“أمن الخليج” رؤية من الزوايا الأربع
::cck::3390::/cck::
::introtext::
لأن الأمن القومي العربي تترابط حلقاته ما بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر وأمن البحر المتوسط، فإن أمن الخليج يمثل أبرز حلقات الأمن العربي والإقليمي بفعل خريطة المصالح المتنافسة والمتصارعة والمتشابكة للقوى الدولية الأمريكية والغربية الكبرى على حساب القوى الإقليمية العربية والإسلامية فيه.
::/introtext::
::fulltext::
لأن الأمن القومي العربي تترابط حلقاته ما بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر وأمن البحر المتوسط، فإن أمن الخليج يمثل أبرز حلقات الأمن العربي والإقليمي بفعل خريطة المصالح المتنافسة والمتصارعة والمتشابكة للقوى الدولية الأمريكية والغربية الكبرى على حساب القوى الإقليمية العربية والإسلامية فيه.
أتصور أنه ما يتوجب على العرب عموماً والخليجيين بشكل خاص دراسته وصياغته هو أن الصيغة الصحيحة لـ (أمن الخليج) يجب أن تعني ضمان تأمين الأمن، والحفاظ على المبادىء والمصالح الإقليمية للدول العربية والإسلامية المطلة عليه أولاً قبل تأمين المصالح النفطية والاستراتيجية الأمريكية والأوروبية والحفاظ على الأمن الصهيوني، مما يجعل من الأولى البحث في صيغة أمن خليجي عربي شامل بالتكامل مع صيغة أمن إقليمي شامل بين ضفتي الخليج من خلال الحوار والشراكة الدفاعية والاقتصادية، وليس في صيغة تحالف مع استراتيجية أطلسية عسكرية لدول كبرى متحالفة على ضفتي الأطلسي لها أجندة للسيطرة العالمية، خاصة أنه لم يعد سراً أن هذه الاستراتيجية الأطلسية التي تواجه شبح الهزيمة في العراق بفعل الخسائر المتزايدة على يد المقاومة الوطنية ضد الاحتلال باعتراف جميع المسؤولين الأمريكيين بدءاً من الرئيس الأمريكي بوش ومروراً بلجنة (بيكر ـ هاملتون) وصولاً إلى مذكرة وزير الحرب السابق رامسفيلد وكلها تبشر بالفشل القائم والكارثة القادمة وشهادات الجنرالات الأمريكان (سانشيز) و(بترايوس)، مما دفعهم إلى التراجع والمراجعة، والبحث عن استراتيجية جديدة مغايرة تركز على التحاور مع سوريا وإيران لتأمين انسحابهم التدريجي.
ولابد أن نسأل أنفسنا إذا كانوا هم في أمريكا وفي دوائر الأطلسي يعترفون بالفشل، ويراجعون أنفسهم ويبحثون عن صيغة للتفاهم مع سوريا العربية على المتوسط ومع إيران الإسلامية في الخليج، أوليس الأولى بنا كعرب ومسلمين على المتوسط وفي الخليج أن نقرأ ما يجري لندرك خطأ تحالفنا أو شراكتنا مع استراتيجية أطلسية ثبت فشلها وخطؤها؟
وينبغي أن ندرك أن أمننا في النهاية يكمن في قوتنا، وأن قوتنا في وحدتنا، وأن وحدتنا هي في شراكتنا وتحالفنا مع أنفسنا في منظومة أمن خليجية عربية مشتركة بالتكامل مع منظومة أمن إقليمية عربية مشتركة، وليس مع غيرنا من قوى الهيمنة والسيطرة على منابع النفط من خارج المنطقة، والقوى الساعية من وراء وجودها في المنطقة إلى حماية أمن إسرائيل أولاً وليس حماية أمن دول الخليج، خاصة أن الذين فشلوا في حماية أمن قواتهم الغازية في هذه المنطقة لن يكون بمقدورهم توفير الحماية لغيرهم في المنطقة نفسها؟
وإذا كانت دول وشعوب هذه المنطقة وعلى مدى سنوات طويلة ظلت تنأى بنفسها عن سياسة الأحلاف العسكرية مع القوى الكبرى للتباين الطبيعي في الأهداف والاختلاف في القيم والمصالح، وعدم التوازن في القوى بين الطرفين، مما يجعل العرب في حالة الدخول في أحلاف أو شراكات من خارج المنطقة هم الشريك الأضعف، وبالتالي فلن تكون لهم إراداتهم السياسية المستقلة، وإذا ظلت معظم دول الشرق الأوسط تجد أمنها واستقلالها طوال سنوات الحرب الباردة في حركة عدم الانحياز بين المعسكرين، وفي إطار مؤسساتها السياسية والأمنية الجماعية كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، فإن التورط بربط الأمن العربي في المتوسط أو الأمن العربي الإسلامي في الخليج بأي أحلاف أو شراكات مع حلف (الناتو) ذي القيادة الأمريكية وصاحب استراتيجية حماية أمن إسرائيل، وليس أمن الخليج إلا بما يحقق مصالحه ومصالح إسرائيل يكون خطأ استراتيجياً ينبغي بعد التجربة والقراءة ألا نقع فيه الآن.
ولأن دول مجلس التعاون الخليجي الست تجد نفسها واقعة تحت التأثيرات السلبية للتوترات على المحور الأمني العراقي من جهة، وعلى المحور النووي الإيراني من جهة أخرى، إضافة إلى الاقتراب بدرجة أو أخرى من التوترات على المحور الأفغاني واتصالاً بالملف الباكستاني بينما الولايات المتحدة وأوروبا وهما محورا (الناتو) على ضفتي الأطلسي يمثلان الطرف الثاني لهذا التوتر، ولكون هذه الدول الخليجية الست ترتبط بالفعل بمعاهدات أمنية ثنائية مع لندن وواشنطن، ولأن الهاجس الأمني يشكل أول اهتماماتها لدرجة أن ما أنفقته على التسليح خلال السنوات الست الأخيرة فقط يزيد على 100 مليار دولار، فلم تجد هذه الدول مانعاً من البحث مع الناتو في صيغة للتعاون. لكن التوصل إلى هذه الصيغة يواجه عدة عقبات، أولها أن ما تفكر فيه دول الناتو هو (ناتو شرق أوسطي)، وهذا يمثل جزءاً من مشروع الرئيس الأمريكي (الشرق الأوسط الكبير) وأسوأ ما في هذا التصور أنه يضم إسرائيل إلى جانب هذه الدول، وهذا يشكل معضلة أمام الدول الخليجية العربية في ظل التوجه الرسمي والشعبي الخليجي الرافض للتطبيع مع إسرائيل إلا بعد عودة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأداء إسرائيل لالتزاماتها لتحقيق السلام.
كما تواجه مثل هذه الصيغة إشكالية أخرى تتعلق بالتصدي لأسلحة الدمار الشامل، والتساؤل المطروح حول ما إذا كان الهدف الغربي فقط هو منع العرب والمسلمين دون غيرهم من امتلاك مثل هذه الأسلحة، وذلك في ظل الاعتراض الغربي على الملف النووي الإيراني رغم ثبوت سلميته من دون الاعتراض نفسه على البرنامج النووي الحربي الإسرائيلي رغم ثبوت حربيته.
ولابد من التأكيد على أنه لا مصلحة لدول الخليج العربية إطلاقاً في وقوع مواجهة غربية مع إيران الإسلامية، ولا في مواجهة خليجية عربية مع إيران الإسلامية لتأمين المصالح الغربية الأمريكية والصهيونية على حساب المصالح العربية والإسلامية وبتهديد الأمن في الخليج، ولهذا يلزم إعادة مراجعة الموقف العربي عموماً والخليجي بشكل خاص من كل هذه التحركات لتحديد أين تقع مصالحنا ومبادئنا في ظل السيناريوهات المحتملة لصيغة علاقة الأمن العربي بالأمن الغربي التي تجد بعض الدول العربية أنفسها متورطة فيها أحياناً بحساباتها وغالباً اضطرارياً؟
إن تفعيل العرب والمسلمين لدور مؤسساتهم الرسمية الجماعية وهي جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ضمانة ضرورية في صياغة أي استراتيجية للتعامل مع أوروبا وأمريكا،
وإن الخطر على الأمن القومي العربي، والخليج جزء أساسي فيه، ينبع من غياب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وفي غياب صيغة جامعة للأمن الإقليمي الخليجي العربي والإسلامي.. حتى لا تبدو حركة المرور تسير في اتجاه واحد من الشمال الأطلسي الغربي إلى الجنوب الشرقي العربي، الأمر الذي يضر بالأمن القومي العربي والإقليمي، ويثير تحفظات واستياء معظم الدول والشعوب العربية والإسلامية، إلا أن المشكلة هي في غياب الإرادة السياسية العربية المشتركة التي إذا توفرت لأدركوا أن أمنهم، الذي تمثل إسرائيل التهديد الرئيسي الآني والفعلي له قبل غيرها، لا يتوفر إلا في تفعيلهم لميثاق أمنهم الجماعي وفي مؤسساتهم العربية والإسلامية مع تطويرها إلى مظلة اتحادية تجعل حوارهم مع أوروبا هو بين (اتحاد أوروبي) شمالي واتحاد عربي جنوبي وبين (غرب أوروبي أمريكي) وبين (شرق عربي إسلامي).
ويرى العديد من المراقبين للشؤون الخليجية بشكل خاص والشؤون العربية بشكل عام أن الحروب التي جرت والتوترات الحالية في منطقة الخليج العربي وفي منطقة البحر المتوسط إنما ترجع في خلفياتها الحقيقية إلى مسألتين أساسيتين:
الأولى، هي الخلاف الثلاثي حول صيغة أمن الخليج بين الرؤية الغربية والرؤية الخليجية بضفتيها العربية والإيرانية كل وفقاً لرؤيته الخاصة من ناحية، وبين الرؤية العربية والرؤية (الفارسية) للخليج من ناحية أخرى.
الثانية، هي الخلاف العربي الإسلامي مع الرؤية الغربية الأمريكية حول القضيتين الفلسطينية والعراقية وارتباطهما وتأثيراتهما في كل قضايا الشرق وفقا للمنظور العربي خاصة ما يتصل منها وفقاً للمنظور الغربي بأمن الكيان الإسرائيلي.
ومن الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله ومن بينها أمريكا وأوروبا وروسيا والصين وليس لدوله فقط لكونه مصدراً لثمانين في المائة من الاحتياطيات العالمية، ومصدراً لما يزيد على 40 في المائة من الواردات العالمية للنفط، و كذلك لما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم، ووجوده في منطقة حساسة تشكل مركزاً للتوتر العالمي.
لكن من غير الطبيعي أن تتمركز أساطيل الناتو العسكرية فيه فضلاً عن الغزو الأطلسي لإحدى أبرز دوله وهي العراق بهدف تأمين سيطرتها على نفطه وتهديد إحدى أبرز دوله وهي إيران ضماناً لتأمين الكيان العدواني الصهيوني.
إن حشد الأساطيل الأطلسية والمناورات الغربية البحرية الضخمة والتحرشات بين قطع الأسطول الأمريكي والزوارق الإيرانية التي جرت مؤخراً في ظل التوترات السياسية والأمنية الساخنة في الخليج لا يمكن أن توفر الأمن للخليج، بل يمكن أن تهيئ المنطقة لاشتعال حريق كارثي ينسف أمن المنطقة الخليجية كلها بل يمكن أن يشعل العالم. وهنا لا يفيد أمن المنطقة أن نسمح لتلك الحشود باستغلال المواجهة مع إيران لترويج الخطر الإيراني لتحويل الانتباه الخليجي والعربي عن الخطر الإسرائيلي بل والغربي ذاته، ثم باتخاذ هذا الخطر المصدر من الغرب كذريعة لتأكيد الوجود العسكري الغربي في الخليج العربي، إذ لابد من مضاعفة الاهتمام بأمن المنطقة لإبعاد شبح الحروب الساخنة.
إن هذا الوجود العسكري للأساطيل الأمريكية والغربية في الخليج بهذا الحجم وفي مثل هذه الظروف لا يشكل عامل أمن خليجي عربي بل هو عامل تهديد أكبر للأمن الخليجي العربي، وقد يغريها فائض القوة بالاندفاع إلى مغامرة كارثية والانزلاق إلى مواجهة جديدة للتغطية على فشلها العسكري في العراق وأفغانستان، ولتوجيه رسالة تهديد لأكثر من دولة من دول المنطقة أولها إيران استثماراً لمخاوف خليجية مبررة أو مصدرة، وللتأثير في موقفها مع الغرب في أزمة الملف النووي.
ونلاحظ بقلق التحركات الأطلسية باتجاه الدول المتوسطية العربية من ناحية والدول الخليجية العربية من ناحية أخرى، مرة تحت اللافتة الأمريكية ومرة تحت اللافتة الأوروبية، ومرة تحت لافتة الاتحاد المتوسطي، وأخرى وبصورة سافرة تحت اللافتة الأطلسية لحلف (الناتو)، تارة باسم الحوار وتارة تحت لافتة الشراكة وأخرى تحت لافتة التحالف، سعياً إلى تحقيق أهداف مشروعهم الموحد للسيطرة على المنطقة التي يغيب عنها تطبيق اتفاقية الدفاع العربي المشترك في إطار المشروع الإقليمي العربي الإسلامي.
إن هذا التمدد الاستراتيجي الأمريكي والأوروبي الذي يمثله الحلف الأطلسي بهذا التوجه نحو المنطقة العربية عموماً والخليجية خصوصاً، إنما ينطلق من أجندة استراتيجية عالمية تتعدى حدود هذه المنطقة، ولكن انطلاقاً من هذه المنطقة التي تمتد لتشمل العالم الإسلامي كله من أندونيسيا إلى المغرب والتي تطلق عليها الإدارة الأمريكية وصف (الشرق الأوسط الكبير).
ومع ذلك فالخلاف لا يزال قائماً بين الجانبين حول الموقف من القضية الفلسطينية وعلاقات الحلف الوثيقة مع ( إسرائيل)، وحول مفهوم الإرهاب، خاصة أن التعريف الغربي للإرهاب لا يفرق بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، والإرهاب العدواني العشوائي الذي يقتل المسالمين الأبرياء بغير ذنب والمخالف لشرائع الأديان والذي تجرّمه القوانين الوضعية في دول العالم، إلا أن ذلك لا يعني أنه ليست للطرفين مساحة من المصالح المشتركة ترتبط بالنفط والأمن الذي اضطرت فيه دول المنطقة للاعتماد على الغرب. لكن التمدد الغربي في المنطقة هو نتيجة للفراغ العربي، وغياب المشروع العربي الاستراتيجي الواحد أو المشروع الإقليمي العربي الإسلامي الموحد ليملأ الفراغ الدفاعي، وهو نتيجة أيضاً للضعف السياسي العربي الناتج عن الانقسام حول التصور الاستراتيجي للأمن القومي العربي سواء في مواجهة المشروع الصهيوني أو المشروع الأمريكي أو المشروع الأطلسي، التي كلها في الواقع تمثل في النهاية مشروعاً استعمارياً غربياً واحداً تتعدد لافتاته، ولكن تتكامل حلقاته، وتبقى أهدافه في النهاية هي عودة الغرب الأطلسي إلى المنطقة من الباب الخلفي بعد أن خرج من الباب الأمامي للهيمنة من جديد على الشرق العربي الإسلامي الذي يطلقون عليه اسم (الشرق الأوسط) الجديد الصهيوني تارة و(الكبير) الأمريكي تارة أخرى، لكن ماذا يهم الاسم بينما المشروع الغربي حاضر والمشروع العربي الإسلامي الإقليمي لأمن الخليج غائب!
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3390::/cck::
::introtext::
لأن الأمن القومي العربي تترابط حلقاته ما بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر وأمن البحر المتوسط، فإن أمن الخليج يمثل أبرز حلقات الأمن العربي والإقليمي بفعل خريطة المصالح المتنافسة والمتصارعة والمتشابكة للقوى الدولية الأمريكية والغربية الكبرى على حساب القوى الإقليمية العربية والإسلامية فيه.
::/introtext::
::fulltext::
لأن الأمن القومي العربي تترابط حلقاته ما بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر وأمن البحر المتوسط، فإن أمن الخليج يمثل أبرز حلقات الأمن العربي والإقليمي بفعل خريطة المصالح المتنافسة والمتصارعة والمتشابكة للقوى الدولية الأمريكية والغربية الكبرى على حساب القوى الإقليمية العربية والإسلامية فيه.
أتصور أنه ما يتوجب على العرب عموماً والخليجيين بشكل خاص دراسته وصياغته هو أن الصيغة الصحيحة لـ (أمن الخليج) يجب أن تعني ضمان تأمين الأمن، والحفاظ على المبادىء والمصالح الإقليمية للدول العربية والإسلامية المطلة عليه أولاً قبل تأمين المصالح النفطية والاستراتيجية الأمريكية والأوروبية والحفاظ على الأمن الصهيوني، مما يجعل من الأولى البحث في صيغة أمن خليجي عربي شامل بالتكامل مع صيغة أمن إقليمي شامل بين ضفتي الخليج من خلال الحوار والشراكة الدفاعية والاقتصادية، وليس في صيغة تحالف مع استراتيجية أطلسية عسكرية لدول كبرى متحالفة على ضفتي الأطلسي لها أجندة للسيطرة العالمية، خاصة أنه لم يعد سراً أن هذه الاستراتيجية الأطلسية التي تواجه شبح الهزيمة في العراق بفعل الخسائر المتزايدة على يد المقاومة الوطنية ضد الاحتلال باعتراف جميع المسؤولين الأمريكيين بدءاً من الرئيس الأمريكي بوش ومروراً بلجنة (بيكر ـ هاملتون) وصولاً إلى مذكرة وزير الحرب السابق رامسفيلد وكلها تبشر بالفشل القائم والكارثة القادمة وشهادات الجنرالات الأمريكان (سانشيز) و(بترايوس)، مما دفعهم إلى التراجع والمراجعة، والبحث عن استراتيجية جديدة مغايرة تركز على التحاور مع سوريا وإيران لتأمين انسحابهم التدريجي.
ولابد أن نسأل أنفسنا إذا كانوا هم في أمريكا وفي دوائر الأطلسي يعترفون بالفشل، ويراجعون أنفسهم ويبحثون عن صيغة للتفاهم مع سوريا العربية على المتوسط ومع إيران الإسلامية في الخليج، أوليس الأولى بنا كعرب ومسلمين على المتوسط وفي الخليج أن نقرأ ما يجري لندرك خطأ تحالفنا أو شراكتنا مع استراتيجية أطلسية ثبت فشلها وخطؤها؟
وينبغي أن ندرك أن أمننا في النهاية يكمن في قوتنا، وأن قوتنا في وحدتنا، وأن وحدتنا هي في شراكتنا وتحالفنا مع أنفسنا في منظومة أمن خليجية عربية مشتركة بالتكامل مع منظومة أمن إقليمية عربية مشتركة، وليس مع غيرنا من قوى الهيمنة والسيطرة على منابع النفط من خارج المنطقة، والقوى الساعية من وراء وجودها في المنطقة إلى حماية أمن إسرائيل أولاً وليس حماية أمن دول الخليج، خاصة أن الذين فشلوا في حماية أمن قواتهم الغازية في هذه المنطقة لن يكون بمقدورهم توفير الحماية لغيرهم في المنطقة نفسها؟
وإذا كانت دول وشعوب هذه المنطقة وعلى مدى سنوات طويلة ظلت تنأى بنفسها عن سياسة الأحلاف العسكرية مع القوى الكبرى للتباين الطبيعي في الأهداف والاختلاف في القيم والمصالح، وعدم التوازن في القوى بين الطرفين، مما يجعل العرب في حالة الدخول في أحلاف أو شراكات من خارج المنطقة هم الشريك الأضعف، وبالتالي فلن تكون لهم إراداتهم السياسية المستقلة، وإذا ظلت معظم دول الشرق الأوسط تجد أمنها واستقلالها طوال سنوات الحرب الباردة في حركة عدم الانحياز بين المعسكرين، وفي إطار مؤسساتها السياسية والأمنية الجماعية كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، فإن التورط بربط الأمن العربي في المتوسط أو الأمن العربي الإسلامي في الخليج بأي أحلاف أو شراكات مع حلف (الناتو) ذي القيادة الأمريكية وصاحب استراتيجية حماية أمن إسرائيل، وليس أمن الخليج إلا بما يحقق مصالحه ومصالح إسرائيل يكون خطأ استراتيجياً ينبغي بعد التجربة والقراءة ألا نقع فيه الآن.
ولأن دول مجلس التعاون الخليجي الست تجد نفسها واقعة تحت التأثيرات السلبية للتوترات على المحور الأمني العراقي من جهة، وعلى المحور النووي الإيراني من جهة أخرى، إضافة إلى الاقتراب بدرجة أو أخرى من التوترات على المحور الأفغاني واتصالاً بالملف الباكستاني بينما الولايات المتحدة وأوروبا وهما محورا (الناتو) على ضفتي الأطلسي يمثلان الطرف الثاني لهذا التوتر، ولكون هذه الدول الخليجية الست ترتبط بالفعل بمعاهدات أمنية ثنائية مع لندن وواشنطن، ولأن الهاجس الأمني يشكل أول اهتماماتها لدرجة أن ما أنفقته على التسليح خلال السنوات الست الأخيرة فقط يزيد على 100 مليار دولار، فلم تجد هذه الدول مانعاً من البحث مع الناتو في صيغة للتعاون. لكن التوصل إلى هذه الصيغة يواجه عدة عقبات، أولها أن ما تفكر فيه دول الناتو هو (ناتو شرق أوسطي)، وهذا يمثل جزءاً من مشروع الرئيس الأمريكي (الشرق الأوسط الكبير) وأسوأ ما في هذا التصور أنه يضم إسرائيل إلى جانب هذه الدول، وهذا يشكل معضلة أمام الدول الخليجية العربية في ظل التوجه الرسمي والشعبي الخليجي الرافض للتطبيع مع إسرائيل إلا بعد عودة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأداء إسرائيل لالتزاماتها لتحقيق السلام.
كما تواجه مثل هذه الصيغة إشكالية أخرى تتعلق بالتصدي لأسلحة الدمار الشامل، والتساؤل المطروح حول ما إذا كان الهدف الغربي فقط هو منع العرب والمسلمين دون غيرهم من امتلاك مثل هذه الأسلحة، وذلك في ظل الاعتراض الغربي على الملف النووي الإيراني رغم ثبوت سلميته من دون الاعتراض نفسه على البرنامج النووي الحربي الإسرائيلي رغم ثبوت حربيته.
ولابد من التأكيد على أنه لا مصلحة لدول الخليج العربية إطلاقاً في وقوع مواجهة غربية مع إيران الإسلامية، ولا في مواجهة خليجية عربية مع إيران الإسلامية لتأمين المصالح الغربية الأمريكية والصهيونية على حساب المصالح العربية والإسلامية وبتهديد الأمن في الخليج، ولهذا يلزم إعادة مراجعة الموقف العربي عموماً والخليجي بشكل خاص من كل هذه التحركات لتحديد أين تقع مصالحنا ومبادئنا في ظل السيناريوهات المحتملة لصيغة علاقة الأمن العربي بالأمن الغربي التي تجد بعض الدول العربية أنفسها متورطة فيها أحياناً بحساباتها وغالباً اضطرارياً؟
إن تفعيل العرب والمسلمين لدور مؤسساتهم الرسمية الجماعية وهي جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ضمانة ضرورية في صياغة أي استراتيجية للتعامل مع أوروبا وأمريكا،
وإن الخطر على الأمن القومي العربي، والخليج جزء أساسي فيه، ينبع من غياب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وفي غياب صيغة جامعة للأمن الإقليمي الخليجي العربي والإسلامي.. حتى لا تبدو حركة المرور تسير في اتجاه واحد من الشمال الأطلسي الغربي إلى الجنوب الشرقي العربي، الأمر الذي يضر بالأمن القومي العربي والإقليمي، ويثير تحفظات واستياء معظم الدول والشعوب العربية والإسلامية، إلا أن المشكلة هي في غياب الإرادة السياسية العربية المشتركة التي إذا توفرت لأدركوا أن أمنهم، الذي تمثل إسرائيل التهديد الرئيسي الآني والفعلي له قبل غيرها، لا يتوفر إلا في تفعيلهم لميثاق أمنهم الجماعي وفي مؤسساتهم العربية والإسلامية مع تطويرها إلى مظلة اتحادية تجعل حوارهم مع أوروبا هو بين (اتحاد أوروبي) شمالي واتحاد عربي جنوبي وبين (غرب أوروبي أمريكي) وبين (شرق عربي إسلامي).
ويرى العديد من المراقبين للشؤون الخليجية بشكل خاص والشؤون العربية بشكل عام أن الحروب التي جرت والتوترات الحالية في منطقة الخليج العربي وفي منطقة البحر المتوسط إنما ترجع في خلفياتها الحقيقية إلى مسألتين أساسيتين:
الأولى، هي الخلاف الثلاثي حول صيغة أمن الخليج بين الرؤية الغربية والرؤية الخليجية بضفتيها العربية والإيرانية كل وفقاً لرؤيته الخاصة من ناحية، وبين الرؤية العربية والرؤية (الفارسية) للخليج من ناحية أخرى.
الثانية، هي الخلاف العربي الإسلامي مع الرؤية الغربية الأمريكية حول القضيتين الفلسطينية والعراقية وارتباطهما وتأثيراتهما في كل قضايا الشرق وفقا للمنظور العربي خاصة ما يتصل منها وفقاً للمنظور الغربي بأمن الكيان الإسرائيلي.
ومن الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله ومن بينها أمريكا وأوروبا وروسيا والصين وليس لدوله فقط لكونه مصدراً لثمانين في المائة من الاحتياطيات العالمية، ومصدراً لما يزيد على 40 في المائة من الواردات العالمية للنفط، و كذلك لما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم، ووجوده في منطقة حساسة تشكل مركزاً للتوتر العالمي.
لكن من غير الطبيعي أن تتمركز أساطيل الناتو العسكرية فيه فضلاً عن الغزو الأطلسي لإحدى أبرز دوله وهي العراق بهدف تأمين سيطرتها على نفطه وتهديد إحدى أبرز دوله وهي إيران ضماناً لتأمين الكيان العدواني الصهيوني.
إن حشد الأساطيل الأطلسية والمناورات الغربية البحرية الضخمة والتحرشات بين قطع الأسطول الأمريكي والزوارق الإيرانية التي جرت مؤخراً في ظل التوترات السياسية والأمنية الساخنة في الخليج لا يمكن أن توفر الأمن للخليج، بل يمكن أن تهيئ المنطقة لاشتعال حريق كارثي ينسف أمن المنطقة الخليجية كلها بل يمكن أن يشعل العالم. وهنا لا يفيد أمن المنطقة أن نسمح لتلك الحشود باستغلال المواجهة مع إيران لترويج الخطر الإيراني لتحويل الانتباه الخليجي والعربي عن الخطر الإسرائيلي بل والغربي ذاته، ثم باتخاذ هذا الخطر المصدر من الغرب كذريعة لتأكيد الوجود العسكري الغربي في الخليج العربي، إذ لابد من مضاعفة الاهتمام بأمن المنطقة لإبعاد شبح الحروب الساخنة.
إن هذا الوجود العسكري للأساطيل الأمريكية والغربية في الخليج بهذا الحجم وفي مثل هذه الظروف لا يشكل عامل أمن خليجي عربي بل هو عامل تهديد أكبر للأمن الخليجي العربي، وقد يغريها فائض القوة بالاندفاع إلى مغامرة كارثية والانزلاق إلى مواجهة جديدة للتغطية على فشلها العسكري في العراق وأفغانستان، ولتوجيه رسالة تهديد لأكثر من دولة من دول المنطقة أولها إيران استثماراً لمخاوف خليجية مبررة أو مصدرة، وللتأثير في موقفها مع الغرب في أزمة الملف النووي.
ونلاحظ بقلق التحركات الأطلسية باتجاه الدول المتوسطية العربية من ناحية والدول الخليجية العربية من ناحية أخرى، مرة تحت اللافتة الأمريكية ومرة تحت اللافتة الأوروبية، ومرة تحت لافتة الاتحاد المتوسطي، وأخرى وبصورة سافرة تحت اللافتة الأطلسية لحلف (الناتو)، تارة باسم الحوار وتارة تحت لافتة الشراكة وأخرى تحت لافتة التحالف، سعياً إلى تحقيق أهداف مشروعهم الموحد للسيطرة على المنطقة التي يغيب عنها تطبيق اتفاقية الدفاع العربي المشترك في إطار المشروع الإقليمي العربي الإسلامي.
إن هذا التمدد الاستراتيجي الأمريكي والأوروبي الذي يمثله الحلف الأطلسي بهذا التوجه نحو المنطقة العربية عموماً والخليجية خصوصاً، إنما ينطلق من أجندة استراتيجية عالمية تتعدى حدود هذه المنطقة، ولكن انطلاقاً من هذه المنطقة التي تمتد لتشمل العالم الإسلامي كله من أندونيسيا إلى المغرب والتي تطلق عليها الإدارة الأمريكية وصف (الشرق الأوسط الكبير).
ومع ذلك فالخلاف لا يزال قائماً بين الجانبين حول الموقف من القضية الفلسطينية وعلاقات الحلف الوثيقة مع ( إسرائيل)، وحول مفهوم الإرهاب، خاصة أن التعريف الغربي للإرهاب لا يفرق بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، والإرهاب العدواني العشوائي الذي يقتل المسالمين الأبرياء بغير ذنب والمخالف لشرائع الأديان والذي تجرّمه القوانين الوضعية في دول العالم، إلا أن ذلك لا يعني أنه ليست للطرفين مساحة من المصالح المشتركة ترتبط بالنفط والأمن الذي اضطرت فيه دول المنطقة للاعتماد على الغرب. لكن التمدد الغربي في المنطقة هو نتيجة للفراغ العربي، وغياب المشروع العربي الاستراتيجي الواحد أو المشروع الإقليمي العربي الإسلامي الموحد ليملأ الفراغ الدفاعي، وهو نتيجة أيضاً للضعف السياسي العربي الناتج عن الانقسام حول التصور الاستراتيجي للأمن القومي العربي سواء في مواجهة المشروع الصهيوني أو المشروع الأمريكي أو المشروع الأطلسي، التي كلها في الواقع تمثل في النهاية مشروعاً استعمارياً غربياً واحداً تتعدد لافتاته، ولكن تتكامل حلقاته، وتبقى أهدافه في النهاية هي عودة الغرب الأطلسي إلى المنطقة من الباب الخلفي بعد أن خرج من الباب الأمامي للهيمنة من جديد على الشرق العربي الإسلامي الذي يطلقون عليه اسم (الشرق الأوسط) الجديد الصهيوني تارة و(الكبير) الأمريكي تارة أخرى، لكن ماذا يهم الاسم بينما المشروع الغربي حاضر والمشروع العربي الإسلامي الإقليمي لأمن الخليج غائب!
::/fulltext::
::cck::3390::/cck::
