضافة إلى تفعيل ما يمكن من مقررات القمم السابقة وهذا ما حدث بالإعلان عن إطلاق السوق الخليجية المشتركة في قمة الدوحة الأخيرة.  

ويمكن الجزم بهذه الحقيقة من دراسة وتحليل الحركة السياسية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي الذي يعكس الإرادة السياسية الموحدة لدول الخليج العربية، ويضطلع بمهام رسم السياسات العامة واتخاذ القرارات السياسية الجماعية كموقف موحد يعكس مصالح وأهداف الدول الأعضاء في إطار الأهداف والمصالح العربية والإسلامية والعمل على تحقيقها بأقل تكلفة ممكنة. أضف إلى ذلك فإن التحرك السياسي الخليجي لمواجهة الأزمات والتحديات التي واجهت المنطقة بأسرها كان ولا يزال تحركاً سياسياً واحداً لست دول مجتمعة. كما أن الأزمات والتحديات والمخاطر الإقليمية ساعدت على ضمان استمرارية المجلس، وحققت له الحد الأدنى من المنجزات، كما ساعدت على تكاتف المجلس بغية الحفاظ على الأمن والاستقرار في الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط.

وبالمنطق ذاته فإن التوقيع على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 تم البدء في تطبيقها فعلياً عام 1983 (أي بعد قرابة عامين من اتخاذ القرار)، وتمكنت حتى الآن مع قطع شوط كبير في تطبيق معظم بنودها وموادها الأساسية. وعلى الرغم من البطء إلا أن الاتفاقية الاقتصادية لعبت دوراً كبيراً في تحقيق التعاون الاقتصادي بين كل دول المجلس بل وفي تطوير تلك العلاقات وتنميتها بما يحقق المصالح والأهداف الاقتصادية والتجارية المشتركة التي من أهمها إزالة الحواجز أمام التحرك الاجتماعي للأفراد والجماعات بين الدول الست والسماح لهم بممارسة النشاطات الاقتصادية والمهنية والحرفية في أية دولة من الدول الأعضاء ومعاملتهم معاملة مواطني تلك الدولة، وإلغاء الجمارك على منتجات دول المجلس المصنعة في الدول الأعضاء، والبدء في تطبيق تعرفة جمركية موحدة تجاه العالم الخارجي، وإعداد مشروع موحد للتنمية الصناعية والتنمية الزراعية (سياسة زراعية مشتركة) وتنمية الموارد المائية والثروات السمكية بهدف تحقيق الأمن الغذائي المشترك لدول المجلس الست.

وحتى الآن من الملاحظ أن حركة مجلس التعاون لدول الخليج العربية ترتكز على مسيرة تعاون أكثر من مسيرة اندماج، لكن يمكن الجزم بأنها مسيرة جماعية موحدة توجهها جملة من الأهداف والمصالح الخليجية المشتركة التي تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار والرفاهية لشعوبها. وبدورها عملت تطورات الأحداث الأمنية في المنطقة على تعميق مسيرة المجلس جنباً إلى جنب مع حقائق التاريخ والجغرافيا والروابط المشتركة التي تقوي من دعائم سياسات الدول الخليجية الموحدة، وفي الحفاظ على وحدتها وترابطها في ظل بقاء مصالح الأمن والاستقرار والرفاهية المشتركه.    

حتى الآن تتحرك دول مجلس التعاون ببطء لكن بخطى ثابتة لتحقيق المصالح والأهداف المشتركة                                               

إن البطء في التنفيذ الفاعل لمقررات القمم الخليجية، والتعقيدات البيروقراطية والإجرائية الروتينية، يحتمان على الجميع دعم التيار الإصلاحي في مجلس التعاون الخليجي، الذي بدوره يضمن مسيرة الإصلاح الشامل للبيت الخليجي في مرحلة إقليمية ودولية خطيرة تعيشها حالياً دوله الست، ومخاطر أخرى قادمة لا تقل خطورة عما سبقها من مخاطر الحقب الزمنية الماضية. فخطر صدام حسين وإن انتهى كفرد حكم دولة بشكل دكتاتوري وبآلية قمعية، إلا أنه حل محله خطر التشتت والتمزق المذهبي والطائفي للمنطقة، ناهيك عن مخاطر العنف والتطرف والتشدد التي بلغت أقاصي درجاتها بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ المنطقة.

إذاًأخطار عدة تهدد دول المجلس الست، من الداخل ممثلة في جماعات وتنظيمات الإرهاب والتطرف والغلو، ومن الخارج سواء في شكل الإرهاب الإقليمي والدولي أو سياسات الهيمنة الإقليمية والدولية التي تحاول فرضها الدول الكبرى. والذي نود قوله إن المنطقة الخليجية برمتها تقف على فوهة بركان ثائر بفعل حركات الإرهاب والتطرف والغلو التي يصعب تحديد مصادرها وأوقات ظهورها. ولعل هذا الخطر تحديداً يفسر تخوف دول المجلس من مخاطر الهيمنة الإقليمية والدولية، ويفسر حرصها على التقارب أكثر من التباعد.

أضف إلى ما سبق هاجس الخوف من آثار العولمة والانفتاح بالكامل على العالم فهو من ضمن المخاوف الخليجية لا سيما أن معظم إن لم يكن كل بناها الاجتماعية تم اختراقها بأعداد كبيرة من الوافدين والمقيمين الذين فاق عددهم في بعض دول المجلس أعداد مواطنيها الأصليين. وهذا الخوف تقريباً دفع البعض من المحللين والكتّاب الخليجيين السياسيين الى القول إن مجلس التعاون الخليجي سيتأثر كلياً بقوى العولمة بعد الدخول في منظمة التجارة العالمية التي ستفتح كل الأبواب الاقتصادية والتجارية والاجتماعية المغلقة، كما ستلغيكل سياسات الحماية العامة والخاصة، بل من المتوقع أن تفرض أنماطاً سلوكية اجتماعية واقتصادية جديدة على كل المجتمعات الخليجية.

والحقيقة التي لا تزال حلماً، أو الحلم الذي نأمل في أن يغدو حقيقة دائماً هو ما تعلقه شعوب المنطقة على كل قمة خليجية تعقد أو عقدت في الماضي من أمل، وأن تتمكن قيادات الدول الخليجية من تنقية أجواء قممها السياسية التي بمقدورها وحدها أن تسهم في تسريع حركة المجلس بشكل جماعي مؤثر للتعامل مع أي تنظيمات أو منظمات دولية لا تعترف وبالتالي لا تتأثر إلا بقوة التكتلات الإقليمية القوية.

وتغدو الحقيقة هذه أكثر نفعاً وإيجابية فيما لو تمكن المجلس من تحقيق الهدف ذاته الذي حققته دول الاتحاد الأوروبي من تقارب واندماج اقتصادي وشبه انصهار سياسي. فهل حقاً بمقدور القمم الخليجية المقبلة بعد قمة الصفاء القطرية التي عقدت في شهر ديسمبر الماضي في الدوحة أن تكون فاتحة خير لإنهاء كافة الخلافات والقضاء على كل الإشكاليات بدعم حركة الإصلاحات بهدف ركوب أمواج المتغيرات بقوة وبثقة واقتدار؟

أخيراً الذي يمكن قوله حتى الآن إن التحديات والمخاطر الأمنية التي تحيق بالدول الخليجية لا تزال كما هي إن لم تتضخم، كما أن الإمكانيات والقدرات الخليجية الأمنية لا تزال أيضاً كما هي متواضعة ومحدودة في الوقت ذاته الذي تتضخم فيه إن لم تتراكم وتنمُ احتياجاتها ومتطلباتها الأمنية. 

::/fulltext::
::cck::2142::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *