التنظير الإعلامي في الحالة العراقية بين القصف الحربي و”القصف الإعلامي”

::cck::2155::/cck::
::introtext::

لم تكن لحظة سقوط بغداد في التاسع من إبريل عام 2003 إلا تتويجاً لحصيلة مستمرة ومبرمجة ومنظمة من القصف الإعلامي الذي أنتجته الماكنة الدعائية الأمريكية بكل ثقلها وأدواتها التجريبية والمنهجية لإكمال المشهد الأخير من الحرب النفسية التي شنتها على العراق، واستمرت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً قبيل احتلال الكويت ومحاولة قلب موازين القوى الإقليمية في المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

لم تكن لحظة سقوط بغداد في التاسع من إبريل عام 2003 إلا تتويجاً لحصيلة مستمرة ومبرمجة ومنظمة من القصف الإعلامي الذي أنتجته الماكنة الدعائية الأمريكية بكل ثقلها وأدواتها التجريبية والمنهجية لإكمال المشهد الأخير من الحرب النفسية التي شنتها على العراق، واستمرت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً قبيل احتلال الكويت ومحاولة قلب موازين القوى الإقليمية في المنطقة.

لقد تجسد ذلك في المشهد الاستعراضي لوضع نصب القوة والهيمنة الأمريكية في قلب بغداد في ساحة الفردوس، حيث التمثال البرونزي لصدام حسين، ومشهد الجندي الأمريكي وهو يغطي رأس التمثال بالعَلَم الأمريكي ثم يسحبه بـ (العجلة) الأمريكية، لقد ألغى ذلك المشهد أسطورة الرجل المشاكس الذي اعترض كثيراً على السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة العربية والعالم، الرجل الذي أطلق صواريخه الـ 37 المسماة (صواريخ الحسين) على تل أبيب وأدخل بلاده في حروب خاسرة وهجّر معارضيه وخصومه. إنها ما تسمى (اللحظةالأمريكية) للهيمنة شبه المطلقة على تفاعلات العلاقات الاستراتيجية بين مكونات الشرق الأوسط لخلق شرق أوسط آخر جديد. وهي في الوقت نفسه لحظة التفوق الإعلامي في نقل مشاهد القوة للمد الأطلسي الذي عصف بالمنطقة مرتين، الأولى في إثارة الغبار في (عاصفة الصحراء) التي امتدت لأكثر من 13 عاماً جرفت معها كل أثر للمدنية في تدهور الصناعة والزراعة والصحة ومياه الشرب وتدهور الصحة العامة للبشر وخاصة الأطفال والنساء، وأعادت العراق إلى العصور الوسطى على حد تهديدات جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق آنذاك لطارق عزيز وزير الخارجية العراقي الأسبق في لقاء التفاوض في جنيف عام 1990  بُعيد غزو الكويت.

ولكن ما هي الأدوات الدعائية التي سبقت ذلك والتي يمكن إلقاء الضوء عليها من واقع الأحداث والتصريحات والوقائع التي جرت منذ احتلال العراق عام 2003 وحتى الآن؟

1ـ الإعلام كوسيلة دعائية

أمريكياً ينظر إلى الإعلام باعتباره البعد الرابع في السياسة الخارجية الأمريكية، وإحدى أهم أدوات تنفيذ السياسة الخارجية، مكملاً للأبعاد التقليدية الأخرى وهي الاقتصاد والدبلوماسية والقوة العسكرية، وهو أيضاً أحد الأسلحة الناعمة التي تقتل خصومها بقفازات من حرير، فقد سخّرت أمريكا هذا السلاح المثير إلى أقصى ما يمكن، عبر عدسات (الفوكس نيوز) والبث الفضائي، واستخدام الكاميرات الرقمية والأقمار الصناعية والتقنيات الإعلامية المتطورة الأخرى والتي كانت تتقدم عبر مفارز عسكرية صغيرة لتعلن عن وجود أمريكي في هذا المنفذ أو ذاك حول بغداد حتى وصلت إلى ساحة أم الطبول ثم قصر السجود، (أحد القصور الرئاسية في قلب بغداد) وتمركزت على جسر الجمهورية في الثامن من إبريل عام 2003 لتدير فوهات نيرانها في محاولة لإسكات ما عداها من أصوات إعلامية أخرى فتسقط بنيرانها عدداً من الصحفيين بين قتيل وجريح منهم مراسل قناة (الجزيرة) طارق أيوب وعدد من مراسلي الشبكات الدولية.

إن المزاوجة بين التنفيذ العسكري والتنفيذ الإعلامي دفعت البنتاغون إلى استخدام عدد من الإعلاميين الغربيين وعاملتهم كبقية الجنود أثناء تقدم القطعات باتجاه بغداد فكانوا يضعون محطات الإرسال تحت الرقابة المطلقة، حيث لا يسمح لهم بالبث والإرسال ما لم يشاهده الرقيب العسكري لضمان سرية المعلومات، ولم تورد تلك الوكالات التي رافقت الجيش أية صور عن خسائر الجيش أو القتلى من الجنود الأمريكيين بل كانت تصور طلائع المارينز التي كانت تقتحم المدن من دون مقاومة.

الجنود الأمريكيون هم الذين حملوا أجهزة التصوير لحظة الإنزال في بعض المواقع العراقية المهمة

وقد ساهم الطيف الفضائي المباشر والعاجل للفضائيات العربية عن قصد أو بدافع السبق الصحفي في تدعيم الاستراتيجية الإعلامية الأمريكية. وكان تصوير التوغل الأمريكي قد أسقط تماماً قناعات الجيش والشعب العراقي الذي أصيب بالذهول وفق قانون (الصدمة والرعب) كأحد تكتيكات ذلك الهجوم، وفي الوقت الذي كانت تدور فيه المعارك بضراوة في الجنوب والفرات الأوسط، عمد الأمريكيون إلى إنزال أجهزة (الفيديو فون) في بعض المناطق الحيوية من بغداد ليصوروا التفوق العسكري الأمريكي في إسقاط بغداد رمز السيادة لدى العراقيين وأفراد الجيش.

ومع كل هذا التفوق الإعلامي الأمريكي، ربما يتساءل البعض عن مدى نجاح التنظير الإعلامي في دراسة الحالة العراقية، التي سبقت ورافقت الحملة العسكرية وكيف تمكنت (البنتاغون) من المواءمة بين ما هو عسكري وما هو إعلامي، فالجنود المقاتلون هم الذين حملوا أجهزة التصوير والبث المباشر لحظة الإنزال والاختراق الأمني لبعض المواقع العراقية المهمة، وهم أيضاً من صوّر نقاط الدلالة لمداخل المدن والمواقع السيادية المنيعة في نظر البعض من العراقيين واخترقوها بوساطة الإعلام المحارب وبالصوت والصورة حتى قبل الجيوش مما اضطر القيادة العراقية وقتها إلى نزع نقاط الدلالة عن المدن.

إن الإعلام الأمريكي المحارب لم يكن القصد منه المصداقية والموثوقية بمصادر المعلومات، بل هو في ذلك الفيض الهائل والسريع والمكرر والمكثف من الرسائل الإعلامية حيث يختلط الخبر بالتحليل والمعلومة باتجاهات المرسل والصورة بالتقنيات التصويرية الأخرى لتجعل من المتلقي مستسلماً تماماً لما يرى ويسمع من دون إعطائه فرصة للتحليل الشخصي أو محاولة الربط بين الأحداث والصور وخلفيات الأمور وهي ما تسمى وفق قواعد الحرب النفسية مرحلة (العصف الذهني) والاستسلام من قبل الضحية وهي المتلقي.

إن المتخصصين من باحثين ومحللين ومطلعين يدركون تماماً أن الإعلام الأمريكي في الحالة العراقية كان قد قدم معلومات هي في الغالب معلومات مقننة وممسرحة ومعدة سلفاً، وظفت فيها الخبرات السينمائية في إغراق الشاشات العربية والعالمية بمشاهد الانتصار والتفوق المصنوع في معادلة غير متكافئة أصلاً، وهو ما افتضح فيما بعد في تلميحات بعض السياسيين والصحفيين والصحافة المكتوبة التي قالت كلمتها لاسيما صحيفة (نيويورك تايمز) التي قدمت اعتذاراً للقراء تقول فيه إنها فشلت في التأكد من صدق أحد المعارضين العراقيين السابقين الذي زود الصحيفة والكاتبة جوديت ميلر (الخبيرة في الإرهاب البايولوجي) بمعلومات نشرت في مقالاتها عن أسلحة الدمار الشامل في العراق تبين لاحقاً أنها مجرد أكاذيب!

2ـ الأساليب الدعائية الأخرى

عمدت الماكنة الدعائية الأمريكية إلى مجموعة من الأساليب الدعائية والتي أخذت الأشكال التالية:

أ ـ أسلوب شخصنة الصراع مع العراق من خلال الربط بين العراق وصدام حسين، ولم تفصل مطلقاً بين ما اتخذه صدام من قرارات في الحرب العراقية-الإيرانية وغزو الكويت وضرب إسرائيل ومعالجة الأزمات الداخلية في قضية حلبجة وانتفاضة الجنوب والوسط في العراق عام 1991، وعدّتها أفعالاً مرتبطة بالعراق وليس بشخص الزعيم كما تفعل هذه الماكنة مع تجارب أخرى في العالم، فهي تفصل بين الشعب الكوبي وكاسترو وتفصل بين الشعب الإيراني الذي يصفه بوش بالحضاري والعريق وبين الرئيس نجاد الذي لا يمثله كما يقول بوش.

ب ـ تضخيم القدرات العراقية وتصوير العراق بأنه أحد محاور الشر في العالم مع كوريا وإيران، بل الأكثر تهديداً لما يمتلكه حسب ادعاءاتها من أسلحة دمار شامل كان قد أكدها وزير خارجية أمريكا السابق كولن باول أمام الجمعية العامة، وجرى تضخيم تلك القدرات التي تقتل الملايين، كما زعموا، لكنها لم تقتل أكثر من 50 جندياً دخلوا العراق بأسلحة تقليدية، وفي تقليصها لفاعلية معارضيها فقد طبقت الدعاية الأمريكية نظرية (لولب الصمت) التي نجحت في تراجع الآراء المعارضة لتلك الحرب أمام الحقائق المفبركة كما أوردها المتخصصون والمطلعون على خفايا الشأن العراقي، أن إيراد الحجج والأدلة والبراهين عن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل كان قد قدم في نسق متصل من الرسائل الإعلامية مع تكثيف ساعات البث والإرسال على مدى 24 ساعة، مما جعل المتلقي يندفع إلى تبني الأفكار المطروحة ويأخذها بقوة على أنها حقائق مسلم بها، ويجب على المجتمع الدولي تأييد أمريكا ودول التحالف في قرار الحرب لنزع تلك الأسلحة بالقوة على الرغم من المظاهرات المليونية التي جابت العواصم الغربية التي تطالب بمنع اندلاع الحرب.. إنها مفارقة في فهم فاعلية الرأي العام ومدى تأثيره المزعوم.

جـ ـ الحملات الإعلامية التي وجهت أنظار العالم إلى خطورة الوضع في العراق، حيث وضعت أمريكا كل خبراتها في مجال إدارة الحملات الإعلامية، وبدأت تلك الحملات منذ عام 1990 وقبل غزو العراق للكويت وقضية (المدفع العملاق) و(المتسعات) وغيرها. وفي 2003 وصلت الحملة ذروتها باستخدام نظام (الجوقة) التي تصرح كل يوم تقريباً عن العراق ومخاطره تجاه العالم.

د ـ اللجوء إلى العناصر العراقيين المعارضين للحديث عن مخاطر النظام الدكتاتوري، والتعاطف معهم وعرضهم كقوة سياسية قادرة على الحكم مستقبلاً بعد إسقاط النظام مع الحرص على عرض شرائح من مكونات المجتمع العراقي (العلمانية والقومية والدينية والعشائرية)، كما رعت المؤتمرات والمهرجانات والندوات وغيرها من المظاهر الرافضة لنظام صدام حسين وحولت العراق إلى ظاهرة كونية وقضية عالمية.

هـ – توظيف الاستطلاعات 

ومن الأساليب الأخرى المهمة والتي وظفت بعناية وتقنية عالية هي استطلاعات الرأي العام، حيث يطلب من المستطلعة آراؤهم الإجابة بالتأييد أو النفي على تساؤلات تسمى علمياً أسئلة (مهددة)، مثل (هل تؤيد استخدام القوة تجاه العراق لنزع أسلحة الدمار الشامل لديه؟)، وبالطبع نتوقع أن تأتي الإجابة بـ (نعم)، ثم تعرض في وسائل الإعلام كنسب مئوية تؤيد قرار استخدام القوة.

التحول في الخطاب الإعلامي الأمريكي بعد الاحتلال

مع عجز السياسة الأمريكية عن كشف أسلحة الدمار الشامل تحول الخطاب الإعلامي من خطاب يؤكد وبقوة قبل الحرب إلى خطاب يشكك بصدق تلك المعلومات ويتحول الشعار الذي جيَّش الجيوش وهو نزع أسلحة الدمار الشامل إلى شعار (تحرير العراق)، ومسعى أمريكا للبقاء فيه لوقت كاف لتتيح للعراقيين تحسين أوضاعهم. وتعاود النظرية الإعلامية الشعبية وهي النظرية التي تحارب الفساد وتكشف سلبيات السياسيين والتي تجلى دورها في الحرب الفيتنامية، حيث استطاعت الصحافة أن تشكل رأياً عاماً معارضاً ساعد على إنهاء الوجود الأمريكي في فيتنام، ومع كشف فظائع سجن أبو غريب والمداهمات الليلية للبيوت والفضائح الأخرى، عادت هذه النظرية بقوة في نشر خسائر الحرب الأمريكية على العراق، حيث تتحدث الأرقام عن مقتل 4000 جندي أمريكي خلال خمس سنوات من الاحتلال و40000 جريح، بالإضافة إلى المشكلات النفسية والصدمات والانتحارات، إلى جانب  الأرقام المهولة لتكلفة الحرب والتي وصلت حتى الآن إلى 2.5 تريليون دولار بتكلفة شهرية بلغت 12 ملياردولار.

إن الحملة الأمريكية العسكرية والإعلامية في تعاملها مع الحالة العراقية جعلت من مقولة (الإعلام هو خط الهجوم الأول وخط الدفاع الأخير) حقيقة ملموسة، فالإعلام وظف لخدمة أغراض الأمن القومي الأمريكي الذي مورست تحت مفهومه الكثير من التضليلات والتبريرات وإطلاق المسوغات في معادلة غير متكافئة مع نظام كان يوصف بالمكروه إقليمياً ودولياً.

وعلى الرغم من كل ما سبق إلا أن الوسائل الدعائية التي رافقت الحملة العسكرية الأمريكية لم تتمكن من أن تصمد أمام خصوصية الشعب العراقي الذي يفرق كثيراً بين التحرير والاحتلال، والذي سرعان ما أعلن عن بغضه ورفض أغلب شرائحه للاحتلال وسعية الدؤوب للتخلص من آثاره التي تسببت بمقتل أكثر من مليون عراقي ليكون الأسوأ في العالم على حد وصف اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

::/fulltext::

44-73-670
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2155::/cck::
::introtext::

لم تكن لحظة سقوط بغداد في التاسع من إبريل عام 2003 إلا تتويجاً لحصيلة مستمرة ومبرمجة ومنظمة من القصف الإعلامي الذي أنتجته الماكنة الدعائية الأمريكية بكل ثقلها وأدواتها التجريبية والمنهجية لإكمال المشهد الأخير من الحرب النفسية التي شنتها على العراق، واستمرت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً قبيل احتلال الكويت ومحاولة قلب موازين القوى الإقليمية في المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

لم تكن لحظة سقوط بغداد في التاسع من إبريل عام 2003 إلا تتويجاً لحصيلة مستمرة ومبرمجة ومنظمة من القصف الإعلامي الذي أنتجته الماكنة الدعائية الأمريكية بكل ثقلها وأدواتها التجريبية والمنهجية لإكمال المشهد الأخير من الحرب النفسية التي شنتها على العراق، واستمرت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً قبيل احتلال الكويت ومحاولة قلب موازين القوى الإقليمية في المنطقة.

لقد تجسد ذلك في المشهد الاستعراضي لوضع نصب القوة والهيمنة الأمريكية في قلب بغداد في ساحة الفردوس، حيث التمثال البرونزي لصدام حسين، ومشهد الجندي الأمريكي وهو يغطي رأس التمثال بالعَلَم الأمريكي ثم يسحبه بـ (العجلة) الأمريكية، لقد ألغى ذلك المشهد أسطورة الرجل المشاكس الذي اعترض كثيراً على السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة العربية والعالم، الرجل الذي أطلق صواريخه الـ 37 المسماة (صواريخ الحسين) على تل أبيب وأدخل بلاده في حروب خاسرة وهجّر معارضيه وخصومه. إنها ما تسمى (اللحظةالأمريكية) للهيمنة شبه المطلقة على تفاعلات العلاقات الاستراتيجية بين مكونات الشرق الأوسط لخلق شرق أوسط آخر جديد. وهي في الوقت نفسه لحظة التفوق الإعلامي في نقل مشاهد القوة للمد الأطلسي الذي عصف بالمنطقة مرتين، الأولى في إثارة الغبار في (عاصفة الصحراء) التي امتدت لأكثر من 13 عاماً جرفت معها كل أثر للمدنية في تدهور الصناعة والزراعة والصحة ومياه الشرب وتدهور الصحة العامة للبشر وخاصة الأطفال والنساء، وأعادت العراق إلى العصور الوسطى على حد تهديدات جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق آنذاك لطارق عزيز وزير الخارجية العراقي الأسبق في لقاء التفاوض في جنيف عام 1990  بُعيد غزو الكويت.

ولكن ما هي الأدوات الدعائية التي سبقت ذلك والتي يمكن إلقاء الضوء عليها من واقع الأحداث والتصريحات والوقائع التي جرت منذ احتلال العراق عام 2003 وحتى الآن؟

1ـ الإعلام كوسيلة دعائية

أمريكياً ينظر إلى الإعلام باعتباره البعد الرابع في السياسة الخارجية الأمريكية، وإحدى أهم أدوات تنفيذ السياسة الخارجية، مكملاً للأبعاد التقليدية الأخرى وهي الاقتصاد والدبلوماسية والقوة العسكرية، وهو أيضاً أحد الأسلحة الناعمة التي تقتل خصومها بقفازات من حرير، فقد سخّرت أمريكا هذا السلاح المثير إلى أقصى ما يمكن، عبر عدسات (الفوكس نيوز) والبث الفضائي، واستخدام الكاميرات الرقمية والأقمار الصناعية والتقنيات الإعلامية المتطورة الأخرى والتي كانت تتقدم عبر مفارز عسكرية صغيرة لتعلن عن وجود أمريكي في هذا المنفذ أو ذاك حول بغداد حتى وصلت إلى ساحة أم الطبول ثم قصر السجود، (أحد القصور الرئاسية في قلب بغداد) وتمركزت على جسر الجمهورية في الثامن من إبريل عام 2003 لتدير فوهات نيرانها في محاولة لإسكات ما عداها من أصوات إعلامية أخرى فتسقط بنيرانها عدداً من الصحفيين بين قتيل وجريح منهم مراسل قناة (الجزيرة) طارق أيوب وعدد من مراسلي الشبكات الدولية.

إن المزاوجة بين التنفيذ العسكري والتنفيذ الإعلامي دفعت البنتاغون إلى استخدام عدد من الإعلاميين الغربيين وعاملتهم كبقية الجنود أثناء تقدم القطعات باتجاه بغداد فكانوا يضعون محطات الإرسال تحت الرقابة المطلقة، حيث لا يسمح لهم بالبث والإرسال ما لم يشاهده الرقيب العسكري لضمان سرية المعلومات، ولم تورد تلك الوكالات التي رافقت الجيش أية صور عن خسائر الجيش أو القتلى من الجنود الأمريكيين بل كانت تصور طلائع المارينز التي كانت تقتحم المدن من دون مقاومة.

الجنود الأمريكيون هم الذين حملوا أجهزة التصوير لحظة الإنزال في بعض المواقع العراقية المهمة

وقد ساهم الطيف الفضائي المباشر والعاجل للفضائيات العربية عن قصد أو بدافع السبق الصحفي في تدعيم الاستراتيجية الإعلامية الأمريكية. وكان تصوير التوغل الأمريكي قد أسقط تماماً قناعات الجيش والشعب العراقي الذي أصيب بالذهول وفق قانون (الصدمة والرعب) كأحد تكتيكات ذلك الهجوم، وفي الوقت الذي كانت تدور فيه المعارك بضراوة في الجنوب والفرات الأوسط، عمد الأمريكيون إلى إنزال أجهزة (الفيديو فون) في بعض المناطق الحيوية من بغداد ليصوروا التفوق العسكري الأمريكي في إسقاط بغداد رمز السيادة لدى العراقيين وأفراد الجيش.

ومع كل هذا التفوق الإعلامي الأمريكي، ربما يتساءل البعض عن مدى نجاح التنظير الإعلامي في دراسة الحالة العراقية، التي سبقت ورافقت الحملة العسكرية وكيف تمكنت (البنتاغون) من المواءمة بين ما هو عسكري وما هو إعلامي، فالجنود المقاتلون هم الذين حملوا أجهزة التصوير والبث المباشر لحظة الإنزال والاختراق الأمني لبعض المواقع العراقية المهمة، وهم أيضاً من صوّر نقاط الدلالة لمداخل المدن والمواقع السيادية المنيعة في نظر البعض من العراقيين واخترقوها بوساطة الإعلام المحارب وبالصوت والصورة حتى قبل الجيوش مما اضطر القيادة العراقية وقتها إلى نزع نقاط الدلالة عن المدن.

إن الإعلام الأمريكي المحارب لم يكن القصد منه المصداقية والموثوقية بمصادر المعلومات، بل هو في ذلك الفيض الهائل والسريع والمكرر والمكثف من الرسائل الإعلامية حيث يختلط الخبر بالتحليل والمعلومة باتجاهات المرسل والصورة بالتقنيات التصويرية الأخرى لتجعل من المتلقي مستسلماً تماماً لما يرى ويسمع من دون إعطائه فرصة للتحليل الشخصي أو محاولة الربط بين الأحداث والصور وخلفيات الأمور وهي ما تسمى وفق قواعد الحرب النفسية مرحلة (العصف الذهني) والاستسلام من قبل الضحية وهي المتلقي.

إن المتخصصين من باحثين ومحللين ومطلعين يدركون تماماً أن الإعلام الأمريكي في الحالة العراقية كان قد قدم معلومات هي في الغالب معلومات مقننة وممسرحة ومعدة سلفاً، وظفت فيها الخبرات السينمائية في إغراق الشاشات العربية والعالمية بمشاهد الانتصار والتفوق المصنوع في معادلة غير متكافئة أصلاً، وهو ما افتضح فيما بعد في تلميحات بعض السياسيين والصحفيين والصحافة المكتوبة التي قالت كلمتها لاسيما صحيفة (نيويورك تايمز) التي قدمت اعتذاراً للقراء تقول فيه إنها فشلت في التأكد من صدق أحد المعارضين العراقيين السابقين الذي زود الصحيفة والكاتبة جوديت ميلر (الخبيرة في الإرهاب البايولوجي) بمعلومات نشرت في مقالاتها عن أسلحة الدمار الشامل في العراق تبين لاحقاً أنها مجرد أكاذيب!

2ـ الأساليب الدعائية الأخرى

عمدت الماكنة الدعائية الأمريكية إلى مجموعة من الأساليب الدعائية والتي أخذت الأشكال التالية:

أ ـ أسلوب شخصنة الصراع مع العراق من خلال الربط بين العراق وصدام حسين، ولم تفصل مطلقاً بين ما اتخذه صدام من قرارات في الحرب العراقية-الإيرانية وغزو الكويت وضرب إسرائيل ومعالجة الأزمات الداخلية في قضية حلبجة وانتفاضة الجنوب والوسط في العراق عام 1991، وعدّتها أفعالاً مرتبطة بالعراق وليس بشخص الزعيم كما تفعل هذه الماكنة مع تجارب أخرى في العالم، فهي تفصل بين الشعب الكوبي وكاسترو وتفصل بين الشعب الإيراني الذي يصفه بوش بالحضاري والعريق وبين الرئيس نجاد الذي لا يمثله كما يقول بوش.

ب ـ تضخيم القدرات العراقية وتصوير العراق بأنه أحد محاور الشر في العالم مع كوريا وإيران، بل الأكثر تهديداً لما يمتلكه حسب ادعاءاتها من أسلحة دمار شامل كان قد أكدها وزير خارجية أمريكا السابق كولن باول أمام الجمعية العامة، وجرى تضخيم تلك القدرات التي تقتل الملايين، كما زعموا، لكنها لم تقتل أكثر من 50 جندياً دخلوا العراق بأسلحة تقليدية، وفي تقليصها لفاعلية معارضيها فقد طبقت الدعاية الأمريكية نظرية (لولب الصمت) التي نجحت في تراجع الآراء المعارضة لتلك الحرب أمام الحقائق المفبركة كما أوردها المتخصصون والمطلعون على خفايا الشأن العراقي، أن إيراد الحجج والأدلة والبراهين عن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل كان قد قدم في نسق متصل من الرسائل الإعلامية مع تكثيف ساعات البث والإرسال على مدى 24 ساعة، مما جعل المتلقي يندفع إلى تبني الأفكار المطروحة ويأخذها بقوة على أنها حقائق مسلم بها، ويجب على المجتمع الدولي تأييد أمريكا ودول التحالف في قرار الحرب لنزع تلك الأسلحة بالقوة على الرغم من المظاهرات المليونية التي جابت العواصم الغربية التي تطالب بمنع اندلاع الحرب.. إنها مفارقة في فهم فاعلية الرأي العام ومدى تأثيره المزعوم.

جـ ـ الحملات الإعلامية التي وجهت أنظار العالم إلى خطورة الوضع في العراق، حيث وضعت أمريكا كل خبراتها في مجال إدارة الحملات الإعلامية، وبدأت تلك الحملات منذ عام 1990 وقبل غزو العراق للكويت وقضية (المدفع العملاق) و(المتسعات) وغيرها. وفي 2003 وصلت الحملة ذروتها باستخدام نظام (الجوقة) التي تصرح كل يوم تقريباً عن العراق ومخاطره تجاه العالم.

د ـ اللجوء إلى العناصر العراقيين المعارضين للحديث عن مخاطر النظام الدكتاتوري، والتعاطف معهم وعرضهم كقوة سياسية قادرة على الحكم مستقبلاً بعد إسقاط النظام مع الحرص على عرض شرائح من مكونات المجتمع العراقي (العلمانية والقومية والدينية والعشائرية)، كما رعت المؤتمرات والمهرجانات والندوات وغيرها من المظاهر الرافضة لنظام صدام حسين وحولت العراق إلى ظاهرة كونية وقضية عالمية.

هـ – توظيف الاستطلاعات 

ومن الأساليب الأخرى المهمة والتي وظفت بعناية وتقنية عالية هي استطلاعات الرأي العام، حيث يطلب من المستطلعة آراؤهم الإجابة بالتأييد أو النفي على تساؤلات تسمى علمياً أسئلة (مهددة)، مثل (هل تؤيد استخدام القوة تجاه العراق لنزع أسلحة الدمار الشامل لديه؟)، وبالطبع نتوقع أن تأتي الإجابة بـ (نعم)، ثم تعرض في وسائل الإعلام كنسب مئوية تؤيد قرار استخدام القوة.

التحول في الخطاب الإعلامي الأمريكي بعد الاحتلال

مع عجز السياسة الأمريكية عن كشف أسلحة الدمار الشامل تحول الخطاب الإعلامي من خطاب يؤكد وبقوة قبل الحرب إلى خطاب يشكك بصدق تلك المعلومات ويتحول الشعار الذي جيَّش الجيوش وهو نزع أسلحة الدمار الشامل إلى شعار (تحرير العراق)، ومسعى أمريكا للبقاء فيه لوقت كاف لتتيح للعراقيين تحسين أوضاعهم. وتعاود النظرية الإعلامية الشعبية وهي النظرية التي تحارب الفساد وتكشف سلبيات السياسيين والتي تجلى دورها في الحرب الفيتنامية، حيث استطاعت الصحافة أن تشكل رأياً عاماً معارضاً ساعد على إنهاء الوجود الأمريكي في فيتنام، ومع كشف فظائع سجن أبو غريب والمداهمات الليلية للبيوت والفضائح الأخرى، عادت هذه النظرية بقوة في نشر خسائر الحرب الأمريكية على العراق، حيث تتحدث الأرقام عن مقتل 4000 جندي أمريكي خلال خمس سنوات من الاحتلال و40000 جريح، بالإضافة إلى المشكلات النفسية والصدمات والانتحارات، إلى جانب  الأرقام المهولة لتكلفة الحرب والتي وصلت حتى الآن إلى 2.5 تريليون دولار بتكلفة شهرية بلغت 12 ملياردولار.

إن الحملة الأمريكية العسكرية والإعلامية في تعاملها مع الحالة العراقية جعلت من مقولة (الإعلام هو خط الهجوم الأول وخط الدفاع الأخير) حقيقة ملموسة، فالإعلام وظف لخدمة أغراض الأمن القومي الأمريكي الذي مورست تحت مفهومه الكثير من التضليلات والتبريرات وإطلاق المسوغات في معادلة غير متكافئة مع نظام كان يوصف بالمكروه إقليمياً ودولياً.

وعلى الرغم من كل ما سبق إلا أن الوسائل الدعائية التي رافقت الحملة العسكرية الأمريكية لم تتمكن من أن تصمد أمام خصوصية الشعب العراقي الذي يفرق كثيراً بين التحرير والاحتلال، والذي سرعان ما أعلن عن بغضه ورفض أغلب شرائحه للاحتلال وسعية الدؤوب للتخلص من آثاره التي تسببت بمقتل أكثر من مليون عراقي ليكون الأسوأ في العالم على حد وصف اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

::/fulltext::
::cck::2155::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *