قمة قطر2007: النتائج والآفاق و(الوحدة السياسية الخليجية)
::cck::2154::/cck::
::introtext::
بعد أن أعلن المجلس الأعلى لدول الخليجالعربية الذي انعقد في الدوحة انطلاق (السوق الخليجية المشتركة) اعتباراً من الأول من يناير2008 أصبح واضحاً أن دول مجلس التعاون الخليجي مصممة أكثر من أي وقت مضى على السعي نحو مزيد من الإنجازات المشتركة وصولاً إلى وحدتها السياسية الكاملة.
::/introtext::
::fulltext::
سابقاً (بعد أن أعلن المجلس الأعلى لدول الخليجالعربية الذي انعقد في الدوحة انطلاق (السوق الخليجية المشتركة) اعتباراً من الأول من يناير2008 أصبح واضحاً أن دول مجلس التعاون الخليجي مصممة أكثر من أي وقت مضى على السعي نحو مزيد من الإنجازات المشتركة وصولاً إلى وحدتها السياسية الكاملة.
إن انطلاق السوق الخليجية المشتركة يمكن اعتباره خطوة انتقالية مهمة في تاريخ مجلس التعاون، إذ إنه من الآن حتى يناير 2008 ستسعى دول الخليج إلى تفعيل هذه السوق عن طريقإقرار معاملة متساوية للمواطنين الخليجيين سيستطيعون من خلالها مزاولة كافة الأنشطة التجارية والاستثمارية، ويتمكنون من الحصول على الوظائف، ويمارسون مختلف المهن من دون تفرقة. بل إن ما سيميز السوق الخليجية المشتركة عما سبقها من اتفاقيات اقتصادية خليجية هو أن مواطني المجلس سيصبح بمقدورهم المشاركة في نظام موحد للتأمين الاجتماعي والتقاعدي وتملك العقار في أية دولة خليجية من دون الحاجة للمرور بنفس التعقيدات البيروقراطية التي عادة ما تميز عملية انتقال الملكية للمواطن الخليجي. وبالطبع فإن ما ستجلبه السوق الخليجية المشتركة من تطبيق متساو لنفس القوانين الضريبية والجمركية وتمتع المواطن الخليجي بنفس الخدمات التعليمية والصحية.. إلخ التي يستفيد منها مواطنو الدولة الخليجية سيجلب مزيداً من التلاحم بين المجتمعات الخليجية ويعزز مفهوم المواطنة الخليجية بشكل لم يسبق له مثيل.
وإذا كانت هناك (آفاق جديدة) نتمنى أن تحققها دولنا الخليجية، فأهمها هي الوحدة السياسية الخليجية سواء تم إنجاز هذا التطلع الخليجي عن طريق إنشاء (اتحاد فيدرالي خليجي) شبيه بما هو موجود حالياً في دولة الإمارات العربية المتحدة أو تأسيس (سلطنة أو مملكة خليجية متحدة) أو مهما كانت عليه التسمية للكيان الخليجي القادم، فالوحدة السياسية بالنسبة لدولنا ومجتمعاتنا الخليجية أصبحت الآن، أكثر من أي وقت مضى، أمراً ضرورياً وخاصة عندما يتم النظر لما يحصل من أحداث متواترة في أقاليم الشرق الأوسط، فمنطقتنا تشهد حالياً مخاضاً سياسياً واقتصادياً دولياً سينتج عنه لاحقاً بروز بيئة عولمية جديدة ومختلفة تماماً عما سبق ستجعل من الصعب على الدول منفردة التعامل بسهولة مع الوضع العالمي الجديد.
إن الاهتمام بدول الخليج وبموقعها الجغرافي الاستراتيجي وما تمثله ثرواتها النفطية من مصادر طاقة وثروات طبيعية أخرى دفع القوى العالمية في السابق إلى التنافس لفرض سيطرتها على المقدرات الوطنية لهذه الدول، وبدأ هذا التنافس الدولي بين البرتغاليين والهولنديين والإنكليز والفرنسيين في القرون الماضية، وفي القرن العشرين بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، ولعل مبادرة الرئيس السوفييتي السابق ليونيد بريجينيف عام 1980 أمام البرلمان الهندي والداعية إلى فصل منطقة الخليج العربي عن الصراعات الدولية خير دليل على أهمية هذه المنطقة الجغرافية والحيوية بالنسبة للقوى الدولية السابقة والحالية. ولكن الوضع العالمي الآن مختلف تماماً عما سبق، إذ إنه سيشهد تغيرات لا يمكن التنبؤ بها ستحكمها المصالح العليا للقوى العالمية.
فيربط هاردتونيقريفي كتابهما الشهير (الإمبراطورية)والمنشور في عام 2000 بين ما يفسرانه توسعاً مستقبلياًللنظام العالمي وتحوله إلى ما يشبه (الإمبراطورية العالمية) التي ستتعدى صلاحيتها ونفوذها الحدود التقليدية للدول سواء كانت جغرافية أو لغوية أو ثقافية، فالنظام العالمي الجديد حسب هاردت ونيقري سيكون نتيجة طبيعية لتحولات تاريخية لعل أبرز علاماتها انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، ولعلنا نضيف أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 كمرحلة أخرى لتكون إمبراطورية عالمية لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل. فحسب مؤلفي (الإمبراطورية) يوجد تشابه كبير بين ميكانيكية عمل الإمبراطورية العالمية الجديدة ويحدث في مجموعة الشركات (Corporations)، أي أن طبيعة عمل النظام العالمي الجديد ستتميز باندماج المؤسسات المالية والصناعية والتجارية لتكون (كانتونات) تجارية عالمية أكثر توسعاً عما هو موجود حالياً، ولعل ما يميز هذا النظام العولمي الجديد هو إعادة تشكيله لمفهوم الدولة الحديثة، فالنتيجة الحتمية لمبدأ الإمبراطورية هي تجاوز الحدود التقليدية للدول ليحل محلها نظام عالمي دولي لا قطبي تتحكم فيه القوة الدولية الأوحد بمصائر الشعوب الإنسانية. بل إنه حسب هاردت ونيقري سيشهد العالم في زمن الإمبراطورية العالمية ما يطلق عليه المؤلفان تدخلاً (كونياً) من قبل الإمبراطورية، كما يحدث تماماً هذه الأيام من تداخل العمليات التجارية والمالية لمجموعة الشركات ما يتجاوز عادة الحدود التقليدية للدول. وسواء تم استخدام مصطلح (الإمبراطورية) أو (النظام العالمي الجديد) أو حتى (الوضع الدولي الجديد) لوصف ما ستؤول إليه أوضاع العالم في المستقبل فستتغير فيه لا محالة موازين القوى السياسية حسب ما يتناسق مع مصالح القوى العالمية الجديدة. ولذلك فمن الأجدر بدول الخليج العربية أن تحاول قدر استطاعتها أن ترسم لها موقعاً فاعلاً وسط هذا الزخم السياسي العالمي المتمثل في الاهتمام المنقطع النظير بمنطقة الخليج العربي ومحاولات بعض القوى العالمية توريط المنطقة في تحالفات جديدة لا تراعي أهداف وتطلعات الدول المعنية (دول المنطقة).
ففي وجه مثل هذه السيناريوهات العالمية المحتملة لا بد للدول التي تتشارك في الثقافة واللغة والدين والإرث التاريخي نفسه (الدول الخليجية) أن تتحين الفرص المواتية لتتحد مكونة كتلة سياسية موحدة أو أي نوع من (الميكانيزم) المناسب لمنطقتنا وخاصة أن الدول الخليجية نجحت في تحقيق الوحدة الاقتصادية بإطلاق السوق الخليجية المشتركة التي نتوقع لها أن تعود بكثير من الفائدة على الاقتصاديات المحلية لدولنا، ولكن من أجل أن تستطيع الاستمرار وسط متغيرات سياسية عولمية غير متوقع ما ستؤول عليه يجب أن نواجه هذا الاحتمال بترسيخ مفهوم الوحدة السياسية الخليجية وتفعيله عن طريق البدء فيه اليوم قبل الغد.
انطلاق السوق الخليجية المشتركة يمكن اعتباره خطوة انتقالية مهمة في تاريخ مجلس التعاون
الوحدة السياسية الخليجية: المعوقات وكيف نتغلب عليها؟
يجدر بنا أن نكون صريحين تماماً في تحليلنا لمستقبل الوحدة الخليجية السياسية إذا رغبنا في أن نخرج باستنتاجات ومقترحات واقعية تسرع من خطى هذه الوحدة، وتلتمس السبل والوسائل المناسبة لها حتى تتحول دولنا إلى قوة سياسية واقتصادية وثقافية لها ثقلها في إقليم الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية المتغيرة دائماً. ونقدنا الوحيد حول مشروع الوحدة السياسية الخليجية هو ما نلاحظه من (بطء شديد) في المضي قدماً لتحويل الأهداف التوحيدية إلى واقع ملموس. ولهذا البطء والتأخير في تفعيل هذه الوحدة السياسية بين دول الخليج العربية أسباب مختلفة لعل أهمها موروثات بيروقراطية في الأجهزة الحكومية الخليجية أبطأت في السابق من إطلاق السوق الخليجية المشتركة في وقت مبكر وربما هي التي تعطل حالياً ولو بشكل مؤقت ما نتمناه من إطلاق (العملة الخليجية الموحدة) الذي أجّل البت فيه إلى القمة التاسعة والعشرين المجلس التعاون الخليجي في سلطنة عمان عام 2008.
فليس من السهل تصور أن مشروعاً بهذا الحجم الكبير، على الأقل مقارنة بالسيناريو الخاص بالوحدة الاقتصادية الخليجية ستكون وتيرته أسرع من غيره. فالبطء الشديد الذي نلاحظه هنا يتعلق بشكل أساسي في عدم تبلور السياق السياسي الخليجي المناسب إلى حد الآن وعدم توفر مشروع أيديولوجي متناسق يوفر خلفية مناسبة لتحقيق الوحدة الخليجية. ولكن مع هذا تتوفر حالياً استعدادات ثقافية واجتماعية وأيديولوجية خليجية شعبية، وسواء تمثلت هذه الاستعدادات في الاتفاق على الهدف الخليجي الأسمى (الوحدة) كما جاء في الميثاق الأساسي لمجلس التعاون الخليجي أو توفرت في سياق التعاضد الشعبي والاجتماعي بين المواطنين الخليجيين الذي يشكل زخماً شعبياً يحافظ على الأمل في تحقيق الوحدة الخليجية السياسية في المستقبل القريب، فرهاننا الحضاري القادم كخليجيين سيتمثل في قدرتنا على تحويل الأمنيات إلى وقائع ملموسة.
ونتمنى أن تتحقق (الوحدة السياسية الخليجية) في أقرب وقت ممكن، فلقد مضى على تأسيس مجلس التعاون الخليجي ما يقارب الثلاثين عاماً من دون أن نحقق هدفنا الأسمى، ومع أننا كخليجيين حققنا الكثير على المستويين الرسمي والشعبي، ولكن لا يزال في جعبتنا الكثير لنقدمه إلى دولنا ومجتمعاتنا سواء تحققت الوحدة المنشودة عن طريق إنشاء (ميكانيزم) خليجي جديد أكثر فاعلية مما هو موجود حالياً أو تحققت عن طريق إعلان قيام دولة أو مملكة أو اتحاد فيدرالي خليجي فيجب أن نسرع الخطى، فنحن الآن لسنا كما كنا من قبل، نعيش في عالم جديد يتطلب تأقلماً فعالاً ونشطاً وسريعاً مع مجريات الأحداث العالمية التي ربما ستغير خريطة العالم الجيو-سياسية حتى تصل إلى وضع مختلف تماماً عما هو موجود حالياً من تحالفات تقليدية وتنظيمات نمطية لا يمكن أن تستمر فعالة وذات فائدة بالنسبة لبعض القوى الإقليمية التي تحاول استعاده نفوذها القديم أو تلك القوى العالمية التي تحاول إعادة تنظيم إقليم الشرق الأوسط ليتوافق مع مصالحها. وكخليجيين نستطيع أن نواجه كل هذه السيناريوهات المستقبلية والمحتملة بإنجاز ما وعدنا أنفسنا وشعوبنا به أن يتحقق بأن نتوحد سياسياً، فلقد نجحنا خلال الثلاثين سنة الماضية في تحقيق الكثير مما لم نستطع إنجازه منذ نهاية القرن السادس عشر، ولنجعل عام 2008 بداية حقيقية لتنفيذ تطلعاتنا وأهدافنا الاستراتيجية، وكما ذكر الحكماء إذا توفرت الإرادة فلا يوجد مستحيل).
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2154::/cck::
::introtext::
بعد أن أعلن المجلس الأعلى لدول الخليجالعربية الذي انعقد في الدوحة انطلاق (السوق الخليجية المشتركة) اعتباراً من الأول من يناير2008 أصبح واضحاً أن دول مجلس التعاون الخليجي مصممة أكثر من أي وقت مضى على السعي نحو مزيد من الإنجازات المشتركة وصولاً إلى وحدتها السياسية الكاملة.
::/introtext::
::fulltext::
سابقاً (بعد أن أعلن المجلس الأعلى لدول الخليجالعربية الذي انعقد في الدوحة انطلاق (السوق الخليجية المشتركة) اعتباراً من الأول من يناير2008 أصبح واضحاً أن دول مجلس التعاون الخليجي مصممة أكثر من أي وقت مضى على السعي نحو مزيد من الإنجازات المشتركة وصولاً إلى وحدتها السياسية الكاملة.
إن انطلاق السوق الخليجية المشتركة يمكن اعتباره خطوة انتقالية مهمة في تاريخ مجلس التعاون، إذ إنه من الآن حتى يناير 2008 ستسعى دول الخليج إلى تفعيل هذه السوق عن طريقإقرار معاملة متساوية للمواطنين الخليجيين سيستطيعون من خلالها مزاولة كافة الأنشطة التجارية والاستثمارية، ويتمكنون من الحصول على الوظائف، ويمارسون مختلف المهن من دون تفرقة. بل إن ما سيميز السوق الخليجية المشتركة عما سبقها من اتفاقيات اقتصادية خليجية هو أن مواطني المجلس سيصبح بمقدورهم المشاركة في نظام موحد للتأمين الاجتماعي والتقاعدي وتملك العقار في أية دولة خليجية من دون الحاجة للمرور بنفس التعقيدات البيروقراطية التي عادة ما تميز عملية انتقال الملكية للمواطن الخليجي. وبالطبع فإن ما ستجلبه السوق الخليجية المشتركة من تطبيق متساو لنفس القوانين الضريبية والجمركية وتمتع المواطن الخليجي بنفس الخدمات التعليمية والصحية.. إلخ التي يستفيد منها مواطنو الدولة الخليجية سيجلب مزيداً من التلاحم بين المجتمعات الخليجية ويعزز مفهوم المواطنة الخليجية بشكل لم يسبق له مثيل.
وإذا كانت هناك (آفاق جديدة) نتمنى أن تحققها دولنا الخليجية، فأهمها هي الوحدة السياسية الخليجية سواء تم إنجاز هذا التطلع الخليجي عن طريق إنشاء (اتحاد فيدرالي خليجي) شبيه بما هو موجود حالياً في دولة الإمارات العربية المتحدة أو تأسيس (سلطنة أو مملكة خليجية متحدة) أو مهما كانت عليه التسمية للكيان الخليجي القادم، فالوحدة السياسية بالنسبة لدولنا ومجتمعاتنا الخليجية أصبحت الآن، أكثر من أي وقت مضى، أمراً ضرورياً وخاصة عندما يتم النظر لما يحصل من أحداث متواترة في أقاليم الشرق الأوسط، فمنطقتنا تشهد حالياً مخاضاً سياسياً واقتصادياً دولياً سينتج عنه لاحقاً بروز بيئة عولمية جديدة ومختلفة تماماً عما سبق ستجعل من الصعب على الدول منفردة التعامل بسهولة مع الوضع العالمي الجديد.
إن الاهتمام بدول الخليج وبموقعها الجغرافي الاستراتيجي وما تمثله ثرواتها النفطية من مصادر طاقة وثروات طبيعية أخرى دفع القوى العالمية في السابق إلى التنافس لفرض سيطرتها على المقدرات الوطنية لهذه الدول، وبدأ هذا التنافس الدولي بين البرتغاليين والهولنديين والإنكليز والفرنسيين في القرون الماضية، وفي القرن العشرين بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، ولعل مبادرة الرئيس السوفييتي السابق ليونيد بريجينيف عام 1980 أمام البرلمان الهندي والداعية إلى فصل منطقة الخليج العربي عن الصراعات الدولية خير دليل على أهمية هذه المنطقة الجغرافية والحيوية بالنسبة للقوى الدولية السابقة والحالية. ولكن الوضع العالمي الآن مختلف تماماً عما سبق، إذ إنه سيشهد تغيرات لا يمكن التنبؤ بها ستحكمها المصالح العليا للقوى العالمية.
فيربط هاردتونيقريفي كتابهما الشهير (الإمبراطورية)والمنشور في عام 2000 بين ما يفسرانه توسعاً مستقبلياًللنظام العالمي وتحوله إلى ما يشبه (الإمبراطورية العالمية) التي ستتعدى صلاحيتها ونفوذها الحدود التقليدية للدول سواء كانت جغرافية أو لغوية أو ثقافية، فالنظام العالمي الجديد حسب هاردت ونيقري سيكون نتيجة طبيعية لتحولات تاريخية لعل أبرز علاماتها انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، ولعلنا نضيف أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 كمرحلة أخرى لتكون إمبراطورية عالمية لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل. فحسب مؤلفي (الإمبراطورية) يوجد تشابه كبير بين ميكانيكية عمل الإمبراطورية العالمية الجديدة ويحدث في مجموعة الشركات (Corporations)، أي أن طبيعة عمل النظام العالمي الجديد ستتميز باندماج المؤسسات المالية والصناعية والتجارية لتكون (كانتونات) تجارية عالمية أكثر توسعاً عما هو موجود حالياً، ولعل ما يميز هذا النظام العولمي الجديد هو إعادة تشكيله لمفهوم الدولة الحديثة، فالنتيجة الحتمية لمبدأ الإمبراطورية هي تجاوز الحدود التقليدية للدول ليحل محلها نظام عالمي دولي لا قطبي تتحكم فيه القوة الدولية الأوحد بمصائر الشعوب الإنسانية. بل إنه حسب هاردت ونيقري سيشهد العالم في زمن الإمبراطورية العالمية ما يطلق عليه المؤلفان تدخلاً (كونياً) من قبل الإمبراطورية، كما يحدث تماماً هذه الأيام من تداخل العمليات التجارية والمالية لمجموعة الشركات ما يتجاوز عادة الحدود التقليدية للدول. وسواء تم استخدام مصطلح (الإمبراطورية) أو (النظام العالمي الجديد) أو حتى (الوضع الدولي الجديد) لوصف ما ستؤول إليه أوضاع العالم في المستقبل فستتغير فيه لا محالة موازين القوى السياسية حسب ما يتناسق مع مصالح القوى العالمية الجديدة. ولذلك فمن الأجدر بدول الخليج العربية أن تحاول قدر استطاعتها أن ترسم لها موقعاً فاعلاً وسط هذا الزخم السياسي العالمي المتمثل في الاهتمام المنقطع النظير بمنطقة الخليج العربي ومحاولات بعض القوى العالمية توريط المنطقة في تحالفات جديدة لا تراعي أهداف وتطلعات الدول المعنية (دول المنطقة).
ففي وجه مثل هذه السيناريوهات العالمية المحتملة لا بد للدول التي تتشارك في الثقافة واللغة والدين والإرث التاريخي نفسه (الدول الخليجية) أن تتحين الفرص المواتية لتتحد مكونة كتلة سياسية موحدة أو أي نوع من (الميكانيزم) المناسب لمنطقتنا وخاصة أن الدول الخليجية نجحت في تحقيق الوحدة الاقتصادية بإطلاق السوق الخليجية المشتركة التي نتوقع لها أن تعود بكثير من الفائدة على الاقتصاديات المحلية لدولنا، ولكن من أجل أن تستطيع الاستمرار وسط متغيرات سياسية عولمية غير متوقع ما ستؤول عليه يجب أن نواجه هذا الاحتمال بترسيخ مفهوم الوحدة السياسية الخليجية وتفعيله عن طريق البدء فيه اليوم قبل الغد.
انطلاق السوق الخليجية المشتركة يمكن اعتباره خطوة انتقالية مهمة في تاريخ مجلس التعاون
الوحدة السياسية الخليجية: المعوقات وكيف نتغلب عليها؟
يجدر بنا أن نكون صريحين تماماً في تحليلنا لمستقبل الوحدة الخليجية السياسية إذا رغبنا في أن نخرج باستنتاجات ومقترحات واقعية تسرع من خطى هذه الوحدة، وتلتمس السبل والوسائل المناسبة لها حتى تتحول دولنا إلى قوة سياسية واقتصادية وثقافية لها ثقلها في إقليم الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية المتغيرة دائماً. ونقدنا الوحيد حول مشروع الوحدة السياسية الخليجية هو ما نلاحظه من (بطء شديد) في المضي قدماً لتحويل الأهداف التوحيدية إلى واقع ملموس. ولهذا البطء والتأخير في تفعيل هذه الوحدة السياسية بين دول الخليج العربية أسباب مختلفة لعل أهمها موروثات بيروقراطية في الأجهزة الحكومية الخليجية أبطأت في السابق من إطلاق السوق الخليجية المشتركة في وقت مبكر وربما هي التي تعطل حالياً ولو بشكل مؤقت ما نتمناه من إطلاق (العملة الخليجية الموحدة) الذي أجّل البت فيه إلى القمة التاسعة والعشرين المجلس التعاون الخليجي في سلطنة عمان عام 2008.
فليس من السهل تصور أن مشروعاً بهذا الحجم الكبير، على الأقل مقارنة بالسيناريو الخاص بالوحدة الاقتصادية الخليجية ستكون وتيرته أسرع من غيره. فالبطء الشديد الذي نلاحظه هنا يتعلق بشكل أساسي في عدم تبلور السياق السياسي الخليجي المناسب إلى حد الآن وعدم توفر مشروع أيديولوجي متناسق يوفر خلفية مناسبة لتحقيق الوحدة الخليجية. ولكن مع هذا تتوفر حالياً استعدادات ثقافية واجتماعية وأيديولوجية خليجية شعبية، وسواء تمثلت هذه الاستعدادات في الاتفاق على الهدف الخليجي الأسمى (الوحدة) كما جاء في الميثاق الأساسي لمجلس التعاون الخليجي أو توفرت في سياق التعاضد الشعبي والاجتماعي بين المواطنين الخليجيين الذي يشكل زخماً شعبياً يحافظ على الأمل في تحقيق الوحدة الخليجية السياسية في المستقبل القريب، فرهاننا الحضاري القادم كخليجيين سيتمثل في قدرتنا على تحويل الأمنيات إلى وقائع ملموسة.
ونتمنى أن تتحقق (الوحدة السياسية الخليجية) في أقرب وقت ممكن، فلقد مضى على تأسيس مجلس التعاون الخليجي ما يقارب الثلاثين عاماً من دون أن نحقق هدفنا الأسمى، ومع أننا كخليجيين حققنا الكثير على المستويين الرسمي والشعبي، ولكن لا يزال في جعبتنا الكثير لنقدمه إلى دولنا ومجتمعاتنا سواء تحققت الوحدة المنشودة عن طريق إنشاء (ميكانيزم) خليجي جديد أكثر فاعلية مما هو موجود حالياً أو تحققت عن طريق إعلان قيام دولة أو مملكة أو اتحاد فيدرالي خليجي فيجب أن نسرع الخطى، فنحن الآن لسنا كما كنا من قبل، نعيش في عالم جديد يتطلب تأقلماً فعالاً ونشطاً وسريعاً مع مجريات الأحداث العالمية التي ربما ستغير خريطة العالم الجيو-سياسية حتى تصل إلى وضع مختلف تماماً عما هو موجود حالياً من تحالفات تقليدية وتنظيمات نمطية لا يمكن أن تستمر فعالة وذات فائدة بالنسبة لبعض القوى الإقليمية التي تحاول استعاده نفوذها القديم أو تلك القوى العالمية التي تحاول إعادة تنظيم إقليم الشرق الأوسط ليتوافق مع مصالحها. وكخليجيين نستطيع أن نواجه كل هذه السيناريوهات المستقبلية والمحتملة بإنجاز ما وعدنا أنفسنا وشعوبنا به أن يتحقق بأن نتوحد سياسياً، فلقد نجحنا خلال الثلاثين سنة الماضية في تحقيق الكثير مما لم نستطع إنجازه منذ نهاية القرن السادس عشر، ولنجعل عام 2008 بداية حقيقية لتنفيذ تطلعاتنا وأهدافنا الاستراتيجية، وكما ذكر الحكماء إذا توفرت الإرادة فلا يوجد مستحيل).
::/fulltext::
::cck::2154::/cck::
