قمة الدوحة: بين صد التحديات واستحصال الضمانات

::cck::2157::/cck::
::introtext::

بانصراف هذا العام يكون مجلس التعاون الخليجي قد أتَم تسعة آلاف وسبعمائة وسبعة عشر يوماً من عمره. ورغم أن السبك الذي طَالَ نظامه الأساسي قد (تزيّت) بالمأمول قبل المعقول نظراً للإرهاصات التي سبقت قيامه ككيان سياسي يضم الدول الست التي اشتركت في اجتماع وزراء الخارجية بالرياض في الرابع من فبراير من عام 1981، إلا أن إيجاد تكتل سياسي ضمن حاضنة جغرافية مضطربة يُصبح أمراً ضرورياً حتى لو تأجل العديد من ذلك المأمول وحتى المعقول نتيجة للظروف والأزمات. 

::/introtext::
::fulltext::

بانصراف هذا العام يكون مجلس التعاون الخليجي قد أتَم تسعة آلاف وسبعمائة وسبعة عشر يوماً من عمره. ورغم أن السبك الذي طَالَ نظامه الأساسي قد (تزيّت) بالمأمول قبل المعقول نظراً للإرهاصات التي سبقت قيامه ككيان سياسي يضم الدول الست التي اشتركت في اجتماع وزراء الخارجية بالرياض في الرابع من فبراير من عام 1981، إلا أن إيجاد تكتل سياسي ضمن حاضنة جغرافية مضطربة يُصبح أمراً ضرورياً حتى لو تأجل العديد من ذلك المأمول وحتى المعقول نتيجة للظروف والأزمات.

لأن اهتمام الدول الست كان قائماً في تلك الفترة على هم أمني فاقع بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في الحادي عشر من فبراير من العام 1979 وما تبعها من نشوب أطول حرب في القرن العشرين بين إيران والعراق في 22 سبتمبر من عام 1980، فقد كانت مفاعيل الحرب العراقية-الإيرانية واصطفافاتها تُلقي بظلالها على سياسات دول المجلس التي بدت غير متفقة إلى حد ما في التعاطي مع القضايا الخارجية والداخلية للإقليم بالقدر الذي يُوفر لها تماهياً في المصالح واتخاذ المواقف، فكانت سياسات المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت أقرب إلى بعضها البعض من سياسات كل من سلطنة عُمان وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة التي اتسمت بالبراغماتية في مقابل سياسات الإقصاء والحذف (Exclusion) تجاه الخصوم. ورغم أن الهاجس الأمني بَقِيَ على حاله طيلة عقد الثمانينات إلا أن تظهيره بدا أكثر جلاءً واتحاداً بعد احتلال نظام صدام حسين للأراضي الكويتية في أغسطس من عام 1990، حيث سعت دول الخليج مُجتمعة إلى (التسَيُّج) المُحكم بالأمن المستورد من الولايات المتحدة الأمريكية التي صاغت حينها نظاماً عالمياً جديداً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانكفاء العراق على نفسه وانطلاق مؤتمر مدريد للسلام، فجددت سلطنة عُمان اتفاقها العسكري مع واشنطن في عام 1990، تلتها البحرين في 28 يناير 1991 ثم الكويت في 19 سبتمبر 1991 ثم قطر في 23 يونيو 1992 فالإمارات في 25 يوليو 1994، فكان ذلك إطاراً أمنياً بديلاً عن ضمور خيار الضم (Inclusion) في المعادلات السياسية.

في مرحلة ما بعد التسويات الأمنية التي أمنتها دول مجلس التعاون لنفسها عبر التحالف العسكري مع الولايات المتحدة بدأت مرحلة التقييم للمرحلة السابقة، حيث تمكنت النظرات المتباينة لموضوع الأمن بين دول المجلس بفعل عوامل جيوبوليتيكية حساسة جعلت العراق مثلاً في مرحلة ما يُشكل تهديداً مباشراً لكل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، بينما لم تتحسس دولٌ أخرى في المجلس من موضوع العراق بالشكل ذاته الذي تراه كل من الكويت والسعودية اللتين تحدانه بحدود مباشرة، وهو الأمر ذاته الذي اتضح بعد غزو العراق من قِبل القوات الأنغلوساكسونية والمواقف السياسية العلنية من ذلك. لكنه وفي المرحلة التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق وسقوط العاصمة بغداد في 09 إبريل من عام 2003 بدت الأمور أكثر خطورة بعد انهيار ثقل عربي في المنطقة الشمالية المعتدلة من جنوب غرب القارة الآسيوية وتحوله إلى حالة استقطاب مفضوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية و(عجلاً سامرياً) للمصالح الغربية أو بين ما اصطلح حينه بين أوروبا القديمة والولايات المتحدة، وأيضاً تبدل الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد من طبقة حزبية تاريخية ساهمت (رغم علمانيتها المتطرفة) في إبقاء الحكم فيه سُنياً لكنها في الوقت نفسه ظلت طبقة مأمونة العواقب بسبب ضعفها وانكفائها بفعل حربي الخليج الأولى والثانية والحصار الدولي عليها إلى طبقة سياسية جديدة ومتحاصصة ليست لها علاقات دولية (سوى مع واشنطن ولندن) وإقليمية (سوى مع طهران) بالقدر الذي يُؤمن للحاضنة الجغرافية مزيداً من الثقة والطمأنينة، خاصة أنها طبقة بدأت في مُزاحمة دول الخليج بعلاقاتها مع الولايات المتحدة التي سعت إلى مفاضلة طارئة مع وجود 11 في المائة من احتياطيات النفط العالمية في جوف الأرض العراقية. كما أن الحكومات المتعاقبة على حكم العراق بعد الاحتلال وبفعل ديموغرافية البلد كانت ولا تزال حكومات تتمتع بعلاقات غائرة مع إيران إن لم تكن من (الجنبة) السياسية فبفعل (الجنبة) العقائدية التي بدأت تنشط بعد استقواء أطراف عراقية أخرى بدول إقليمية وكبرى في صراعها مع القوى الأخرى داخل النسيج السياسي الجديد، وهي كلها أمور بدأت دول الخليج تنظر إليها بمزيد من الترقب والحساسية وصلت إلى حد الخلاف مع الإدارة الأمريكية حول طبيعة المصالح القائمة وتحديد بوصلتها في المنطقة، لكن تسارع وتيرة الأحداث والضغط الأمريكي المتصاعد دفعا دول الخليج لأن تُبدي تجاوباً في علاقاتها مع بغداد عبر حسابات دقيقة أبرزها رغبة دول مجلس التعاون في الإعلان عن المجلس الخليجي-العراقي بغية تطوير العلاقات بين الجانبين والحد من التدخلات الخارجية في الشؤون العراقية، وأيضاً إعلان المملكة العربية السعودية رغبتها في فتح سفارة لها في بغداد.

وفي موضوع الضفة الأخرى من الخليج، حيث إيران، فقد تباينت مواقف دول المجلس حيالها منذ البداية أيضاً، فسلطنة عُمان حافظت على علاقاتها مع طهران إلى الحد الذي دفعها إلى توقيع تفاهم شبه عسكري/أمني معها، كما أن دولة الإمارات ورغم الخلاف على موضوع الجزر الثلاث المحتلة لم يمنعها ذلك من إبرام صفقة لشراء الغاز الطبيعي الإيراني، وقيام قطر بشراء المياه الإيرانية من نهر قارون والتسوية القانونية لحقل الشمال (أو بارس الجنوبي) مع طهران، وإنهاء الكويت لمسألة الجرف القاري بينها وبين إيران، وإبرام البحرين معها صفقة لشراء الغاز الطبيعي الإيراني، بينما بقيت علاقات المملكة العربية السعودية مع طهران تقتصر على التشجيع لقيام علاقات أوثق رغم حاجة الرياض إلى الغاز وإلى السوق الإيرانية بشكل عام. وبين كل تلك السياسات الانفتاحية على إيران والتي قامت بها دول الخليج كانت الأزمنة والحُقب بينها متباعدة إلى حد ما قد تصل إلى بحر عقد من الزمن، وربما كان إدراك الدول الست أن ما بين اشتراط الصداقة والعداوة بالمصالح، (تَتَشَمّع) علاقات الدول أو (تَتَزَيّت) جعلها تدفع باتجاه الوقوف بين متطلبات الجيرة الضامنة وأهمية العلاقة التاريخية مع الغرب، فهي وإن كان ناتجها المحلي يفوق السبعمائة وخمسة عشر مليار دولار ونصيب الفرد السنوي يفوق العشرين ألف دولار، إلا أنها في نهاية المطاف لا تزيد مساحتها الإجمالية على 2673 ألف كم مربع، وسكان لا يتجاوز عددهم 35.1 مليون نسمة نصفهم دون سن العشرين، لذا فهي تدرك حجم التحديات المحيطة بها، وضرورة السعي إلى إبعاد المنطقة عن أي توترات سياسية أو اقتصادية، خاصة أن 40 في المائة من الطاقة العالمية يخرج من جوفها يومياً عبر مضيق هرمز، وربما أرادت دول المجلس تعويض تعاونها المبني في الأغلب على أنظمة تصدر من أجل توثيق التعاون الاقتصادي والاجتماعي والأمني بـ (تصفير) مشكلات الإقليم والعلاقات المستقرة مع دول الجوار وخاصة إيران، وربما كانت دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور اجتماعات الدورة الثامنة والعشرين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في الدوحة مؤشراً نوعياً لعلاقة أوثق مع طهران، فهي المرة الأولى التي يُدعَى فيها رئيس إيراني لحضور اجتماعات قادة دول مجلس التعاون، كما أن الدعوة الخاصة التي وجهها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز للرئيس أحمدي نجاد لأداء فريضة الحج بصفة ضيف خاص تصب في الاتجاه نفسه.

قمة الدوحة 2007 قد تكون القمة الثالثة من حيث الأهمية في مسيرة مجلس التعاون الخليجي

التحدي الإقليمي الثالث الذي يواجه دول الخليج والمرتبط في جزء منه بالتنمية والبيئة، هو موضوع المياه، فمنطقة الخليج ومنذ انحسار العهد الجيولوجي الكورسي كانت ترتكز في استحصال المياه على الآبار السطحية التي بارت مع زيادة عدد السُكان وقلة هطول الأمطار التي لا تزيد في جنوب شرق الإقليم على 600 ملم وفي الشمال الغربي على 100 ملم سنوياً، كما أن بطء تجدد مياه الخليج يُشكل عائقاً آخر، فالموجة البحرية القادمة من بحر العرب والمحيط الهندي عبر مضيق هرمز لا تأخذ دورتها على كامل الخليج إلا بعد ثلاث سنوات تقريباً وهو ما يُشكل عائقاً أمام مشاريع التحلية أو حتى مشاريع تلقيح الغيوم الركامية بكلوريد الصوديوم ويوديد الفضة للحصول على أمطار صناعية، على الرغم من أن معمل تحلية المياه في الكويت ومحطة التحلية في البحرين القائمة على التناضح العكسي ومحطة الجبيل بالسعودية والقائمة على البخر الومضي هي من أكبر محطات تحلية المياه في العالم ضمن أكثر من أربعين محطة تحلية تعمل في منطقة الخليج، لذا فإن الدول الخليجية بحاجة اليوم إلى تأمين مصادر مياه تفي بمتطلبات الزيادة السكانية والطفرة الصناعية، لذا فقد عمدت قطر إلى إبرام مشروع (الأنبوب الأخضر) لشراء المياه العذبة المتدفقة من نهر قارون، وكذلك فعلت الكويت في عام 2005 لاستيراد أكثر من 760 مليون ليتر من المياه يومياً، وهو الخيار الأفضل والأقرب لدول الخليج التي يتعذر عليها استيراد مياه لبنان أو سوريا أو العراق بسبب تعقيدات السياسة والجغرافيا أيضاً.

وفي ما يتعلق بالتحديات القادمة من خارج الإقليم فإنها تبقى تحديات شبه مُزمنة بفعل ما تتمتع به هذه المنطقة من عمق استراتيجي بالنسبة للقوى الكبرى، وأيضاً مجاورتها للعديد من الملفات المُقلقة للغرب كالملف الفلسطيني واللبناني والعراقي والإيراني، إلا أن ما يُمكن الإشارة إليه هنا هو ثلاثة تحديات مهمة ليس بالضرورة أن تبقى تحدياً سلبياً بقدر ما هي آفاق جديدة تحتاج إلى حسابات من نوع خاص 

روسيا: يسعى الروس من خلال إعادة تفعيل دورهم الإقليمي والعالمي إلى توسيع علاقاتهم الخارجية واستخدام أفضل الأوراق لتحقيق تلك الاستراتيجية، فوصولهم إلى المياه الدافئة في منطقة الخليج هدف قديم سعت وتسعى إليه موسكو، وقد أعقب الزيارات التاريخية للرئيس فلاديمير بوتين إلى كل من الرياض والدوحة تسيير موسكو لأساطيل حربية في البحار الدولية والمياه الدافئة في شمال شرقي المحيط الأطلسي والبحر المتوسط بالاعتماد على قاعدة طرطوس العسكرية السورية. وبالرجوع إلى الخلاف الروسي-الأمريكي حول الدرع الصاروخية والتعاطي مع الملف النووي الإيراني فإن دول الخليج بحاجة إلى سياسة متوازنة تبعدها عن مساحة التنافس القاسي بين موسكو والغرب، إلا أنها أيضاً قادرة على استثمار الترتيبات الدولية الجديدة التي ظهرت فيها موسكو لاعباً حقيقياً، وخاصة الاستثمار في مجال الأمن الذي تمتلك فيه روسيا قدرة واضحة، فهي في النهاية تبقى المُورد الوحيد والحصري للمشروع النووي الإيراني الذي تتخوف منه دول الخليج إلى حدّ ما، وهو ما يجعل الروس قادرين على إعطاء ضمانات أمنية وسياسية لدول الخليج بشأنه، كما أن لديهم علاقات جيدة مع سوريا التي لم تعد علاقاتها بالمستوى المطلوب مع دول الخليج وبالتحديد المملكة العربية السعودية، وهو ما يعني قدرة موسكو على التدخل في هذا الإشكال الذي قد يُحلحل تقاطع الموقفين السوري والسعودي في لبنان والعلاقة مع المنظمات الفلسطينية. وفي توشيج العلاقات الاقتصادية بين الخليج وروسيا كانت الرياض سباقة في إبراز ذلك التعاون مع الروس منذ عام 1994 في مجال الغاز والطاقة الكهربائية ومنشآت تصدير الغاز الطبيعي المسال وتحلية مياه البحر وتنشيطه في عام 2003 تلتها دولة الإمارات العربية المتحدة بميزان تجاري جيد وسلطنة عُمان بالمساهمة في خطوط أنابيب نفط بحر قزوين والمجال الكازاخستاني، والبحرين من خلال الخدمات النفطية وبنكي (روسكي كرديت بنك) و(مي تو إتش كومبانك) والكويت بالاستثمار في مرفأ موماشك في الشمال الروسي، وعلى الرغم من عدم تخطي التعاون الخليجي-الروسي حدود التعاون الصناعي إلى الاستفادة من الخبرات الروسية في المجالات النووية وصفقات التسلح إلا أنها تبقى مؤشرات جيدة.

الهند: تُشكل الهند في شرق القارة العجوز قوة اقتصادية وبشرية ضخمة بدأت في لفت الأنظار بصورة أكثر جدية، حيث يُتوقع لها أن تكون خامس قوة اقتصادية في العالم، وهي وعلى الرغم من صراعها المفتوح والمُزمن مع باكستان الحليف الجنوبي لدول الخليج إلا أنها استطاعت أن تفتح لها خطوط اتصال قوية في المنطقة وخاصة في مجال العمالة والمبادلات التجارية التي تجاوزت السبعة عشر مليار دولار قبل سنتين مع العالم العربي واستثمارات خليجية في الهند تتجاوز الملياري دولار. ويدرك الهنود بطبيعة الحال أن دول الخليج ستقوم بتوقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي بداية عام 2008، وتسعى هذه الدول أيضاً إلى توقيع اتفاقيات مع سنغافورة والصين وتركيا ومع الهند أيضاً وهي فرصة لتشييد علاقة وطيدة بينها وبين منطقة الخليج التي تُصدر إلى نيودلهي ثلثي احتياجاتها من النفط، بل إن تلك النسبة مُرشحة للارتفاع لتصل إلى 85 في المائة مع حلول عام 2020م، كما أن وزير التجارة الهندي توقع خلال مؤتمر مسقط في إبريل من عام 2006 أن تتفوق دول الخليج على الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح أكبر شريك تجاري مع بلاده في غضون عامين فقط. وإذا ما قدرت الدول الست هذا التحدي بحسابات وتوازنات سياسية واقتصادية دقيقة فإنها ستربح شريكاً جديداً رغم تاريخيته في المنطقة، سيوفر لها العديد من الخيارات التي كانت حكراً في وقت سابق على أوروبا والولايات المتحدة.

تسارع وتيرة الأحداث والضغط الأمريكي المتصاعد دفعا دول الخليج لأن تُبدي تجاوباً في علاقاتها مع بغداد

الصين: تعتبر الصين ثالث أكبر بلد في العالم من حيث المساحة بعد روسيا وكندا، وربما اكتسبت أهميتها من خلال ثلاثة أمور: الأول جغرافيتها التي سمحت لها بالتجاور مع أربع عشرة دولة، الأمر الذي فتح بينها وبين العالم مصالح متشابكة وعلاقات دبلوماسية مباشرة وغير مباشرة. والثاني هو القوة البشرية الكبيرة التي تمتلكها والتي تجاوزت المليار ومائتين وخمسين مليون نسمة وما تُمثله من أساس قوي في مفهوم الأمن القومي. والثالث هو الخيارات الاقتصادية الهائلة التي منحتها القدرة على مناكفة أكبر قوة اقتصادية عالمية وهي الولايات المتحدة الأمريكية، لذا فهي تبقى محل اهتمام الكثير من الخواصر السياسية والاقتصادية في العالم. وبالنسبة لدول الخليج فإن الاهتمام يبدو متبادلاً، فهذه الدول ورغم أن مبادلاتها مع بكين لم تزد على أربعة عشر مليار دولار العام الماضي، إلا أن التوقعات تشير إلى أنه سترتفع بنسبة عشرين في المائة، خاصة أن المباحثات بين دول المجلس والصين حول إقامة منطقة تبادل تجاري حر بينهما بدأت منذ بداية عام 2005، وبما أن العلاقات في مجال الطاقة هي الأساس في هذه الشراكة فإن الأمر يعني أنها ستتحول بشكل آلي إلى علاقات استراتيجية. وإذا ما سعت دول الخليج إلى تحويل جزء من استثماراتها من أوروبا إلى الصين فإنها حتماً ستكسب قيمة اقتصادية قد تتخلص بفضلها من المرض النفطي (The Oil Disease) وما يُلحقه من تبعية الدولة الريعية إلى الخارج وتبعية المجتمع المدني إزاء هذه الدولة. وقد تستفيد دول الخليج من حاجات الصين المتصاعدة للطاقة بأن تتحول إلى شريك أساسي بديل عن نفط القارة السمراء، الأمر الذي يؤهلها لأن تصبح نقطة ارتكاز أساسية للصين في المنطقة.

وفي النهاية لا بد من الإشارة هنا إلى أن قمة الدوحة 2007 قد تكون القمة الثالثة من حيث الأهمية في مسيرة مجلس التعاون الخليجي بعد الإعلان الأول عن قيام المجلس في عام 1981 وقمة الكويت التي تلت التحرير في عام 1991، فهي قمة جاءت متزامنة مع مؤتمر (أنابوليس) للسلام، وأيضاً دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور القمة وصدور تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي المُعنون بـ (إيـران: النيات والقدرات النووية) الذي أخرج طهران من دائرة الشك حين برأها من امتلاك برنامج نووي للأغراض العسكرية منذ عام 2003، وبالتالي فإن الكثير من القضايا والتحديات بدأت في الظهور على صفيح السياسات الدولية، الأمر الذي يتطلب خيارات خليجية مناسبة للتعامل معها بأفضل الوسائل والآليات.

::/fulltext::

araa40_51-b6b
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2157::/cck::
::introtext::

بانصراف هذا العام يكون مجلس التعاون الخليجي قد أتَم تسعة آلاف وسبعمائة وسبعة عشر يوماً من عمره. ورغم أن السبك الذي طَالَ نظامه الأساسي قد (تزيّت) بالمأمول قبل المعقول نظراً للإرهاصات التي سبقت قيامه ككيان سياسي يضم الدول الست التي اشتركت في اجتماع وزراء الخارجية بالرياض في الرابع من فبراير من عام 1981، إلا أن إيجاد تكتل سياسي ضمن حاضنة جغرافية مضطربة يُصبح أمراً ضرورياً حتى لو تأجل العديد من ذلك المأمول وحتى المعقول نتيجة للظروف والأزمات. 

::/introtext::
::fulltext::

بانصراف هذا العام يكون مجلس التعاون الخليجي قد أتَم تسعة آلاف وسبعمائة وسبعة عشر يوماً من عمره. ورغم أن السبك الذي طَالَ نظامه الأساسي قد (تزيّت) بالمأمول قبل المعقول نظراً للإرهاصات التي سبقت قيامه ككيان سياسي يضم الدول الست التي اشتركت في اجتماع وزراء الخارجية بالرياض في الرابع من فبراير من عام 1981، إلا أن إيجاد تكتل سياسي ضمن حاضنة جغرافية مضطربة يُصبح أمراً ضرورياً حتى لو تأجل العديد من ذلك المأمول وحتى المعقول نتيجة للظروف والأزمات.

لأن اهتمام الدول الست كان قائماً في تلك الفترة على هم أمني فاقع بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في الحادي عشر من فبراير من العام 1979 وما تبعها من نشوب أطول حرب في القرن العشرين بين إيران والعراق في 22 سبتمبر من عام 1980، فقد كانت مفاعيل الحرب العراقية-الإيرانية واصطفافاتها تُلقي بظلالها على سياسات دول المجلس التي بدت غير متفقة إلى حد ما في التعاطي مع القضايا الخارجية والداخلية للإقليم بالقدر الذي يُوفر لها تماهياً في المصالح واتخاذ المواقف، فكانت سياسات المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت أقرب إلى بعضها البعض من سياسات كل من سلطنة عُمان وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة التي اتسمت بالبراغماتية في مقابل سياسات الإقصاء والحذف (Exclusion) تجاه الخصوم. ورغم أن الهاجس الأمني بَقِيَ على حاله طيلة عقد الثمانينات إلا أن تظهيره بدا أكثر جلاءً واتحاداً بعد احتلال نظام صدام حسين للأراضي الكويتية في أغسطس من عام 1990، حيث سعت دول الخليج مُجتمعة إلى (التسَيُّج) المُحكم بالأمن المستورد من الولايات المتحدة الأمريكية التي صاغت حينها نظاماً عالمياً جديداً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانكفاء العراق على نفسه وانطلاق مؤتمر مدريد للسلام، فجددت سلطنة عُمان اتفاقها العسكري مع واشنطن في عام 1990، تلتها البحرين في 28 يناير 1991 ثم الكويت في 19 سبتمبر 1991 ثم قطر في 23 يونيو 1992 فالإمارات في 25 يوليو 1994، فكان ذلك إطاراً أمنياً بديلاً عن ضمور خيار الضم (Inclusion) في المعادلات السياسية.

في مرحلة ما بعد التسويات الأمنية التي أمنتها دول مجلس التعاون لنفسها عبر التحالف العسكري مع الولايات المتحدة بدأت مرحلة التقييم للمرحلة السابقة، حيث تمكنت النظرات المتباينة لموضوع الأمن بين دول المجلس بفعل عوامل جيوبوليتيكية حساسة جعلت العراق مثلاً في مرحلة ما يُشكل تهديداً مباشراً لكل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، بينما لم تتحسس دولٌ أخرى في المجلس من موضوع العراق بالشكل ذاته الذي تراه كل من الكويت والسعودية اللتين تحدانه بحدود مباشرة، وهو الأمر ذاته الذي اتضح بعد غزو العراق من قِبل القوات الأنغلوساكسونية والمواقف السياسية العلنية من ذلك. لكنه وفي المرحلة التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق وسقوط العاصمة بغداد في 09 إبريل من عام 2003 بدت الأمور أكثر خطورة بعد انهيار ثقل عربي في المنطقة الشمالية المعتدلة من جنوب غرب القارة الآسيوية وتحوله إلى حالة استقطاب مفضوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية و(عجلاً سامرياً) للمصالح الغربية أو بين ما اصطلح حينه بين أوروبا القديمة والولايات المتحدة، وأيضاً تبدل الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد من طبقة حزبية تاريخية ساهمت (رغم علمانيتها المتطرفة) في إبقاء الحكم فيه سُنياً لكنها في الوقت نفسه ظلت طبقة مأمونة العواقب بسبب ضعفها وانكفائها بفعل حربي الخليج الأولى والثانية والحصار الدولي عليها إلى طبقة سياسية جديدة ومتحاصصة ليست لها علاقات دولية (سوى مع واشنطن ولندن) وإقليمية (سوى مع طهران) بالقدر الذي يُؤمن للحاضنة الجغرافية مزيداً من الثقة والطمأنينة، خاصة أنها طبقة بدأت في مُزاحمة دول الخليج بعلاقاتها مع الولايات المتحدة التي سعت إلى مفاضلة طارئة مع وجود 11 في المائة من احتياطيات النفط العالمية في جوف الأرض العراقية. كما أن الحكومات المتعاقبة على حكم العراق بعد الاحتلال وبفعل ديموغرافية البلد كانت ولا تزال حكومات تتمتع بعلاقات غائرة مع إيران إن لم تكن من (الجنبة) السياسية فبفعل (الجنبة) العقائدية التي بدأت تنشط بعد استقواء أطراف عراقية أخرى بدول إقليمية وكبرى في صراعها مع القوى الأخرى داخل النسيج السياسي الجديد، وهي كلها أمور بدأت دول الخليج تنظر إليها بمزيد من الترقب والحساسية وصلت إلى حد الخلاف مع الإدارة الأمريكية حول طبيعة المصالح القائمة وتحديد بوصلتها في المنطقة، لكن تسارع وتيرة الأحداث والضغط الأمريكي المتصاعد دفعا دول الخليج لأن تُبدي تجاوباً في علاقاتها مع بغداد عبر حسابات دقيقة أبرزها رغبة دول مجلس التعاون في الإعلان عن المجلس الخليجي-العراقي بغية تطوير العلاقات بين الجانبين والحد من التدخلات الخارجية في الشؤون العراقية، وأيضاً إعلان المملكة العربية السعودية رغبتها في فتح سفارة لها في بغداد.

وفي موضوع الضفة الأخرى من الخليج، حيث إيران، فقد تباينت مواقف دول المجلس حيالها منذ البداية أيضاً، فسلطنة عُمان حافظت على علاقاتها مع طهران إلى الحد الذي دفعها إلى توقيع تفاهم شبه عسكري/أمني معها، كما أن دولة الإمارات ورغم الخلاف على موضوع الجزر الثلاث المحتلة لم يمنعها ذلك من إبرام صفقة لشراء الغاز الطبيعي الإيراني، وقيام قطر بشراء المياه الإيرانية من نهر قارون والتسوية القانونية لحقل الشمال (أو بارس الجنوبي) مع طهران، وإنهاء الكويت لمسألة الجرف القاري بينها وبين إيران، وإبرام البحرين معها صفقة لشراء الغاز الطبيعي الإيراني، بينما بقيت علاقات المملكة العربية السعودية مع طهران تقتصر على التشجيع لقيام علاقات أوثق رغم حاجة الرياض إلى الغاز وإلى السوق الإيرانية بشكل عام. وبين كل تلك السياسات الانفتاحية على إيران والتي قامت بها دول الخليج كانت الأزمنة والحُقب بينها متباعدة إلى حد ما قد تصل إلى بحر عقد من الزمن، وربما كان إدراك الدول الست أن ما بين اشتراط الصداقة والعداوة بالمصالح، (تَتَشَمّع) علاقات الدول أو (تَتَزَيّت) جعلها تدفع باتجاه الوقوف بين متطلبات الجيرة الضامنة وأهمية العلاقة التاريخية مع الغرب، فهي وإن كان ناتجها المحلي يفوق السبعمائة وخمسة عشر مليار دولار ونصيب الفرد السنوي يفوق العشرين ألف دولار، إلا أنها في نهاية المطاف لا تزيد مساحتها الإجمالية على 2673 ألف كم مربع، وسكان لا يتجاوز عددهم 35.1 مليون نسمة نصفهم دون سن العشرين، لذا فهي تدرك حجم التحديات المحيطة بها، وضرورة السعي إلى إبعاد المنطقة عن أي توترات سياسية أو اقتصادية، خاصة أن 40 في المائة من الطاقة العالمية يخرج من جوفها يومياً عبر مضيق هرمز، وربما أرادت دول المجلس تعويض تعاونها المبني في الأغلب على أنظمة تصدر من أجل توثيق التعاون الاقتصادي والاجتماعي والأمني بـ (تصفير) مشكلات الإقليم والعلاقات المستقرة مع دول الجوار وخاصة إيران، وربما كانت دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور اجتماعات الدورة الثامنة والعشرين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في الدوحة مؤشراً نوعياً لعلاقة أوثق مع طهران، فهي المرة الأولى التي يُدعَى فيها رئيس إيراني لحضور اجتماعات قادة دول مجلس التعاون، كما أن الدعوة الخاصة التي وجهها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز للرئيس أحمدي نجاد لأداء فريضة الحج بصفة ضيف خاص تصب في الاتجاه نفسه.

قمة الدوحة 2007 قد تكون القمة الثالثة من حيث الأهمية في مسيرة مجلس التعاون الخليجي

التحدي الإقليمي الثالث الذي يواجه دول الخليج والمرتبط في جزء منه بالتنمية والبيئة، هو موضوع المياه، فمنطقة الخليج ومنذ انحسار العهد الجيولوجي الكورسي كانت ترتكز في استحصال المياه على الآبار السطحية التي بارت مع زيادة عدد السُكان وقلة هطول الأمطار التي لا تزيد في جنوب شرق الإقليم على 600 ملم وفي الشمال الغربي على 100 ملم سنوياً، كما أن بطء تجدد مياه الخليج يُشكل عائقاً آخر، فالموجة البحرية القادمة من بحر العرب والمحيط الهندي عبر مضيق هرمز لا تأخذ دورتها على كامل الخليج إلا بعد ثلاث سنوات تقريباً وهو ما يُشكل عائقاً أمام مشاريع التحلية أو حتى مشاريع تلقيح الغيوم الركامية بكلوريد الصوديوم ويوديد الفضة للحصول على أمطار صناعية، على الرغم من أن معمل تحلية المياه في الكويت ومحطة التحلية في البحرين القائمة على التناضح العكسي ومحطة الجبيل بالسعودية والقائمة على البخر الومضي هي من أكبر محطات تحلية المياه في العالم ضمن أكثر من أربعين محطة تحلية تعمل في منطقة الخليج، لذا فإن الدول الخليجية بحاجة اليوم إلى تأمين مصادر مياه تفي بمتطلبات الزيادة السكانية والطفرة الصناعية، لذا فقد عمدت قطر إلى إبرام مشروع (الأنبوب الأخضر) لشراء المياه العذبة المتدفقة من نهر قارون، وكذلك فعلت الكويت في عام 2005 لاستيراد أكثر من 760 مليون ليتر من المياه يومياً، وهو الخيار الأفضل والأقرب لدول الخليج التي يتعذر عليها استيراد مياه لبنان أو سوريا أو العراق بسبب تعقيدات السياسة والجغرافيا أيضاً.

وفي ما يتعلق بالتحديات القادمة من خارج الإقليم فإنها تبقى تحديات شبه مُزمنة بفعل ما تتمتع به هذه المنطقة من عمق استراتيجي بالنسبة للقوى الكبرى، وأيضاً مجاورتها للعديد من الملفات المُقلقة للغرب كالملف الفلسطيني واللبناني والعراقي والإيراني، إلا أن ما يُمكن الإشارة إليه هنا هو ثلاثة تحديات مهمة ليس بالضرورة أن تبقى تحدياً سلبياً بقدر ما هي آفاق جديدة تحتاج إلى حسابات من نوع خاص 

روسيا: يسعى الروس من خلال إعادة تفعيل دورهم الإقليمي والعالمي إلى توسيع علاقاتهم الخارجية واستخدام أفضل الأوراق لتحقيق تلك الاستراتيجية، فوصولهم إلى المياه الدافئة في منطقة الخليج هدف قديم سعت وتسعى إليه موسكو، وقد أعقب الزيارات التاريخية للرئيس فلاديمير بوتين إلى كل من الرياض والدوحة تسيير موسكو لأساطيل حربية في البحار الدولية والمياه الدافئة في شمال شرقي المحيط الأطلسي والبحر المتوسط بالاعتماد على قاعدة طرطوس العسكرية السورية. وبالرجوع إلى الخلاف الروسي-الأمريكي حول الدرع الصاروخية والتعاطي مع الملف النووي الإيراني فإن دول الخليج بحاجة إلى سياسة متوازنة تبعدها عن مساحة التنافس القاسي بين موسكو والغرب، إلا أنها أيضاً قادرة على استثمار الترتيبات الدولية الجديدة التي ظهرت فيها موسكو لاعباً حقيقياً، وخاصة الاستثمار في مجال الأمن الذي تمتلك فيه روسيا قدرة واضحة، فهي في النهاية تبقى المُورد الوحيد والحصري للمشروع النووي الإيراني الذي تتخوف منه دول الخليج إلى حدّ ما، وهو ما يجعل الروس قادرين على إعطاء ضمانات أمنية وسياسية لدول الخليج بشأنه، كما أن لديهم علاقات جيدة مع سوريا التي لم تعد علاقاتها بالمستوى المطلوب مع دول الخليج وبالتحديد المملكة العربية السعودية، وهو ما يعني قدرة موسكو على التدخل في هذا الإشكال الذي قد يُحلحل تقاطع الموقفين السوري والسعودي في لبنان والعلاقة مع المنظمات الفلسطينية. وفي توشيج العلاقات الاقتصادية بين الخليج وروسيا كانت الرياض سباقة في إبراز ذلك التعاون مع الروس منذ عام 1994 في مجال الغاز والطاقة الكهربائية ومنشآت تصدير الغاز الطبيعي المسال وتحلية مياه البحر وتنشيطه في عام 2003 تلتها دولة الإمارات العربية المتحدة بميزان تجاري جيد وسلطنة عُمان بالمساهمة في خطوط أنابيب نفط بحر قزوين والمجال الكازاخستاني، والبحرين من خلال الخدمات النفطية وبنكي (روسكي كرديت بنك) و(مي تو إتش كومبانك) والكويت بالاستثمار في مرفأ موماشك في الشمال الروسي، وعلى الرغم من عدم تخطي التعاون الخليجي-الروسي حدود التعاون الصناعي إلى الاستفادة من الخبرات الروسية في المجالات النووية وصفقات التسلح إلا أنها تبقى مؤشرات جيدة.

الهند: تُشكل الهند في شرق القارة العجوز قوة اقتصادية وبشرية ضخمة بدأت في لفت الأنظار بصورة أكثر جدية، حيث يُتوقع لها أن تكون خامس قوة اقتصادية في العالم، وهي وعلى الرغم من صراعها المفتوح والمُزمن مع باكستان الحليف الجنوبي لدول الخليج إلا أنها استطاعت أن تفتح لها خطوط اتصال قوية في المنطقة وخاصة في مجال العمالة والمبادلات التجارية التي تجاوزت السبعة عشر مليار دولار قبل سنتين مع العالم العربي واستثمارات خليجية في الهند تتجاوز الملياري دولار. ويدرك الهنود بطبيعة الحال أن دول الخليج ستقوم بتوقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي بداية عام 2008، وتسعى هذه الدول أيضاً إلى توقيع اتفاقيات مع سنغافورة والصين وتركيا ومع الهند أيضاً وهي فرصة لتشييد علاقة وطيدة بينها وبين منطقة الخليج التي تُصدر إلى نيودلهي ثلثي احتياجاتها من النفط، بل إن تلك النسبة مُرشحة للارتفاع لتصل إلى 85 في المائة مع حلول عام 2020م، كما أن وزير التجارة الهندي توقع خلال مؤتمر مسقط في إبريل من عام 2006 أن تتفوق دول الخليج على الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح أكبر شريك تجاري مع بلاده في غضون عامين فقط. وإذا ما قدرت الدول الست هذا التحدي بحسابات وتوازنات سياسية واقتصادية دقيقة فإنها ستربح شريكاً جديداً رغم تاريخيته في المنطقة، سيوفر لها العديد من الخيارات التي كانت حكراً في وقت سابق على أوروبا والولايات المتحدة.

تسارع وتيرة الأحداث والضغط الأمريكي المتصاعد دفعا دول الخليج لأن تُبدي تجاوباً في علاقاتها مع بغداد

الصين: تعتبر الصين ثالث أكبر بلد في العالم من حيث المساحة بعد روسيا وكندا، وربما اكتسبت أهميتها من خلال ثلاثة أمور: الأول جغرافيتها التي سمحت لها بالتجاور مع أربع عشرة دولة، الأمر الذي فتح بينها وبين العالم مصالح متشابكة وعلاقات دبلوماسية مباشرة وغير مباشرة. والثاني هو القوة البشرية الكبيرة التي تمتلكها والتي تجاوزت المليار ومائتين وخمسين مليون نسمة وما تُمثله من أساس قوي في مفهوم الأمن القومي. والثالث هو الخيارات الاقتصادية الهائلة التي منحتها القدرة على مناكفة أكبر قوة اقتصادية عالمية وهي الولايات المتحدة الأمريكية، لذا فهي تبقى محل اهتمام الكثير من الخواصر السياسية والاقتصادية في العالم. وبالنسبة لدول الخليج فإن الاهتمام يبدو متبادلاً، فهذه الدول ورغم أن مبادلاتها مع بكين لم تزد على أربعة عشر مليار دولار العام الماضي، إلا أن التوقعات تشير إلى أنه سترتفع بنسبة عشرين في المائة، خاصة أن المباحثات بين دول المجلس والصين حول إقامة منطقة تبادل تجاري حر بينهما بدأت منذ بداية عام 2005، وبما أن العلاقات في مجال الطاقة هي الأساس في هذه الشراكة فإن الأمر يعني أنها ستتحول بشكل آلي إلى علاقات استراتيجية. وإذا ما سعت دول الخليج إلى تحويل جزء من استثماراتها من أوروبا إلى الصين فإنها حتماً ستكسب قيمة اقتصادية قد تتخلص بفضلها من المرض النفطي (The Oil Disease) وما يُلحقه من تبعية الدولة الريعية إلى الخارج وتبعية المجتمع المدني إزاء هذه الدولة. وقد تستفيد دول الخليج من حاجات الصين المتصاعدة للطاقة بأن تتحول إلى شريك أساسي بديل عن نفط القارة السمراء، الأمر الذي يؤهلها لأن تصبح نقطة ارتكاز أساسية للصين في المنطقة.

وفي النهاية لا بد من الإشارة هنا إلى أن قمة الدوحة 2007 قد تكون القمة الثالثة من حيث الأهمية في مسيرة مجلس التعاون الخليجي بعد الإعلان الأول عن قيام المجلس في عام 1981 وقمة الكويت التي تلت التحرير في عام 1991، فهي قمة جاءت متزامنة مع مؤتمر (أنابوليس) للسلام، وأيضاً دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور القمة وصدور تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي المُعنون بـ (إيـران: النيات والقدرات النووية) الذي أخرج طهران من دائرة الشك حين برأها من امتلاك برنامج نووي للأغراض العسكرية منذ عام 2003، وبالتالي فإن الكثير من القضايا والتحديات بدأت في الظهور على صفيح السياسات الدولية، الأمر الذي يتطلب خيارات خليجية مناسبة للتعامل معها بأفضل الوسائل والآليات.

::/fulltext::
::cck::2157::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *