المديونية الخارجية العراقية أحد معوقات إعادة الإعمار
::cck::2149::/cck::
::introtext::
ورث الشعب العراقي عن نظام صدام حسين السابق ديوناً استخدمها النظام لأغراض إدامة الآلة الحربية في الحرب مع إيران واجتياح الكويت قدّرت نهاية عام 1991 بنحو 63 مليار دولار، وتضاعفت هذه الديون نتيجةً لتراكم الفوائد (خدمة الدين) والمتأخرات على العراق بمعدل 2.3 لتصل إلى نحو 146 مليار دولار (حسب تقديرات البنك المركزي العراقي) نتيجةً للعقوبات التي فرضها مجلس الأمن على العراق والتي استمرت إلى ما قبل الاحتلال الأمريكي للعراق إبريل 2003.
::/introtext::
::fulltext::
ورث الشعب العراقي عن نظام صدام حسين السابق ديوناً استخدمها النظام لأغراض إدامة الآلة الحربية في الحرب مع إيران واجتياح الكويت قدّرت نهاية عام 1991 بنحو 63 مليار دولار، وتضاعفت هذه الديون نتيجةً لتراكم الفوائد (خدمة الدين) والمتأخرات على العراق بمعدل 2.3 لتصل إلى نحو 146 مليار دولار (حسب تقديرات البنك المركزي العراقي) نتيجةً للعقوبات التي فرضها مجلس الأمن على العراق والتي استمرت إلى ما قبل الاحتلال الأمريكي للعراق إبريل 2003.
شكلت هذه الديون ما نسبته 400 في المائة من إجمالي الناتج المحلي وحوالي (700ـ800 في المائة) من حجم التصدير العراقي، وتعويضات اجتياح الكويت البالغة 53 مليار دولار الناجمة عن اجتياح الكويت (آب 1990) المقررة من قبل لجنة التعويضات المشكلة من الأمم المتحدة، واعتبر العراق (قبل تخفيض دينه) من أكثر الدول المثقلة بالديون من حيث نصيب الفرد.
وكانت ولا تزال معضلة الديون العراقية الخارجية من أخطر المعضلات التي يواجهها الاقتصاد العراقي بعد الأمن في المرحلة الحالية، فضلاً عن كونها (معضلة اقتصادية) وسياسية، شكلت عبئاً على الاقتصاد العراقي ومعرقلاً لجهود إعادة الإعمار وإصلاح ما دمرته الحرب.
تقديرات المديونية الخارجية
تنقسم المديونية الخارجية العراقية إلى قسمين: قسم قام النظام السابق (نظام صدام حسين) باستدانته من دول وشركات وهيئات دولية مختلفة لتمويل آلة الحرب. وقسم آخر فرض على العراق من قبل الأمم المتحدة بالقرار 687 في 3 نيسان 1991 لتعويض الدول والشركات والأفراد المتضررين من سلوك النظام السابق.
أ – الديون الخارجية (ثنائي وتجاري):
تتفاوت تقديرات الهيئات والمؤسسات الدولية والمحلية المختلفة لحجم المديونية الخارجية للعراق، فليس هناك حتى الآن اتفاق على إجمالي رقم الدين الخارجي (من دون احتساب مبلغ تعويضات حرب الخليج الثانية) فالأمم المتحدة تقدرها بحوالي 137 مليار دولار، والولايات المتحدة تقدرها بحوالي 120 مليار دولار منها 45 إلى 55 مليار دولار لدول الخليج، والبنك الدولي يقدرها بحوالي 127 مليار دولار، وصندوق النقد الدولي بحوالي 126 مليار دولار، ونادي باريس للدول الدائنة 120.2 مليار دولار، ويقدرها البنك المركزي العراقي بـ 146 مليار دولار متضمنة الفوائد والمتأخرات، وقدرها وزير التخطيط العراقي بحوالي 130 مليار دولار الدين الخارجي منها فوائد بقيمة 47 مليار دولار.
وكذلك تتضارب التقديرات في ما يتعلق بتوزيع هذه الديون على الدول الدائنة داخل نادي باريس وخارجه، فبعض التقديرات تشير إلى أن ديون دول نادي باريس (19 دولة) 39.9 مليار دولار مع الفوائد والمتأخرات، وديون عربية لدول الخليج (السعودية والكويت وقطر والإمارات 40 مليار دولار في حين ترفعها تقديرات أخرى إلى 55 مليار دولار وديون لروسيا (الاتحاد السوفييتي السابق) وصربيا وبلغاريا ورومانيا وبولندا وسلوفاكيا تتراوح ما بين 13 و15 مليار دولار مع الفوائد والمتأخرات، وديون للصين قدرت بنحو 8 مليارات دولار مع الفوائد والمتأخرات، وديون لدول أخرى ولشركات تجارية، إضافةً إلى نحو 53 مليار دولار تعويضات حرب الخليج الثانية، أي أن إجمالي الدين يربو على الـ 199 مليار دولار (قبل شطب عدد من دول نادي باريس ودول أخرى من خارج النادي لنحو 80 في المائة من ديونها على العراق)، وهو مبلغ ضخم يعجز العراق عن الوفاء به في ظل الظروف والأزمات التي يعيشها الآن.
ب – التعويضات:
إلى جانب مشكلة الديون الخارجية الثنائية والتجارية الضخمة التي ورثها الشعب العراقي عن نظام صدام حسين، تبرز مشكلة التعويضات لتقف حجر عثرة في طريق إعادة إعمار ما دمرته الحرب وتحقيق الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتشمل هذه التعويضات: الدمار الذي لحق بالكويت جراء الاجتياح العراقي في 2 أغسطس 1990 وتكاليف تحرير الكويت 1991 (عاصفة الصحراء)، وتعويضات للدول والهيئات والشركات والأفراد ممن تضرروا من أعمال التدمير والسلب التي قامت بها القوات العراقية خلال اجتياحها للكويت والتي قدرت في حينها بنحو 350 مليار دولار.
وبعد تحرير الكويت شكّل مجلس الأمن هيئة التعويضات لتطبيق القرار 687، تسلمت الهيئة منذ تأسيسها 2.6 مليون طلب للحصول على تعويضات تتجاوز في مجملها 300 مليار دولار، رفعت هذه المطالبات نحو مائة حكومة نيابةً عن مواطنيها ومؤسساتها الخاصة والعامة، كما رفعت طلبات من قبل ثلاثة عشر مكتباً تابعاً للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أقرت اللجنة 1.5 مليون طلب بلغت مبالغ تعويضها 53 مليار دولار، دفع العراق منها نحو 23 مليار دولار من عوائد نفطه حتى نهاية عام 2007 وبقي في ذمة العراق 30 مليار دولار. وقد حدد مجلس الأمن بالقرار 986 (عام 1995) نسبة لا تتجاوز 30 في المائة من قيمة مبيعات النفط العراقي بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء (عام 1996) لتعويض الدول والشركات والأفراد الذين تضرروا من الاجتياح العراقي للكويت، وخفضت النسبة في 27 سبتمبر عام 2000 إلى 25 في المائة، ثم خفضت بعد الاحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق عام 2003 إلى 5 في المائة.
السعودية وعدت بإلغاء 80 في المائة من ديونها المستحقة على العراق والبالغة 80 مليار دولار
شطب الديون
بدأ الحديث عن مشكلة الديون العراقية بعد الاحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق في إبريل 2003 وإسقاط نظام صدام حسين، حيث تضمنهما قرارا مجلس الأمن (1483 و1546)، كون هذه المديونية الضخمة تشكل معرقلاً حقيقياً لجهود إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد المنهار واستعادة الأمن في العراق (الجديد) والبناء الديمقراطي، وتلت ذلك ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً على غالبية الدول الدائنة للعراق وخاصةً دول نادي باريس لإطفاء أو شطب نسبة تتراوح ما بين 75 و95 في المائة من ديونها (الكريهة أو البغيضة Odious Debts) على العراق، لتمكين