((سايكس-بيكو ثانية)) إلى أين يمضي مشروع تقسيم العراق بعد قرار مجلس الشيوخ الأمريكي؟

::cck::2175::/cck::
::introtext::

بعد نحو خمس سنوات من الغزو وأكثر من مليون ونصف المليون ضحية وأربعة ملايين لاجئ يأتي الآن دور الحديث عن التقسيم البغيض الذي يفتت العراق اليوم، وربما يحين الدور غداً على دول أخرى في المنطقة العربية، ما يجعلنا نصدق أن هناك بالفعل مخططاً لسايكس-بيكو جديدة أو ثانية لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ أصلاً في العالم العربي ولمصالح دول وجماعات لا تخفى عن أعين اللبيب. فما الذي جرى؟ ما دلالته؟ وهل سيقدر له أن يجد طريقه إلى واقع التنفيذ؟

::/introtext::
::fulltext::

بعد نحو خمس سنوات من الغزو وأكثر من مليون ونصف المليون ضحية وأربعة ملايين لاجئ يأتي الآن دور الحديث عن التقسيم البغيض الذي يفتت العراق اليوم، وربما يحين الدور غداً على دول أخرى في المنطقة العربية، ما يجعلنا نصدق أن هناك بالفعل مخططاً لسايكس-بيكو جديدة أو ثانية لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ أصلاً في العالم العربي ولمصالح دول وجماعات لا تخفى عن أعين اللبيب. فما الذي جرى؟ ما دلالته؟ وهل سيقدر له أن يجد طريقه إلى واقع التنفيذ؟

في أواخر سبتمبر الماضي كان مجلس الشيوخ الأمريكي قد وافق على مشروع قرار غير ملزم حول خطة لتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات شيعية وسنية وكردية، واعتبر المدافعون عن القرار بأنه الحل الوحيد لوضع حد لأعمال العنف التي تضرب العراق، وجاء إقرار مجلس الشيوخ لخطة التقسيم بأغلبية 75 صوتاً مقابل 23.

والتساؤل المطروح هو ما الذي تنص عليه خطة مجلس الشيوخ التي ترفضها إدارة الرئيس الأمريكي شكلياً حتى الساعة وهو ما يعتبره البعض ضرباً من ضروب تقسيم الأدوار حول المشهد العراقي.

واقع الحال يشير إلى أن الخطة التي صاغها ليزلي غليب الخبير السياسي في إدارة الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر تنص على وضع نظام فيدرالي اتحادي حسبما يسمح الدستور العراقي والحيلولة دون أن يتحول العراق إلى دولة تعمها الفوضى. وتنص الخطة أيضاً على تقسيم العراق بطريقة تسمح بوجود حكومة موحدة اتحادية في بغداد تتولى أمن الحدود وعائدات النفط.

وقد اعتبر رئيس مجلس الشيوخ هاري ريد (الديمقراطي) أن تبني (خطة بيدن) يعكس الأهمية التي يوليها مجلس الشيوخ لبقاء المصالحة السياسية الهدف الرئيسي للعراقيين (ويرى أن تحقيق الحل السياسي الذي ينص عليه هذا القانون سيساعد على إعادة نشر القوات الأمريكية المنخرطة في الحرب الأهلية العراقية وشن حرب أكثر فاعلية على الإرهاب وجعل أمريكا أكثر أماناً).

والأكثر غرابة في الذي جرى من قبل مجلس الشيوخ الأمريكي أن الأمر لم يقتصر على الأعضاء الديمقراطيين فحسب بل تخطاه إلى الجمهوريين، إذ وافق على الخطة العديد من الأعضاء الجمهوريين الذين يدعمون خطة بوش لزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق والمستائين من الأزمة السياسية في بغداد.

وأعرب السيناتور الجمهوري سام براونباك وهو أحد المرشحين للرئاسة الأمريكية وأحد الأعضاء الـ 11 في مجلس الشيوخ الداعمين للخطة عن أسفه قائلاً (نحن نسعى إلى تطبيق خطة سياسية مملوءة بالعيوب في بغداد حالياً)، أما السيناتورة الجمهورية كاي بايلاي هوتسينسون فاعتبرت أن هذا القرار يحقق نجاحات مثل تلك التي تحققت في البوسنة من خلال (اتفاق دايتون) التي أقرت التقسيم بين المتخاصمين الصرب والكروات والبوسنيين، وتضيف (إن ما رأيناه في البوسنة هو تقليص للتوتر، لا سيما عندما تكون لدى قوات الأمن قدرات وعندما تكون لدى الطوائف الدينية القدرة على حكم نفسها بنفسها).

ولعل ما يجعل مخاوف التقسيم حقيقة أكثر منها خيالاً هو أنها جاءت في شهادة السفير الأمريكي في العراق رايان كروكر التي أدلى بها مع رفيقه الجنرال ديفيد بترايوس أمام الكونغرس الأمريكي، فقد أيد الرجل في شهادته منح مناطق عراقية بعض السلطات، وحاول الاختباء وراء القول بمعارضة تقسيم العراق رسمياً غير أن مجرد الحديث عن مناطقية العراق إن جاز التعبير هو المدخل الأول والمؤكد في حديث التقسيم.

تقسيم العراق وإحياء المخططات القديمة

وعودة إلى البعد الزمني القديم نسبياً في ما يخص مشروع تقسيم العراق، وهنا يدرك المرء من قراءة دفتر أحوال التاريخ أن جوزيف بيدن لم يكن أول من تحدث عن هذا التقسيم، ففي أوائل السبعينات ألمح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر إلى فكرة تقسيم العراق وهو ما اعتبر من وقتها حتى الساعة دلالة على وجود مخطط صهيوني يستهدف تقسيم كافة البلدان العربية وفي مقدمتها العراق الذي لإسرائيل معه ثأر تاريخي يعود إلى أيام السبي البابلي.

توزيع الثروة حسب الأقاليم أو المحافظات يلغي تماماً ملكيتها القومية للعراق الموحد 

ويتعلق مخطط تقسيم العراق في واقع الأمر بشكل أساسي بتوفير النفط للولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل، فقد كان هنري كيسنجر صاحب فكرة نقل النفط من العراق إلى الغرب وإلى إسرائيل بالذات، ففي عام 1975 وقع كيسنجر مذكرة تفاهم مع إسرائيل تضمن الولايات المتحدة الأمريكية بموجبها لإسرائيل احتياطياً من النفط ومصدراً للطاقة في وقت الأزمات، ويتم تجديد المذكرة بهدوء كل خمسة أعوام مع تشريع خاص مرفق بها تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بموجبه بتوفير احتياطي استراتيجي من النفط لإسرائيل حتى إذا ما استتبع ذلك نقص داخلي في النفط كلف دافعي الضرائب الأمريكيين ثلاثة مليارات من الدولارات في عام 2002، وفي هذا الإطار فإن هناك من يرى وهي وجهة نظر لها مؤيدوها أن الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من مراحل انهيار يحتاج إلى دفعات ودفقات قوية من الدوائر الخارجية الاقتصادية لانتشال الاقتصاد من وهدة السقوط، وليس أفضل من النفط العراقي لمحاربة الكساد الاقتصادي الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام الرأسمالي الأمريكي.

وليس هذا فحسب، بل إن كثيراً من المحللين يرون أن احتلال العراق وبالتالي تقسيمه لم يكونا إلا من أجل مصلحة إسرائيل لتحقيق مشروع الشرق الأوسط (الكبير) وإسرائيل الكبرى، فمنذ البداية كانت الأهداف الأساسية للاحتلال هي تقطيع العراق والقضاء على كيانه ودولته وتدميره تماماً، غير أن طريقة التفتيت هذه اختلفت عن سابقاتها التي ساعدت عليها الإدارات الأمريكية في مناطق أخرى من العالم، فقد اخترع الأمريكيون وحلفاؤهم في إسرائيل طريقاً آخر مختلفاً عما سبق وإن مارسته كلتا السياستين ألا وهو ما يسمونه (الدستور والفيدرالية)، فالأول سيعطي الأمريكيين إمكانية وحق استنزاف العراق الذي سيصبح ثلاث دويلات هزيلة وربطها بعجلة المصالح الأمريكية الاستعمارية طويلة الأمد والتي تزيد على فكرة الوجود العسكري الدائم. والثانية ستفتت العراق بشكل قانوني (دستوري) داخلي تم فرضه من خلال القيادات العراقية التي جاءت على الدبابات الأمريكية، ولا يحلو لها المقام عملياً إلا في المنطقة الخضراء.

وعلى الرغم من عدم إيماننا واعتقادنا المطلق بفكرة المؤامرة فإن القول الحق هو أن المؤامرة موجودة في أحداث التاريخ وسياقاته سواء التكتيكية منها أو الاستراتيجية، ولهذا فإن هناك من ينظر إلى العراق على أنه كان ذات يوم دولة الخلافة الإسلامية عبر التاريخ، ولذلك فإن القضاء عليه قضاء مبرماً هو هدف يهم الدوائر الكارهة للعرب والمسلمين في العالم بأكمله، لذا فإن تفكيك العراق وشرذمة الانتماء الوطني فيه وإليه هما بالأساس هدف يحلق في سماء صناعة القرار (الصهيو-أمريكي) ولهذا وجدت أصوات منذ عام 1920، أي بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، تنادي بضرورة إصلاح التركيبة الخاطئة لوضع العراق كدولة قائمة وإعادة صياغته وفق تقسيمات طائفية وعرقية.

ويمكن القول إذن إن الحديث هو قديم يقدم اليوم في مغلف حديث، وإذا نحينا جانباً الاتجاهات التاريخية والأسباب الأيديولوجية للتقسيم فإن هناك البعد الاقتصادي الواقعي في الأمر والذي يبقى يطل من نافذة المشهد، فتقسيم الثروات هو التقسيم الحقيقي للبلاد أيضاً، حيث إن توزيع الثروة حسب الأقاليم أو المحافظات يلغي تماماً ملكيتها القومية للعراق الموحد الذي سيكون كدولة مجرد كيان هش يتلاعب بمصيره أمراء الطوائف وسراق الثروات والمتحكمون فيها.

حجج أنصار (التقسيم الناعم)

ويلفت جوست هلترمان نائب مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية إلى أن سيناريو التقسيم يخصص لكل من التكتلات العرقية الدينية الثلاثة نصيبها من عائدات النفط العراقي كمزية أساسية ضمن ميزات سيناريو التقسيم، فبالنسبة للمسلمين السنة العرب فهم القسم الاجتماعي الذي يقطن المناطق الأقل حظاً من الموارد النفطية، لكن ومع ذلك تخصص لهم نسبة 20 في المائة من إجمالي الكثافة السكانية العراقية.

ويدفع دعاة (التقسيم الناعم) للعراق بحجة أن الفيدرالية الواهنة القائمة على هذا الأساس العرقي الديني تعكس الواقع الفعلي للعراق ما دامت الحقيقة هي أنه يستحيل الحفاظ على وحدته بآلية الدولة المركزية الموحدة، ويقيم هؤلاء حجتهم على الاعتداءات والتحرشات الطائفية العرقية المستشرية بين شتى المجموعات ومحاولة كل مجموعة إبادة الأخرى وتطهيرها عرقياً ودينياً، ثم يضيف دعاةهذه الفكرة وأنصارها أن هذا الحل ليس كما يراد فرضه فرضاً على العراقيين وإنما هو فكرة عراقية نابعة من صلب نصوص الدستور الوطني الجديد.

وعند أنصار التقسيم كذلك أن الدستور العراقي الجديد والذي نص على هذا النوع من الفيدرالية الواهية التي ينادون بها أجازته أغلبية شعبية عبر استفتاء أجري لذلك الهدف في عام 2005.

الدلائل تشير إلى أن الإدارة الأمريكية شرعت فعلياً باتخاذ خطوات فعلية نحو التقسيم 

لكن ما يثير اهتمامات بعض دوائر السلطة واتخاذ القرار في واشنطن بهذه الاستراتيجية أن العراق بدأ عملياً بديناميات الانقسام الإثني هذه، ما يستوجب فصل الأجزاء الكبيرة منه واقعياً على أساس طائفي إثني. غير أنه ورغم المبررات الأيديولوجية لتقسيم العراق والتي تخبئ أهدافاً أقل ما توصف بأنها (مؤامراتية) بالفعل تبقى هناك أصوات كثيرة حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية ترفض هذا السيناريو لا كرهاً في البديل ولكن انطلاقاً من رؤية واقعية للمأساة التي ستنجم عن هذا التقسيم، فماذا عن ذلك؟

تقسيم العراق.. سيناريو الخراب الأكبر

في هذا السياق يذهب العديد من خبراء السياسة الخارجية الأمريكية إلى أن تقسيم العراق يمكن أن يسفر عن مذابح دموية في المناطق المدنية، فرغم أن السنّة يشكلون الغالبية الساحقة في الجزء الغربي من العراق والأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب إلا أن المدن العراقية ليست متجانسة ديموغرافياً، فبغداد والموصل وكركوك لا توجد فيها خطوط جغرافية واضحة تفصل بين المكونات الرئيسية الثلاثة أو على الأقل لم تكن في السابق، ولكن حقيقة الأمر حالياً أنها أصبحت أكثر تجانساً لأن السكان المرعوبين فروا من المناطق التي لا تهيمن عليها طائفتهم، فالضواحي الواقعة على أطراف بغداد شهدت الكثير من التطهير العرقي والطائفي.

وإذا كان مسؤولو إدارة بوش يقولون إنهم ملتزمون بموقف الرئيس الأمريكي الذي يأمل في أن تتمكن القوات الأمريكية المعززة بأعداد إضافية من كبح العنف وإيجاد الظروف السياسية للشيعة والسنة والأكراد للتوصل إلى حل سياسي، ولكن الشهادات والمقابلات حول الظروف السائدة في العراق تشير إلى أن الإدارة الأمريكية شرعت فعلياً باتخاذ خطوات فعلية نحو التقسيم. فوزارة الخارجية تحديداً شددت على اقتراح تشكيل فرق بناء مناطقية في المحافظات العراقية بهدف تقوية زعماء القبائل المحلية وفي هذا مؤشر واضح إلى إلغاء مركزية سلطة الدولة في العراق.

والحقيقة المتبقية في مواجهة دعاة التقسيم هي أنه بمجرد التفكير في هذا السيناريو فإن هناك قراءة خاطئة للواقع العيني المعاش. فالشاهد هو أن العراقيين وعلى رغم محاولات التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تستهدفهم ظلوا خليطاً اجتماعياً تكثر الزيجات المختلطة بين فئاته وطوائفه، وظل العراقيون قادرين على تشكيل تلك الفسيفساء الاجتماعية التي لا سبيل لتغييرها إلا بوسائل التخويف والعنف وحملات القتل الجماعي المستمرة، وكما تشير سلسلة استطلاعات الرأي التي أجريت بينهم خلال السنوات الأربع الماضية، فقد أكدت الغالبية العراقية رغبتها في أن تظل بلادهم موحدة فعلى سبيل المثال أشار التقرير الصادر عن (المعهد الجمهوري الدولي) في أمريكا في يوليو من عام 2006 إلى أن نسبة 66 في المائة من العراقيين تعارض فكرة تقسيم العراق سواء على أساس طائفي أو عرقي.

والتساؤل المتبقي في هذا الإطار هو من يملك المقدرة الفعلية على إقرار سيناريو التقسيم أو رفضه؟

الإجابة تتلخص في كلمة واحدة (الشعب)، نعم الشعب العراقي الذي يدرك الأهداف الحقيقية من وراء التقسيم، ولعل تصريحات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي رغم توجهاته الشيعية تؤكد أن العراقيين يدركون خطورة الأمر، فالرجل رغم الأكثرية التي يمتلكها والدعم الإيراني لحضوره رأىأن الأمر سيكون كارثة على بلاده وحسناً فعلت جامعة الدول العربية التي استنكرت مشروع القرار ورأت ضرورة (التصدي بجدية وحزم لهذه المخططات التخريبية)، ويبقى على العراقيين الاتحاد على كلمة سواء في مواجهة أسوأ سيناريو يتعرضون له بعد الغزو، سيناريو يمكن أن تذهب معه فكرة العراق الموحد إلى ما وراء الماضي وعلى عتباته سوف تتحول بلاد الرافدين إلى مستنقع للحرب الأهلية التي ستمتد بلا شك إلى ما هو بجوار العراق من دول، ولذلك تبقى مسؤولية العالمين العربي والإسلامي أصيلة في التحدي والتصدي لهذا الطرح (الأبوكريفي المنحول).

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2175::/cck::
::introtext::

بعد نحو خمس سنوات من الغزو وأكثر من مليون ونصف المليون ضحية وأربعة ملايين لاجئ يأتي الآن دور الحديث عن التقسيم البغيض الذي يفتت العراق اليوم، وربما يحين الدور غداً على دول أخرى في المنطقة العربية، ما يجعلنا نصدق أن هناك بالفعل مخططاً لسايكس-بيكو جديدة أو ثانية لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ أصلاً في العالم العربي ولمصالح دول وجماعات لا تخفى عن أعين اللبيب. فما الذي جرى؟ ما دلالته؟ وهل سيقدر له أن يجد طريقه إلى واقع التنفيذ؟

::/introtext::
::fulltext::

بعد نحو خمس سنوات من الغزو وأكثر من مليون ونصف المليون ضحية وأربعة ملايين لاجئ يأتي الآن دور الحديث عن التقسيم البغيض الذي يفتت العراق اليوم، وربما يحين الدور غداً على دول أخرى في المنطقة العربية، ما يجعلنا نصدق أن هناك بالفعل مخططاً لسايكس-بيكو جديدة أو ثانية لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ أصلاً في العالم العربي ولمصالح دول وجماعات لا تخفى عن أعين اللبيب. فما الذي جرى؟ ما دلالته؟ وهل سيقدر له أن يجد طريقه إلى واقع التنفيذ؟

في أواخر سبتمبر الماضي كان مجلس الشيوخ الأمريكي قد وافق على مشروع قرار غير ملزم حول خطة لتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات شيعية وسنية وكردية، واعتبر المدافعون عن القرار بأنه الحل الوحيد لوضع حد لأعمال العنف التي تضرب العراق، وجاء إقرار مجلس الشيوخ لخطة التقسيم بأغلبية 75 صوتاً مقابل 23.

والتساؤل المطروح هو ما الذي تنص عليه خطة مجلس الشيوخ التي ترفضها إدارة الرئيس الأمريكي شكلياً حتى الساعة وهو ما يعتبره البعض ضرباً من ضروب تقسيم الأدوار حول المشهد العراقي.

واقع الحال يشير إلى أن الخطة التي صاغها ليزلي غليب الخبير السياسي في إدارة الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر تنص على وضع نظام فيدرالي اتحادي حسبما يسمح الدستور العراقي والحيلولة دون أن يتحول العراق إلى دولة تعمها الفوضى. وتنص الخطة أيضاً على تقسيم العراق بطريقة تسمح بوجود حكومة موحدة اتحادية في بغداد تتولى أمن الحدود وعائدات النفط.

وقد اعتبر رئيس مجلس الشيوخ هاري ريد (الديمقراطي) أن تبني (خطة بيدن) يعكس الأهمية التي يوليها مجلس الشيوخ لبقاء المصالحة السياسية الهدف الرئيسي للعراقيين (ويرى أن تحقيق الحل السياسي الذي ينص عليه هذا القانون سيساعد على إعادة نشر القوات الأمريكية المنخرطة في الحرب الأهلية العراقية وشن حرب أكثر فاعلية على الإرهاب وجعل أمريكا أكثر أماناً).

والأكثر غرابة في الذي جرى من قبل مجلس الشيوخ الأمريكي أن الأمر لم يقتصر على الأعضاء الديمقراطيين فحسب بل تخطاه إلى الجمهوريين، إذ وافق على الخطة العديد من الأعضاء الجمهوريين الذين يدعمون خطة بوش لزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق والمستائين من الأزمة السياسية في بغداد.

وأعرب السيناتور الجمهوري سام براونباك وهو أحد المرشحين للرئاسة الأمريكية وأحد الأعضاء الـ 11 في مجلس الشيوخ الداعمين للخطة عن أسفه قائلاً (نحن نسعى إلى تطبيق خطة سياسية مملوءة بالعيوب في بغداد حالياً)، أما السيناتورة الجمهورية كاي بايلاي هوتسينسون فاعتبرت أن هذا القرار يحقق نجاحات مثل تلك التي تحققت في البوسنة من خلال (اتفاق دايتون) التي أقرت التقسيم بين المتخاصمين الصرب والكروات والبوسنيين، وتضيف (إن ما رأيناه في البوسنة هو تقليص للتوتر، لا سيما عندما تكون لدى قوات الأمن قدرات وعندما تكون لدى الطوائف الدينية القدرة على حكم نفسها بنفسها).

ولعل ما يجعل مخاوف التقسيم حقيقة أكثر منها خيالاً هو أنها جاءت في شهادة السفير الأمريكي في العراق رايان كروكر التي أدلى بها مع رفيقه الجنرال ديفيد بترايوس أمام الكونغرس الأمريكي، فقد أيد الرجل في شهادته منح مناطق عراقية بعض السلطات، وحاول الاختباء وراء القول بمعارضة تقسيم العراق رسمياً غير أن مجرد الحديث عن مناطقية العراق إن جاز التعبير هو المدخل الأول والمؤكد في حديث التقسيم.

تقسيم العراق وإحياء المخططات القديمة

وعودة إلى البعد الزمني القديم نسبياً في ما يخص مشروع تقسيم العراق، وهنا يدرك المرء من قراءة دفتر أحوال التاريخ أن جوزيف بيدن لم يكن أول من تحدث عن هذا التقسيم، ففي أوائل السبعينات ألمح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر إلى فكرة تقسيم العراق وهو ما اعتبر من وقتها حتى الساعة دلالة على وجود مخطط صهيوني يستهدف تقسيم كافة البلدان العربية وفي مقدمتها العراق الذي لإسرائيل معه ثأر تاريخي يعود إلى أيام السبي البابلي.

توزيع الثروة حسب الأقاليم أو المحافظات يلغي تماماً ملكيتها القومية للعراق الموحد 

ويتعلق مخطط تقسيم العراق في واقع الأمر بشكل أساسي بتوفير النفط للولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل، فقد كان هنري كيسنجر صاحب فكرة نقل النفط من العراق إلى الغرب وإلى إسرائيل بالذات، ففي عام 1975 وقع كيسنجر مذكرة تفاهم مع إسرائيل تضمن الولايات المتحدة الأمريكية بموجبها لإسرائيل احتياطياً من النفط ومصدراً للطاقة في وقت الأزمات، ويتم تجديد المذكرة بهدوء كل خمسة أعوام مع تشريع خاص مرفق بها تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بموجبه بتوفير احتياطي استراتيجي من النفط لإسرائيل حتى إذا ما استتبع ذلك نقص داخلي في النفط كلف دافعي الضرائب الأمريكيين ثلاثة مليارات من الدولارات في عام 2002، وفي هذا الإطار فإن هناك من يرى وهي وجهة نظر لها مؤيدوها أن الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من مراحل انهيار يحتاج إلى دفعات ودفقات قوية من الدوائر الخارجية الاقتصادية لانتشال الاقتصاد من وهدة السقوط، وليس أفضل من النفط العراقي لمحاربة الكساد الاقتصادي الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام الرأسمالي الأمريكي.

وليس هذا فحسب، بل إن كثيراً من المحللين يرون أن احتلال العراق وبالتالي تقسيمه لم يكونا إلا من أجل مصلحة إسرائيل لتحقيق مشروع الشرق الأوسط (الكبير) وإسرائيل الكبرى، فمنذ البداية كانت الأهداف الأساسية للاحتلال هي تقطيع العراق والقضاء على كيانه ودولته وتدميره تماماً، غير أن طريقة التفتيت هذه اختلفت عن سابقاتها التي ساعدت عليها الإدارات الأمريكية في مناطق أخرى من العالم، فقد اخترع الأمريكيون وحلفاؤهم في إسرائيل طريقاً آخر مختلفاً عما سبق وإن مارسته كلتا السياستين ألا وهو ما يسمونه (الدستور والفيدرالية)، فالأول سيعطي الأمريكيين إمكانية وحق استنزاف العراق الذي سيصبح ثلاث دويلات هزيلة وربطها بعجلة المصالح الأمريكية الاستعمارية طويلة الأمد والتي تزيد على فكرة الوجود العسكري الدائم. والثانية ستفتت العراق بشكل قانوني (دستوري) داخلي تم فرضه من خلال القيادات العراقية التي جاءت على الدبابات الأمريكية، ولا يحلو لها المقام عملياً إلا في المنطقة الخضراء.

وعلى الرغم من عدم إيماننا واعتقادنا المطلق بفكرة المؤامرة فإن القول الحق هو أن المؤامرة موجودة في أحداث التاريخ وسياقاته سواء التكتيكية منها أو الاستراتيجية، ولهذا فإن هناك من ينظر إلى العراق على أنه كان ذات يوم دولة الخلافة الإسلامية عبر التاريخ، ولذلك فإن القضاء عليه قضاء مبرماً هو هدف يهم الدوائر الكارهة للعرب والمسلمين في العالم بأكمله، لذا فإن تفكيك العراق وشرذمة الانتماء الوطني فيه وإليه هما بالأساس هدف يحلق في سماء صناعة القرار (الصهيو-أمريكي) ولهذا وجدت أصوات منذ عام 1920، أي بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، تنادي بضرورة إصلاح التركيبة الخاطئة لوضع العراق كدولة قائمة وإعادة صياغته وفق تقسيمات طائفية وعرقية.

ويمكن القول إذن إن الحديث هو قديم يقدم اليوم في مغلف حديث، وإذا نحينا جانباً الاتجاهات التاريخية والأسباب الأيديولوجية للتقسيم فإن هناك البعد الاقتصادي الواقعي في الأمر والذي يبقى يطل من نافذة المشهد، فتقسيم الثروات هو التقسيم الحقيقي للبلاد أيضاً، حيث إن توزيع الثروة حسب الأقاليم أو المحافظات يلغي تماماً ملكيتها القومية للعراق الموحد الذي سيكون كدولة مجرد كيان هش يتلاعب بمصيره أمراء الطوائف وسراق الثروات والمتحكمون فيها.

حجج أنصار (التقسيم الناعم)

ويلفت جوست هلترمان نائب مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية إلى أن سيناريو التقسيم يخصص لكل من التكتلات العرقية الدينية الثلاثة نصيبها من عائدات النفط العراقي كمزية أساسية ضمن ميزات سيناريو التقسيم، فبالنسبة للمسلمين السنة العرب فهم القسم الاجتماعي الذي يقطن المناطق الأقل حظاً من الموارد النفطية، لكن ومع ذلك تخصص لهم نسبة 20 في المائة من إجمالي الكثافة السكانية العراقية.

ويدفع دعاة (التقسيم الناعم) للعراق بحجة أن الفيدرالية الواهنة القائمة على هذا الأساس العرقي الديني تعكس الواقع الفعلي للعراق ما دامت الحقيقة هي أنه يستحيل الحفاظ على وحدته بآلية الدولة المركزية الموحدة، ويقيم هؤلاء حجتهم على الاعتداءات والتحرشات الطائفية العرقية المستشرية بين شتى المجموعات ومحاولة كل مجموعة إبادة الأخرى وتطهيرها عرقياً ودينياً، ثم يضيف دعاةهذه الفكرة وأنصارها أن هذا الحل ليس كما يراد فرضه فرضاً على العراقيين وإنما هو فكرة عراقية نابعة من صلب نصوص الدستور الوطني الجديد.

وعند أنصار التقسيم كذلك أن الدستور العراقي الجديد والذي نص على هذا النوع من الفيدرالية الواهية التي ينادون بها أجازته أغلبية شعبية عبر استفتاء أجري لذلك الهدف في عام 2005.

الدلائل تشير إلى أن الإدارة الأمريكية شرعت فعلياً باتخاذ خطوات فعلية نحو التقسيم 

لكن ما يثير اهتمامات بعض دوائر السلطة واتخاذ القرار في واشنطن بهذه الاستراتيجية أن العراق بدأ عملياً بديناميات الانقسام الإثني هذه، ما يستوجب فصل الأجزاء الكبيرة منه واقعياً على أساس طائفي إثني. غير أنه ورغم المبررات الأيديولوجية لتقسيم العراق والتي تخبئ أهدافاً أقل ما توصف بأنها (مؤامراتية) بالفعل تبقى هناك أصوات كثيرة حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية ترفض هذا السيناريو لا كرهاً في البديل ولكن انطلاقاً من رؤية واقعية للمأساة التي ستنجم عن هذا التقسيم، فماذا عن ذلك؟

تقسيم العراق.. سيناريو الخراب الأكبر

في هذا السياق يذهب العديد من خبراء السياسة الخارجية الأمريكية إلى أن تقسيم العراق يمكن أن يسفر عن مذابح دموية في المناطق المدنية، فرغم أن السنّة يشكلون الغالبية الساحقة في الجزء الغربي من العراق والأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب إلا أن المدن العراقية ليست متجانسة ديموغرافياً، فبغداد والموصل وكركوك لا توجد فيها خطوط جغرافية واضحة تفصل بين المكونات الرئيسية الثلاثة أو على الأقل لم تكن في السابق، ولكن حقيقة الأمر حالياً أنها أصبحت أكثر تجانساً لأن السكان المرعوبين فروا من المناطق التي لا تهيمن عليها طائفتهم، فالضواحي الواقعة على أطراف بغداد شهدت الكثير من التطهير العرقي والطائفي.

وإذا كان مسؤولو إدارة بوش يقولون إنهم ملتزمون بموقف الرئيس الأمريكي الذي يأمل في أن تتمكن القوات الأمريكية المعززة بأعداد إضافية من كبح العنف وإيجاد الظروف السياسية للشيعة والسنة والأكراد للتوصل إلى حل سياسي، ولكن الشهادات والمقابلات حول الظروف السائدة في العراق تشير إلى أن الإدارة الأمريكية شرعت فعلياً باتخاذ خطوات فعلية نحو التقسيم. فوزارة الخارجية تحديداً شددت على اقتراح تشكيل فرق بناء مناطقية في المحافظات العراقية بهدف تقوية زعماء القبائل المحلية وفي هذا مؤشر واضح إلى إلغاء مركزية سلطة الدولة في العراق.

والحقيقة المتبقية في مواجهة دعاة التقسيم هي أنه بمجرد التفكير في هذا السيناريو فإن هناك قراءة خاطئة للواقع العيني المعاش. فالشاهد هو أن العراقيين وعلى رغم محاولات التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تستهدفهم ظلوا خليطاً اجتماعياً تكثر الزيجات المختلطة بين فئاته وطوائفه، وظل العراقيون قادرين على تشكيل تلك الفسيفساء الاجتماعية التي لا سبيل لتغييرها إلا بوسائل التخويف والعنف وحملات القتل الجماعي المستمرة، وكما تشير سلسلة استطلاعات الرأي التي أجريت بينهم خلال السنوات الأربع الماضية، فقد أكدت الغالبية العراقية رغبتها في أن تظل بلادهم موحدة فعلى سبيل المثال أشار التقرير الصادر عن (المعهد الجمهوري الدولي) في أمريكا في يوليو من عام 2006 إلى أن نسبة 66 في المائة من العراقيين تعارض فكرة تقسيم العراق سواء على أساس طائفي أو عرقي.

والتساؤل المتبقي في هذا الإطار هو من يملك المقدرة الفعلية على إقرار سيناريو التقسيم أو رفضه؟

الإجابة تتلخص في كلمة واحدة (الشعب)، نعم الشعب العراقي الذي يدرك الأهداف الحقيقية من وراء التقسيم، ولعل تصريحات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي رغم توجهاته الشيعية تؤكد أن العراقيين يدركون خطورة الأمر، فالرجل رغم الأكثرية التي يمتلكها والدعم الإيراني لحضوره رأىأن الأمر سيكون كارثة على بلاده وحسناً فعلت جامعة الدول العربية التي استنكرت مشروع القرار ورأت ضرورة (التصدي بجدية وحزم لهذه المخططات التخريبية)، ويبقى على العراقيين الاتحاد على كلمة سواء في مواجهة أسوأ سيناريو يتعرضون له بعد الغزو، سيناريو يمكن أن تذهب معه فكرة العراق الموحد إلى ما وراء الماضي وعلى عتباته سوف تتحول بلاد الرافدين إلى مستنقع للحرب الأهلية التي ستمتد بلا شك إلى ما هو بجوار العراق من دول، ولذلك تبقى مسؤولية العالمين العربي والإسلامي أصيلة في التحدي والتصدي لهذا الطرح (الأبوكريفي المنحول).

::/fulltext::
::cck::2175::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *