الحصاد المر لسنوات الاحتلال الخمس ماذا جنى العراقيون من الديمقراطية والتحرير؟

::cck::2163::/cck::
::introtext::

بدخول الاحتلال سنته السادسة في العراق فإن الحسابات التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية في غزوها للعراق خرجت عن كل الاحتمالات التي رسمتها لبلد عدته من إحدى الدول المارقة أو ما سمته محور الشر وعلى وفق معطيات السنوات الخمس وما رشح منها، أدى الغزو الأمريكي إلى تدمير الحاضر العراقي والمستقبل في الوقت نفسه، من خلال وضع الأضداد في عراق يقف عند حصيلة حروب دموية بدأت ولم تنته نتيجة لتكريس ثقافة الانتقام والعزل الاجتماعي التي تمتد جذورها إلى لحظة تأسيس الدولة عام 1921 م.

::/introtext::
::fulltext::

بدخول الاحتلال سنته السادسة في العراق فإن الحسابات التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية في غزوها للعراق خرجت عن كل الاحتمالات التي رسمتها لبلد عدته من إحدى الدول المارقة أو ما سمته محور الشر وعلى وفق معطيات السنوات الخمس وما رشح منها، أدى الغزو الأمريكي إلى تدمير الحاضر العراقي والمستقبل في الوقت نفسه، من خلال وضع الأضداد في عراق يقف عند حصيلة حروب دموية بدأت ولم تنته نتيجة لتكريس ثقافة الانتقام والعزل الاجتماعي التي تمتد جذورها إلى لحظة تأسيس الدولة عام 1921 م.

إن قراءة متأنية للمشهد العراقي تذهل أي مراقب منصف، حتى عدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقريرها الأخير وتقييمها لنتائج الغزو الأمريكي للعراق وما وصلت إليه الحالة العراقية أنه الأسوأ في العالم، بل وصفت اللجنة العراق بأنه الأخطر والمهدد لملايين العراقيين الذين مازالوا يفتقرون إلى أبسط المقومات الحياتية كالمياه النظيفة والخدمات الطبية والطاقة الكهروبائية واضطرار الملايين من العراقيين إلى مغادرة البلاد حتى بلغوا ما يزيد على 4 ملايين في الخارج وأكثر من مليوني نازح في الداخل، أي أن ثلث المجتمع العراقي أعطب اجتماعياً وإنسانياً نتيجة للغزو والسياسة الأمريكية المتذبذبة من خلال سياسة حل الدولة الذي تلى الغزو وعدم التهيئة في التعامل مع متغيرات البيئة العراقية لاسيما انهيار الطبقة الوسطى وتدمير القاعدة العلمية التي أنفق عليها العراق عشرات المليارات طيلة الثمانين عاماً الماضية.

وفي عودة إلى تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر فإن أكثر من 2200 طبيب وممرض عراقي قتلوا و250 اختطفوا منذ عام 2003 وأكثر من 20000 من الكوادر الطبية من مجموع 34000 اضطروا إلى مغادرة البلاد منذ الغزو الأمريكي، واختفى عشرات الآلاف منذ التاسع من إبريل 2003، كما اغتيل أكثر من 5000 عالم عراقي ومهندس، وحرقت آلاف المجلدات العلمية في مراكز الأبحاث، وأتلفت الذاكرة العراقية بحرق أرشيف الدولة وخزائن المخطوطات، ونهبت المؤسسة العلمية والثقافية بنسبة 80 في المائة من موجودات الدولة العراقية، ونهب المتحف العراقي الذي يضم نفائس الإرث الإنساني للحضارات الأربع وهي السومرية والآشورية والأكدية والبابلية إضافة إلى موروث خمسة قرون من الفترة العباسية التي كانت بغداد عاصمة لها. وإذا كان المتفائلون بتدارك الوضع العراقي يرجحون إمكانية استرجاع ما سرق، لكنهم في أحسن الأحوال لا يستطيعون مطلقاً أن يتفاءلوا بما دمر وقتل وشرد من الحصيلة العلمية العراقية، فعلماء الطاقة الذرية ومراكز الأبحاث النوعية وأساتذة الجامعات الذين درسوا في أرقى الجامعات العالمية في الغرب اختفوا وذابوا كقطع الملح في الماء.

إن ما يهدد البيئة المجتمعية العراقية هو ذلك الانقلاب التام في الوجود العراقي والوظيفة الحضارية لعموم المجتمع العراقي، ففي بعده السياسي فإن اقتطاع العراق القسري من محيطه العربي وتواصله مع خيارات أمته العربية وبروز ظاهرة (الثيوقراطية) في إدارة شؤون العراق وتحكم رجال الدين في مقدرات المجتمع تشكل تهديداً خطيراً في توجه العراق وخياراته المستقبلية، حيث إن ذلك ولّد صراعاًَ طائفياً حصيلته أكثر من مليون قتيل في حرب إبادة متبادلة بين المذاهب والملل والنحل في فتنة كبرى معاصرة يشهدها العراق شرذمت بناءه المجتمعي، وفرضت نوعاً جديداً من السلطة التي تحكمها ظاهرة (سيطرة رجل الشارع على رجل السياسة) التي لطالما حذر منها علماء السياسة والمصلحون المعاصرون للمجتمع البشري، كما أن تداخل السلطات ونظام المحاصصة الطائفية المفروض على المجتمع وفي دستور البلاد الجديد وضعا لغماً لا مناص من تفجره في أي لحظة.

تحكم رجال الدين في مقدرات المجتمع يشكل تهديداً خطيراً في توجه العراق وخياراته المستقبلية

ومن ناحية أخرى فإن وضع العراق تحت قرار مجلس الأمن 1564 الذي أنهى الاحتلال، وأعاد السيادة للعراقيين صورياً، وتغيرت بموجبه اسم قوات الاحتلال إلى قوات متعددة الجنسيات لكنه في الوقت ذاته منح هذه القوات مهمات قوات الاحتلال نفسها، حيث نصت الفقرة العاشرة للقرار (يقرر أن تكون القوة متعددة الجنسيات سلطة اتخاذ كل التدابير اللازمة في مساهمة صون الاستقرار في العراق)، وهذا يعني بشكل واضح أن العراق فعلياً لا يزال تحت هيمنة القوات المحتلة التي وضعت مستشارين متحكمين في كل مفاصل الدولة العراقية، ولم يلغ القرار 1564 وضع العراق تحت البند السابع، أي أنه لا يزال معاقباً تطبق بحقه الوصايا الدولية.

أما البعد الإنساني فإن منظمة العفو الدولية تناولت أوضاع حقوق الإنسان في العراق بعد مرور خمس سنوات، ووصفت تلك الأوضاع بـ (الكارثية)، فقد أصبح العراق من أخطر دول العالم، بل ذهبت بعيداً بأن حكم القانون والتعافي الاقتصادي أصبحا حلماً بعيد المنال، فالغالبية المجتمعية تعاني من الفقر والبطالة التي زادت نسبتها على 60 في المائة، ويورد التقرير أن 4 من عشرة عراقيين لا يتقاضون أكثر من دولار واحد في اليوم، أي أن العراق يقع ضمن دول الفقر المدقع، وانهار النظام التعليمي والرعاية الصحية، وتتعرض المرأة إلى ما يشبه الردة نتيجة لاعتداءات المتطرفين لاسيما ما تقوم به الميليشيات في فرض قيود التحجب والحجر على المرأة في وقت تفخر فيه المرأة العراقية بأنها أول من (استوزرت) لتكون أول وزيرة عربية حين تسلمت السيدة نزيهة الدليمي أول وزارة في الحكم الجمهوري الأول عام 1958، إلا أن المرأة اليوم والتهديدات المكبلة لها جعلتها في الخلف على الرغم من نسبة 25 في المائة من البرلمان المخصصة للنساء والتي تفرضها القوى المشاركة في الحكم.

أما البعد الاقتصادي فإن الدولة العراقية تعد من أكثر الدول فساداً في العالم وهذا ما تؤكده تقارير دوائر النزاهة الحكومية التي شخصت سرقة عشرات المليارات من ميزانية الدولة العراقية والاقتصاد العراقي الضعيف أصلاً نتيجة لتدمير بنيته التحتية وحصيلة الحروب التي ورثتها الدولة الحالية، فتقدر حاجة العراق لإعادة هذه البنية التحتية إلى أكثر من تريليون دولار (ألف مليار دولار). فقد انهار القطاع العام وتوقف أكثر من ثلاثين ألف مصنع وورشة صغيرة، وأغلقت مصالح كاملة نتيجة للعامل الأمني المتدهور والاستهداف وعمليات الخطف والتهديد، إضافة إلى توقف الطاقة الكهربائية، وانتقلت رؤوس الأموال العراقية إلى بلدان خارج العراق، والأكثر ضرراً كان تفكيك المؤسسة العسكرية العراقية التي تقدر موجوداتها بأربعمائة مليار دولار واختفاء المعادن كالحديد والنحاس وسواهما التي كان من الممكن أن تستثمر في بناء العراق الجديد.

كما أدى انهيار القاعدة الزراعية والإهمال الذي عانته الأراضي الزراعية إلى تفاقم ظاهرة التصحر والاعتماد الكلي على الواردات الخارجية، واعتمد القطاع التجاري على سوق المضاربات والواردات من السلع الاستهلاكية مما أنهك الاقتصاد العراقي بانتقال أمواله إلى الخارج، وكان لتأخر قانون الاستثمار أبلغ الأثر في هروب رؤوس الأموال العراقية إلى الخارج ونقلها إلى دول الجوار، وهذا وسواه الكثير لاسيما اعتماد الاقتصاد العراقي على مورد واحد هو النفط جعل هذا الاقتصاد شبه مشلول وأحادياً يتعرض إلى الهزات المتواصلة فقد بلغ ما أنفقته وزارة النفط العراقية على سبيل المثال عشرة مليارات دولار على إصلاح أنابيب النفط التي تستهدف كل يوم. وهذه الحصيلة من دون شك امتداد لأوضاع الحصار التي مر بها العراق طيلة عقد التسعين حتى الغزو الأمريكي عام 2003.

إن ما يهدد المجتمع العراقي اليوم، إضافة إلى ما ذكر، هو الإدارة المتخلفة لعموم مفاصل المجتمع التي فقدت مقومات التواصل مع المعطيات المعاصرة والتي لا شك في أنها امتداد لمجتمع الحصار الذي أقصي من التواصل مع المعطيات التكنولوجية الحديثة وغياب القوى الفاعلة من جيوش التكنوقراط الذين كان بالإمكان تحويلهم إلى المجتمع المدني من دون قصاص أو اجتثاث وحصر مسؤولية ما جرى بمرتكبي الجرائم لا غير. لقد أفرز هذا الوضع ظاهرة غاية في الخطورة هي البطالة التي تزيد نسبتها على 60 في المائة من عموم المجتمع العراقي والتي تجعل خيار الانخراط في الميليشيات الأقرب للعيش.

وفي الوقت الذي يمكن فيه تخطي الأزمة المدنية المتراجعة، والتي توسم المجتمع العراقي الجديد، وتجعل المنظمات الدولية تضعه على سلم الأسوأ في العالم، وإمكانية تخطي المشكل الثقافي كون الثقافة المجتمعية العراقية غير طائفية، وتخطي المشكل السياسي بالتوافق بعد حين، لكن ظاهرة القتل التي تسببت باغتيال أكثر من مليون إنسان خلال السنوات الخمس الماضية في مجتمع عشائري ثائري النزعة تسود فية قيم البداوة في أغلب مفاصله سوف تجعل الحديث عن المصالحة المجتمعية فضفاضاً وبعيد المنال والتحقق.

أخيراً إن الحرب على العراق أكدت بما لا يقبل الشك فشل المشروع الأمريكي الذي كان يسعى إلى ترسيخ ظاهرة (شرق أوسط جديد) وتعميمه من العراق لمجاوريه، وستجعل المؤرخين لهذه المرحلة يجتهدون في وضع أوصاف لها، لكنها في كل الأحوال ستقود المنطقة إلى حروب أخرى.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2163::/cck::
::introtext::

بدخول الاحتلال سنته السادسة في العراق فإن الحسابات التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية في غزوها للعراق خرجت عن كل الاحتمالات التي رسمتها لبلد عدته من إحدى الدول المارقة أو ما سمته محور الشر وعلى وفق معطيات السنوات الخمس وما رشح منها، أدى الغزو الأمريكي إلى تدمير الحاضر العراقي والمستقبل في الوقت نفسه، من خلال وضع الأضداد في عراق يقف عند حصيلة حروب دموية بدأت ولم تنته نتيجة لتكريس ثقافة الانتقام والعزل الاجتماعي التي تمتد جذورها إلى لحظة تأسيس الدولة عام 1921 م.

::/introtext::
::fulltext::

بدخول الاحتلال سنته السادسة في العراق فإن الحسابات التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية في غزوها للعراق خرجت عن كل الاحتمالات التي رسمتها لبلد عدته من إحدى الدول المارقة أو ما سمته محور الشر وعلى وفق معطيات السنوات الخمس وما رشح منها، أدى الغزو الأمريكي إلى تدمير الحاضر العراقي والمستقبل في الوقت نفسه، من خلال وضع الأضداد في عراق يقف عند حصيلة حروب دموية بدأت ولم تنته نتيجة لتكريس ثقافة الانتقام والعزل الاجتماعي التي تمتد جذورها إلى لحظة تأسيس الدولة عام 1921 م.

إن قراءة متأنية للمشهد العراقي تذهل أي مراقب منصف، حتى عدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقريرها الأخير وتقييمها لنتائج الغزو الأمريكي للعراق وما وصلت إليه الحالة العراقية أنه الأسوأ في العالم، بل وصفت اللجنة العراق بأنه الأخطر والمهدد لملايين العراقيين الذين مازالوا يفتقرون إلى أبسط المقومات الحياتية كالمياه النظيفة والخدمات الطبية والطاقة الكهروبائية واضطرار الملايين من العراقيين إلى مغادرة البلاد حتى بلغوا ما يزيد على 4 ملايين في الخارج وأكثر من مليوني نازح في الداخل، أي أن ثلث المجتمع العراقي أعطب اجتماعياً وإنسانياً نتيجة للغزو والسياسة الأمريكية المتذبذبة من خلال سياسة حل الدولة الذي تلى الغزو وعدم التهيئة في التعامل مع متغيرات البيئة العراقية لاسيما انهيار الطبقة الوسطى وتدمير القاعدة العلمية التي أنفق عليها العراق عشرات المليارات طيلة الثمانين عاماً الماضية.

وفي عودة إلى تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر فإن أكثر من 2200 طبيب وممرض عراقي قتلوا و250 اختطفوا منذ عام 2003 وأكثر من 20000 من الكوادر الطبية من مجموع 34000 اضطروا إلى مغادرة البلاد منذ الغزو الأمريكي، واختفى عشرات الآلاف منذ التاسع من إبريل 2003، كما اغتيل أكثر من 5000 عالم عراقي ومهندس، وحرقت آلاف المجلدات العلمية في مراكز الأبحاث، وأتلفت الذاكرة العراقية بحرق أرشيف الدولة وخزائن المخطوطات، ونهبت المؤسسة العلمية والثقافية بنسبة 80 في المائة من موجودات الدولة العراقية، ونهب المتحف العراقي الذي يضم نفائس الإرث الإنساني للحضارات الأربع وهي السومرية والآشورية والأكدية والبابلية إضافة إلى موروث خمسة قرون من الفترة العباسية التي كانت بغداد عاصمة لها. وإذا كان المتفائلون بتدارك الوضع العراقي يرجحون إمكانية استرجاع ما سرق، لكنهم في أحسن الأحوال لا يستطيعون مطلقاً أن يتفاءلوا بما دمر وقتل وشرد من الحصيلة العلمية العراقية، فعلماء الطاقة الذرية ومراكز الأبحاث النوعية وأساتذة الجامعات الذين درسوا في أرقى الجامعات العالمية في الغرب اختفوا وذابوا كقطع الملح في الماء.

إن ما يهدد البيئة المجتمعية العراقية هو ذلك الانقلاب التام في الوجود العراقي والوظيفة الحضارية لعموم المجتمع العراقي، ففي بعده السياسي فإن اقتطاع العراق القسري من محيطه العربي وتواصله مع خيارات أمته العربية وبروز ظاهرة (الثيوقراطية) في إدارة شؤون العراق وتحكم رجال الدين في مقدرات المجتمع تشكل تهديداً خطيراً في توجه العراق وخياراته المستقبلية، حيث إن ذلك ولّد صراعاًَ طائفياً حصيلته أكثر من مليون قتيل في حرب إبادة متبادلة بين المذاهب والملل والنحل في فتنة كبرى معاصرة يشهدها العراق شرذمت بناءه المجتمعي، وفرضت نوعاً جديداً من السلطة التي تحكمها ظاهرة (سيطرة رجل الشارع على رجل السياسة) التي لطالما حذر منها علماء السياسة والمصلحون المعاصرون للمجتمع البشري، كما أن تداخل السلطات ونظام المحاصصة الطائفية المفروض على المجتمع وفي دستور البلاد الجديد وضعا لغماً لا مناص من تفجره في أي لحظة.

تحكم رجال الدين في مقدرات المجتمع يشكل تهديداً خطيراً في توجه العراق وخياراته المستقبلية

ومن ناحية أخرى فإن وضع العراق تحت قرار مجلس الأمن 1564 الذي أنهى الاحتلال، وأعاد السيادة للعراقيين صورياً، وتغيرت بموجبه اسم قوات الاحتلال إلى قوات متعددة الجنسيات لكنه في الوقت ذاته منح هذه القوات مهمات قوات الاحتلال نفسها، حيث نصت الفقرة العاشرة للقرار (يقرر أن تكون القوة متعددة الجنسيات سلطة اتخاذ كل التدابير اللازمة في مساهمة صون الاستقرار في العراق)، وهذا يعني بشكل واضح أن العراق فعلياً لا يزال تحت هيمنة القوات المحتلة التي وضعت مستشارين متحكمين في كل مفاصل الدولة العراقية، ولم يلغ القرار 1564 وضع العراق تحت البند السابع، أي أنه لا يزال معاقباً تطبق بحقه الوصايا الدولية.

أما البعد الإنساني فإن منظمة العفو الدولية تناولت أوضاع حقوق الإنسان في العراق بعد مرور خمس سنوات، ووصفت تلك الأوضاع بـ (الكارثية)، فقد أصبح العراق من أخطر دول العالم، بل ذهبت بعيداً بأن حكم القانون والتعافي الاقتصادي أصبحا حلماً بعيد المنال، فالغالبية المجتمعية تعاني من الفقر والبطالة التي زادت نسبتها على 60 في المائة، ويورد التقرير أن 4 من عشرة عراقيين لا يتقاضون أكثر من دولار واحد في اليوم، أي أن العراق يقع ضمن دول الفقر المدقع، وانهار النظام التعليمي والرعاية الصحية، وتتعرض المرأة إلى ما يشبه الردة نتيجة لاعتداءات المتطرفين لاسيما ما تقوم به الميليشيات في فرض قيود التحجب والحجر على المرأة في وقت تفخر فيه المرأة العراقية بأنها أول من (استوزرت) لتكون أول وزيرة عربية حين تسلمت السيدة نزيهة الدليمي أول وزارة في الحكم الجمهوري الأول عام 1958، إلا أن المرأة اليوم والتهديدات المكبلة لها جعلتها في الخلف على الرغم من نسبة 25 في المائة من البرلمان المخصصة للنساء والتي تفرضها القوى المشاركة في الحكم.

أما البعد الاقتصادي فإن الدولة العراقية تعد من أكثر الدول فساداً في العالم وهذا ما تؤكده تقارير دوائر النزاهة الحكومية التي شخصت سرقة عشرات المليارات من ميزانية الدولة العراقية والاقتصاد العراقي الضعيف أصلاً نتيجة لتدمير بنيته التحتية وحصيلة الحروب التي ورثتها الدولة الحالية، فتقدر حاجة العراق لإعادة هذه البنية التحتية إلى أكثر من تريليون دولار (ألف مليار دولار). فقد انهار القطاع العام وتوقف أكثر من ثلاثين ألف مصنع وورشة صغيرة، وأغلقت مصالح كاملة نتيجة للعامل الأمني المتدهور والاستهداف وعمليات الخطف والتهديد، إضافة إلى توقف الطاقة الكهربائية، وانتقلت رؤوس الأموال العراقية إلى بلدان خارج العراق، والأكثر ضرراً كان تفكيك المؤسسة العسكرية العراقية التي تقدر موجوداتها بأربعمائة مليار دولار واختفاء المعادن كالحديد والنحاس وسواهما التي كان من الممكن أن تستثمر في بناء العراق الجديد.

كما أدى انهيار القاعدة الزراعية والإهمال الذي عانته الأراضي الزراعية إلى تفاقم ظاهرة التصحر والاعتماد الكلي على الواردات الخارجية، واعتمد القطاع التجاري على سوق المضاربات والواردات من السلع الاستهلاكية مما أنهك الاقتصاد العراقي بانتقال أمواله إلى الخارج، وكان لتأخر قانون الاستثمار أبلغ الأثر في هروب رؤوس الأموال العراقية إلى الخارج ونقلها إلى دول الجوار، وهذا وسواه الكثير لاسيما اعتماد الاقتصاد العراقي على مورد واحد هو النفط جعل هذا الاقتصاد شبه مشلول وأحادياً يتعرض إلى الهزات المتواصلة فقد بلغ ما أنفقته وزارة النفط العراقية على سبيل المثال عشرة مليارات دولار على إصلاح أنابيب النفط التي تستهدف كل يوم. وهذه الحصيلة من دون شك امتداد لأوضاع الحصار التي مر بها العراق طيلة عقد التسعين حتى الغزو الأمريكي عام 2003.

إن ما يهدد المجتمع العراقي اليوم، إضافة إلى ما ذكر، هو الإدارة المتخلفة لعموم مفاصل المجتمع التي فقدت مقومات التواصل مع المعطيات المعاصرة والتي لا شك في أنها امتداد لمجتمع الحصار الذي أقصي من التواصل مع المعطيات التكنولوجية الحديثة وغياب القوى الفاعلة من جيوش التكنوقراط الذين كان بالإمكان تحويلهم إلى المجتمع المدني من دون قصاص أو اجتثاث وحصر مسؤولية ما جرى بمرتكبي الجرائم لا غير. لقد أفرز هذا الوضع ظاهرة غاية في الخطورة هي البطالة التي تزيد نسبتها على 60 في المائة من عموم المجتمع العراقي والتي تجعل خيار الانخراط في الميليشيات الأقرب للعيش.

وفي الوقت الذي يمكن فيه تخطي الأزمة المدنية المتراجعة، والتي توسم المجتمع العراقي الجديد، وتجعل المنظمات الدولية تضعه على سلم الأسوأ في العالم، وإمكانية تخطي المشكل الثقافي كون الثقافة المجتمعية العراقية غير طائفية، وتخطي المشكل السياسي بالتوافق بعد حين، لكن ظاهرة القتل التي تسببت باغتيال أكثر من مليون إنسان خلال السنوات الخمس الماضية في مجتمع عشائري ثائري النزعة تسود فية قيم البداوة في أغلب مفاصله سوف تجعل الحديث عن المصالحة المجتمعية فضفاضاً وبعيد المنال والتحقق.

أخيراً إن الحرب على العراق أكدت بما لا يقبل الشك فشل المشروع الأمريكي الذي كان يسعى إلى ترسيخ ظاهرة (شرق أوسط جديد) وتعميمه من العراق لمجاوريه، وستجعل المؤرخين لهذه المرحلة يجتهدون في وضع أوصاف لها، لكنها في كل الأحوال ستقود المنطقة إلى حروب أخرى.

 

::/fulltext::
::cck::2163::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *