الأزمة النووية الإيرانية: باتجاه “الصفقة الكبرى” مع الولايات المتحدة!

::cck::3387::/cck::
::introtext::

يبدو أن ملف الأزمة النووية الإيرانية دخل مرحلة جديدة، واتخذ مساراً مغايراً في الواقع عما كان عليه منذ عدة أشهر. فتفاصيل المعلومات المتوافرة حتى الآن عن السياسة الأمريكية المتبعة تجاه إيران والملف النووي تشير إلى حصول تحول في أدوات وأساليب التعامل مع إيران، لكن المشكلة الحاصلة تكمن في عدم وضوح هذه السياسة الجديدة وعما إذا كانت مجرد تكتيك مؤقت أم استراتيجية طويلة المدى.

::/introtext::
::fulltext::

يبدو أن ملف الأزمة النووية الإيرانية دخل مرحلة جديدة، واتخذ مساراً مغايراً في الواقع عما كان عليه منذ عدة أشهر. فتفاصيل المعلومات المتوافرة حتى الآن عن السياسة الأمريكية المتبعة تجاه إيران والملف النووي تشير إلى حصول تحول في أدوات وأساليب التعامل مع إيران، لكن المشكلة الحاصلة تكمن في عدم وضوح هذه السياسة الجديدة وعما إذا كانت مجرد تكتيك مؤقت أم استراتيجية طويلة المدى.
اتسم أسلوب التعامل الأمريكي مع إيران حتى الفترة الممتدة إلى آب 2007 تقريباً، خاصة في الملف النووي، بالحدة والتهديد والتصعيد السياسي والدبلوماسي وحتى العسكري، وقد ترافق ذلك مع حشود عسكرية أمريكية ضخمة جداً لم يشهدها الخليج العربي من قبل، إضافة إلى تشديد العقوبات الدولية على إيران ومحاولة اتباع سياسة العزل الإقليمي والدولي لها. ثم ما لبثت أن تغيرت هذه السياسة بحدود الفترة المذكورة من خلال اعتماد سياسة تقرّب ومهادنة تجاه طهران تجلت مؤشراتها في العديد من العناصر منها على سبيل المثال:
1- المباحثات الأمريكية –الإيرانية حول العراق: وتعد الاجتماعات المباشرة العلنية الأولى بين البلدين منذ عام 1980، عقدت الجولة الأولى منها في شهر مايو من عام 2007 ثم تبعتها الجولتان (الثانية والثالثة) في يوليو وأغسطس وتم تأجيل الرابعة التي كان من المفترض أن تتم في ديسمبر من عام 2007.
2- إعلان وزيرة الخارجية الأمركية أنها مستعدة للقاء الإيرانيين في أي مكان أو زمان وذلك مقابل تعليق وليس إيقاف- عمليات تخصيب اليورانيوم فقط، وهو ما بدا وكأنه استجداء أمريكي للجلوس مع الإيرانيين، وقد تكرر مرات عديدة على هذا الشكل خلال الأشهر الماضية، بل وصل الأمر بوزيرة الخارجية أن تقول مؤخراً (الولايات المتحدة ليس لديها أعداء دائمون، والباب مفتوح أمام زيارة بلدان صنفها الرئيس جورج بوش ضمن محور الشر).
3- عدم الاعتراض الأمريكي على الانخراط الإيراني الإقليمي في علاقات حساسة ذات مفاعيل نوعية ومن شأنها إحداث تحول في موقع إيران الإقليمي من الناحيتين السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية. إذ لم تعترض أمريكا بشكل واضح على اشتراك إيران للمرة الأولى بتاريخها في قمة دول مجلس التعاون الخليجي الأخيرة التي انعقدت في الدوحة في نوفمبر من عام 2007، وتبعها تقرب إيراني من ليبيا، وتقرب إيراني من مصر أيضاً في محاولة حثيثة لإعادة العلاقات الدبلوماسية الثنائية المقطوعة بين البلدين منذ عام 1980.
ومن غير المعقول أن تتم هكذا خطوات من دون أن يكون هناك ضوء أخضر أمريكي لذلك أو على الأقل من دون اعتراض أمريكي على مد مثل هذه الجسور، والتي تضرب سياسة عزل إيران إقليمياً في الصميم.
4- عدم حيلولة الولايات المتحدة دون تسليم روسيا دفعتين من الوقود النووي حتى الآن لإيران (الأولى في 17 والثانية في 28 ديسمبر 2007)، وهذا يعني أن إمكانية شن هجوم أمريكي على المفاعل المذكور ستكون شبه مستحيلة خلال الأشهر المقبلة لما سيتركه هكذا هجوم من خطر الانتشار الإشعاعي على الخليج العربي بعد أن يكون المفاعل قد وضع قيد العمل.
5- تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي عن البرنامج النووي الإيراني والذي يمثل وجهة نظر 16 وكالة استخباراتية، نشر بتاريخ 3-12-2007 بعنوان (إيران: النوايا النووية والقدرات) والذي شدد على أن إيران أوقفت برنامجها العسكري السري للتسلح النووي عام 2003، وهو ما يعني أنه لم يعد يوجد ما يستدعي التخوف من إيران نووية على الأقل في المدى المنظور.
ويعد هذا التقرير إحدى أبرز محطات التحول في الموقف الأمريكي من إيران وملفها النووي. كيف لا، والأزمة النووية شكلت لب الصراع والحجة الأساسية لدى الطرفين في تصعيد العلاقة بينهما والتي وصلت إلى حد تسريب ونشر مراكز القرار والدراسات العشرات من سيناريوهات الخطط العسكرية الهجومية بعضها يتضمن ضرب إيران وبعضها الآخر الإطاحة بنظام الحكم فيها مقابل مثيلاتها من خطط الرد المضاد والمواجهة والتهديد بإحراق الخليج والمراكز الأمريكية المنتشرة فيه.
وعلى الرغم من التفسيرات المتعددة التي أعطيت للتقرير إلا أن الراجح منها أن يكون هذا التقرير بمثابة إعلان حسن نوايا أمريكي للانتهاء من الأزمة النووية الإيرانية (خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن النسخة ما قبل الأخيرة من التقرير نفسه كانت قد أشارت إلى أن إيران تطور أسلحة نووية عبر برنامج عسكري سري) مقابل استئناف العلاقة مع إيران على أسس واضحة مستقبلاً. وبما أنه من الطبيعي ألا تستطيع الولايات المتحدة التعبير عن ذلك بصورة علنية ومباشرة، فإن هذا التقرير يعد الطريقة غير المباشرة الأنسب للولوج إلى الموضوع من دون إحراج الهيبة الأمريكية والموقع الأمريكي العالمي والقوة الأمريكية.
ويبدو أن إيران تحاول استغلال هذا الانفتاح الأمريكي تزامناً مع محاولاتها لإعادة إحياء ما يسمى (الصفقة الكبرى) بعد المحاولات العديدة الفاشلة التي قامت بها منذ عام 2003 وحتى عام 2007.
ففي عام 2003، قامت إيران بإرسال وثيقة سرية إلى واشنطن في وقت كان يجتمع فيه كل من مبعوث إيران لدى الأمم المتحدة جواد ظريف مع خليل زاد في جنيف بتاريخ 2 مايو 2003، وصلت نسخة من الاقتراح-الوثيقة إلى وزارة الخارجية الأمريكية عبر الفاكس، ونسخة أخرى تم تسليمها لوسيط أمريكي شخصياً.
لقد عرض الاقتراح الإيراني السري مجموعة مثيرة من التنازلات السياسية التي ستقوم بها إيران في حال تمت الموافقة على (الصفقة الكبرى) وهو يتناول عدداً من المواضيع منها: برنامجها النووي، سياستها تجاه إسرائيل، ومحاربة القاعدة. كما عرضت الوثيقة إنشاء ثلاث مجموعات عمل مشتركة أمريكية – إيرانية بالتوازي للتفاوض على (خريطة طريق) بخصوص ثلاثة مواضيع: أسلحة الدمار الشامل، الإرهاب والأمن الإقليمي، التعاون الاقتصادي.
و تضمن العرض السري الإيراني ما يلي:
1- عرض إيران استخدام نفوذها في العراق لـ (تحقيق الأمن والاستقرار، إنشاء مؤسسات ديمقراطية، وحكومة غير دينية).
2- عرض إيران شفافية كاملة لتوفير الاطمئنان والتأكيد على أنها لا تطور أسلحة دمار شامل، والالتزام بما تطلبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كامل ومن دون قيود.
3- عرض إيران إيقاف دعمها للمجموعات الفلسطينية المعارضة والضغط عليها لإيقاف عملياتها العنيفة ضد المدنيين الإسرائيليين داخل حدود إسرائيل عام 1967 .
4- التزام إيران بتحويل حزب الله اللبناني إلى حزب سياسي منخرط بشكل كامل في الإطار اللبناني.
5- قبول إيران بإعلان المبادرة العربية التي طرحت في قمة بيروت عام 2002 أو ما يسمى (طرح الدولتين) والتي تنص على إقامة دولتين والقبول بعلاقات طبيعية وسلام مع إسرائيل مقابل انسحاب إسرائيل إلى ما بعد حدود 1967.
واشترطت إيران مقابل تقديمها هذه التنازلات عدداً من الشروط التي وردت في هذه الوثيقة السرية المقدمة عام 2003 إلى الإدارة الأمريكية منها:
1- إنهاء السلوك العدائي للولايات المتحدة تجاه إيران بما فيه إلغاء تصنيفها ضمن (محور الشر) وتسميتها دولة داعمة للإرهاب.
2- رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية كلياً عن إيران، والإفراج عن الأموال المجمدة لها في الولايات المتحدة وإسقاط كافة الأحكام القضائية الصادرة بحقها والمساعدة على تسهيل انخراطها في المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية.
3- اتخاذ موقف حازم ونهائي ضد من سمتهم (إرهابيي) حركة مجاهدي خلق المعاديين لإيران خاصة الموجودين على الأراضي الأمريكية، واحترام مصالح إيران القومية والشرعية في العراق وعلاقاتها الدينية في النجف وكربلاء.
4- السماح لإيران بالوصول إلى الطاقة النووية السلمية ومصادر التكنولوجيا البيولوجية والكيماوية.
5- والأهم من كل هذه المطالب، مطلب إيران بالحصول على إقرار واعتراف أمريكي بـ (شرعية مصالحها الأمنية في المنطقة كقوة إقليمية شرعية)، أي منحها الوصاية أو اليد العليا في الخليج والاشتراك في الترتيبات الأمنية المستقبلية للمنطقة، بالإضافة إلى الحصول على ضمانات بعدم التعرض لعمل عسكري.
وإذا ما أمعنا النظر جيداً في بنود العرض، فسنرى أن هناك بعض المؤشرات إلى انفتاح إيجابي بين الطرفين حولها حالياً، فبعضها تم تنفيذه بشكل غير مباشر وبعضها الآخر بشكل جزئي.
ولا شك في أن الأزمة النووية الإيرانية مع أمريكا تشكل غطاء ممتازاً لتمرير كل هذه الأفكار والاقتراحات والعروض، فالملف النووي يعتبر رأس الحربة الإيرانية في إعادة إحياء هذا المشروع من جديد، ويشكل إحدى أوراق التفاوض الأساسية إلى جانب أوراق طهران الإقليمية وأذرعها داخل الدول العربية والتي تسعى من خلالها إلى إحراج الولايات المتحدة ودفعها باتجاه تحقيق هذه (الصفقة الكبرى).
وكما كنا قد ذكرنا في دراسة سابقة بعنوان (الأزمة الأمريكية – الإيرانية عام 2007: الاتجاهات والخيارات) من أن حسابات الملالي في طهران تقوم على استغلال ورقة (تخصيب اليورانيوم) إلى أقصى حد ممكن، بحيث لا يكون هناك تفاوض موسع مع أمريكا أو المجتمع الدولي إلا بعد الانتهاء من التخصيب أو بعد إنجاز مراحل متقدمة منه على الأقل وذلك ليكون التفاوض من موقع القوة ولتكون المكاسب أكبر وأكثر جدوى.
وأثبت المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي صحة وجهة النظر هذه عندما صرح بتاريخ 4-1-2008 قائلاً: (لم نقل أبداً إن تلك العلاقة (أي العلاقة مع أمريكا) يجب أن تقطع للأبد.. لكن لا مصلحة لإيران في إعادة علاقاتها مع الولايات المتحدة في الظروف الحالية. إن الشروط التي وضعتها الحكومة الأمريكية تجعل إعادة العلاقات الآن مضرة لنا).
وبناء على ما تقدم، يمكننا القول إن الاتصالات السرية وغير المباشرة تتقدم شيئاً فشيئاً بين الطرفين، وأن شبح الحرب بات يبتعد أكثر فأكثر، من دون أن يعني ذلك أن الحرب مستبعدة كلياً. لكن المسألة باتت في غاية الصعوبة، فكلما مر الوقت بات الأمر أصعب، خاصة أننا بتنا نشاهد خطوات في الاتجاه نحو التقرب من إيران أو على الأقل التحضير لمحاولة التعايش مع (إيران نووية) على ما يبدو.
وفي ظل الحقيقة القائلة بعدم وجود سياسة أمريكية واضحة المعالم وثابتة تجاه إيران وحول أسلوب التعامل معها ومع الملف النووي، يبقى السؤال الأهم في هذا السياق وهو: هل هناك توجه جديد للولايات المتحدة لعقد (صفقة كبرى) مع طهران؟ أم أن هذه المؤشرات لا تعدو كونها تكتيكاً لا تلبث واشنطن أن تغيره في الوقت الذي تراه مناسباً لشن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية كحل أخير لإيقاف البرنامج النووي الإيراني؟

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3387::/cck::
::introtext::

يبدو أن ملف الأزمة النووية الإيرانية دخل مرحلة جديدة، واتخذ مساراً مغايراً في الواقع عما كان عليه منذ عدة أشهر. فتفاصيل المعلومات المتوافرة حتى الآن عن السياسة الأمريكية المتبعة تجاه إيران والملف النووي تشير إلى حصول تحول في أدوات وأساليب التعامل مع إيران، لكن المشكلة الحاصلة تكمن في عدم وضوح هذه السياسة الجديدة وعما إذا كانت مجرد تكتيك مؤقت أم استراتيجية طويلة المدى.

::/introtext::
::fulltext::

يبدو أن ملف الأزمة النووية الإيرانية دخل مرحلة جديدة، واتخذ مساراً مغايراً في الواقع عما كان عليه منذ عدة أشهر. فتفاصيل المعلومات المتوافرة حتى الآن عن السياسة الأمريكية المتبعة تجاه إيران والملف النووي تشير إلى حصول تحول في أدوات وأساليب التعامل مع إيران، لكن المشكلة الحاصلة تكمن في عدم وضوح هذه السياسة الجديدة وعما إذا كانت مجرد تكتيك مؤقت أم استراتيجية طويلة المدى.
اتسم أسلوب التعامل الأمريكي مع إيران حتى الفترة الممتدة إلى آب 2007 تقريباً، خاصة في الملف النووي، بالحدة والتهديد والتصعيد السياسي والدبلوماسي وحتى العسكري، وقد ترافق ذلك مع حشود عسكرية أمريكية ضخمة جداً لم يشهدها الخليج العربي من قبل، إضافة إلى تشديد العقوبات الدولية على إيران ومحاولة اتباع سياسة العزل الإقليمي والدولي لها. ثم ما لبثت أن تغيرت هذه السياسة بحدود الفترة المذكورة من خلال اعتماد سياسة تقرّب ومهادنة تجاه طهران تجلت مؤشراتها في العديد من العناصر منها على سبيل المثال:
1- المباحثات الأمريكية –الإيرانية حول العراق: وتعد الاجتماعات المباشرة العلنية الأولى بين البلدين منذ عام 1980، عقدت الجولة الأولى منها في شهر مايو من عام 2007 ثم تبعتها الجولتان (الثانية والثالثة) في يوليو وأغسطس وتم تأجيل الرابعة التي كان من المفترض أن تتم في ديسمبر من عام 2007.
2- إعلان وزيرة الخارجية الأمركية أنها مستعدة للقاء الإيرانيين في أي مكان أو زمان وذلك مقابل تعليق وليس إيقاف- عمليات تخصيب اليورانيوم فقط، وهو ما بدا وكأنه استجداء أمريكي للجلوس مع الإيرانيين، وقد تكرر مرات عديدة على هذا الشكل خلال الأشهر الماضية، بل وصل الأمر بوزيرة الخارجية أن تقول مؤخراً (الولايات المتحدة ليس لديها أعداء دائمون، والباب مفتوح أمام زيارة بلدان صنفها الرئيس جورج بوش ضمن محور الشر).
3- عدم الاعتراض الأمريكي على الانخراط الإيراني الإقليمي في علاقات حساسة ذات مفاعيل نوعية ومن شأنها إحداث تحول في موقع إيران الإقليمي من الناحيتين السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية. إذ لم تعترض أمريكا بشكل واضح على اشتراك إيران للمرة الأولى بتاريخها في قمة دول مجلس التعاون الخليجي الأخيرة التي انعقدت في الدوحة في نوفمبر من عام 2007، وتبعها تقرب إيراني من ليبيا، وتقرب إيراني من مصر أيضاً في محاولة حثيثة لإعادة العلاقات الدبلوماسية الثنائية المقطوعة بين البلدين منذ عام 1980.
ومن غير المعقول أن تتم هكذا خطوات من دون أن يكون هناك ضوء أخضر أمريكي لذلك أو على الأقل من دون اعتراض أمريكي على مد مثل هذه الجسور، والتي تضرب سياسة عزل إيران إقليمياً في الصميم.
4- عدم حيلولة الولايات المتحدة دون تسليم روسيا دفعتين من الوقود النووي حتى الآن لإيران (الأولى في 17 والثانية في 28 ديسمبر 2007)، وهذا يعني أن إمكانية شن هجوم أمريكي على المفاعل المذكور ستكون شبه مستحيلة خلال الأشهر المقبلة لما سيتركه هكذا هجوم من خطر الانتشار الإشعاعي على الخليج العربي بعد أن يكون المفاعل قد وضع قيد العمل.
5- تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي عن البرنامج النووي الإيراني والذي يمثل وجهة نظر 16 وكالة استخباراتية، نشر بتاريخ 3-12-2007 بعنوان (إيران: النوايا النووية والقدرات) والذي شدد على أن إيران أوقفت برنامجها العسكري السري للتسلح النووي عام 2003، وهو ما يعني أنه لم يعد يوجد ما يستدعي التخوف من إيران نووية على الأقل في المدى المنظور.
ويعد هذا التقرير إحدى أبرز محطات التحول في الموقف الأمريكي من إيران وملفها النووي. كيف لا، والأزمة النووية شكلت لب الصراع والحجة الأساسية لدى الطرفين في تصعيد العلاقة بينهما والتي وصلت إلى حد تسريب ونشر مراكز القرار والدراسات العشرات من سيناريوهات الخطط العسكرية الهجومية بعضها يتضمن ضرب إيران وبعضها الآخر الإطاحة بنظام الحكم فيها مقابل مثيلاتها من خطط الرد المضاد والمواجهة والتهديد بإحراق الخليج والمراكز الأمريكية المنتشرة فيه.
وعلى الرغم من التفسيرات المتعددة التي أعطيت للتقرير إلا أن الراجح منها أن يكون هذا التقرير بمثابة إعلان حسن نوايا أمريكي للانتهاء من الأزمة النووية الإيرانية (خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن النسخة ما قبل الأخيرة من التقرير نفسه كانت قد أشارت إلى أن إيران تطور أسلحة نووية عبر برنامج عسكري سري) مقابل استئناف العلاقة مع إيران على أسس واضحة مستقبلاً. وبما أنه من الطبيعي ألا تستطيع الولايات المتحدة التعبير عن ذلك بصورة علنية ومباشرة، فإن هذا التقرير يعد الطريقة غير المباشرة الأنسب للولوج إلى الموضوع من دون إحراج الهيبة الأمريكية والموقع الأمريكي العالمي والقوة الأمريكية.
ويبدو أن إيران تحاول استغلال هذا الانفتاح الأمريكي تزامناً مع محاولاتها لإعادة إحياء ما يسمى (الصفقة الكبرى) بعد المحاولات العديدة الفاشلة التي قامت بها منذ عام 2003 وحتى عام 2007.
ففي عام 2003، قامت إيران بإرسال وثيقة سرية إلى واشنطن في وقت كان يجتمع فيه كل من مبعوث إيران لدى الأمم المتحدة جواد ظريف مع خليل زاد في جنيف بتاريخ 2 مايو 2003، وصلت نسخة من الاقتراح-الوثيقة إلى وزارة الخارجية الأمريكية عبر الفاكس، ونسخة أخرى تم تسليمها لوسيط أمريكي شخصياً.
لقد عرض الاقتراح الإيراني السري مجموعة مثيرة من التنازلات السياسية التي ستقوم بها إيران في حال تمت الموافقة على (الصفقة الكبرى) وهو يتناول عدداً من المواضيع منها: برنامجها النووي، سياستها تجاه إسرائيل، ومحاربة القاعدة. كما عرضت الوثيقة إنشاء ثلاث مجموعات عمل مشتركة أمريكية – إيرانية بالتوازي للتفاوض على (خريطة طريق) بخصوص ثلاثة مواضيع: أسلحة الدمار الشامل، الإرهاب والأمن الإقليمي، التعاون الاقتصادي.
و تضمن العرض السري الإيراني ما يلي:
1- عرض إيران استخدام نفوذها في العراق لـ (تحقيق الأمن والاستقرار، إنشاء مؤسسات ديمقراطية، وحكومة غير دينية).
2- عرض إيران شفافية كاملة لتوفير الاطمئنان والتأكيد على أنها لا تطور أسلحة دمار شامل، والالتزام بما تطلبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كامل ومن دون قيود.
3- عرض إيران إيقاف دعمها للمجموعات الفلسطينية المعارضة والضغط عليها لإيقاف عملياتها العنيفة ضد المدنيين الإسرائيليين داخل حدود إسرائيل عام 1967 .
4- التزام إيران بتحويل حزب الله اللبناني إلى حزب سياسي منخرط بشكل كامل في الإطار اللبناني.
5- قبول إيران بإعلان المبادرة العربية التي طرحت في قمة بيروت عام 2002 أو ما يسمى (طرح الدولتين) والتي تنص على إقامة دولتين والقبول بعلاقات طبيعية وسلام مع إسرائيل مقابل انسحاب إسرائيل إلى ما بعد حدود 1967.
واشترطت إيران مقابل تقديمها هذه التنازلات عدداً من الشروط التي وردت في هذه الوثيقة السرية المقدمة عام 2003 إلى الإدارة الأمريكية منها:
1- إنهاء السلوك العدائي للولايات المتحدة تجاه إيران بما فيه إلغاء تصنيفها ضمن (محور الشر) وتسميتها دولة داعمة للإرهاب.
2- رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية كلياً عن إيران، والإفراج عن الأموال المجمدة لها في الولايات المتحدة وإسقاط كافة الأحكام القضائية الصادرة بحقها والمساعدة على تسهيل انخراطها في المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية.
3- اتخاذ موقف حازم ونهائي ضد من سمتهم (إرهابيي) حركة مجاهدي خلق المعاديين لإيران خاصة الموجودين على الأراضي الأمريكية، واحترام مصالح إيران القومية والشرعية في العراق وعلاقاتها الدينية في النجف وكربلاء.
4- السماح لإيران بالوصول إلى الطاقة النووية السلمية ومصادر التكنولوجيا البيولوجية والكيماوية.
5- والأهم من كل هذه المطالب، مطلب إيران بالحصول على إقرار واعتراف أمريكي بـ (شرعية مصالحها الأمنية في المنطقة كقوة إقليمية شرعية)، أي منحها الوصاية أو اليد العليا في الخليج والاشتراك في الترتيبات الأمنية المستقبلية للمنطقة، بالإضافة إلى الحصول على ضمانات بعدم التعرض لعمل عسكري.
وإذا ما أمعنا النظر جيداً في بنود العرض، فسنرى أن هناك بعض المؤشرات إلى انفتاح إيجابي بين الطرفين حولها حالياً، فبعضها تم تنفيذه بشكل غير مباشر وبعضها الآخر بشكل جزئي.
ولا شك في أن الأزمة النووية الإيرانية مع أمريكا تشكل غطاء ممتازاً لتمرير كل هذه الأفكار والاقتراحات والعروض، فالملف النووي يعتبر رأس الحربة الإيرانية في إعادة إحياء هذا المشروع من جديد، ويشكل إحدى أوراق التفاوض الأساسية إلى جانب أوراق طهران الإقليمية وأذرعها داخل الدول العربية والتي تسعى من خلالها إلى إحراج الولايات المتحدة ودفعها باتجاه تحقيق هذه (الصفقة الكبرى).
وكما كنا قد ذكرنا في دراسة سابقة بعنوان (الأزمة الأمريكية – الإيرانية عام 2007: الاتجاهات والخيارات) من أن حسابات الملالي في طهران تقوم على استغلال ورقة (تخصيب اليورانيوم) إلى أقصى حد ممكن، بحيث لا يكون هناك تفاوض موسع مع أمريكا أو المجتمع الدولي إلا بعد الانتهاء من التخصيب أو بعد إنجاز مراحل متقدمة منه على الأقل وذلك ليكون التفاوض من موقع القوة ولتكون المكاسب أكبر وأكثر جدوى.
وأثبت المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي صحة وجهة النظر هذه عندما صرح بتاريخ 4-1-2008 قائلاً: (لم نقل أبداً إن تلك العلاقة (أي العلاقة مع أمريكا) يجب أن تقطع للأبد.. لكن لا مصلحة لإيران في إعادة علاقاتها مع الولايات المتحدة في الظروف الحالية. إن الشروط التي وضعتها الحكومة الأمريكية تجعل إعادة العلاقات الآن مضرة لنا).
وبناء على ما تقدم، يمكننا القول إن الاتصالات السرية وغير المباشرة تتقدم شيئاً فشيئاً بين الطرفين، وأن شبح الحرب بات يبتعد أكثر فأكثر، من دون أن يعني ذلك أن الحرب مستبعدة كلياً. لكن المسألة باتت في غاية الصعوبة، فكلما مر الوقت بات الأمر أصعب، خاصة أننا بتنا نشاهد خطوات في الاتجاه نحو التقرب من إيران أو على الأقل التحضير لمحاولة التعايش مع (إيران نووية) على ما يبدو.
وفي ظل الحقيقة القائلة بعدم وجود سياسة أمريكية واضحة المعالم وثابتة تجاه إيران وحول أسلوب التعامل معها ومع الملف النووي، يبقى السؤال الأهم في هذا السياق وهو: هل هناك توجه جديد للولايات المتحدة لعقد (صفقة كبرى) مع طهران؟ أم أن هذه المؤشرات لا تعدو كونها تكتيكاً لا تلبث واشنطن أن تغيره في الوقت الذي تراه مناسباً لشن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية كحل أخير لإيقاف البرنامج النووي الإيراني؟

::/fulltext::
::cck::3387::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *