النزاع مع إيران: احتمال قائم رغم التطورات الأخيرة

::cck::3388::/cck::
::introtext::

حفل شهر ديسمبر من عام 2007 بتطورات جديدة متعلقة بالأمن الإقليمي للخليج. ففي وقت متزامن مع انعقاد اجتماع القمة السنوية لمجلس التعاون الخليجي في العاصمة القطرية الدوحة في 3 و4 ديسمبر، صدر التقرير الاستخباراتي القومي في الولايات المتحدة الذي نص بقدر (عال من الثقة) على أن إيران تخلت عن برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003.

::/introtext::
::fulltext::

حفل شهر ديسمبر من عام 2007 بتطورات جديدة متعلقة بالأمن الإقليمي للخليج. ففي وقت متزامن مع انعقاد اجتماع القمة السنوية لمجلس التعاون الخليجي في العاصمة القطرية الدوحة في 3 و4 ديسمبر، صدر التقرير الاستخباراتي القومي في الولايات المتحدة الذي نص بقدر (عال من الثقة) على أن إيران تخلت عن برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003.
جاء وقع التقرير كالصاعقة ما حدا بصحيفة (نيويورك تايمز) إلى القول إنه (من النادر- إذا حصل أصلاً – أن يحدث تقرير استخباراتي واحد تغييراً كاملاً ومفاجئاً في جدال حول السياسة الخارجية). وجاء أيضاً الإيحاء بأن التهديد الصادر عن البرنامج النووي الإيراني المحتمل أقل بكثير مما كان يعتقد في الأصل في الوقت نفسه الذي أصبح فيه محمود أحمدي نجاد أول رئيس إيراني يحضر اجتماع قمة لدول مجلس التعاون الخليجي. وقد أتاح إصدار التقرير الاستخباراتي القومي في الولايات المتحدة وحضور الرئيس أحمدي نجاد في الدوحة فرصاً لتهدئة التوترات الخليجية وخفض حدة الخطاب المتبادل بين طهران وواشنطن، وشكّل بالنسبة إلى إيران، على وجه الخصوص، فرصة لتعزيز الثقة في علاقاتها مع جيرانها العرب الخليجيين، وتهدئة المخاوف بشأن النوايا الإيرانية التي أدت في السنين السابقة إلى بروز احتمال بعيد بوقوع نزاع آخر في منطقة الخليج.
وهناك عدة أشياء يجب أن توضع في نصابها الصحيح في ما يتعلق بالجدل السائد حالياً. فالقراءة المتأنية للتقرير الاستخباراتي القومي لا تقلل بأي حال من الأحوال المقولة بأن إيران تتابع في الواقع برنامجاً للأسلحة النووية. فقد تاهت في التغطية الإخبارية الحاجة إلى التمييز بين إنتاج المواد النووية (أي التخصيب)، وصنع القنبلة بالفعل (وهو البرنامج الذي أشار التقرير الاستخباراتي إلى أنه توقف) وآليات الإطلاق الضرورية (مثل البرنامج الصاروخي الذي تواصل إيران العمل عليه). لذا فإن إيران لا تزال تتابع عنصرين من ثلاثة عناصر مطلوبة في إنتاج السلاح النووي، كما أن التقرير الاستخباراتي يؤكد أن إيران كانت تنفذ برنامجاً نووياً عسكرياً حتى عام 2003، وهو أمر نفته دوماً، ويناقض بجلاء تأكيدات إيران المتواصلة بأن برنامجها معد لأغراض مدنية وسلمية فحسب. ونتيجة لذلك فإن رد الفعل الإيراني على صدور التقرير الاستخباراتي لا يمكن وصفه إلا بأنه انتقاء الأنسب. فرد فعل الرئيس أحمدي نجاد بأن هذا التقرير يمثل (انتصاراً للشعب الإيراني في المسألة النووية) أو بيان وزير العدل الإيراني بوجوب النظر إليه على أنه (اعتراف رسمي) من قبل الولايات المتحدة يحرف ما يقوله التقرير، ويركز على الجملة الأولى التي أعطيت أهمية أكبر من حجمها. فالواقع أن طهران لا تزال في حالة انتهاك واضح لقرارين من قرارات مجلس الأمن الدولي (1737 و1747) التي تطالب إيران بالتوقف عن كل أنشطة التخصيب. وهذه الأنشطة بالضبط هي التي تنقل إيران نحو القدرة على إنتاج أسلحة نووية.
وربما كان حضور الرئيس أحمدي نجاد اجتماع قمة دول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة الفرصة الصحيحة لتناول هذه القضية بشكل شامل، بالإضافة إلى المخاوف الأخرى من السياسة الإيرانية الإقليمية. مع ذلك فإن كلمته أمام الوفود المشاركة في القمة لم تلبِ هذا التوقع قط، فلم ترد فيها كلمة واحدة عن نوايا البرنامج النووي الإيراني، وبالتالي خلت من التطمينات إلى القيادة الخليجية العربية، ولم تأتِ على ذكر السياسة الإيرانية في العراق وربما المساعي الإيرانية للمساعدة على تثبيت الاستقرار هناك، وكذلك لم تتطرق البتة إلى قضية الجزر الإماراتية الثلاث. ومن ثم فإن أبرز ما في كلمة الرئيس الإيراني هو ما لم تقله. ولم تكن الأفكار التي طرحت من خلال إنشاء مجلس اقتصادي مشترك أو مشاريع مشتركة في مجالي الغاز والنفط، أو منطقة تجارة حرة أو (إنشاء ترتيب أمني جماعي مع دول مجلس التعاون الخليجي وتدابير أمنية جماعية)، سوى تكرار لطروحات سابقة. صحيح أن التدابير الأمنية الجماعية جيدة، لكن الرئيس الإيراني لم يدرك أن الثقة مطلوبة في المقام الأول لكي تنجح. كما نظر إلى إشاراته المتكررة في قمة الدول العربية الخليجية إلى الخليج (الفارسي) بمثابة استفزاز غير مبرر وغير واضح.
في مقابل أداء الرئيس الإيراني، أظهرت دول مجلس التعاون درجة من النضوج في مداولاتها، فقد دعا أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بصفته مضيف القمة، الولايات المتحدة وإيران إلى (إعادة النظر) في موقفيهما قبل فوات الأوان. وعلى نحو ذلك، أوضح رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم أن (كل بلدان مجلس التعاون الخليجي لديها الرأي نفسه حيال التهديد الإيراني أو الحوار مع إيران). وتجدر الإشارة إلى أن الدعوة التي وجهتها قطر إلى الرئيس الإيراني لم تمر من دون إثارة خلاف؛ إذ إنها لم تبلغ الوفود الخليجية الأخرى قبل توجيهها، لكن بدلاً من أن تعتبر إحدى الدول المشاركة أن ضيق وقت الإشعار وسيلة متعمدة للتعالي على الآخرين وتنسحب من القمة، كما كانت العادة في الماضي، فقد وافقت كل الوفود على أن ذلك يشكل فرصة للاستماع إلى القيادة الإيرانية مباشرة. ولو أنهم عرفوا ما سوف يسمعونه في نهاية المطاف، فلربما قرروا خلاف ذلك، لكن مجلس التعاون أوضح أن أحداثاً مثل زيارة الرئيس الإيراني لم تعد تهدد مقاصده.
ومع ذلك رب ضارة نافعة، إذ تبين أن التقرير الاستخباراتي القومي قد يوجه الجدل بشأن البرنامج النووي الإيراني في اتجاه أكثر تركيزاً بعيداً عن اللغة الحماسية التي توحي بعمل عسكري. فمع زوال احتمالات حدوث أزمة وشيكة، سيكون من الصعب جداً على الرئيس أحمدي نجاد صرف الانتباه عن إخفاقات إدارته الفعلية، لا سيما في ما يتعلق بحالة الاقتصاد الإيراني الكئيبة. وقد صرح الرئيس الأسبق رفسنجاني بالفعل بأنه يجب التعامل مع التضخم الحالي في إيران (باستخدام الخبرة الاقتصادية لا بالشعارات الاقتصادية والألاعيب السياسية). وعلى العموم، فإن سياسة أحمدي نجاد الشعبية القائمة على استخدام الأزمة لتعبئة الرأي العام حوله نجحت حتى الآن، لكنْ ثمة شك في إمكانية استمرار ذلك إذا ما شاع أن الرئيس الإيراني هو الذي يبحث عن المشكلات. وسينصب الاهتمام الآن على الانتخابات البرلمانية في إيران في مارس 2008، فإذا حقق المعتدلون نتائج طيبة فمن المرجح أن يتعاظم الضغط الداخلي على أحمدي نجاد.
إن التقرير الاستخباراتي القومي مهم أيضاً في ما يتعلق بالعلاقات بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة. فالثقة الخليجية في نوايا السياسة الأمريكية تجاه إيران، أو المنطقة ككل، لا تزال هشة. وقد عبّر عن ذلك أحد المشاركين في اجتماع الحوار في المنامة في أوائل ديسمبر الماضي في البحرين: (ثمة قدر كبير من الخوف بأنكم – الولايات المتحدة – قد تقدمون على أمر طائش مثل ضربة عسكرية يمكن أن تشعل المنطقة بأكملها، أو قد توقعون اتفاقاً مع إيران على حساب المصالح العربية). غير أن وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس قدم في الاجتماع نفسه بعض التطمينات المهمة بأن الحال لن تكون كذلك عندما ذكر أن الولايات المتحدة ترفض رفضاً تاماً فكرة الهيمنة الإيرانية على المنطقة). وقد اعتبرت كلماته خطوة في الاتجاه الصحيح. والأهم من ذلك ما أشار إليه غيتس بأن (الولايات المتحدة تسعى إلى تشجيع مزيد من الروابط المتعددة الأطراف والتعاون مع أصدقائها في المنطقة وفيما بينهم)، وأنه (حان الوقت للسماح للمنطقة بأن تقرر مستقبلها بنفسها). وتلك ناحية مفتقدة جداً في النهج الأمريكي تجاه منطقة الخليج حتى الآن، ومهمة في الوقت نفسه إذا أريد أن تعود العلاقات الخليجية – الأمريكية إلى مسارها الصحيح.
وهكذا فإن نتائج التقرير الاستخباراتي القومي تكبح الصقور في كلا الجانبين، فكما استخدم أحمدي نجاد عامل الخوف من هجوم أمريكي وشيك بفاعلية لحشد الشعب الإيراني خلفه، استخدمت إدارة بوش صور إيران النووية لتأكيد الحاجة إلى عمل عاجل أمام الرأي العام الأمريكي المتردد ودول الخليج العربية الممانعة، لكن استنتاجات التقرير الاستخباراتي تضغط على الرئيس جورج بوش لكي يتوقف عن ممارسة لعبة أحمدي نجاد، ويمتنع عن استخدام لهجة التهديد التي يريدها الرئيس الإيراني لكي تبقى حكومته في السلطة. إن على واشنطن أن تدرك أن هدف إعلانات السياسات الأمريكية يجب أن يكون الشعب لا الرئيس الإيراني، لأن التغيير الحقيقي في السياسة الإيرانية لا يمكن أن يأتي إلا من الداخل.
في غضون ذلك، يجب ألا يسوق عدم سعي إيران إلى إنتاج أسلحة نووية بأي نوع من الرضا والاستكانة. فليس بوسع منطقة الخليج أن تنتظر اليوم الذي تجد فيه نفسها فجأة في مواجهة قنبلة نووية إيرانية. وفي هذا الإطار، تبقى كل الخيارات مفتوحة من احتمال توجيه ضربة عسكرية استباقية إلى المرافق النووية الإيرانية، إلى حصول مجلس التعاون على قدرات نووية أو قبول المظلة النووية الأمريكية في نهاية المطاف. ولتجنب مثل هذه الاحتمالات، يقدم التقرير الاستخباراتي فرصاً لتفعيل الرسالة إلى إيران وإظهار الباب المفتوح الذي يمكن أن يحل هذه القضية بسلام. وسنرى في عام 2008 إذا كانت إيران ستتلقف هذه الفرصة في نهاية الأمر.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3388::/cck::
::introtext::

حفل شهر ديسمبر من عام 2007 بتطورات جديدة متعلقة بالأمن الإقليمي للخليج. ففي وقت متزامن مع انعقاد اجتماع القمة السنوية لمجلس التعاون الخليجي في العاصمة القطرية الدوحة في 3 و4 ديسمبر، صدر التقرير الاستخباراتي القومي في الولايات المتحدة الذي نص بقدر (عال من الثقة) على أن إيران تخلت عن برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003.

::/introtext::
::fulltext::

حفل شهر ديسمبر من عام 2007 بتطورات جديدة متعلقة بالأمن الإقليمي للخليج. ففي وقت متزامن مع انعقاد اجتماع القمة السنوية لمجلس التعاون الخليجي في العاصمة القطرية الدوحة في 3 و4 ديسمبر، صدر التقرير الاستخباراتي القومي في الولايات المتحدة الذي نص بقدر (عال من الثقة) على أن إيران تخلت عن برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003.
جاء وقع التقرير كالصاعقة ما حدا بصحيفة (نيويورك تايمز) إلى القول إنه (من النادر- إذا حصل أصلاً – أن يحدث تقرير استخباراتي واحد تغييراً كاملاً ومفاجئاً في جدال حول السياسة الخارجية). وجاء أيضاً الإيحاء بأن التهديد الصادر عن البرنامج النووي الإيراني المحتمل أقل بكثير مما كان يعتقد في الأصل في الوقت نفسه الذي أصبح فيه محمود أحمدي نجاد أول رئيس إيراني يحضر اجتماع قمة لدول مجلس التعاون الخليجي. وقد أتاح إصدار التقرير الاستخباراتي القومي في الولايات المتحدة وحضور الرئيس أحمدي نجاد في الدوحة فرصاً لتهدئة التوترات الخليجية وخفض حدة الخطاب المتبادل بين طهران وواشنطن، وشكّل بالنسبة إلى إيران، على وجه الخصوص، فرصة لتعزيز الثقة في علاقاتها مع جيرانها العرب الخليجيين، وتهدئة المخاوف بشأن النوايا الإيرانية التي أدت في السنين السابقة إلى بروز احتمال بعيد بوقوع نزاع آخر في منطقة الخليج.
وهناك عدة أشياء يجب أن توضع في نصابها الصحيح في ما يتعلق بالجدل السائد حالياً. فالقراءة المتأنية للتقرير الاستخباراتي القومي لا تقلل بأي حال من الأحوال المقولة بأن إيران تتابع في الواقع برنامجاً للأسلحة النووية. فقد تاهت في التغطية الإخبارية الحاجة إلى التمييز بين إنتاج المواد النووية (أي التخصيب)، وصنع القنبلة بالفعل (وهو البرنامج الذي أشار التقرير الاستخباراتي إلى أنه توقف) وآليات الإطلاق الضرورية (مثل البرنامج الصاروخي الذي تواصل إيران العمل عليه). لذا فإن إيران لا تزال تتابع عنصرين من ثلاثة عناصر مطلوبة في إنتاج السلاح النووي، كما أن التقرير الاستخباراتي يؤكد أن إيران كانت تنفذ برنامجاً نووياً عسكرياً حتى عام 2003، وهو أمر نفته دوماً، ويناقض بجلاء تأكيدات إيران المتواصلة بأن برنامجها معد لأغراض مدنية وسلمية فحسب. ونتيجة لذلك فإن رد الفعل الإيراني على صدور التقرير الاستخباراتي لا يمكن وصفه إلا بأنه انتقاء الأنسب. فرد فعل الرئيس أحمدي نجاد بأن هذا التقرير يمثل (انتصاراً للشعب الإيراني في المسألة النووية) أو بيان وزير العدل الإيراني بوجوب النظر إليه على أنه (اعتراف رسمي) من قبل الولايات المتحدة يحرف ما يقوله التقرير، ويركز على الجملة الأولى التي أعطيت أهمية أكبر من حجمها. فالواقع أن طهران لا تزال في حالة انتهاك واضح لقرارين من قرارات مجلس الأمن الدولي (1737 و1747) التي تطالب إيران بالتوقف عن كل أنشطة التخصيب. وهذه الأنشطة بالضبط هي التي تنقل إيران نحو القدرة على إنتاج أسلحة نووية.
وربما كان حضور الرئيس أحمدي نجاد اجتماع قمة دول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة الفرصة الصحيحة لتناول هذه القضية بشكل شامل، بالإضافة إلى المخاوف الأخرى من السياسة الإيرانية الإقليمية. مع ذلك فإن كلمته أمام الوفود المشاركة في القمة لم تلبِ هذا التوقع قط، فلم ترد فيها كلمة واحدة عن نوايا البرنامج النووي الإيراني، وبالتالي خلت من التطمينات إلى القيادة الخليجية العربية، ولم تأتِ على ذكر السياسة الإيرانية في العراق وربما المساعي الإيرانية للمساعدة على تثبيت الاستقرار هناك، وكذلك لم تتطرق البتة إلى قضية الجزر الإماراتية الثلاث. ومن ثم فإن أبرز ما في كلمة الرئيس الإيراني هو ما لم تقله. ولم تكن الأفكار التي طرحت من خلال إنشاء مجلس اقتصادي مشترك أو مشاريع مشتركة في مجالي الغاز والنفط، أو منطقة تجارة حرة أو (إنشاء ترتيب أمني جماعي مع دول مجلس التعاون الخليجي وتدابير أمنية جماعية)، سوى تكرار لطروحات سابقة. صحيح أن التدابير الأمنية الجماعية جيدة، لكن الرئيس الإيراني لم يدرك أن الثقة مطلوبة في المقام الأول لكي تنجح. كما نظر إلى إشاراته المتكررة في قمة الدول العربية الخليجية إلى الخليج (الفارسي) بمثابة استفزاز غير مبرر وغير واضح.
في مقابل أداء الرئيس الإيراني، أظهرت دول مجلس التعاون درجة من النضوج في مداولاتها، فقد دعا أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بصفته مضيف القمة، الولايات المتحدة وإيران إلى (إعادة النظر) في موقفيهما قبل فوات الأوان. وعلى نحو ذلك، أوضح رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم أن (كل بلدان مجلس التعاون الخليجي لديها الرأي نفسه حيال التهديد الإيراني أو الحوار مع إيران). وتجدر الإشارة إلى أن الدعوة التي وجهتها قطر إلى الرئيس الإيراني لم تمر من دون إثارة خلاف؛ إذ إنها لم تبلغ الوفود الخليجية الأخرى قبل توجيهها، لكن بدلاً من أن تعتبر إحدى الدول المشاركة أن ضيق وقت الإشعار وسيلة متعمدة للتعالي على الآخرين وتنسحب من القمة، كما كانت العادة في الماضي، فقد وافقت كل الوفود على أن ذلك يشكل فرصة للاستماع إلى القيادة الإيرانية مباشرة. ولو أنهم عرفوا ما سوف يسمعونه في نهاية المطاف، فلربما قرروا خلاف ذلك، لكن مجلس التعاون أوضح أن أحداثاً مثل زيارة الرئيس الإيراني لم تعد تهدد مقاصده.
ومع ذلك رب ضارة نافعة، إذ تبين أن التقرير الاستخباراتي القومي قد يوجه الجدل بشأن البرنامج النووي الإيراني في اتجاه أكثر تركيزاً بعيداً عن اللغة الحماسية التي توحي بعمل عسكري. فمع زوال احتمالات حدوث أزمة وشيكة، سيكون من الصعب جداً على الرئيس أحمدي نجاد صرف الانتباه عن إخفاقات إدارته الفعلية، لا سيما في ما يتعلق بحالة الاقتصاد الإيراني الكئيبة. وقد صرح الرئيس الأسبق رفسنجاني بالفعل بأنه يجب التعامل مع التضخم الحالي في إيران (باستخدام الخبرة الاقتصادية لا بالشعارات الاقتصادية والألاعيب السياسية). وعلى العموم، فإن سياسة أحمدي نجاد الشعبية القائمة على استخدام الأزمة لتعبئة الرأي العام حوله نجحت حتى الآن، لكنْ ثمة شك في إمكانية استمرار ذلك إذا ما شاع أن الرئيس الإيراني هو الذي يبحث عن المشكلات. وسينصب الاهتمام الآن على الانتخابات البرلمانية في إيران في مارس 2008، فإذا حقق المعتدلون نتائج طيبة فمن المرجح أن يتعاظم الضغط الداخلي على أحمدي نجاد.
إن التقرير الاستخباراتي القومي مهم أيضاً في ما يتعلق بالعلاقات بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة. فالثقة الخليجية في نوايا السياسة الأمريكية تجاه إيران، أو المنطقة ككل، لا تزال هشة. وقد عبّر عن ذلك أحد المشاركين في اجتماع الحوار في المنامة في أوائل ديسمبر الماضي في البحرين: (ثمة قدر كبير من الخوف بأنكم – الولايات المتحدة – قد تقدمون على أمر طائش مثل ضربة عسكرية يمكن أن تشعل المنطقة بأكملها، أو قد توقعون اتفاقاً مع إيران على حساب المصالح العربية). غير أن وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس قدم في الاجتماع نفسه بعض التطمينات المهمة بأن الحال لن تكون كذلك عندما ذكر أن الولايات المتحدة ترفض رفضاً تاماً فكرة الهيمنة الإيرانية على المنطقة). وقد اعتبرت كلماته خطوة في الاتجاه الصحيح. والأهم من ذلك ما أشار إليه غيتس بأن (الولايات المتحدة تسعى إلى تشجيع مزيد من الروابط المتعددة الأطراف والتعاون مع أصدقائها في المنطقة وفيما بينهم)، وأنه (حان الوقت للسماح للمنطقة بأن تقرر مستقبلها بنفسها). وتلك ناحية مفتقدة جداً في النهج الأمريكي تجاه منطقة الخليج حتى الآن، ومهمة في الوقت نفسه إذا أريد أن تعود العلاقات الخليجية – الأمريكية إلى مسارها الصحيح.
وهكذا فإن نتائج التقرير الاستخباراتي القومي تكبح الصقور في كلا الجانبين، فكما استخدم أحمدي نجاد عامل الخوف من هجوم أمريكي وشيك بفاعلية لحشد الشعب الإيراني خلفه، استخدمت إدارة بوش صور إيران النووية لتأكيد الحاجة إلى عمل عاجل أمام الرأي العام الأمريكي المتردد ودول الخليج العربية الممانعة، لكن استنتاجات التقرير الاستخباراتي تضغط على الرئيس جورج بوش لكي يتوقف عن ممارسة لعبة أحمدي نجاد، ويمتنع عن استخدام لهجة التهديد التي يريدها الرئيس الإيراني لكي تبقى حكومته في السلطة. إن على واشنطن أن تدرك أن هدف إعلانات السياسات الأمريكية يجب أن يكون الشعب لا الرئيس الإيراني، لأن التغيير الحقيقي في السياسة الإيرانية لا يمكن أن يأتي إلا من الداخل.
في غضون ذلك، يجب ألا يسوق عدم سعي إيران إلى إنتاج أسلحة نووية بأي نوع من الرضا والاستكانة. فليس بوسع منطقة الخليج أن تنتظر اليوم الذي تجد فيه نفسها فجأة في مواجهة قنبلة نووية إيرانية. وفي هذا الإطار، تبقى كل الخيارات مفتوحة من احتمال توجيه ضربة عسكرية استباقية إلى المرافق النووية الإيرانية، إلى حصول مجلس التعاون على قدرات نووية أو قبول المظلة النووية الأمريكية في نهاية المطاف. ولتجنب مثل هذه الاحتمالات، يقدم التقرير الاستخباراتي فرصاً لتفعيل الرسالة إلى إيران وإظهار الباب المفتوح الذي يمكن أن يحل هذه القضية بسلام. وسنرى في عام 2008 إذا كانت إيران ستتلقف هذه الفرصة في نهاية الأمر.

::/fulltext::
::cck::3388::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *