الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة المقاومة العراقية تغيير في أولويات الصراع
::cck::2177::/cck::
::introtext::
بعد مرور أكثر من أربع سنوات على الاحتلال الأمريكي للعراق والفشل الذي منيت بها سياسة الإدارة الأمريكية على الأرض في تحقيق تقدم ملحوظ على الصعيدين السياسي والأمني، كان عليها البدء في تقييم استراتيجيتها مستفيدة من التقارير العديدة الصادرة عن مؤسسات صنع القرار داخل الولايات المتحدة وخارجها، خاصة الموجودة في الساحة العراقية (السفارة والجيش الأمريكيان).
::/introtext::
::fulltext::
بعد مرور أكثر من أربع سنوات على الاحتلال الأمريكي للعراق والفشل الذي منيت بها سياسة الإدارة الأمريكية على الأرض في تحقيق تقدم ملحوظ على الصعيدين السياسي والأمني، كان عليها البدء في تقييم استراتيجيتها مستفيدة من التقارير العديدة الصادرة عن مؤسسات صنع القرار داخل الولايات المتحدة وخارجها، خاصة الموجودة في الساحة العراقية (السفارة والجيش الأمريكيان).
لقد اتضح للإدارة الأمريكية عقم السياسات المتبعة في مواجهة قوى المقاومة العراقية على اختلاف انتماءاتها الفكرية والقتالية، واتضح أيضاً أن سياسة مواجهة حركات المقاومة عبر قوة السلاح لا تأتي بثمارها، وعليه أصبحت إعادة النظر بالاستراتيجية القتالية الأمريكية ضرورة ملحة.
ومن دون الدخول بتفاصيل أكثر حول الإخفاقات السياسية والعسكرية للإدارة الأمريكية في العراق، بدءاً من ضعف وربما عقم أداء مخرجات العملية السياسية التي صنعتها، ممثلة في الحكومة العراقية التي ظهرت بعد مرور سنة ونصف السنة من عملها ضعيفة وغير قادرة على تنفيذ ما وعدت به في برنامجها الحكومي، مروراً بالإخفاقات العسكرية المتكررة، وصولاً إلى التورط بالخطة الأمنية التي بدأتها الحكومة العراقية التي أثبتت فشلها في حفظ النظام والأمن في بغداد العاصمة، وهو ما يؤشر إلى ضعف كفاءة الجيش والقوات الأمنية العراقية، وعدم قدرتها على تولي زمام الأمور وحدها مما يستدعي الطلب إلى ضرورة بقاء القوات الأجنبية في العراق لفترة أطول.
العراق جبهة متقدمة لمكافحة الإرهاب
إن الربط بين (الإرهاب) الدولي أو الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على (الإرهاب) وبين ضعف المؤسسات الأمنية والسياسية العراقية في مكافحة (الإرهاب)، هو الذي يحاول قسم كبير من مؤيدي الحزب الجمهوري تقديمه للناخب الأمريكي في محاولة يراد منها ترجيح فرص نجاح الجمهوريين في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة، بل إن قسماً كبيراً من العراقيين بدأوا العمل كمروجين للسياسة الأمريكية في العراق وخاصة الأحزاب الكردية؛ حيث يدرك الأكراد والشيعة على حد سواء، الذين التأموا في اتفاق رباعي في أكتوبر الماضي، خطورة تداعيات وجود إدارة جديدة قد لا تلتزم بمعطيات العملية السياسية في العراق، أو لا تجد الدافع المناسب لاستكمال المشروع الذي شرعت إدارة الرئيس بوش الابن ببنائه في العراق، الأمر الذي قد يهدد مجمل الوضع في العراق والمنطقة أو يهدد أيضاً الأحلام الكردية في الاستقلال، كما يهدد أحلام الشيعة في السيطرة على منابع النفط وإطلالتهم على الخليج والعالم العربي عبر نافدة شيعية لا تخلو من رؤية إيرانية. فسنوات الفرصة التي توفرت للقيادة الكردية والشيعة هي عرضة مرة أخرى للانهيار، وتحاول هذه القيادة إسعاف فرص نجاح حزب الرئيس لاستكمال ما بدأه. ولذلك ليس من المستغرب فهم تصريح رئيس الجمهورية العراقية الاستفزازي الذي أثار استياء عدد كبير من الساسة العراقيين بقوله (إن الولايات أصبحت أكثر أماناً والعراق أصبح أكثر عرضة للأعمال الإرهابية) بأنه يقع ضمن هذه المزاوجة أو الربط لتقديمه للناخب الأمريكي أن الخطر الأساسي على الولايات المتحدة هو الإرهاب، وأن الوجود الأمريكي في العراق يقع ضمن الضرورة التي تستدعي وجودها بصورة شبه دائمة لمكافحة (الإرهاب)، ولن يكون ذلك ممكناً بإدارة بديلة لديها أجنداتها الخاصة التي تتعارض مع ما تم في العراق، أو لا تضع العراق في سلم الأولويات، خاصة مع الضعف المتعمد والمبرمج للقوات المسلحة العراقية (الجديدة) وعدم قدرتها على تولي المهام الأمنية في المناطق السنية تحديداً.
المأزق السني
مع استمرار تكثيف الأعمال العسكرية في المناطق السنية، بالإضافة إلى حالة الاستياء العام بين صفوف أهل السنة، وغياب أي حل قريب المدى ينهي هذا الوضع في المناطق السنية، قادت هذه العوامل كلها إلى إضعاف دور القيادة السياسية للسنة وكشفهم عسكرياً وسياسياً، مقابل تصاعد قوة الأطراف الأخرى (الشيعية والكردية) وتغلغل أطراف أخرى دولية في الشأن العراقي (إيران)؛ وهو ما يفسر إشارة الرئيس العراقي مؤخراً إلى أن الوجود الأمريكي في العراق يعد مطلباً سنياً في مواجهة التهديدات الخارجية المتورطة باستهدافها للسنة من جهة، وفي مواجهة التهديدات الداخلية التي يمثلها الشيعة من جهة أخرى.
هيئة علماء المسلمين رفضت تغيير سلم أولويات الصراع لصالح مواجهة إيران
لقد ساهم الضعف الذي ظهرت به (جبهة التوافق) سياسياً أو على صعيد الميدان على الأرض، بحيث تجاذبتها أطراف مختلفة حاولت السيطرة عليها وتوجيهها في اتجاه معين؛ في استغلال التنظيمات المسلحة أو المقاومة هذا الضعف، الذي عكسته مشاركة الجبهة في العملية السياسية، الأمر الذي دفعها باعتبارها الممثل الصادق –بحد زعمها- عن توجهات شريحة واسعة من المجتمع العراقي وتحديداً السني، بل إن تجربتها في الميدان أثبتت قدرتها على تمثيل السنة وتحقيق مصالح الطائفة السنية؛ فحاولت الضغط عليها للتماشي مع توجيهاتها؛ بحيث إذا اختارت الجبهة أو القوى السياسية السنية الأخرى الاستمرار في المشاركة السياسية فإن هذا يجعلها عرضة لضغوط كبيرة من قوى المقاومة قد تصل في أغلب الأحيان إلى التصادم المسلح، فهي تسمح لهذه التيارات أو القوى السنية بالعمل السلمي ضمن معادلة العملية السياسية، لكن شرط عدم انتقاد مشروعها المتمثل في طرد المحتل، واعتبار أولوية الصراع في العراق مع الولايات المتحدة على قمة أجندتها. ولعل استهداف بعض أعضاء الحزب الإسلامي وتحديداً مقتل بعض أقارب أمين عام الحزب ونائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي باعتبار أن هذه الحوادث حملت رسالة حاولت قوى المقاومة تعميمها على القوى السنية الأخرى التي انتهجت العمل السلمي السياسي بعدم انتقاد العمل المقاوم والمسلح. ويشار في هذا الصدد إلى انسحاب النائب السني في البرلمان عبد الرحيم الجنابي وتقديم استقالته واختياره دعم العمل المسلح كونه يأتي في هذا الإطار، أي عدم قدرته على التماشي بعيداً عن ضغوط قوى المقاومة السنية المسلحة الناشطة في المناطق الغربية.
وفي هذا الإطار يمكن تفسير ارتفاع حدة التوتر بين بعض فصائل المقاومة ورجال دولة العراق الإسلامية التابعة لتنظيم القاعدة؛ فقد حاولت الأخيرة فرض المعادلة الجديدة على الأرض بعد فشلها (القوى السنية السياسية) في تمثيل أنسب للسنة داخل العملية السياسية وإقرار قانون الأقاليم في البرلمان، وهو ما اعتبر بمثابة تقسيم للعراق، ومحاولة بعض هذه القوى أو الكتل السياسية السنية الاستمرار في العملية السياسية بعيداً عن استراتيجية المقاومة (مثل تجربة جبهة التوافق)؛ بل إن البعض اختار مهاجمة العمل المسلح مروجاً للمشروع السياسي القائم من خلال استيعاب الحركات المسلحة في العملية السياسية عبر الاستفادة من نفوذها لدى العشائر في المنطقة الغربية مثال (الحزب الإسلامي)؛ والبعض الآخر حاول تغيير سلم الأولويات في مواجهة الاحتلال الأمريكي مقدماً حججاً للتعامل مع المحتل الأمريكي لمواجهة الخطر الإيراني في هذه المرحلة خاصة بعد تصاعد أعمال القتل والاغتيال والتهجير على أساس طائفي مثل (تجربة تنظيم أبو عزام أو ثوار العامرية)، وقوى محلية أخرى وجدت بمساعدة الجيش الأمريكي ومباركة الحكومة العراقية فرصة لتحقيق منافع خاصة وصلت لدى البعض منهم إلى أحد تقديم نفسه كونه ممثلاً جديداً وبديلاً عن القيادة السنية الحالية، حتى لو اقتضى الأمر القبول بالمشروع السياسي برمته من دون أي تحفظات على خلاف وجهات النظر والآراء والمطالب التي قدمها السنة عبر ممثليهم في الفترة الماضية مثل (تجربة مجالس الإنقاذ).
الاحتلال الأمريكي وضرورة تغيير أولوية الصراع
لقد أفرز هذا الحراك داخل البيت السني جملة من التداعيات المختلفة، لعل أبرزها الإرباك الذي طال العمل المسلح نتيجة لتعدد وجهات النظر مع تعدد الفصائل والمشاريع المطروحة للخروج من حالة الفوضى التي يواجهها البيت على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ بحيث وصلت إلى حد اقتتال بعض القوى أو الفصائل المسلحة فيما بينها، مما نوَّع من التكتيكات المتبعة لدى إدارة الاحتلال في مواجهة قوى المقاومة مستغلة هذه الظروف لصالحها.
ونجد أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أحد أهم الخلافات التي اشتعلت بين الجيش الإسلامي والتنظيمات المقاومة الأخرى مثل (كتائب ثورة العشرين) وبين (تنظيم القاعدة). فكما قلنا حاولت دولة العراق الإسلامية فرض المعادلة الجديدة عبر استهداف واغتيال الشخصيات السياسية والعشائرية التي شاركت في العملية السياسية أو المؤيدة لها؛ فتنظيم القاعدة أجاز هذا الأمر كونه يعد بمثابة محاربة الاحتلال وعملائه وهو ما رفضته قيادة الجيش الإسلامي أو بالأحرى قوى المقاومة السنية بالعموم، طالما أن هؤلاء المستهدفين جزء من العشائر العراقية التي ترتبط مع رجالات المقاومة بروابط عشائرية ومصاهرة. وكان حجم هذه التداعيات عميقاً على وحدة بعض الفصائل مثل كتائب ثورة العشرين التي طالها الانقسام بعد مقتل أحد أهم قياديها على يد رجال دولة العراق الإسلامية. وكانت نتيجة هذا الاقتتال انشقاق جزء من الكتائب تحت اسم (حماس العراق). وللحزب الإسلامي إسهام واضح في بناء هذا التوجه داخل الكتائب من خلال دعم أبناء العشائر الموالية للحزب.
الولايات المتحدة وجدت بدعم أطراف سنية ضد العدو المشترك (إيران) وسيلة كفيلة بإرباك وإضعاف المقاومة
ويتبع الحزب الإسلامي استراتيجية لتحقيق هذه الغاية من خلال تقديم وتأخير الأولويات في الصراع المسلح ضد الاحتلال الأمريكي؛ فقد أشار عبد الكريم السامرائي وهو رئيس لجنة الدفاع في البرلمان العراقي عن الحزب الإسلامي مؤخراً في أحد المؤتمرات في العاصمة الأردنية عمان، إلى أن الخطر الإيراني هو أشد وأفتك من الاحتلال الأمريكي، وأنه يجب وضع مواجهة الاحتلال الإيراني على سلم الأولويات، في إشارة فهم منها أنه يدعو إلى التعاون مع قوات الاحتلال لاستئصال النفوذ والخطر الإيراني؛ ولعل السيد (أبو عزام) -وهو قائد وحدة سنية من المتطوعين في مدينة الأنبار قوامها ستة عشر ألف متطوع- كان أكثر وضوحاً باعترافه بالتعاون مع القوات الأمريكية لغايات مواجهة الخطر الإيراني، باعتبار أن هذا الاحتلال له الأسبقية والأهمية؛ فالاحتلال الأمريكي كما يقول يعلن عن نيته في الانسحاب من العراق على عكس إيران التي أعلن رئيسها مؤخراً أحمدي نجاد أن بلاده مستعدة لملء الفراغ الأمني الذي سيحدثه الانسحاب الأمريكي من العراق.
وأكد الموقف داخل البيت السني في بدايات الاحتلال وإلى الوقت الحاضر على دعم وإسناد المجهود المسلح، وكان لهيئة علماء المسلمين عبر رئيسها موقف ثابت في التعبير عن دعم العمل المسلح ضد الاحتلال الأمريكي رافضاً تغيير سلم الأولويات في الصراع لصالح مواجهة إيران، معتبراً أن الاحتلال الأمريكي بمثابة السفينة التي إذا غرقت فستغرق معها بقية (الاحتلالات) التي جاء بها، ومن ضمنها الاحتلال الإيراني، لذلك فهو يرفض تغيير سلم الأولويات بالصورة التي تؤيدها تنظيمات سنية أخرى وجدت بالتعاون مع أمريكا حلاً لإنهاء الخطر التي تمثله إيران، وهو الدور الذي عبر عنه تنظيم مثل تنظيم (أبو عزام) الذي من المتوقع انتقال تجربته إلى المناطق الأخرى فيما يمكن وصفه بأفواج الدفاع.
وتدرك الهيئة بقيادتها خطورة تغيير الأولويات في الصراع بالعراق على وحدة العشائر العراقية في الأنبار والمدن والمناطق السنية الأخرى مثل ديالى، هذه العشائر التي تحالف قسم كبير منها مع التنظيمات المسلحة، بحيث كانوا العامل الأساسي في احتضان المقاومين وإسنادهم لوجستياً؛ فتغيير الأجندة يعني تغيراً في أحد أهم العوامل المساندة للعمل المقاوم وتهديداً للبنى الاجتماعية الحاضنة للعمل المقاوم.
مجالس الإنقاذ وأفواج الدفاع: جزء من الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة المقاومة
مجالس الإنقاذ: شعرت أطراف حكومية وأمريكية بضعف تمثيل الجماعات السياسية السنية للعراقيين على العموم، وأدركت أهمية استبدالها طالما أنها غير قادرة على التحرر من سيطرة ونفوذ التنظيمات المسلحة السنية. ولذلك شجعت هذه الأطراف على نشأة مجالس من أهالي السنة في مناطقهم السكنية؛ حيث وجدت الإدارة الأمريكية في تشكيل ودعم مجالس الإنقاذ ما يعد دعماً لتحالف القوى المتناقضة لتحقيق مصالح مشتركة، فالحكومة العراقية التي تنظر إلى هذه المجالس بعين الريبة والشك طالما أنها تعبير عن تجمع لميليشيا من الطائفة السنية قد تتحول إلى ميليشيا ضدها في حال نشوب أي حرب أهلية في المستقبل، لم تكن قادرة على إجهاض هذه الخطوة؛ فاختارت مباركة نشأتها على أن تكون العين الساهرة على مصالح أطراف العملية السياسية الموالين لإيران، بحيث لا تتطور بصورة تهدد مصالح الشيعة؛ أما الولايات المتحدة التي أرقها فشلها بإجهاض العمل المقاوم في العراق، فوجدت في دعم السنة أو الأطراف التي كانت في الحركات المسلحة ضد عدو مشترك هو إيران، ما هو كفيل بإضعاف وإرباك المقاومة وإفشال دورها، وفي الوقت نفسه إضعاف الدور الإيراني في العراق؛ أما السنة وخاصة في المناطق الغربية فقد ذاقوا مرارة العمليات العسكرية المستمرة ضدهم، كما ذاقوا مرارة ممارسات تنظيم القاعدة بحقهم وهو التنظيم الغريب فكرياً عن الساحة العراقية السنية، ناهيك عن الاستياء الواسع من نشاط إيران في العراق واتهامها بأنها وراء التطهير العرقي والاغتيال الذي طال السنة في بغداد.
إن مجلس (إنقاذ الأنبار) كان من أوائل المجالس التي تشكلت في العراق استناداً لنظرية المصالح المشتركة للأطراف المتناقضة؛ حيث تشكّل من أبناء العشائر الغربية برئاسة سامي أبو الريشة، وهو قيادي يأتي من الصف الثاني من القيادات العشائرية التي هرب رؤساؤها من العراق بعد عام 2003 نتيجة لتهديد فصائل المقاومة العراقية لهم بسبب تعاونهم مع القوات الأمريكية؛ فلجأ القسم الأكبر منهم إلى الأردن؛ وقد تحالف مع شيوخ آخرين من بينهم علي الحاتم وحميد الهايس اللذان أعلناتنظيم (مؤتمر صحوة الأنبار) و(مجلس إنقاذ الأنبار) كجناح عسكري له بقيادة حميد الهايس.واستفاد سامي أبو الريشة الذي اغتيل مؤخراً من التناقضات التي تمر بها الجبهات السياسية السنية، واستياء السنة عموماً من الأوضاع التي تمر بها مناطقهم، ورغبة الولايات المتحدة في إضعاف الإيرانيين في العراق، لينشئ مجلسه المدعوم من الحكومة العراقية.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قامت بزيادة عدد قواتها في العراق إلا أنه لا يمكن أن نعزو التحسن الأمني مؤخراً في الأنبار إلى هذه الزيادة، بقدر النجاح الذي قامت به هذه المجالس ودورها في مواجهة عناصر (القاعدة) في الأنبار وطردهم خارجها، وهو ما دفع الرئيس بوش إلى زيارته المثيرة للجدل إلى الأنبار للثناء على إسهامات مجلس (إنقاذ الأنبار) وشيخه واصفاً إياه (بالبطل) باعتباره (المنقذ) الذي خلصه من إحراج كبير يعانيه داخل الولايات المتحدة.
وكان هذا الموقف كفيلاً بأن يثير حفيظة الأطراف الحكومية وخاصة تلك الموالية لإيران، والتي بدأت تخشى من قيام الولايات المتحدة بتطوير تجربة المجالس بصورة أكبر وفي مناطق نفوذ إيران لاسيما في الوسط والجنوب؛ لذا كان عليها البدء بإضعاف دور هذه المجالس التي أخذت تنتشر كالنار في الهشيم في المحافظات الأخرى مثل صلاح الدين وديالى والموصل مؤخراً مستفيدة من المساعدات المالية الأمريكية الكبيرة، وترافق ذلك مع بدء انتشار الدعوات إلى تصدير هذه التجربة إلى الجنوب في السماوة والحلة.
لقد ظهر انشقاق واضح داخل مجلس إنقاذ الأنبار قاده سامي أبو الريشة من جهة، والتيار المدعوم من الحكومة الذي يترأسه الهايس من جهة أخرى؛ وأظهرت الوقائع على الأرض تغيراً في خريطة التحالفات العشائرية في الأنبار؛ بحيث أبعدت (أبو الريشة) من حكومةبغداد وقربته من جبهة التوافق، فيما أصبح شركاؤه في تأسيس مجلس الإنقاذ أقربإلى حكومة المالكي ليس في الموقف من السياسيين السنّة وإنما في مواقف أكثر ترحيباًبأطروحات الحلول الدائمة لأزمة العراق كالفيدرالية وتقسيم الثروة والموقف منالبعثيين وخاصة مع اقتراب موعد الاستحقاق الدستوري وانتخابات الأقاليم المزمع عقدها في إبريل المقبل، ناهيك عن الصراع الذي نشأ بين العشائر للاستحواذ على المساعدات الحكومية المخصصة لهذه المجالس.
أكد الموقف داخل البيت السني في بدايات الاحتلال وحتى الآن على دعم وإسناد المجهود المسلح
إن النتائج المتحققة على صعيد الأمن في الأنبار تحديداً والتي جاءت نتيجة لدور مجالس الإنقاذ، أثارت اهتمام الحكومة التي أخذت تدفع باتجاه إضعاف هذه التجربة عبر دعم التيار المؤيد للسياسات الحكومية داخلها، في محاولة أرادت منها استقطاب السنة على اختلاف ممثليهم لصالح مشروعها السياسي المتعلق بتثبيت قضية الأقاليم والفيدرالية لتصبح واقعاً على الأرض من خلال رضا وقبول ممثلي السنة (الجدد).
أفواج الدفاع: أخذت الولايات المتحدة تشعر بأن تجربة مجالس الإنقاذ التي انتشرت في بقية مناطق العراق لم تعد تؤتي ثمارها نتيجة لتدخل الحكومة العراقية التي يوالي أطراف رئيسية داخلها إيران، مما دفع الولايات المتحدة إلى دعم وإسناد السنة الذين توحدوا على مقاومة النفوذ الإيراني، و(القاعدة) في العراق، وذلك بصورة مباشرة من دون وجود الطرف الثالث وهو الحكومة العراقية، فيما عرف باستراتيجية دعم العشائر العراقية؛ وهي استراتيجية قصد منها دعم وإسناد (أفواج دفاع) انتشرت في المناطق الغربية من العراق، مثل ثوار العامرية.
واتضح للقيادة العسكرية الأمريكية تورط ميليشيات شيعية مدعومة من إيران بالتأثير في كفاءة مجالس الإنقاذ؛ بحيث سارعت إلى معالجة هذه الأخطاء بتشكيل ودعم أفواج سنية لمواجهة الخطر المشترك المتمثل في القاعدة ونفوذ إيران؛ حيث انتقلت الاستراتيجية الأمريكية من إطار المواجهة العسكرية المباشرة إلى الاستعانة بخدمات مجالس الإنقاذ وصولاً إلى دعم قوى سنية بصورة مباشرة من دون تدخل الحكومة، حيث كشف الواقع على الأرض فشل تجربة المجالس وعدم جدوى دعمها للأسباب التالية:
1- تدخل الحكومة التي يوالي قسم كبير منها إيران مما يجهض دور وفاعلية وجدوى هذه المجالس.
2- إن قادة هذه المجالس هم من الصف الثاني من قيادات العشائر، وهؤلاء لا يتمتعون بالخبرة الكافية في قيادة العمل ضد تنظيم دولي مثل (القاعدة) أو ضد قوى إقليمية كإيران.
3- قدرة تنظيم القاعدة بما يتمتع به من مرونة والتنظيمات المسلحة الأخرى على الاستفادة من (الحواضن) الاجتماعية للتغلغل لضرب مجالس الإنقاذ وعناصرها من الداخل وهو ما تمثل في مقتل سامي أبو الريشة وقيادات سنية عشائرية أخرى.
4- إن تحالف هذه القوى مع الولايات المتحدة والحكومة مؤقت وآني ينتفي بانتفاء السبب الذي وحّد جهود الأطراف الثلاثة وهو القاعدة ونفوذ إيران في العراق، تماماً كما حدث عندما فرط عقد التحالف الأمريكي مع (القاعدة) في أفغانستان عندما تم طرد عدوهم المشترك وهو الاتحاد السوفييتي السابق.
5- إن حجم التجاذبات الواسعة في الأنبار يلقي بظلاله على خريطة التحالفات العشائرية بحيث تتجاوز طبيعتهاالمحلية لتؤثر إقليمياً ودولياً وهي أكثر تعقيداً من إمكانات زعماء عشائر شبانيفتقرون إلى الأهداف الواضحة رغم تضخيم أدوارهم أمريكياً لخدمة استراتيجيةمتهاوية.
وبناء على ذلك من المتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة مزيداً من نشأة هذه الأفواج على الساحة العراقية مدعومة من قبل الاحتلال؛ وبدأت هذه الأفواج تثير قلق الحكومة العراقية التي بدأت باستباق نشوئها بالإعلان عن تشكيل مجالس إنقاذ في مناطق الجنوب والبدء بتسليح العشائر الجنوبية، مما يمهد الطريق إلى مزيد من التفتيت للعراق، لكن هذه المرة ليس على أساس طائفي، بل عشائري مما يجعل العراق والمنطقة يقعان على فوهة بركان لا تحمد حممه فيما لو قرر أمراء الحرب تفجيره، وحينها لن يكون لأحد القدرة على التحكم بنتائج وعواقب هذه الحرب.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2177::/cck::
::introtext::
بعد مرور أكثر من أربع سنوات على الاحتلال الأمريكي للعراق والفشل الذي منيت بها سياسة الإدارة الأمريكية على الأرض في تحقيق تقدم ملحوظ على الصعيدين السياسي والأمني، كان عليها البدء في تقييم استراتيجيتها مستفيدة من التقارير العديدة الصادرة عن مؤسسات صنع القرار داخل الولايات المتحدة وخارجها، خاصة الموجودة في الساحة العراقية (السفارة والجيش الأمريكيان).
::/introtext::
::fulltext::
بعد مرور أكثر من أربع سنوات على الاحتلال الأمريكي للعراق والفشل الذي منيت بها سياسة الإدارة الأمريكية على الأرض في تحقيق تقدم ملحوظ على الصعيدين السياسي والأمني، كان عليها البدء في تقييم استراتيجيتها مستفيدة من التقارير العديدة الصادرة عن مؤسسات صنع القرار داخل الولايات المتحدة وخارجها، خاصة الموجودة في الساحة العراقية (السفارة والجيش الأمريكيان).
لقد اتضح للإدارة الأمريكية عقم السياسات المتبعة في مواجهة قوى المقاومة العراقية على اختلاف انتماءاتها الفكرية والقتالية، واتضح أيضاً أن سياسة مواجهة حركات المقاومة عبر قوة السلاح لا تأتي بثمارها، وعليه أصبحت إعادة النظر بالاستراتيجية القتالية الأمريكية ضرورة ملحة.
ومن دون الدخول بتفاصيل أكثر حول الإخفاقات السياسية والعسكرية للإدارة الأمريكية في العراق، بدءاً من ضعف وربما عقم أداء مخرجات العملية السياسية التي صنعتها، ممثلة في الحكومة العراقية التي ظهرت بعد مرور سنة ونصف السنة من عملها ضعيفة وغير قادرة على تنفيذ ما وعدت به في برنامجها الحكومي، مروراً بالإخفاقات العسكرية المتكررة، وصولاً إلى التورط بالخطة الأمنية التي بدأتها الحكومة العراقية التي أثبتت فشلها في حفظ النظام والأمن في بغداد العاصمة، وهو ما يؤشر إلى ضعف كفاءة الجيش والقوات الأمنية العراقية، وعدم قدرتها على تولي زمام الأمور وحدها مما يستدعي الطلب إلى ضرورة بقاء القوات الأجنبية في العراق لفترة أطول.
العراق جبهة متقدمة لمكافحة الإرهاب
إن الربط بين (الإرهاب) الدولي أو الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على (الإرهاب) وبين ضعف المؤسسات الأمنية والسياسية العراقية في مكافحة (الإرهاب)، هو الذي يحاول قسم كبير من مؤيدي الحزب الجمهوري تقديمه للناخب الأمريكي في محاولة يراد منها ترجيح فرص نجاح الجمهوريين في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة، بل إن قسماً كبيراً من العراقيين بدأوا العمل كمروجين للسياسة الأمريكية في العراق وخاصة الأحزاب الكردية؛ حيث يدرك الأكراد والشيعة على حد سواء، الذين التأموا في اتفاق رباعي في أكتوبر الماضي، خطورة تداعيات وجود إدارة جديدة قد لا تلتزم بمعطيات العملية السياسية في العراق، أو لا تجد الدافع المناسب لاستكمال المشروع الذي شرعت إدارة الرئيس بوش الابن ببنائه في العراق، الأمر الذي قد يهدد مجمل الوضع في العراق والمنطقة أو يهدد أيضاً الأحلام الكردية في الاستقلال، كما يهدد أحلام الشيعة في السيطرة على منابع النفط وإطلالتهم على الخليج والعالم العربي عبر نافدة شيعية لا تخلو من رؤية إيرانية. فسنوات الفرصة التي توفرت للقيادة الكردية والشيعة هي عرضة مرة أخرى للانهيار، وتحاول هذه القيادة إسعاف فرص نجاح حزب الرئيس لاستكمال ما بدأه. ولذلك ليس من المستغرب فهم تصريح رئيس الجمهورية العراقية الاستفزازي الذي أثار استياء عدد كبير من الساسة العراقيين بقوله (إن الولايات أصبحت أكثر أماناً والعراق أصبح أكثر عرضة للأعمال الإرهابية) بأنه يقع ضمن هذه المزاوجة أو الربط لتقديمه للناخب الأمريكي أن الخطر الأساسي على الولايات المتحدة هو الإرهاب، وأن الوجود الأمريكي في العراق يقع ضمن الضرورة التي تستدعي وجودها بصورة شبه دائمة لمكافحة (الإرهاب)، ولن يكون ذلك ممكناً بإدارة بديلة لديها أجنداتها الخاصة التي تتعارض مع ما تم في العراق، أو لا تضع العراق في سلم الأولويات، خاصة مع الضعف المتعمد والمبرمج للقوات المسلحة العراقية (الجديدة) وعدم قدرتها على تولي المهام الأمنية في المناطق السنية تحديداً.
المأزق السني
مع استمرار تكثيف الأعمال العسكرية في المناطق السنية، بالإضافة إلى حالة الاستياء العام بين صفوف أهل السنة، وغياب أي حل قريب المدى ينهي هذا الوضع في المناطق السنية، قادت هذه العوامل كلها إلى إضعاف دور القيادة السياسية للسنة وكشفهم عسكرياً وسياسياً، مقابل تصاعد قوة الأطراف الأخرى (الشيعية والكردية) وتغلغل أطراف أخرى دولية في الشأن العراقي (إيران)؛ وهو ما يفسر إشارة الرئيس العراقي مؤخراً إلى أن الوجود الأمريكي في العراق يعد مطلباً سنياً في مواجهة التهديدات الخارجية المتورطة باستهدافها للسنة من جهة، وفي مواجهة التهديدات الداخلية التي يمثلها الشيعة من جهة أخرى.
هيئة علماء المسلمين رفضت تغيير سلم أولويات الصراع لصالح مواجهة إيران
لقد ساهم الضعف الذي ظهرت به (جبهة التوافق) سياسياً أو على صعيد الميدان على الأرض، بحيث تجاذبتها أطراف مختلفة حاولت السيطرة عليها وتوجيهها في اتجاه معين؛ في استغلال التنظيمات المسلحة أو المقاومة هذا الضعف، الذي عكسته مشاركة الجبهة في العملية السياسية، الأمر الذي دفعها باعتبارها الممثل الصادق –بحد زعمها- عن توجهات شريحة واسعة من المجتمع العراقي وتحديداً السني، بل إن تجربتها في الميدان أثبتت قدرتها على تمثيل السنة وتحقيق مصالح الطائفة السنية؛ فحاولت الضغط عليها للتماشي مع توجيهاتها؛ بحيث إذا اختارت الجبهة أو القوى السياسية السنية الأخرى الاستمرار في المشاركة السياسية فإن هذا يجعلها عرضة لضغوط كبيرة من قوى المقاومة قد تصل في أغلب الأحيان إلى التصادم المسلح، فهي تسمح لهذه التيارات أو القوى السنية بالعمل السلمي ضمن معادلة العملية السياسية، لكن شرط عدم انتقاد مشروعها المتمثل في طرد المحتل، واعتبار أولوية الصراع في العراق مع الولايات المتحدة على قمة أجندتها. ولعل استهداف بعض أعضاء الحزب الإسلامي وتحديداً مقتل بعض أقارب أمين عام الحزب ونائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي باعتبار أن هذه الحوادث حملت رسالة حاولت قوى المقاومة تعميمها على القوى السنية الأخرى التي انتهجت العمل السلمي السياسي بعدم انتقاد العمل المقاوم والمسلح. ويشار في هذا الصدد إلى انسحاب النائب السني في البرلمان عبد الرحيم الجنابي وتقديم استقالته واختياره دعم العمل المسلح كونه يأتي في هذا الإطار، أي عدم قدرته على التماشي بعيداً عن ضغوط قوى المقاومة السنية المسلحة الناشطة في المناطق الغربية.
وفي هذا الإطار يمكن تفسير ارتفاع حدة التوتر بين بعض فصائل المقاومة ورجال دولة العراق الإسلامية التابعة لتنظيم القاعدة؛ فقد حاولت الأخيرة فرض المعادلة الجديدة على الأرض بعد فشلها (القوى السنية السياسية) في تمثيل أنسب للسنة داخل العملية السياسية وإقرار قانون الأقاليم في البرلمان، وهو ما اعتبر بمثابة تقسيم للعراق، ومحاولة بعض هذه القوى أو الكتل السياسية السنية الاستمرار في العملية السياسية بعيداً عن استراتيجية المقاومة (مثل تجربة جبهة التوافق)؛ بل إن البعض اختار مهاجمة العمل المسلح مروجاً للمشروع السياسي القائم من خلال استيعاب الحركات المسلحة في العملية السياسية عبر الاستفادة من نفوذها لدى العشائر في المنطقة الغربية مثال (الحزب الإسلامي)؛ والبعض الآخر حاول تغيير سلم الأولويات في مواجهة الاحتلال الأمريكي مقدماً حججاً للتعامل مع المحتل الأمريكي لمواجهة الخطر الإيراني في هذه المرحلة خاصة بعد تصاعد أعمال القتل والاغتيال والتهجير على أساس طائفي مثل (تجربة تنظيم أبو عزام أو ثوار العامرية)، وقوى محلية أخرى وجدت بمساعدة الجيش الأمريكي ومباركة الحكومة العراقية فرصة لتحقيق منافع خاصة وصلت لدى البعض منهم إلى أحد تقديم نفسه كونه ممثلاً جديداً وبديلاً عن القيادة السنية الحالية، حتى لو اقتضى الأمر القبول بالمشروع السياسي برمته من دون أي تحفظات على خلاف وجهات النظر والآراء والمطالب التي قدمها السنة عبر ممثليهم في الفترة الماضية مثل (تجربة مجالس الإنقاذ).
الاحتلال الأمريكي وضرورة تغيير أولوية الصراع
لقد أفرز هذا الحراك داخل البيت السني جملة من التداعيات المختلفة، لعل أبرزها الإرباك الذي طال العمل المسلح نتيجة لتعدد وجهات النظر مع تعدد الفصائل والمشاريع المطروحة للخروج من حالة الفوضى التي يواجهها البيت على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ بحيث وصلت إلى حد اقتتال بعض القوى أو الفصائل المسلحة فيما بينها، مما نوَّع من التكتيكات المتبعة لدى إدارة الاحتلال في مواجهة قوى المقاومة مستغلة هذه الظروف لصالحها.
ونجد أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أحد أهم الخلافات التي اشتعلت بين الجيش الإسلامي والتنظيمات المقاومة الأخرى مثل (كتائب ثورة العشرين) وبين (تنظيم القاعدة). فكما قلنا حاولت دولة العراق الإسلامية فرض المعادلة الجديدة عبر استهداف واغتيال الشخصيات السياسية والعشائرية التي شاركت في العملية السياسية أو المؤيدة لها؛ فتنظيم القاعدة أجاز هذا الأمر كونه يعد بمثابة محاربة الاحتلال وعملائه وهو ما رفضته قيادة الجيش الإسلامي أو بالأحرى قوى المقاومة السنية بالعموم، طالما أن هؤلاء المستهدفين جزء من العشائر العراقية التي ترتبط مع رجالات المقاومة بروابط عشائرية ومصاهرة. وكان حجم هذه التداعيات عميقاً على وحدة بعض الفصائل مثل كتائب ثورة العشرين التي طالها الانقسام بعد مقتل أحد أهم قياديها على يد رجال دولة العراق الإسلامية. وكانت نتيجة هذا الاقتتال انشقاق جزء من الكتائب تحت اسم (حماس العراق). وللحزب الإسلامي إسهام واضح في بناء هذا التوجه داخل الكتائب من خلال دعم أبناء العشائر الموالية للحزب.
الولايات المتحدة وجدت بدعم أطراف سنية ضد العدو المشترك (إيران) وسيلة كفيلة بإرباك وإضعاف المقاومة
ويتبع الحزب الإسلامي استراتيجية لتحقيق هذه الغاية من خلال تقديم وتأخير الأولويات في الصراع المسلح ضد الاحتلال الأمريكي؛ فقد أشار عبد الكريم السامرائي وهو رئيس لجنة الدفاع في البرلمان العراقي عن الحزب الإسلامي مؤخراً في أحد المؤتمرات في العاصمة الأردنية عمان، إلى أن الخطر الإيراني هو أشد وأفتك من الاحتلال الأمريكي، وأنه يجب وضع مواجهة الاحتلال الإيراني على سلم الأولويات، في إشارة فهم منها أنه يدعو إلى التعاون مع قوات الاحتلال لاستئصال النفوذ والخطر الإيراني؛ ولعل السيد (أبو عزام) -وهو قائد وحدة سنية من المتطوعين في مدينة الأنبار قوامها ستة عشر ألف متطوع- كان أكثر وضوحاً باعترافه بالتعاون مع القوات الأمريكية لغايات مواجهة الخطر الإيراني، باعتبار أن هذا الاحتلال له الأسبقية والأهمية؛ فالاحتلال الأمريكي كما يقول يعلن عن نيته في الانسحاب من العراق على عكس إيران التي أعلن رئيسها مؤخراً أحمدي نجاد أن بلاده مستعدة لملء الفراغ الأمني الذي سيحدثه الانسحاب الأمريكي من العراق.
وأكد الموقف داخل البيت السني في بدايات الاحتلال وإلى الوقت الحاضر على دعم وإسناد المجهود المسلح، وكان لهيئة علماء المسلمين عبر رئيسها موقف ثابت في التعبير عن دعم العمل المسلح ضد الاحتلال الأمريكي رافضاً تغيير سلم الأولويات في الصراع لصالح مواجهة إيران، معتبراً أن الاحتلال الأمريكي بمثابة السفينة التي إذا غرقت فستغرق معها بقية (الاحتلالات) التي جاء بها، ومن ضمنها الاحتلال الإيراني، لذلك فهو يرفض تغيير سلم الأولويات بالصورة التي تؤيدها تنظيمات سنية أخرى وجدت بالتعاون مع أمريكا حلاً لإنهاء الخطر التي تمثله إيران، وهو الدور الذي عبر عنه تنظيم مثل تنظيم (أبو عزام) الذي من المتوقع انتقال تجربته إلى المناطق الأخرى فيما يمكن وصفه بأفواج الدفاع.
وتدرك الهيئة بقيادتها خطورة تغيير الأولويات في الصراع بالعراق على وحدة العشائر العراقية في الأنبار والمدن والمناطق السنية الأخرى مثل ديالى، هذه العشائر التي تحالف قسم كبير منها مع التنظيمات المسلحة، بحيث كانوا العامل الأساسي في احتضان المقاومين وإسنادهم لوجستياً؛ فتغيير الأجندة يعني تغيراً في أحد أهم العوامل المساندة للعمل المقاوم وتهديداً للبنى الاجتماعية الحاضنة للعمل المقاوم.
مجالس الإنقاذ وأفواج الدفاع: جزء من الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة المقاومة
مجالس الإنقاذ: شعرت أطراف حكومية وأمريكية بضعف تمثيل الجماعات السياسية السنية للعراقيين على العموم، وأدركت أهمية استبدالها طالما أنها غير قادرة على التحرر من سيطرة ونفوذ التنظيمات المسلحة السنية. ولذلك شجعت هذه الأطراف على نشأة مجالس من أهالي السنة في مناطقهم السكنية؛ حيث وجدت الإدارة الأمريكية في تشكيل ودعم مجالس الإنقاذ ما يعد دعماً لتحالف القوى المتناقضة لتحقيق مصالح مشتركة، فالحكومة العراقية التي تنظر إلى هذه المجالس بعين الريبة والشك طالما أنها تعبير عن تجمع لميليشيا من الطائفة السنية قد تتحول إلى ميليشيا ضدها في حال نشوب أي حرب أهلية في المستقبل، لم تكن قادرة على إجهاض هذه الخطوة؛ فاختارت مباركة نشأتها على أن تكون العين الساهرة على مصالح أطراف العملية السياسية الموالين لإيران، بحيث لا تتطور بصورة تهدد مصالح الشيعة؛ أما الولايات المتحدة التي أرقها فشلها بإجهاض العمل المقاوم في العراق، فوجدت في دعم السنة أو الأطراف التي كانت في الحركات المسلحة ضد عدو مشترك هو إيران، ما هو كفيل بإضعاف وإرباك المقاومة وإفشال دورها، وفي الوقت نفسه إضعاف الدور الإيراني في العراق؛ أما السنة وخاصة في المناطق الغربية فقد ذاقوا مرارة العمليات العسكرية المستمرة ضدهم، كما ذاقوا مرارة ممارسات تنظيم القاعدة بحقهم وهو التنظيم الغريب فكرياً عن الساحة العراقية السنية، ناهيك عن الاستياء الواسع من نشاط إيران في العراق واتهامها بأنها وراء التطهير العرقي والاغتيال الذي طال السنة في بغداد.
إن مجلس (إنقاذ الأنبار) كان من أوائل المجالس التي تشكلت في العراق استناداً لنظرية المصالح المشتركة للأطراف المتناقضة؛ حيث تشكّل من أبناء العشائر الغربية برئاسة سامي أبو الريشة، وهو قيادي يأتي من الصف الثاني من القيادات العشائرية التي هرب رؤساؤها من العراق بعد عام 2003 نتيجة لتهديد فصائل المقاومة العراقية لهم بسبب تعاونهم مع القوات الأمريكية؛ فلجأ القسم الأكبر منهم إلى الأردن؛ وقد تحالف مع شيوخ آخرين من بينهم علي الحاتم وحميد الهايس اللذان أعلناتنظيم (مؤتمر صحوة الأنبار) و(مجلس إنقاذ الأنبار) كجناح عسكري له بقيادة حميد الهايس.واستفاد سامي أبو الريشة الذي اغتيل مؤخراً من التناقضات التي تمر بها الجبهات السياسية السنية، واستياء السنة عموماً من الأوضاع التي تمر بها مناطقهم، ورغبة الولايات المتحدة في إضعاف الإيرانيين في العراق، لينشئ مجلسه المدعوم من الحكومة العراقية.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قامت بزيادة عدد قواتها في العراق إلا أنه لا يمكن أن نعزو التحسن الأمني مؤخراً في الأنبار إلى هذه الزيادة، بقدر النجاح الذي قامت به هذه المجالس ودورها في مواجهة عناصر (القاعدة) في الأنبار وطردهم خارجها، وهو ما دفع الرئيس بوش إلى زيارته المثيرة للجدل إلى الأنبار للثناء على إسهامات مجلس (إنقاذ الأنبار) وشيخه واصفاً إياه (بالبطل) باعتباره (المنقذ) الذي خلصه من إحراج كبير يعانيه داخل الولايات المتحدة.
وكان هذا الموقف كفيلاً بأن يثير حفيظة الأطراف الحكومية وخاصة تلك الموالية لإيران، والتي بدأت تخشى من قيام الولايات المتحدة بتطوير تجربة المجالس بصورة أكبر وفي مناطق نفوذ إيران لاسيما في الوسط والجنوب؛ لذا كان عليها البدء بإضعاف دور هذه المجالس التي أخذت تنتشر كالنار في الهشيم في المحافظات الأخرى مثل صلاح الدين وديالى والموصل مؤخراً مستفيدة من المساعدات المالية الأمريكية الكبيرة، وترافق ذلك مع بدء انتشار الدعوات إلى تصدير هذه التجربة إلى الجنوب في السماوة والحلة.
لقد ظهر انشقاق واضح داخل مجلس إنقاذ الأنبار قاده سامي أبو الريشة من جهة، والتيار المدعوم من الحكومة الذي يترأسه الهايس من جهة أخرى؛ وأظهرت الوقائع على الأرض تغيراً في خريطة التحالفات العشائرية في الأنبار؛ بحيث أبعدت (أبو الريشة) من حكومةبغداد وقربته من جبهة التوافق، فيما أصبح شركاؤه في تأسيس مجلس الإنقاذ أقربإلى حكومة المالكي ليس في الموقف من السياسيين السنّة وإنما في مواقف أكثر ترحيباًبأطروحات الحلول الدائمة لأزمة العراق كالفيدرالية وتقسيم الثروة والموقف منالبعثيين وخاصة مع اقتراب موعد الاستحقاق الدستوري وانتخابات الأقاليم المزمع عقدها في إبريل المقبل، ناهيك عن الصراع الذي نشأ بين العشائر للاستحواذ على المساعدات الحكومية المخصصة لهذه المجالس.
أكد الموقف داخل البيت السني في بدايات الاحتلال وحتى الآن على دعم وإسناد المجهود المسلح
إن النتائج المتحققة على صعيد الأمن في الأنبار تحديداً والتي جاءت نتيجة لدور مجالس الإنقاذ، أثارت اهتمام الحكومة التي أخذت تدفع باتجاه إضعاف هذه التجربة عبر دعم التيار المؤيد للسياسات الحكومية داخلها، في محاولة أرادت منها استقطاب السنة على اختلاف ممثليهم لصالح مشروعها السياسي المتعلق بتثبيت قضية الأقاليم والفيدرالية لتصبح واقعاً على الأرض من خلال رضا وقبول ممثلي السنة (الجدد).
أفواج الدفاع: أخذت الولايات المتحدة تشعر بأن تجربة مجالس الإنقاذ التي انتشرت في بقية مناطق العراق لم تعد تؤتي ثمارها نتيجة لتدخل الحكومة العراقية التي يوالي أطراف رئيسية داخلها إيران، مما دفع الولايات المتحدة إلى دعم وإسناد السنة الذين توحدوا على مقاومة النفوذ الإيراني، و(القاعدة) في العراق، وذلك بصورة مباشرة من دون وجود الطرف الثالث وهو الحكومة العراقية، فيما عرف باستراتيجية دعم العشائر العراقية؛ وهي استراتيجية قصد منها دعم وإسناد (أفواج دفاع) انتشرت في المناطق الغربية من العراق، مثل ثوار العامرية.
واتضح للقيادة العسكرية الأمريكية تورط ميليشيات شيعية مدعومة من إيران بالتأثير في كفاءة مجالس الإنقاذ؛ بحيث سارعت إلى معالجة هذه الأخطاء بتشكيل ودعم أفواج سنية لمواجهة الخطر المشترك المتمثل في القاعدة ونفوذ إيران؛ حيث انتقلت الاستراتيجية الأمريكية من إطار المواجهة العسكرية المباشرة إلى الاستعانة بخدمات مجالس الإنقاذ وصولاً إلى دعم قوى سنية بصورة مباشرة من دون تدخل الحكومة، حيث كشف الواقع على الأرض فشل تجربة المجالس وعدم جدوى دعمها للأسباب التالية:
1- تدخل الحكومة التي يوالي قسم كبير منها إيران مما يجهض دور وفاعلية وجدوى هذه المجالس.
2- إن قادة هذه المجالس هم من الصف الثاني من قيادات العشائر، وهؤلاء لا يتمتعون بالخبرة الكافية في قيادة العمل ضد تنظيم دولي مثل (القاعدة) أو ضد قوى إقليمية كإيران.
3- قدرة تنظيم القاعدة بما يتمتع به من مرونة والتنظيمات المسلحة الأخرى على الاستفادة من (الحواضن) الاجتماعية للتغلغل لضرب مجالس الإنقاذ وعناصرها من الداخل وهو ما تمثل في مقتل سامي أبو الريشة وقيادات سنية عشائرية أخرى.
4- إن تحالف هذه القوى مع الولايات المتحدة والحكومة مؤقت وآني ينتفي بانتفاء السبب الذي وحّد جهود الأطراف الثلاثة وهو القاعدة ونفوذ إيران في العراق، تماماً كما حدث عندما فرط عقد التحالف الأمريكي مع (القاعدة) في أفغانستان عندما تم طرد عدوهم المشترك وهو الاتحاد السوفييتي السابق.
5- إن حجم التجاذبات الواسعة في الأنبار يلقي بظلاله على خريطة التحالفات العشائرية بحيث تتجاوز طبيعتهاالمحلية لتؤثر إقليمياً ودولياً وهي أكثر تعقيداً من إمكانات زعماء عشائر شبانيفتقرون إلى الأهداف الواضحة رغم تضخيم أدوارهم أمريكياً لخدمة استراتيجيةمتهاوية.
وبناء على ذلك من المتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة مزيداً من نشأة هذه الأفواج على الساحة العراقية مدعومة من قبل الاحتلال؛ وبدأت هذه الأفواج تثير قلق الحكومة العراقية التي بدأت باستباق نشوئها بالإعلان عن تشكيل مجالس إنقاذ في مناطق الجنوب والبدء بتسليح العشائر الجنوبية، مما يمهد الطريق إلى مزيد من التفتيت للعراق، لكن هذه المرة ليس على أساس طائفي، بل عشائري مما يجعل العراق والمنطقة يقعان على فوهة بركان لا تحمد حممه فيما لو قرر أمراء الحرب تفجيره، وحينها لن يكون لأحد القدرة على التحكم بنتائج وعواقب هذه الحرب.
::/fulltext::
::cck::2177::/cck::
