حقوق الإنسان.. إشكاليات المفهوم والمصداقية

::cck::2180::/cck::
::introtext::

 حظيت حقوق الإنسان على امتداد العقود الأخيرة باهتمام متزايد في مختلف دوائر ومستويات الفعل السياسي والمدني. وعلى الصعيد النظري أصبحت فكرة حقوق الإنسان، بصورة ما، محل إجماع عالمي باعتبارها نظاماً صالحاً للقيم ومعياراً لتقدير مدى أهلية النظم القانونية والتجارب السياسية في المجتمعات المعاصرة. 

::/introtext::
::fulltext::

 حظيت حقوق الإنسان على امتداد العقود الأخيرة باهتمام متزايد في مختلف دوائر ومستويات الفعل السياسي والمدني. وعلى الصعيد النظري أصبحت فكرة حقوق الإنسان، بصورة ما، محل إجماع عالمي باعتبارها نظاماً صالحاً للقيم ومعياراً لتقدير مدى أهلية النظم القانونية والتجارب السياسية في المجتمعات المعاصرة.

لكن هذا الإجماع الظاهري حول حقوق الإنسان كشعار لا يلغي حقيقة الالتباس الحاصل في مفهومها لدى الكثيرين والاختلاف بشأن الأسس التي تقوم عليها الفكرة، ناهيك عن أنه لا يعكس حقيقة الموقف على أرض الواقع؛ فهناك تراجع ملحوظ في مستويات احترام حقوق الإنسان على أكثر من صعيد وتناقض فاضح بين الشعار والممارسة لدى أدعياء الفكرة، وهو أمر حمل الكثيرين على التشكيك في مصداقية حقوق الإنسان أصلاً، فيما يكتفي البعض بالمطالبة بمراجعة دلالات المفهوم وإعادة تأسيسه بما يتناسب مع تعدد الثقافات والمرجعيات الفلسفية والأيديولوجية، فضلاً عن تحرير المشروع من التوظيف السياسي والأيديولوجي الذي تمارسه بعض القوى الدولية.

ومنذ البداية ظهرت ثغرة كبيرة في بناء مشروع حقوق الإنسان، تمثلت في الخلاف النظري العميق حول بعض المنطلقات الفلسفية التي يستند إليها وتهرّب أغلبية البلدان من القبول بمدلول محدد للمفهوم يمكن إلزام كل الأطراف به. وعكست هذه الفجوة بين احتفاء الجميع بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وارتياب البعض في أسسه وتقاعس الكثيرين عن الالتزام بمقتضياته غياب توافق كاف على مبررات شرعية حقوق الإنسان من جهة وغياب فهم محدد لمضمون هذه الحقوق من جهة أخرى. وربما يعود الأمر في المقام الأول إلى كون إعلان 1948 انطلق من فكرة العالمية باعتبارها أحد المقومات الأساسية لمفهوم حقوق الإنسان معتمداً فهماً ينتمي إلى تيار العقلانية الأخلاقية المتأثر، بشكل أو آخر، بالأطروحات التقليدية لمدرسة القانون الطبيعي. وكانت نتيجة ذلك تبني مفهوم مجرد لحقوق الإنسان كحقوق أخلاقية مطلقة زماناً ومكاناً، مع إغفال الحاجة إلى ربط هذه الحقوق بالأوضاع القانونية الخاصة والتعامل معها من دون اعتبار للظروف الاجتماعية التاريخية. كما انتصرت رؤية معينة في التجاذب الأيديولوجي القائم لحظة صدور الإعلان العالمي، وهي رؤية ليبرالية محافظة تتبنى مفهوماً مجتزأ وناقصاً لحقوق الإنسان يختزلها في الحقوق السياسية والمدنية ذات الطبيعة الفردية، ويقيم تعارضاً جوهرياً بين قيمة الحرية وفكرة العدالة، وظل هذا الخلل الأصلي قائماً ولم يفتأ أثره يتفاقم رغم محاولات تداركه لاحقاً عبر إصدار عهود دولية تقر أجيالاً جديدة من الحقوق.

وهكذا يمكن القول إن غلبة مرجعية معينة لفكرة حقوق الإنسان وانتصار نظرة أيديولوجية محددة رجحت فهماً غير متوازن للحقوق كان لهما الأثر البالغ، إضافة إلى استغلال شعار حقوق الإنسان من طرف بعض القوى الدولية، لإفراغ الفكرة من محتواها والتنفير منها بتأثير جملة من النتائج العديدة التي ترتبت على ذلك ومنها:

• ادعاء وجود أساس فلسفي مطلق لحقوق الإنسان يجب على كل الأمم والملل والثقافات أن تذعن لسلطانه حتى لو لم تقتنع بمسلماته. وقد انتقد المفكر الإيطالي نوربرتو بوبيو منذ سنوات طويلة هذه النزعة منبهاً إلى أن (الأساس المطلق يمثل في عالم الأفكار نظير السلطة المطلقة في عالم الأفعال ـ كما عند هوبز ـ ففي مواجهة الأساس المطلق ينكسر العقل مثلما تنكسر الإرادة في مواجهة السلطة المطلقة). وربما فاته أن يضيف أن العقل أكثر عناداً من الإرادة، ولذلك لم تخضع ثقافات عديدة لرؤية المدرسة الطبيعية ذات الجذور اللاهوتية المسيحية. وكانت النتيجة أن بعضها تطرف في رد الفعل فتمرد على فكرة حقوق الإنسان نفسها.

• تم، في أحيان كثيرة، تحريف الرسالة التحريرية لحقوق الإنسان لتتحول إلى مشروع أيديولوجي غايته فرض خصوصيات ثقافة معينة، كما جرى توظيفها على نطاق واسع لخدمة سياسات الهيمنة الجديدة للقوى الغربية الساعية إلى تأبيد نفوذها الاستعماري.

• الفهم النظري المجرد لحقوق الإنسان ترتب عليه إغفال الاهتمام بتوفير الضمانات القانونية والمادية الكفيلة بالتكريس الفعلي للحقوق الأساسية التي أقرها الإعلان العالمي والعهود الدولية المنبثقة منه، وبالتالي ظلت حقوق الإنسان غالباً مجرد شعار لا أثر له في الواقع.

• تكرست تدريجياً نظرة انتقائية وغير متوازنة لحقوق الإنسان، تناسب المقاربة الليبرالية الغالبة، حيث يجري التركيز في أحسن الأحوال على الجيلين الأول والثاني من حقوق الإنسان، وهي حقوق سلبية وفردية أساساً، في مقابل تجاهل الحقوق الإيجابية، أي تلك التي ترتب على الدولة التزامات تجاه أصحاب الحقوق، ومنها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولا شك في أن تجاوز الالتباس الحاصل في مفهوم حقوق الإنسان واستعادة مصداقيتها يتطلب بداية تخليص مشروع حقوق الإنسان من إسار الخصوصيات الثقافية وتحريره من الارتهان للسياسات الاستعمارية. فقد بات ضرورياً فك الارتباط بين حقوق الإنسان ومشروع الهيمنة الثقافية الغربية، إذ إن الالتباس الحاصل في أذهان البعض أدى إلى خلط يسيء إلى فكرة حقوق الإنسان التي أصبح ينظر إليها باعتبارها حصان طروادة يتيح للقيم الثقافية الغربية التسلل لغزو الفضاءات الخاصة بالثقافات الأخرى.

استغلال شعار حقوق الإنسان من بعض القوى الدولية ساهم في إفراغ الفكرة من محتواها 

فعلاً، لقد نشأت حقوق الإنسان كما نعرفها اليوم، وتبلورت في سياق الثقافة الغربية، التي أسهمت إسهاماً يحمد لها في بعث الاهتمام بالكرامة الإنسانية بعد أن كاد الاستبداد السياسي والانحطاط الاجتماعي والثقافي يطمسان معالمها في أغلب المجتمعات، لكن حقوق الإنسان ليست بدعة غربية ولا فكرة مسيحية، بل هي فطرة إنسانية أصيلة وفكرة مشتركة ضربت فيها كل الثقافات بسهم، وأضافت إليها كل الأمم التي كان لها شأن في  الحضارة الإنسانية. أضف إلى ذلك أن زعم تماهي حقوق الإنسان مع الثقافة الغربية فيه تجاهل لحقيقة أنها لم تكن دائماً في وئام مع القيم الثقافية الغربية، فقد تقدمت حقوق الإنسان في المجتمع الغربي على حساب قيم وممارسات عديدة كانت تمثل مكونات أساسية للثقافة الغربية.

إن هذا التمييز ربما لا يكون كافياً وحده، بل لا بد أيضاً من تحرير حقوق الإنسان من براثن التوظيف الأيديولوجي الذي تمارسه بعض القطاعات السياسية والفكرية الغربية التي لا تتصور أي نوع من العلاقة مع الآخر خارج إطار (مهمة الغرب الرسالية) المتمثلة في (تحضير) الشعوب المغايرة الموصوفة تارة بالتخلف وأحياناً بالتوحش والبربرية. وهي المهمة التي يبدو أن البعض يسعى إلى ممارستها باسم المشروع الإنساني للحداثة المستنيرة في المواقع التي لا يتوقع أن تجد فيها (رسالة الخلاص المسيحي) الصدى الذي ينتظره المبشرون بها.

ويتعين، فضلاً عن كل هذا، تحرير حقوق الإنسان من النظرة الانتقائية التجزيئية التي تقيم تعارضاً لا أساس له بين فئات الحقوق، حيث يتم طرح الأمور كما لو أن الحرية لا تستقيم في ظل السعي إلى ضمان تحقيق العدالة، وأن الاستقلالية لا تنسجم مع المحافظة على روح التضامن، وهو مسلك أدى أحياناً إلى أن يقابله آخرون بالدفاع عن عدالة زائفة في مقابل الحرية ووصاية غبية في مقابل الاستقلالية.

غير أن تحرير حقوق الإنسان من كل هذه المعوقات قد لا يكون كافياًً ما لم تخضع لعملية مراجعة وتجديد تطال خطاب هذه الحقوق ومضمونها والمنطلقات التي تقوم عليها بما يتناسب مع التعددية الثقافية التي أصبحت واقعاً يستحيل القفز عليه. وفي هذا السياق، قد يكون من المفيد استحضار جملة منطلقات يقترحها المفكر البرتغالي بوافنتورا دي سوسا سانتوس. منها:

▪ضرورة تجاوز الجدل التقليدي بشأن التعارض بين العالمية من جهة والنسبية الثقافية من جهة أخرى، والاتجاه نحو حوار جاد بين مختلف الثقافات يسمح بتحديد قواسم مشتركة ومعايير جامعة.

▪الإقرار بأن كل الثقافات لها تصور بشأن الكرامة الإنسانية، وإن كانت لا تعتمد كلها فكرة حقوق الإنسان، لكن هذا الاختلاف في التصورات لا يعني بالضرورة استحالة التواصل بين الثقافات وتفاعلها.

▪واقع تعدد الثقافات يمثل دليلاً على أنه لا توجد ثقافة كاملة، وإنما هناك ثقافات تتكامل فيما بينها، وكل ثقافة تزيد كمالاً بقدر ما يزيد وعيها بنواقصها عبر الحوار والتبادل مع غيرها.

▪لا وجود لثقافة كاملة التجانس، فكل الثقافات تحتوي في داخلها على مدارس متعددة في ما يتعلق بتصور الكرامة الإنسانية، وهذه المدارس تتفاوت من حيث اكتمال تصوراتها وقدرتها على الانفتاح واستعدادها للحوار والتواصل مع الآخر.

▪لكل ثقافة طريقتها في تأمين الاندماج وتنظيم التمايز، ولذلك ليس من السليم النظر إلى كل مظاهر المساواة باعتبارها دليلاً على تماثل حقيقي، كما أن الاختلافات لا تنطوي بالضرورة على وجود تفاوت حقيقي. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2180::/cck::
::introtext::

 حظيت حقوق الإنسان على امتداد العقود الأخيرة باهتمام متزايد في مختلف دوائر ومستويات الفعل السياسي والمدني. وعلى الصعيد النظري أصبحت فكرة حقوق الإنسان، بصورة ما، محل إجماع عالمي باعتبارها نظاماً صالحاً للقيم ومعياراً لتقدير مدى أهلية النظم القانونية والتجارب السياسية في المجتمعات المعاصرة. 

::/introtext::
::fulltext::

 حظيت حقوق الإنسان على امتداد العقود الأخيرة باهتمام متزايد في مختلف دوائر ومستويات الفعل السياسي والمدني. وعلى الصعيد النظري أصبحت فكرة حقوق الإنسان، بصورة ما، محل إجماع عالمي باعتبارها نظاماً صالحاً للقيم ومعياراً لتقدير مدى أهلية النظم القانونية والتجارب السياسية في المجتمعات المعاصرة.

لكن هذا الإجماع الظاهري حول حقوق الإنسان كشعار لا يلغي حقيقة الالتباس الحاصل في مفهومها لدى الكثيرين والاختلاف بشأن الأسس التي تقوم عليها الفكرة، ناهيك عن أنه لا يعكس حقيقة الموقف على أرض الواقع؛ فهناك تراجع ملحوظ في مستويات احترام حقوق الإنسان على أكثر من صعيد وتناقض فاضح بين الشعار والممارسة لدى أدعياء الفكرة، وهو أمر حمل الكثيرين على التشكيك في مصداقية حقوق الإنسان أصلاً، فيما يكتفي البعض بالمطالبة بمراجعة دلالات المفهوم وإعادة تأسيسه بما يتناسب مع تعدد الثقافات والمرجعيات الفلسفية والأيديولوجية، فضلاً عن تحرير المشروع من التوظيف السياسي والأيديولوجي الذي تمارسه بعض القوى الدولية.

ومنذ البداية ظهرت ثغرة كبيرة في بناء مشروع حقوق الإنسان، تمثلت في الخلاف النظري العميق حول بعض المنطلقات الفلسفية التي يستند إليها وتهرّب أغلبية البلدان من القبول بمدلول محدد للمفهوم يمكن إلزام كل الأطراف به. وعكست هذه الفجوة بين احتفاء الجميع بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وارتياب البعض في أسسه وتقاعس الكثيرين عن الالتزام بمقتضياته غياب توافق كاف على مبررات شرعية حقوق الإنسان من جهة وغياب فهم محدد لمضمون هذه الحقوق من جهة أخرى. وربما يعود الأمر في المقام الأول إلى كون إعلان 1948 انطلق من فكرة العالمية باعتبارها أحد المقومات الأساسية لمفهوم حقوق الإنسان معتمداً فهماً ينتمي إلى تيار العقلانية الأخلاقية المتأثر، بشكل أو آخر، بالأطروحات التقليدية لمدرسة القانون الطبيعي. وكانت نتيجة ذلك تبني مفهوم مجرد لحقوق الإنسان كحقوق أخلاقية مطلقة زماناً ومكاناً، مع إغفال الحاجة إلى ربط هذه الحقوق بالأوضاع القانونية الخاصة والتعامل معها من دون اعتبار للظروف الاجتماعية التاريخية. كما انتصرت رؤية معينة في التجاذب الأيديولوجي القائم لحظة صدور الإعلان العالمي، وهي رؤية ليبرالية محافظة تتبنى مفهوماً مجتزأ وناقصاً لحقوق الإنسان يختزلها في الحقوق السياسية والمدنية ذات الطبيعة الفردية، ويقيم تعارضاً جوهرياً بين قيمة الحرية وفكرة العدالة، وظل هذا الخلل الأصلي قائماً ولم يفتأ أثره يتفاقم رغم محاولات تداركه لاحقاً عبر إصدار عهود دولية تقر أجيالاً جديدة من الحقوق.

وهكذا يمكن القول إن غلبة مرجعية معينة لفكرة حقوق الإنسان وانتصار نظرة أيديولوجية محددة رجحت فهماً غير متوازن للحقوق كان لهما الأثر البالغ، إضافة إلى استغلال شعار حقوق الإنسان من طرف بعض القوى الدولية، لإفراغ الفكرة من محتواها والتنفير منها بتأثير جملة من النتائج العديدة التي ترتبت على ذلك ومنها:

• ادعاء وجود أساس فلسفي مطلق لحقوق الإنسان يجب على كل الأمم والملل والثقافات أن تذعن لسلطانه حتى لو لم تقتنع بمسلماته. وقد انتقد المفكر الإيطالي نوربرتو بوبيو منذ سنوات طويلة هذه النزعة منبهاً إلى أن (الأساس المطلق يمثل في عالم الأفكار نظير السلطة المطلقة في عالم الأفعال ـ كما عند هوبز ـ ففي مواجهة الأساس المطلق ينكسر العقل مثلما تنكسر الإرادة في مواجهة السلطة المطلقة). وربما فاته أن يضيف أن العقل أكثر عناداً من الإرادة، ولذلك لم تخضع ثقافات عديدة لرؤية المدرسة الطبيعية ذات الجذور اللاهوتية المسيحية. وكانت النتيجة أن بعضها تطرف في رد الفعل فتمرد على فكرة حقوق الإنسان نفسها.

• تم، في أحيان كثيرة، تحريف الرسالة التحريرية لحقوق الإنسان لتتحول إلى مشروع أيديولوجي غايته فرض خصوصيات ثقافة معينة، كما جرى توظيفها على نطاق واسع لخدمة سياسات الهيمنة الجديدة للقوى الغربية الساعية إلى تأبيد نفوذها الاستعماري.

• الفهم النظري المجرد لحقوق الإنسان ترتب عليه إغفال الاهتمام بتوفير الضمانات القانونية والمادية الكفيلة بالتكريس الفعلي للحقوق الأساسية التي أقرها الإعلان العالمي والعهود الدولية المنبثقة منه، وبالتالي ظلت حقوق الإنسان غالباً مجرد شعار لا أثر له في الواقع.

• تكرست تدريجياً نظرة انتقائية وغير متوازنة لحقوق الإنسان، تناسب المقاربة الليبرالية الغالبة، حيث يجري التركيز في أحسن الأحوال على الجيلين الأول والثاني من حقوق الإنسان، وهي حقوق سلبية وفردية أساساً، في مقابل تجاهل الحقوق الإيجابية، أي تلك التي ترتب على الدولة التزامات تجاه أصحاب الحقوق، ومنها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولا شك في أن تجاوز الالتباس الحاصل في مفهوم حقوق الإنسان واستعادة مصداقيتها يتطلب بداية تخليص مشروع حقوق الإنسان من إسار الخصوصيات الثقافية وتحريره من الارتهان للسياسات الاستعمارية. فقد بات ضرورياً فك الارتباط بين حقوق الإنسان ومشروع الهيمنة الثقافية الغربية، إذ إن الالتباس الحاصل في أذهان البعض أدى إلى خلط يسيء إلى فكرة حقوق الإنسان التي أصبح ينظر إليها باعتبارها حصان طروادة يتيح للقيم الثقافية الغربية التسلل لغزو الفضاءات الخاصة بالثقافات الأخرى.

استغلال شعار حقوق الإنسان من بعض القوى الدولية ساهم في إفراغ الفكرة من محتواها 

فعلاً، لقد نشأت حقوق الإنسان كما نعرفها اليوم، وتبلورت في سياق الثقافة الغربية، التي أسهمت إسهاماً يحمد لها في بعث الاهتمام بالكرامة الإنسانية بعد أن كاد الاستبداد السياسي والانحطاط الاجتماعي والثقافي يطمسان معالمها في أغلب المجتمعات، لكن حقوق الإنسان ليست بدعة غربية ولا فكرة مسيحية، بل هي فطرة إنسانية أصيلة وفكرة مشتركة ضربت فيها كل الثقافات بسهم، وأضافت إليها كل الأمم التي كان لها شأن في  الحضارة الإنسانية. أضف إلى ذلك أن زعم تماهي حقوق الإنسان مع الثقافة الغربية فيه تجاهل لحقيقة أنها لم تكن دائماً في وئام مع القيم الثقافية الغربية، فقد تقدمت حقوق الإنسان في المجتمع الغربي على حساب قيم وممارسات عديدة كانت تمثل مكونات أساسية للثقافة الغربية.

إن هذا التمييز ربما لا يكون كافياً وحده، بل لا بد أيضاً من تحرير حقوق الإنسان من براثن التوظيف الأيديولوجي الذي تمارسه بعض القطاعات السياسية والفكرية الغربية التي لا تتصور أي نوع من العلاقة مع الآخر خارج إطار (مهمة الغرب الرسالية) المتمثلة في (تحضير) الشعوب المغايرة الموصوفة تارة بالتخلف وأحياناً بالتوحش والبربرية. وهي المهمة التي يبدو أن البعض يسعى إلى ممارستها باسم المشروع الإنساني للحداثة المستنيرة في المواقع التي لا يتوقع أن تجد فيها (رسالة الخلاص المسيحي) الصدى الذي ينتظره المبشرون بها.

ويتعين، فضلاً عن كل هذا، تحرير حقوق الإنسان من النظرة الانتقائية التجزيئية التي تقيم تعارضاً لا أساس له بين فئات الحقوق، حيث يتم طرح الأمور كما لو أن الحرية لا تستقيم في ظل السعي إلى ضمان تحقيق العدالة، وأن الاستقلالية لا تنسجم مع المحافظة على روح التضامن، وهو مسلك أدى أحياناً إلى أن يقابله آخرون بالدفاع عن عدالة زائفة في مقابل الحرية ووصاية غبية في مقابل الاستقلالية.

غير أن تحرير حقوق الإنسان من كل هذه المعوقات قد لا يكون كافياًً ما لم تخضع لعملية مراجعة وتجديد تطال خطاب هذه الحقوق ومضمونها والمنطلقات التي تقوم عليها بما يتناسب مع التعددية الثقافية التي أصبحت واقعاً يستحيل القفز عليه. وفي هذا السياق، قد يكون من المفيد استحضار جملة منطلقات يقترحها المفكر البرتغالي بوافنتورا دي سوسا سانتوس. منها:

▪ضرورة تجاوز الجدل التقليدي بشأن التعارض بين العالمية من جهة والنسبية الثقافية من جهة أخرى، والاتجاه نحو حوار جاد بين مختلف الثقافات يسمح بتحديد قواسم مشتركة ومعايير جامعة.

▪الإقرار بأن كل الثقافات لها تصور بشأن الكرامة الإنسانية، وإن كانت لا تعتمد كلها فكرة حقوق الإنسان، لكن هذا الاختلاف في التصورات لا يعني بالضرورة استحالة التواصل بين الثقافات وتفاعلها.

▪واقع تعدد الثقافات يمثل دليلاً على أنه لا توجد ثقافة كاملة، وإنما هناك ثقافات تتكامل فيما بينها، وكل ثقافة تزيد كمالاً بقدر ما يزيد وعيها بنواقصها عبر الحوار والتبادل مع غيرها.

▪لا وجود لثقافة كاملة التجانس، فكل الثقافات تحتوي في داخلها على مدارس متعددة في ما يتعلق بتصور الكرامة الإنسانية، وهذه المدارس تتفاوت من حيث اكتمال تصوراتها وقدرتها على الانفتاح واستعدادها للحوار والتواصل مع الآخر.

▪لكل ثقافة طريقتها في تأمين الاندماج وتنظيم التمايز، ولذلك ليس من السليم النظر إلى كل مظاهر المساواة باعتبارها دليلاً على تماثل حقيقي، كما أن الاختلافات لا تنطوي بالضرورة على وجود تفاوت حقيقي. 

::/fulltext::
::cck::2180::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *