التحديــات الجديــدة التي تواجه دول مجلس التعاون
::cck::2208::/cck::
::introtext::
ما جرى في قمة مجلس التعاون الخامسة والعشرين في المنامة مؤخراً يدل من دون أدنى شك على أن مجلس التعاون دخل مرحلة جديدة تتناسب ومعطيات العصر الحديث، وأنه بدأ بنفض غبار الماضي بكل تبعاته التي أخّرت مسيرة المجلس، وعطلت العديد من المنجزات التي تنتظرها شعوب المجلس.
::/introtext::
::fulltext::
ما جرى في قمة مجلس التعاون الخامسة والعشرين في المنامة مؤخراً يدل من دون أدنى شك على أن مجلس التعاون دخل مرحلة جديدة تتناسب ومعطيات العصر الحديث، وأنه بدأ بنفض غبار الماضي بكل تبعاته التي أخّرت مسيرة المجلس، وعطلت العديد من المنجزات التي تنتظرها شعوب المجلس.
إن ما اجرى في القمة الأخيرة يمكن وصفه بأنه عودة إلى تناسب الأصوات داخل المجلس من دون أي اعتبارات عشائرية أو تقاليد وراثية حول كهنوت القبيلة بكل ما يطرحه ذلك من ضبابية حول القرار السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي. وهذا يذكرنا باضمحلال دولة المركز وبروز دول الأطراف التي بدأت تتصرف بوحي من مصالحها وواقعها المعاش، الذي قد لا ينطبق على الدول الأخرى.
التحديات على الصعيد الداخلي في الدول الأعضاء:
قد لا نختلف على أن أحداث 11 سبتمبر 1002 فرضت على دول المجلس مجموعة من التحديات التي لابد أن تواجهها . كما أن الحراك الثقافي السياسي داخل دول المجلس أو بعضها أيضا حتم وجود مجموعة من الإجراءات التي تسير وفق مزاج يختلف عن مزاج جميع دول المجلس. ولعل أهم شاهد على ذلك هو: التوجه نحو المشاركة الشعبية – التي تبغضها بعض دول المجلس – وإنشاء دولة المؤسسات التي تدافع عن حقوق المواطنين وما يستتبع ذلك من وضع دساتير حديثة وانتخاب برلمانات تدافع عن المواطنين وتمثلهم أمام الحكومات، ولعل المثال البحريني والقطري خير شاهد على ذلك. وفي دول أخرى لا يتواءم مزاجها مع الطروحات الجديدة نحو الديمقراطية وحرية التعبير نجدها ما زالت تلتحف عباءة الموروث وتعول على سياسة (حب الخشوم) التي تجاوزتها الدول الأخرى. وكان لوجود مجلس الامة في دولة الكويت الأثر الأكبر في تردد دولة الكويت بالتوقيع على الاتفاقية الأمنية، كونها تطرح طروحات تتجاوز السيادة الإقليمية للدول الأخرى. وضغط مجلس الأمة باتجاه حماية السيادة وحرية التعبير. في الوقت ذاته، فإن حماساً يمكن رصده في – دول أخرى- نحو سرعة تطبيق الاتفاقية الأمنية، وذلك استجابة لظروف محلية لا يمكن تجاهلها .
الموضوع الثاني هو الإرهاب الذي بدأ يدخل أجندات مجلس التعاون منذ الدورة الخامسة عشرة في دولة البحرين عام 4991، وزادت حدة تناول موضوع الإرهاب في الدورة السادسة عشرة في البحرين أيضاً عام 5991، إثر التفجيرات التي حصلت هناك. وزادت نبرة الإدانة للعمليات الارهابية في القمة التالية في دولة قطر عام 6991 إثر التفجيرات التي وقعت في الخبر بالمملكة العربية السعودية. وعاد موضوع الإرهاب ليشكل بنداً مهماً من بنود القمم الخليجية بعد التفجيرات التي تعرضت لها الولايات المتحدة. وجاء بيان قمة مسقط عام 1002 ليشكل انعطافة ملحوظة في موقف مجلس التعاون من الظاهرة، وبالموافقة على الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة لمكافحة الظاهرة، واستعداد المجلس للتعاون مع المجتمع الدولي لمواجهتها. كما بدا في البيان الأخير لقمة مجلس التعاون بمملكة البحرين الادانة الواضحة للأعمال الإرهابية التي تعرضت لها قنصيلة الولايات المتحدة في جدة.
والواقع أنه حتى في موضوع الإرهاب يوجد اختلاف بين دول المجلس في الرؤية المُشرعنة لإدانته. فهناك دول من دول المجلس لم تحدث فيها تفجيرات، ولا تعاني توجهات متطرفة، وتتجه نحو الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بعكس الدول الأخرى التي تعاني من مثل هذه الظواهر. وبالتالي فإن تطبيق قرارات تخص الجزء على الكل ليس مقبولا من الناحية العملية، مهما كان تراث القرار الخليجي يعتمد على الإجماع ! فما يحدث من حراك في المملكة العربية السعودية لا يحدث في مسقط أو الدوحة، وكذلك الأمر بالنسبة لما يجري في البحرين والكويت! من هنا يمكن القول: إن النظرة إلى الإرهاب تكاد تكون مفهومة وواضحة في البيانات، لكنها غير ذلك على أرض الواقع.
والموضوع الآخر- ضمن التحديات الداخلية- هو التوجه الفردي للدول في توقيع اتفاقيات مع الدول الكبرى. وهو ما تراه دول أخرى يمس ثقافة «الوحدة» أو التكامل فيما بين دول المجلس. ولهذا التوجه ما يبرره. فلقد سئمت بعض دول المجلس من تأجيل القرارات التي تواجه المسيرة المشتركة. وغني عن القول إن دول الاتحاد الأوروبي هي الأخرى سئمت بعد 51 عاماً من المفاوضات مع مجلس التعاون – كمجموعة – لأن التكامل الذي تريده دول المجموعة الأوروبية متكامل في حزمة واحدة (Package) وليس تفصيلاً لمجموعة من الحزم أو النشاطات. وبعض دول المجلس لا تريد مثلا: تحديث التعليم، أو مناقشة حقوق المرأة أو الحديث عن المجتمع المدني. لذلك تأجلت المفاوضات وصارعها أربعة من الأمناء العامين في المجلس. وما حصل في مملكة البحرين مؤخراً مع توقيع اتفاق التجارة مع الولايات المتحدة دليل مباشر على أن أولويات دول المجلس تتفاوت من حيث نظرتها لمصالحها. وهذا ما أضفى على هموم القادة المجتمعين في البحرين هموماً جديدة، ناهيك عن عدم مشاركة الأمير عبدالله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي في القمة، ونسف كل التوقعات الصحافية بأن قمة البحرين ستكون اقتصادية في المقام الأول، بل إن ما حصل قبل القمة – بين المنامة والرياض – قد فرض تأجيلا للموضوع الاقتصادي حفاظاً على عدم تصدع المسيرة. وما ينطبق على توقيع الاتفاقيات الاقتصادية ينطبق على توقيع الاتفاقيات العسكرية التي «امتعضت» منها بعض دول المجلس، واعتبرتها تغريداً خارج السرب الخليجي . والعارفون بالشأن الخليجي يدركون أن دول المجلس منفردة بدأت توقيع اتفاقيات عسكرية مع الولايات المتحدة قبل إنشاء المجلس بعشرات السنين.
ومن موضوعات التحديات أيضاً هناك موضوع تحقيق المواطنة الخليجية التي قام على أساسها المجلس. فالنظام الأساسي للمجلس ينص في ديباجته الرئيسية على وحدة الهدف والمصير التي تجمع شعوب الخليج. وأن المادة الرابعة من النظام تنص على تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات. ويكشف الواقع بعد ثلاثة وعشرين عاماً من مسيرة المجلس، أن المواطنة لم تتحقق في أبعادها الدنيا، بل إن العلاقات الثنائية التي دعمتها البروتوكولات والاتفاقيات الثنائية نجحت أكثر مما دعا إليه مجلس التعاون، فهنالك موضوعات وقضايا تهم المواطنين ليست بالصعبة أو المستحيلة تقض مضجع الخليجيين كلــــما أرادوا السفر أو الزواج أو التجارة. ناهيك عن تملك الأراضي – الذي يخضع للمزاج السياسي بين دولتين – أو المعاملة بالمثل في بعض الدول. وكذلك تملك الأسهم. وهنالك مشكلة طبوغرافية لا يمكن حلها بالتمنيات الطيبة، فدول صغيرة لا يزيد عدد سكانها على مائة وخمسين نسمة لا يمكن أن تقبل بدخول (مليارديرات) إلى سوق أوراقها المالية وبذلك تتم مزاحمة المواطن المحلي. ناهيك عن قضية ارتفاع قيمة الأراضي، إضافة إلى مشاكل في توظيف العمالة الخليجية المؤهلة، ومضايقات في فتح المشاريع الصغيرة بل حتى المكتبات أو الصيدليات. فكيف يمكن الحديث عن مواطنة خليجية في ظل هذا الواقع ؟ وينطبق الشيء نفسه على قضية الجسور الجديدة التي أعلنت خلال فترة وجيزة ، ولعل آخرها الجسر بين قطر وأبوظبي الذي أعلن عنه إثر إنتهاء أعمال قمة التعاون الأخيرة. وهو موضوع حساس جداً، ويعزز مفهوم إضعاف قوة دولة المركز، ويقوي دول الأطراف.
التحديات على الصعيد الإقليمي:
ظلت دول الخليج في خلاف حول العلاقة مع إيران سواء إبان الحرب العراقية – الإيرانية أو خلال الاعتداء على دولة الكويت عام 0991.
وكانت هنالك دول تسعى إلى فتح قنوات مع إيران كي تقوم نيابة عن المجلس بنقل وجهة نظر الأطراف التي لها مشكلات حادة مع إيران. خصوصاً في ما يتعلق بملف احتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث وإجراءات الملاحة في الخليج، أو حتى الملف النووي الإيراني. فهناك دول من المجلس احتفظت بعلاقة دافئة مع إيران حتى أيام الحرب العراقية – الإيرانية، ودول أخرى رأت في إيران الجار المصدّر للقلاقل والأيديولوجيات غير المقبولة بهدف تحريك الشارع الهادئ . وكان تصور هذه الدول خاطئاً، إذ اعترف الرئيس الايراني بعدم وجود نية لتصدير الثورة إلى الجوار. وخلال غزو الكويت تحسنت العلاقات الإيرانية – الكويتية، كما تحسنت بعد ذلك العلاقات الإيرانية – السعودية، وتبادل المسؤولون في البلدين الزيارات الرسمية. وبقيت الإشكالية التي تنغص العلاقات الخليجية الإيرانية هي ملف احتلال جزر الإمارات. وإذا تم حل هذه الإشكالية، والالتفات للنداءات التي أعلنتها دولة الإمارات العربية المتحدة مراراً، فإن العلاقات بين دول المجلس مرشحة لأن تكون مثالية، خصوصاً مع وجود دولة ديمقراطية في العراق، وترسيم الحدود الإيرانية – العراقية وحل المشاكل العالقة بين البلدين. لكن هذا التفاؤل لا يمنع اندلاع حرب جديدة بين البلدين فيما لو ظهرت سحب الاختلافات المذهبية، وزادت عمليات «المقاومة» واحتاجت إلى دعم إيراني.
والموضوع الآخر على المستوى الاقليمي هو العلاقة مع العراق. وهذا مرهون بإحلال السلام في ربوع كل العراق. وحاليا نحن نشهد بعض الاتهامات لبعض دول الخليج من النظام الحاكم في العراق بأن هذه الدول هي التي تزود المقاومة بالرجال والعتاد. وهذا ما يمكن أن يشكل قنبلة موقوتة في العلاقات بين دول المجلس وعراق ما بعد الانتخابات. ولا نستبعد انضمام العراق الجديد لمجلس التعاون، لأن التناغم الموجود على الأرض بين دول المجلس والعراق سيكون واضحاً، وأن يد الولايات المتحدة سوف تمتد من كركوك وحتى مسقط. هذه حقيقة يجب الاعتراف بها. والتاريخ قد سجلها منذ فترة. إذاً، يحتاج العراق إلى فترة يزيل فيها ما سمي بالنوايا العدوانية ضد دول المجلس – وحتما كانت إبان الحكم السابق – لكن ما يمكن الاشارة إليه هنا، هو أن ما ستنتج عنه الانتخابات – إن أجريت- سوف يحدد مصير العلاقة بين العراق ودول المجلس. ولا نستبعد ظهور حساسيات جديدة بعد الانتخابات.
أما بالنسبة لموضوع قضية الشرق الأوسط والملف الفلسطيني فإن دول المجلس سوف تدعم الإجراءات التي تقوم بها القيادة الفلسطينية، وتكرس وحدة الشعب الفلسطيني، وحقه في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس. ولا نعتقد أن ذلك سيفرض تحدياً على دول المجلس ما دامت ستدخل نادي الشراكة الشرق أوسطية، الذي سيعنى بالملف الخاص بالنزاع العربي – الاسرائيلي.
وهناك قضية انضمام جمهورية اليمن إلى المجلس بعضوية كاملة وستكون موضوعاً مهماً على المستوى الإقليمي. وسوف يعتمد ذلك على مزاج العلاقة بين اليمن والسعودية.
التحديات على المستوى الدولي:
الدخول في شراكة الشرق الأوسط هو الموضوع المهم أو التحدي الآخر الذي يفرضه الجوار الجغرافي. فهل ستقبل جميع دول المجلس مبادئ الشرق الأوسط الجديد؟ وهل ستجهز دول المجلس نفسها قبل الدخول في شراكة لها شروطها و مميزاتها التي صاغتها الولايات المتحدة بغض النظر عن البيان الختامي لقمة البحرين الذي أشار إلى أن التحديث والتطوير يجب أن ينطلقا من الداخل. وهو إشارة إلى الالتزام بقرارات القمة العربية، التي لا تخلو من الهشاشة والعمومية. ونعتقد أن بعض دول المجلس قد باشرت في تجهيز نفسها لتلك العملية التي تراها ملائمة لتطلعات شعوبها، والبعض الآخر ينظر إليها «كنبت شيطاني» يجب اجتثاثه من الأرض قبل أن ينمو. والواقع أن توقيع مملكة البحرين اتفاق منطقة التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وسماعنا عن أن دولة أخرى سوف توقع الاتفاق نفسه قريباً، سوف يعززان من توثيق العلاقة مع الولايات المتحدة، خصوصا في ظل الاتفاقيات العسكرية بين دول المجلس وواشنطن .
إن وجود فتور في علاقات بعض دول المجلس أو إحداها مع واشنطن يعزز علاقات الدول الأخرى، وهذا ما فرضته حتميات السنوات الأخيرة. ونعتقد بأن لواشنطن حساباتها الدقيقة في ما يتعلق بمشروعها الكبير، أو نموذجها الديمقراطي المصغر في العراق . والتحدي المهم هو كيفية تعامل مجلس التعاون مع واشنطن إذا ما قامت هذه الأخيرة بعملية ثانية في المنطقة استهدفت دولة من دول المجلس ؟ قد يبدو الأمر غريباً ، لكن من صدق أن يسقط نظام صدام حسين ؟ الحسابات أحياناً تكون مضللة، خصوصاً في ظل تنامي الدعوات بخلق مناخ ودي بين الحاكم والمحكوم! ودول المجلس أو بعضها تعاني اليوم نتائج عشرات السنين من علاقة وطيدة مع الولايات المتحدة، وتصدع الجدار الآمن الذي اعتقدت أنه سيحميها من التطورات.
وبالنسبة للاتحاد الاوروبي فلن ينتظر مجلس التعاون ليحل مشاكله ويأتي كي يوقع معه اتفاقيات طال انتظارها . ونعتقد بأن المشكلة معقدة جدا، وستلجأ دول المجلس إلى إجراءات تراها مناسبة لخدمة اقتصاداتها وتحسين مستويات المعيشة بداخلها ، وسوف تضع الأطر الملائمة لذلك. أما بالنسبة لموضوع الحد من الانتشار النووي وقضايا البيئة، فإن دول المجلس متفقة على هذين الموضوعين، وإن كان تطوير إسرائيل وعدم دخولها الاتفاقية الدولية بهذا الشأن سيفرضان مطالبات متكررة من دول المجلس بضرورة بقاء منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل.
وهذه على ما نعتقد أهم التحديات التي تواجه مجلس التعاون كمنظومة إقليمية. وهنالك من يشكك في استمرار مسيرة المجلس وأن التصدع سيكون مصيره، مثله مثل المجالس العربية التي تهاوت، لكننا نعتقد بأن العلاقات بين بعض دول المجلس سوف تتأثر بالتوجهات الانفرادية التي تقوم بها بعض الدول، وسيحدث نوع من التجاذب، أو استعراض القوة، أو استعراض المصالح، خصوصاً في ظل المظلة الأمريكية التي أصبحت واقعاً يطغى على جميع الأمنيات الطيبة، أو العلاقة العشائرية السابقة التي رمتها بعض الدول في أركان التاريخ المظلمة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2208::/cck::
::introtext::
ما جرى في قمة مجلس التعاون الخامسة والعشرين في المنامة مؤخراً يدل من دون أدنى شك على أن مجلس التعاون دخل مرحلة جديدة تتناسب ومعطيات العصر الحديث، وأنه بدأ بنفض غبار الماضي بكل تبعاته التي أخّرت مسيرة المجلس، وعطلت العديد من المنجزات التي تنتظرها شعوب المجلس.
::/introtext::
::fulltext::
ما جرى في قمة مجلس التعاون الخامسة والعشرين في المنامة مؤخراً يدل من دون أدنى شك على أن مجلس التعاون دخل مرحلة جديدة تتناسب ومعطيات العصر الحديث، وأنه بدأ بنفض غبار الماضي بكل تبعاته التي أخّرت مسيرة المجلس، وعطلت العديد من المنجزات التي تنتظرها شعوب المجلس.
إن ما اجرى في القمة الأخيرة يمكن وصفه بأنه عودة إلى تناسب الأصوات داخل المجلس من دون أي اعتبارات عشائرية أو تقاليد وراثية حول كهنوت القبيلة بكل ما يطرحه ذلك من ضبابية حول القرار السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي. وهذا يذكرنا باضمحلال دولة المركز وبروز دول الأطراف التي بدأت تتصرف بوحي من مصالحها وواقعها المعاش، الذي قد لا ينطبق على الدول الأخرى.
التحديات على الصعيد الداخلي في الدول الأعضاء:
قد لا نختلف على أن أحداث 11 سبتمبر 1002 فرضت على دول المجلس مجموعة من التحديات التي لابد أن تواجهها . كما أن الحراك الثقافي السياسي داخل دول المجلس أو بعضها أيضا حتم وجود مجموعة من الإجراءات التي تسير وفق مزاج يختلف عن مزاج جميع دول المجلس. ولعل أهم شاهد على ذلك هو: التوجه نحو المشاركة الشعبية – التي تبغضها بعض دول المجلس – وإنشاء دولة المؤسسات التي تدافع عن حقوق المواطنين وما يستتبع ذلك من وضع دساتير حديثة وانتخاب برلمانات تدافع عن المواطنين وتمثلهم أمام الحكومات، ولعل المثال البحريني والقطري خير شاهد على ذلك. وفي دول أخرى لا يتواءم مزاجها مع الطروحات الجديدة نحو الديمقراطية وحرية التعبير نجدها ما زالت تلتحف عباءة الموروث وتعول على سياسة (حب الخشوم) التي تجاوزتها الدول الأخرى. وكان لوجود مجلس الامة في دولة الكويت الأثر الأكبر في تردد دولة الكويت بالتوقيع على الاتفاقية الأمنية، كونها تطرح طروحات تتجاوز السيادة الإقليمية للدول الأخرى. وضغط مجلس الأمة باتجاه حماية السيادة وحرية التعبير. في الوقت ذاته، فإن حماساً يمكن رصده في – دول أخرى- نحو سرعة تطبيق الاتفاقية الأمنية، وذلك استجابة لظروف محلية لا يمكن تجاهلها .
الموضوع الثاني هو الإرهاب الذي بدأ يدخل أجندات مجلس التعاون منذ الدورة الخامسة عشرة في دولة البحرين عام 4991، وزادت حدة تناول موضوع الإرهاب في الدورة السادسة عشرة في البحرين أيضاً عام 5991، إثر التفجيرات التي حصلت هناك. وزادت نبرة الإدانة للعمليات الارهابية في القمة التالية في دولة قطر عام 6991 إثر التفجيرات التي وقعت في الخبر بالمملكة العربية السعودية. وعاد موضوع الإرهاب ليشكل بنداً مهماً من بنود القمم الخليجية بعد التفجيرات التي تعرضت لها الولايات المتحدة. وجاء بيان قمة مسقط عام 1002 ليشكل انعطافة ملحوظة في موقف مجلس التعاون من الظاهرة، وبالموافقة على الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة لمكافحة الظاهرة، واستعداد المجلس للتعاون مع المجتمع الدولي لمواجهتها. كما بدا في البيان الأخير لقمة مجلس التعاون بمملكة البحرين الادانة الواضحة للأعمال الإرهابية التي تعرضت لها قنصيلة الولايات المتحدة في جدة.
والواقع أنه حتى في موضوع الإرهاب يوجد اختلاف بين دول المجلس في الرؤية المُشرعنة لإدانته. فهناك دول من دول المجلس لم تحدث فيها تفجيرات، ولا تعاني توجهات متطرفة، وتتجه نحو الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بعكس الدول الأخرى التي تعاني من مثل هذه الظواهر. وبالتالي فإن تطبيق قرارات تخص الجزء على الكل ليس مقبولا من الناحية العملية، مهما كان تراث القرار الخليجي يعتمد على الإجماع ! فما يحدث من حراك في المملكة العربية السعودية لا يحدث في مسقط أو الدوحة، وكذلك الأمر بالنسبة لما يجري في البحرين والكويت! من هنا يمكن القول: إن النظرة إلى الإرهاب تكاد تكون مفهومة وواضحة في البيانات، لكنها غير ذلك على أرض الواقع.
والموضوع الآخر- ضمن التحديات الداخلية- هو التوجه الفردي للدول في توقيع اتفاقيات مع الدول الكبرى. وهو ما تراه دول أخرى يمس ثقافة «الوحدة» أو التكامل فيما بين دول المجلس. ولهذا التوجه ما يبرره. فلقد سئمت بعض دول المجلس من تأجيل القرارات التي تواجه المسيرة المشتركة. وغني عن القول إن دول الاتحاد الأوروبي هي الأخرى سئمت بعد 51 عاماً من المفاوضات مع مجلس التعاون – كمجموعة – لأن التكامل الذي تريده دول المجموعة الأوروبية متكامل في حزمة واحدة (Package) وليس تفصيلاً لمجموعة من الحزم أو النشاطات. وبعض دول المجلس لا تريد مثلا: تحديث التعليم، أو مناقشة حقوق المرأة أو الحديث عن المجتمع المدني. لذلك تأجلت المفاوضات وصارعها أربعة من الأمناء العامين في المجلس. وما حصل في مملكة البحرين مؤخراً مع توقيع اتفاق التجارة مع الولايات المتحدة دليل مباشر على أن أولويات دول المجلس تتفاوت من حيث نظرتها لمصالحها. وهذا ما أضفى على هموم القادة المجتمعين في البحرين هموماً جديدة، ناهيك عن عدم مشاركة الأمير عبدالله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي في القمة، ونسف كل التوقعات الصحافية بأن قمة البحرين ستكون اقتصادية في المقام الأول، بل إن ما حصل قبل القمة – بين المنامة والرياض – قد فرض تأجيلا للموضوع الاقتصادي حفاظاً على عدم تصدع المسيرة. وما ينطبق على توقيع الاتفاقيات الاقتصادية ينطبق على توقيع الاتفاقيات العسكرية التي «امتعضت» منها بعض دول المجلس، واعتبرتها تغريداً خارج السرب الخليجي . والعارفون بالشأن الخليجي يدركون أن دول المجلس منفردة بدأت توقيع اتفاقيات عسكرية مع الولايات المتحدة قبل إنشاء المجلس بعشرات السنين.
ومن موضوعات التحديات أيضاً هناك موضوع تحقيق المواطنة الخليجية التي قام على أساسها المجلس. فالنظام الأساسي للمجلس ينص في ديباجته الرئيسية على وحدة الهدف والمصير التي تجمع شعوب الخليج. وأن المادة الرابعة من النظام تنص على تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات. ويكشف الواقع بعد ثلاثة وعشرين عاماً من مسيرة المجلس، أن المواطنة لم تتحقق في أبعادها الدنيا، بل إن العلاقات الثنائية التي دعمتها البروتوكولات والاتفاقيات الثنائية نجحت أكثر مما دعا إليه مجلس التعاون، فهنالك موضوعات وقضايا تهم المواطنين ليست بالصعبة أو المستحيلة تقض مضجع الخليجيين كلــــما أرادوا السفر أو الزواج أو التجارة. ناهيك عن تملك الأراضي – الذي يخضع للمزاج السياسي بين دولتين – أو المعاملة بالمثل في بعض الدول. وكذلك تملك الأسهم. وهنالك مشكلة طبوغرافية لا يمكن حلها بالتمنيات الطيبة، فدول صغيرة لا يزيد عدد سكانها على مائة وخمسين نسمة لا يمكن أن تقبل بدخول (مليارديرات) إلى سوق أوراقها المالية وبذلك تتم مزاحمة المواطن المحلي. ناهيك عن قضية ارتفاع قيمة الأراضي، إضافة إلى مشاكل في توظيف العمالة الخليجية المؤهلة، ومضايقات في فتح المشاريع الصغيرة بل حتى المكتبات أو الصيدليات. فكيف يمكن الحديث عن مواطنة خليجية في ظل هذا الواقع ؟ وينطبق الشيء نفسه على قضية الجسور الجديدة التي أعلنت خلال فترة وجيزة ، ولعل آخرها الجسر بين قطر وأبوظبي الذي أعلن عنه إثر إنتهاء أعمال قمة التعاون الأخيرة. وهو موضوع حساس جداً، ويعزز مفهوم إضعاف قوة دولة المركز، ويقوي دول الأطراف.
التحديات على الصعيد الإقليمي:
ظلت دول الخليج في خلاف حول العلاقة مع إيران سواء إبان الحرب العراقية – الإيرانية أو خلال الاعتداء على دولة الكويت عام 0991.
وكانت هنالك دول تسعى إلى فتح قنوات مع إيران كي تقوم نيابة عن المجلس بنقل وجهة نظر الأطراف التي لها مشكلات حادة مع إيران. خصوصاً في ما يتعلق بملف احتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث وإجراءات الملاحة في الخليج، أو حتى الملف النووي الإيراني. فهناك دول من المجلس احتفظت بعلاقة دافئة مع إيران حتى أيام الحرب العراقية – الإيرانية، ودول أخرى رأت في إيران الجار المصدّر للقلاقل والأيديولوجيات غير المقبولة بهدف تحريك الشارع الهادئ . وكان تصور هذه الدول خاطئاً، إذ اعترف الرئيس الايراني بعدم وجود نية لتصدير الثورة إلى الجوار. وخلال غزو الكويت تحسنت العلاقات الإيرانية – الكويتية، كما تحسنت بعد ذلك العلاقات الإيرانية – السعودية، وتبادل المسؤولون في البلدين الزيارات الرسمية. وبقيت الإشكالية التي تنغص العلاقات الخليجية الإيرانية هي ملف احتلال جزر الإمارات. وإذا تم حل هذه الإشكالية، والالتفات للنداءات التي أعلنتها دولة الإمارات العربية المتحدة مراراً، فإن العلاقات بين دول المجلس مرشحة لأن تكون مثالية، خصوصاً مع وجود دولة ديمقراطية في العراق، وترسيم الحدود الإيرانية – العراقية وحل المشاكل العالقة بين البلدين. لكن هذا التفاؤل لا يمنع اندلاع حرب جديدة بين البلدين فيما لو ظهرت سحب الاختلافات المذهبية، وزادت عمليات «المقاومة» واحتاجت إلى دعم إيراني.
والموضوع الآخر على المستوى الاقليمي هو العلاقة مع العراق. وهذا مرهون بإحلال السلام في ربوع كل العراق. وحاليا نحن نشهد بعض الاتهامات لبعض دول الخليج من النظام الحاكم في العراق بأن هذه الدول هي التي تزود المقاومة بالرجال والعتاد. وهذا ما يمكن أن يشكل قنبلة موقوتة في العلاقات بين دول المجلس وعراق ما بعد الانتخابات. ولا نستبعد انضمام العراق الجديد لمجلس التعاون، لأن التناغم الموجود على الأرض بين دول المجلس والعراق سيكون واضحاً، وأن يد الولايات المتحدة سوف تمتد من كركوك وحتى مسقط. هذه حقيقة يجب الاعتراف بها. والتاريخ قد سجلها منذ فترة. إذاً، يحتاج العراق إلى فترة يزيل فيها ما سمي بالنوايا العدوانية ضد دول المجلس – وحتما كانت إبان الحكم السابق – لكن ما يمكن الاشارة إليه هنا، هو أن ما ستنتج عنه الانتخابات – إن أجريت- سوف يحدد مصير العلاقة بين العراق ودول المجلس. ولا نستبعد ظهور حساسيات جديدة بعد الانتخابات.
أما بالنسبة لموضوع قضية الشرق الأوسط والملف الفلسطيني فإن دول المجلس سوف تدعم الإجراءات التي تقوم بها القيادة الفلسطينية، وتكرس وحدة الشعب الفلسطيني، وحقه في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس. ولا نعتقد أن ذلك سيفرض تحدياً على دول المجلس ما دامت ستدخل نادي الشراكة الشرق أوسطية، الذي سيعنى بالملف الخاص بالنزاع العربي – الاسرائيلي.
وهناك قضية انضمام جمهورية اليمن إلى المجلس بعضوية كاملة وستكون موضوعاً مهماً على المستوى الإقليمي. وسوف يعتمد ذلك على مزاج العلاقة بين اليمن والسعودية.
التحديات على المستوى الدولي:
الدخول في شراكة الشرق الأوسط هو الموضوع المهم أو التحدي الآخر الذي يفرضه الجوار الجغرافي. فهل ستقبل جميع دول المجلس مبادئ الشرق الأوسط الجديد؟ وهل ستجهز دول المجلس نفسها قبل الدخول في شراكة لها شروطها و مميزاتها التي صاغتها الولايات المتحدة بغض النظر عن البيان الختامي لقمة البحرين الذي أشار إلى أن التحديث والتطوير يجب أن ينطلقا من الداخل. وهو إشارة إلى الالتزام بقرارات القمة العربية، التي لا تخلو من الهشاشة والعمومية. ونعتقد أن بعض دول المجلس قد باشرت في تجهيز نفسها لتلك العملية التي تراها ملائمة لتطلعات شعوبها، والبعض الآخر ينظر إليها «كنبت شيطاني» يجب اجتثاثه من الأرض قبل أن ينمو. والواقع أن توقيع مملكة البحرين اتفاق منطقة التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وسماعنا عن أن دولة أخرى سوف توقع الاتفاق نفسه قريباً، سوف يعززان من توثيق العلاقة مع الولايات المتحدة، خصوصا في ظل الاتفاقيات العسكرية بين دول المجلس وواشنطن .
إن وجود فتور في علاقات بعض دول المجلس أو إحداها مع واشنطن يعزز علاقات الدول الأخرى، وهذا ما فرضته حتميات السنوات الأخيرة. ونعتقد بأن لواشنطن حساباتها الدقيقة في ما يتعلق بمشروعها الكبير، أو نموذجها الديمقراطي المصغر في العراق . والتحدي المهم هو كيفية تعامل مجلس التعاون مع واشنطن إذا ما قامت هذه الأخيرة بعملية ثانية في المنطقة استهدفت دولة من دول المجلس ؟ قد يبدو الأمر غريباً ، لكن من صدق أن يسقط نظام صدام حسين ؟ الحسابات أحياناً تكون مضللة، خصوصاً في ظل تنامي الدعوات بخلق مناخ ودي بين الحاكم والمحكوم! ودول المجلس أو بعضها تعاني اليوم نتائج عشرات السنين من علاقة وطيدة مع الولايات المتحدة، وتصدع الجدار الآمن الذي اعتقدت أنه سيحميها من التطورات.
وبالنسبة للاتحاد الاوروبي فلن ينتظر مجلس التعاون ليحل مشاكله ويأتي كي يوقع معه اتفاقيات طال انتظارها . ونعتقد بأن المشكلة معقدة جدا، وستلجأ دول المجلس إلى إجراءات تراها مناسبة لخدمة اقتصاداتها وتحسين مستويات المعيشة بداخلها ، وسوف تضع الأطر الملائمة لذلك. أما بالنسبة لموضوع الحد من الانتشار النووي وقضايا البيئة، فإن دول المجلس متفقة على هذين الموضوعين، وإن كان تطوير إسرائيل وعدم دخولها الاتفاقية الدولية بهذا الشأن سيفرضان مطالبات متكررة من دول المجلس بضرورة بقاء منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل.
وهذه على ما نعتقد أهم التحديات التي تواجه مجلس التعاون كمنظومة إقليمية. وهنالك من يشكك في استمرار مسيرة المجلس وأن التصدع سيكون مصيره، مثله مثل المجالس العربية التي تهاوت، لكننا نعتقد بأن العلاقات بين بعض دول المجلس سوف تتأثر بالتوجهات الانفرادية التي تقوم بها بعض الدول، وسيحدث نوع من التجاذب، أو استعراض القوة، أو استعراض المصالح، خصوصاً في ظل المظلة الأمريكية التي أصبحت واقعاً يطغى على جميع الأمنيات الطيبة، أو العلاقة العشائرية السابقة التي رمتها بعض الدول في أركان التاريخ المظلمة.
::/fulltext::
::cck::2208::/cck::