العراق (الجديد) من استعادة عافيته الاقتصادية والأمنية. ونشطت إدارة الاحتلال الأمريكي في العراق بقيادة بول بريمر في هذا الجانب، حيث طالب بريمر كلاً من السعودية والكويت بشطب وإلغاء ديون العراق والتعويضات المستحقة لهما لدى العراق إلا أن جهوده باءت بالفشل. وفي 5 ديسمبر 2003 أعلن البيت الأبيض أن الرئيس جورج بوش الابن عيّن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر مبعوثاً خاصاً له مكلفاً بالتفاوض مع الدول الدائنة للعراق وصولاً إلى تسويات مالية تخفض ديون العراق، وكذلك نشط مجلس الحكم الانتقالي والحكومات العراقية المتعاقبة في المسعى ذاته من خلال جولات قام بها وزراء مطالبين بإعفاء العراق من جزء كبير من ديونه أسوةً بألمانيا التي ألغيت ديونها بعد الحرب العالمية الثانية، وشطب ديون راوندا عام 1998 من قبل مجلس العموم البريطاني، والأرجنتين التي حصلت على إعفاء 70 في المائة عام 2001، ومصر التي حصلت على إعفاء 65 في المائة من ديونها، وبولندا التي حصلت على إعفاء 70 في المائة من ديونها، ويوغسلافيا التي حصلت على إعفاء من ثلثي ديونها بعد الإطاحة بسلوبودان ميلوسوفيتش، كون هذه الديون قدمت لاعتبارات سياسية ولأغراض عسكرية وللإنفاق على برامج تسليح ولم تقدم لاعتبارات إنسانية، لا سيما أن الجزء الأكبر من الدين عبارة عن فوائد ومتأخرات متراكمة كان العراق حينها يخضع لعقوبات وحصار دولي استمر ثلاث عشرة سنة (أغسطس 1990 ولغاية إبريل 2003) ورهينةً لقرارات مجلس الأمن الدولي، وذلك لتمكين العراق من إعادة تشييد البنية التحتية المدمرة وإنعاش الاقتصاد، وقد أسفرت ضغوط الولايات المتحدة (الدولة المحتلة) على دول نادي باريس (19 عضواً) التي ربطت مشاركة دول النادي وغيرها من الدول الدائنة في عقود إعادة إعمار العراق وإعادة تأهيل القطاع النفطي بخفض ديونها على العراق، عن الحصول على موافقات وتعهدات مبدئية بشطب ما نسبته 70 إلى 80 في المائة من ديون دول النادي على العراق بعد المرونة التي أبدتها كل من فرنسا وألمانيا، بعد أن كانتا تربطان إعادة الجدولة وتخفيض الدين وتوقيع أي اتفاق مع العراق باستعادته لاستقلاله وسيادته وتمتعه بكيان الدولة المستقلة، وإشراكهما والدول التي عارضت الحرب (روسيا والصين) بعقود إعادة الإعمار.
وفي 24 نوفمبر 2004 توصل العراق إلى اتفاق مع نادي باريس على تخفيض ديون الدول الدائنة من أعضاء النادي بنسبة 80 في المائة من مجموع المديونية البالغة 39.9 مليار وفق ضوابط وإجراءات مشروطة حددت بالتالي:
* إعادة النظر بأسعار المشتقات النفطية لموازنة الأسعار مع ميزان الأسعار في دول الجوار.
* رفع الدعم عن البطاقة التموينية واستبدالها بتعويض نقدي.
* التوجه نحو خصخصة شركات القطاع العام.
وتنص الاتفاقية الموقعة مع دول نادي باريس على تخفيض 30 في المائة من الدين الكلي حال توقيع الاتفاق مع النادي على أن يكون من الفوائد المتأخرة وتخفيض 30 في المائة أخرى حال توقيع العراق ترتيبات المساندة (Stand by) مع صندوق النقد الدولي بتاريخ أقصاه 31 ديسمبر عام 2005 وتخفيض 20 في المائة من الدين حال تقديم صندوق النقد الدولي تقريراً يؤكد إتمام العراق التزاماته بموجب بنود اتفاقية ترتيبات المساندة بتاريخ أقصاه 31 ديسمبر عام 2008. وبذلك تكون مديونية العراق لدول النادي قد خفضت بنسبة 80 في المائة أوائل عام 2008، ويتوجب على العراق تسديد ما نسبته 20 في المائة أي نحو 7.9 مليار دولار من إجمالي دين دول النادي البالغ 39.9، وسيكون التسديد على مدى (23) عاماً تبدأ من 2011م.
العراق تمكن من إطفاء ديون بقيمة 97.112 مليار دولار من أصل 146 مليار دولار
وخارج دول النادي وإلى جانب الولايات المتحدة وأستراليا أعفت مالطا والصين وسلوفاكيا وقبرص العراق من كامل ديونها أي بنسبة (100 في المائة)، ووعدت قطر ودولة الإمارات بإلغاء كامل ديونهما البالغة نحو 8 مليارات دولار، إضافةً إلى وعد سعودي بإلغاء 80 في المائة من مديونية العراق البالغة 30 مليار دولار، وألغت صربيا 90 في المائة وبلغاريا ورومانيا وماليزيا وأندونيسيا 80 في المائة ، ومصر 65 في المائة من إجمالي ديونها البالغة 740 مليون دولار، وبولندا 70 في المائة من إجمالي ديونها البالغة 500 مليون دولار، فيما لم يصدر بعد أو لم تبدِ دول مثل الأردن (1300) مليون دولار، والمغرب (32) مليون دولار، وتركيا (800) مليون دولار، والمجر (17) مليون دولار، وكوريا الجنوبية (54.7) مليون دولار، والبرازيل (192.9) مليون دولار، وتونس، والجزائر، وباكستان ، واليونان، وغيرها أي تعهدات أو وعود بإلغاء الدين أو تخفيضه، وفي ما يتعلق بالكويت فقد رفض برلمانها شطب أو تخفيض ديونها على العراق البالغة (16) مليار دولار، أو التعويضات التي أقرتها لجنة التعويضات الأممية للكويت. وبالنسبة للديون التجارية فقد تمكن العراق من عقد صفقة مع كبار دائني العراق من القطاع الخاص (بنوك وشركات عالمية) في اجتماع سنغافورة نهاية عام 2005 وافق بموجبها الدائنون على مبادلة 20 في المائة من الدين الأصلي والفائدة بسندات وإلغاء الباقي، وهي ديون تزيد على 20 مليار دولار، إضافةً إلى تمكنه من الاتفاق على تسويات مالية مع 80 في المائة من الدائنين الذين لهم مبالغ دون الـ 35 مليون دولار، حيث قبل هؤلاء باستلام دفعة نقدية تعادل 12.5 في المائة من أصل الدين وإلغاء الباقي، وبذلك يكون العراق قد تمكن من إطفاء ديون بقيمة 97.112 مليار دولار من أصل 146 مليار دولار، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على استقرار العراق وتنميته من خلال إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وزيادة الإنفاق على جوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وبالمحصلة كان للسياسات الخاطئة التي ارتكبها نظام صدام حسين خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي تداعيات كارثية على العراق خاصة والمنطقة العربية والشرق أوسط عامة، لا تزال آثارها وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مستمرة حتى الآن، والديون الخارجية وتعويضات حربي الخليج الأولى والثانية أحد تلك الآثار والتداعيات التي ورثها الشعب العراقي عن نظامه السابق.
وعلى الرغم من شطب نحو 66.4 في المائة من ديون العراق الخارجية البالغة 146 مليار دولار حسب تقديرات محافظ البنك المركزي العراقي، لا تزال مشكلة الديون العراقية الخارجية والتعويضات (حرب الخليج الأولى 97 مليار دولار وحرب الخليج الثانية 53 مليار دولار) إلى جانب معضلة تحقيق الأمن والاستقرار والإنعاش الاقتصادي تشكل عائقاً أمام إعادة بناء ما اصطلح على تسميته (عراق ما بعد صدام)، عراق مزدهر وديمقراطي، فالديون والتعويضات التي تراكمت وتضاعفت خلال الفترة (1980 – 2003) نتيجة لثلاث حروب شهدها العراق والمنطقة، تشكل تحدياً للدولة المحتلة وللحكومات العراقية المتعاقبة، فالاقتصاد في حالة يرثى لها، ومعدلات الفقر والبطالة والتضخم في ارتفاع مستمر، والبنى التحتية والفوقية مدمرة، الأمر الذي يتطلب من الدول الدائنة والتي تضررت من سياسات وسلوكيات النظام السابق العدوانية أن تحذو حذو الدول التي قامت بشطب كامل ديون العراق (100 في المائة) أو الدول التي ألغت نحو 80 في المائة من ديون العراق، واعتبار إعفاء العراق من ديونه مساهمة في إعادة إعماره وإنعاش اقتصاده، ومساهمة في تحقيق الأمن والاستقرار ليس فقط في العراق وإنما في دول المنطقة والعالم، كون غالبية الدين العراقي ديناً عسكرياً وغير مدني وظف في تعزيز سلطة النظام السابق وقمع الشعب وكبت الحريات والدخول في حروب خاسرة عانى منها الشعب العراقي الدمار والويلات، ولم يستخدم جله بالاستثمار في مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية المختلفة.

::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2149::/cck::
::introtext::
ورث الشعب العراقي عن نظام صدام حسين السابق ديوناً استخدمها النظام لأغراض إدامة الآلة الحربية في الحرب مع إيران واجتياح الكويت قدّرت نهاية عام 1991 بنحو 63 مليار دولار، وتضاعفت هذه الديون نتيجةً لتراكم الفوائد (خدمة الدين) والمتأخرات على العراق بمعدل 2.3 لتصل إلى نحو 146 مليار دولار (حسب تقديرات البنك المركزي العراقي) نتيجةً للعقوبات التي فرضها مجلس الأمن على العراق والتي استمرت إلى ما قبل الاحتلال الأمريكي للعراق إبريل 2003.
::/introtext::
::fulltext::
ورث الشعب العراقي عن نظام صدام حسين السابق ديوناً استخدمها النظام لأغراض إدامة الآلة الحربية في الحرب مع إيران واجتياح الكويت قدّرت نهاية عام 1991 بنحو 63 مليار دولار، وتضاعفت هذه الديون نتيجةً لتراكم الفوائد (خدمة الدين) والمتأخرات على العراق بمعدل 2.3 لتصل إلى نحو 146 مليار دولار (حسب تقديرات البنك المركزي العراقي) نتيجةً للعقوبات التي فرضها مجلس الأمن على العراق والتي استمرت إلى ما قبل الاحتلال الأمريكي للعراق إبريل 2003.
شكلت هذه الديون ما نسبته 400 في المائة من إجمالي الناتج المحلي وحوالي (700ـ800 في المائة) من حجم التصدير العراقي، وتعويضات اجتياح الكويت البالغة 53 مليار دولار الناجمة عن اجتياح الكويت (آب 1990) المقررة من قبل لجنة التعويضات المشكلة من الأمم المتحدة، واعتبر العراق (قبل تخفيض دينه) من أكثر الدول المثقلة بالديون من حيث نصيب الفرد.
وكانت ولا تزال معضلة الديون العراقية الخارجية من أخطر المعضلات التي يواجهها الاقتصاد العراقي بعد الأمن في المرحلة الحالية، فضلاً عن كونها (معضلة اقتصادية) وسياسية، شكلت عبئاً على الاقتصاد العراقي ومعرقلاً لجهود إعادة الإعمار وإصلاح ما دمرته الحرب.
تقديرات المديونية الخارجية
تنقسم المديونية الخارجية العراقية إلى قسمين: قسم قام النظام السابق (نظام صدام حسين) باستدانته من دول وشركات وهيئات دولية مختلفة لتمويل آلة الحرب. وقسم آخر فرض على العراق من قبل الأمم المتحدة بالقرار 687 في 3 نيسان 1991 لتعويض الدول والشركات والأفراد المتضررين من سلوك النظام السابق.
أ – الديون الخارجية (ثنائي وتجاري):
تتفاوت تقديرات الهيئات والمؤسسات الدولية والمحلية المختلفة لحجم المديونية الخارجية للعراق، فليس هناك حتى الآن اتفاق على إجمالي رقم الدين الخارجي (من دون احتساب مبلغ تعويضات حرب الخليج الثانية) فالأمم المتحدة تقدرها بحوالي 137 مليار دولار، والولايات المتحدة تقدرها بحوالي 120 مليار دولار منها 45 إلى 55 مليار دولار لدول الخليج، والبنك الدولي يقدرها بحوالي 127 مليار دولار، وصندوق النقد الدولي بحوالي 126 مليار دولار، ونادي باريس للدول الدائنة 120.2 مليار دولار، ويقدرها البنك المركزي العراقي بـ 146 مليار دولار متضمنة الفوائد والمتأخرات، وقدرها وزير التخطيط العراقي بحوالي 130 مليار دولار الدين الخارجي منها فوائد بقيمة 47 مليار دولار.
وكذلك تتضارب التقديرات في ما يتعلق بتوزيع هذه الديون على الدول الدائنة داخل نادي باريس وخارجه، فبعض التقديرات تشير إلى أن ديون دول نادي باريس (19 دولة) 39.9 مليار دولار مع الفوائد والمتأخرات، وديون عربية لدول الخليج (السعودية والكويت وقطر والإمارات 40 مليار دولار في حين ترفعها تقديرات أخرى إلى 55 مليار دولار وديون لروسيا (الاتحاد السوفييتي السابق) وصربيا وبلغاريا ورومانيا وبولندا وسلوفاكيا تتراوح ما بين 13 و15 مليار دولار مع الفوائد والمتأخرات، وديون للصين قدرت بنحو 8 مليارات دولار مع الفوائد والمتأخرات، وديون لدول أخرى ولشركات تجارية، إضافةً إلى نحو 53 مليار دولار تعويضات حرب الخليج الثانية، أي أن إجمالي الدين يربو على الـ 199 مليار دولار (قبل شطب عدد من دول نادي باريس ودول أخرى من خارج النادي لنحو 80 في المائة من ديونها على العراق)، وهو مبلغ ضخم يعجز العراق عن الوفاء به في ظل الظروف والأزمات التي يعيشها الآن.
ب – التعويضات:
إلى جانب مشكلة الديون الخارجية الثنائية والتجارية الضخمة التي ورثها الشعب العراقي عن نظام صدام حسين، تبرز مشكلة التعويضات لتقف حجر عثرة في طريق إعادة إعمار ما دمرته الحرب وتحقيق الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتشمل هذه التعويضات: الدمار الذي لحق بالكويت جراء الاجتياح العراقي في 2 أغسطس 1990 وتكاليف تحرير الكويت 1991 (عاصفة الصحراء)، وتعويضات للدول والهيئات والشركات والأفراد ممن تضرروا من أعمال التدمير والسلب التي قامت بها القوات العراقية خلال اجتياحها للكويت والتي قدرت في حينها بنحو 350 مليار دولار.
وبعد تحرير الكويت شكّل مجلس الأمن هيئة التعويضات لتطبيق القرار 687، تسلمت الهيئة منذ تأسيسها 2.6 مليون طلب للحصول على تعويضات تتجاوز في مجملها 300 مليار دولار، رفعت هذه المطالبات نحو مائة حكومة نيابةً عن مواطنيها ومؤسساتها الخاصة والعامة، كما رفعت طلبات من قبل ثلاثة عشر مكتباً تابعاً للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أقرت اللجنة 1.5 مليون طلب بلغت مبالغ تعويضها 53 مليار دولار، دفع العراق منها نحو 23 مليار دولار من عوائد نفطه حتى نهاية عام 2007 وبقي في ذمة العراق 30 مليار دولار. وقد حدد مجلس الأمن بالقرار 986 (عام 1995) نسبة لا تتجاوز 30 في المائة من قيمة مبيعات النفط العراقي بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء (عام 1996) لتعويض الدول والشركات والأفراد الذين تضرروا من الاجتياح العراقي للكويت، وخفضت النسبة في 27 سبتمبر عام 2000 إلى 25 في المائة، ثم خفضت بعد الاحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق عام 2003 إلى 5 في المائة.
السعودية وعدت بإلغاء 80 في المائة من ديونها المستحقة على العراق والبالغة 80 مليار دولار
شطب الديون
بدأ الحديث عن مشكلة الديون العراقية بعد الاحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق في إبريل 2003 وإسقاط نظام صدام حسين، حيث تضمنهما قرارا مجلس الأمن (1483 و1546)، كون هذه المديونية الضخمة تشكل معرقلاً حقيقياً لجهود إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد المنهار واستعادة الأمن في العراق (الجديد) والبناء الديمقراطي، وتلت ذلك ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً على غالبية الدول الدائنة للعراق وخاصةً دول نادي باريس لإطفاء أو شطب نسبة تتراوح ما بين 75 و95 في المائة من ديونها (الكريهة أو البغيضة Odious Debts) على العراق، لتمكين العراق (الجديد) من استعادة عافيته الاقتصادية والأمنية. ونشطت إدارة الاحتلال الأمريكي في العراق بقيادة بول بريمر في هذا الجانب، حيث طالب بريمر كلاً من السعودية والكويت بشطب وإلغاء ديون العراق والتعويضات المستحقة لهما لدى العراق إلا أن جهوده باءت بالفشل. وفي 5 ديسمبر 2003 أعلن البيت الأبيض أن الرئيس جورج بوش الابن عيّن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر مبعوثاً خاصاً له مكلفاً بالتفاوض مع الدول الدائنة للعراق وصولاً إلى تسويات مالية تخفض ديون العراق، وكذلك نشط مجلس الحكم الانتقالي والحكومات العراقية المتعاقبة في المسعى ذاته من خلال جولات قام بها وزراء مطالبين بإعفاء العراق من جزء كبير من ديونه أسوةً بألمانيا التي ألغيت ديونها بعد الحرب العالمية الثانية، وشطب ديون راوندا عام 1998 من قبل مجلس العموم البريطاني، والأرجنتين التي حصلت على إعفاء 70 في المائة عام 2001، ومصر التي حصلت على إعفاء 65 في المائة من ديونها، وبولندا التي حصلت على إعفاء 70 في المائة من ديونها، ويوغسلافيا التي حصلت على إعفاء من ثلثي ديونها بعد الإطاحة بسلوبودان ميلوسوفيتش، كون هذه الديون قدمت لاعتبارات سياسية ولأغراض عسكرية وللإنفاق على برامج تسليح ولم تقدم لاعتبارات إنسانية، لا سيما أن الجزء الأكبر من الدين عبارة عن فوائد ومتأخرات متراكمة كان العراق حينها يخضع لعقوبات وحصار دولي استمر ثلاث عشرة سنة (أغسطس 1990 ولغاية إبريل 2003) ورهينةً لقرارات مجلس الأمن الدولي، وذلك لتمكين العراق من إعادة تشييد البنية التحتية المدمرة وإنعاش الاقتصاد، وقد أسفرت ضغوط الولايات المتحدة (الدولة المحتلة) على دول نادي باريس (19 عضواً) التي ربطت مشاركة دول النادي وغيرها من الدول الدائنة في عقود إعادة إعمار العراق وإعادة تأهيل القطاع النفطي بخفض ديونها على العراق، عن الحصول على موافقات وتعهدات مبدئية بشطب ما نسبته 70 إلى 80 في المائة من ديون دول النادي على العراق بعد المرونة التي أبدتها كل من فرنسا وألمانيا، بعد أن كانتا تربطان إعادة الجدولة وتخفيض الدين وتوقيع أي اتفاق مع العراق باستعادته لاستقلاله وسيادته وتمتعه بكيان الدولة المستقلة، وإشراكهما والدول التي عارضت الحرب (روسيا والصين) بعقود إعادة الإعمار.
وفي 24 نوفمبر 2004 توصل العراق إلى اتفاق مع نادي باريس على تخفيض ديون الدول الدائنة من أعضاء النادي بنسبة 80 في المائة من مجموع المديونية البالغة 39.9 مليار وفق ضوابط وإجراءات مشروطة حددت بالتالي:
* إعادة النظر بأسعار المشتقات النفطية لموازنة الأسعار مع ميزان الأسعار في دول الجوار.
* رفع الدعم عن البطاقة التموينية واستبدالها بتعويض نقدي.
* التوجه نحو خصخصة شركات القطاع العام.
وتنص الاتفاقية الموقعة مع دول نادي باريس على تخفيض 30 في المائة من الدين الكلي حال توقيع الاتفاق مع النادي على أن يكون من الفوائد المتأخرة وتخفيض 30 في المائة أخرى حال توقيع العراق ترتيبات المساندة (Stand by) مع صندوق النقد الدولي بتاريخ أقصاه 31 ديسمبر عام 2005 وتخفيض 20 في المائة من الدين حال تقديم صندوق النقد الدولي تقريراً يؤكد إتمام العراق التزاماته بموجب بنود اتفاقية ترتيبات المساندة بتاريخ أقصاه 31 ديسمبر عام 2008. وبذلك تكون مديونية العراق لدول النادي قد خفضت بنسبة 80 في المائة أوائل عام 2008، ويتوجب على العراق تسديد ما نسبته 20 في المائة أي نحو 7.9 مليار دولار من إجمالي دين دول النادي البالغ 39.9، وسيكون التسديد على مدى (23) عاماً تبدأ من 2011م.
العراق تمكن من إطفاء ديون بقيمة 97.112 مليار دولار من أصل 146 مليار دولار
وخارج دول النادي وإلى جانب الولايات المتحدة وأستراليا أعفت مالطا والصين وسلوفاكيا وقبرص العراق من كامل ديونها أي بنسبة (100 في المائة)، ووعدت قطر ودولة الإمارات بإلغاء كامل ديونهما البالغة نحو 8 مليارات دولار، إضافةً إلى وعد سعودي بإلغاء 80 في المائة من مديونية العراق البالغة 30 مليار دولار، وألغت صربيا 90 في المائة وبلغاريا ورومانيا وماليزيا وأندونيسيا 80 في المائة ، ومصر 65 في المائة من إجمالي ديونها البالغة 740 مليون دولار، وبولندا 70 في المائة من إجمالي ديونها البالغة 500 مليون دولار، فيما لم يصدر بعد أو لم تبدِ دول مثل الأردن (1300) مليون دولار، والمغرب (32) مليون دولار، وتركيا (800) مليون دولار، والمجر (17) مليون دولار، وكوريا الجنوبية (54.7) مليون دولار، والبرازيل (192.9) مليون دولار، وتونس، والجزائر، وباكستان ، واليونان، وغيرها أي تعهدات أو وعود بإلغاء الدين أو تخفيضه، وفي ما يتعلق بالكويت فقد رفض برلمانها شطب أو تخفيض ديونها على العراق البالغة (16) مليار دولار، أو التعويضات التي أقرتها لجنة التعويضات الأممية للكويت. وبالنسبة للديون التجارية فقد تمكن العراق من عقد صفقة مع كبار دائني العراق من القطاع الخاص (بنوك وشركات عالمية) في اجتماع سنغافورة نهاية عام 2005 وافق بموجبها الدائنون على مبادلة 20 في المائة من الدين الأصلي والفائدة بسندات وإلغاء الباقي، وهي ديون تزيد على 20 مليار دولار، إضافةً إلى تمكنه من الاتفاق على تسويات مالية مع 80 في المائة من الدائنين الذين لهم مبالغ دون الـ 35 مليون دولار، حيث قبل هؤلاء باستلام دفعة نقدية تعادل 12.5 في المائة من أصل الدين وإلغاء الباقي، وبذلك يكون العراق قد تمكن من إطفاء ديون بقيمة 97.112 مليار دولار من أصل 146 مليار دولار، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على استقرار العراق وتنميته من خلال إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وزيادة الإنفاق على جوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وبالمحصلة كان للسياسات الخاطئة التي ارتكبها نظام صدام حسين خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي تداعيات كارثية على العراق خاصة والمنطقة العربية والشرق أوسط عامة، لا تزال آثارها وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مستمرة حتى الآن، والديون الخارجية وتعويضات حربي الخليج الأولى والثانية أحد تلك الآثار والتداعيات التي ورثها الشعب العراقي عن نظامه السابق.
وعلى الرغم من شطب نحو 66.4 في المائة من ديون العراق الخارجية البالغة 146 مليار دولار حسب تقديرات محافظ البنك المركزي العراقي، لا تزال مشكلة الديون العراقية الخارجية والتعويضات (حرب الخليج الأولى 97 مليار دولار وحرب الخليج الثانية 53 مليار دولار) إلى جانب معضلة تحقيق الأمن والاستقرار والإنعاش الاقتصادي تشكل عائقاً أمام إعادة بناء ما اصطلح على تسميته (عراق ما بعد صدام)، عراق مزدهر وديمقراطي، فالديون والتعويضات التي تراكمت وتضاعفت خلال الفترة (1980 – 2003) نتيجة لثلاث حروب شهدها العراق والمنطقة، تشكل تحدياً للدولة المحتلة وللحكومات العراقية المتعاقبة، فالاقتصاد في حالة يرثى لها، ومعدلات الفقر والبطالة والتضخم في ارتفاع مستمر، والبنى التحتية والفوقية مدمرة، الأمر الذي يتطلب من الدول الدائنة والتي تضررت من سياسات وسلوكيات النظام السابق العدوانية أن تحذو حذو الدول التي قامت بشطب كامل ديون العراق (100 في المائة) أو الدول التي ألغت نحو 80 في المائة من ديون العراق، واعتبار إعفاء العراق من ديونه مساهمة في إعادة إعماره وإنعاش اقتصاده، ومساهمة في تحقيق الأمن والاستقرار ليس فقط في العراق وإنما في دول المنطقة والعالم، كون غالبية الدين العراقي ديناً عسكرياً وغير مدني وظف في تعزيز سلطة النظام السابق وقمع الشعب وكبت الحريات والدخول في حروب خاسرة عانى منها الشعب العراقي الدمار والويلات، ولم يستخدم جله بالاستثمار في مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية المختلفة.

::/fulltext::
::cck::2149::/cck::
