تحديات مجلس التعاون الخليجي بعد قمة زايد

::cck::2209::/cck::
::introtext::

انتهت قمة مجلس التعاون الخليجي الخامسة والعشرون «قمة زايد» في العاصمة البحرينية المنامة بصدور بيان تقليدي الخطاب ناقش القضايا الاعتيادية التي تهم قيادات المجلس في ظل الظروف الراهنة. ولكن قد تشكل هذه القمة مفترق طرق في مسيرة المجلس من ناحية العلاقات السياسية بعد أن ظلت هذه العلاقات على وتيرة واحدة منذ تأسيسه في مايو 1891.

::/introtext::
::fulltext::

انتهت قمة مجلس التعاون الخليجي الخامسة والعشرون «قمة زايد» في العاصمة البحرينية المنامة بصدور بيان تقليدي الخطاب ناقش القضايا الاعتيادية التي تهم قيادات المجلس في ظل الظروف الراهنة. ولكن قد تشكل هذه القمة مفترق طرق في مسيرة المجلس من ناحية العلاقات السياسية بعد أن ظلت هذه العلاقات على وتيرة واحدة منذ تأسيسه في مايو 1891.

فالعلاقات الخليجية ـ الخليجية في المرحلة التالية لتأسيس المجلس تأثّـرت كثيراً بطبيعة الأوضاع السائدة في النظام الإقليمي الخليجي الذي اتسم بتنافس القوى الكبرى في هذا النظام (العراق – إيران – السعودية) مما خلق شكلاً من أشكال التبعية الجماعية داخل المجلس لصالح السعودية التي تمثل القوة العظمى ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي.

لم تشهد الفترة السابقة من عمر المجلس توترات حقيقية في العلاقات إلا مرّات قليلة كالخلاف القطري ـ السعودي، والخلاف البحريني ـ القطري وغيرهما. إلا أن ما حدث في القمة الأخيرة كشف عن هواجس وتحفظات سعودية تجاه أية محاولات من دول المجلس الصغيرة ـ وفق المنظور الجيواستراتيجي ـ للخروج من حالة التبعية التي تتسم بها العلاقات الخليجية ـ الخليجية. وكان السبب واضحاً بعد قيام مملكة البحرين بتوقيع اتفاق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف سبتمبر 4002 وهو ما اعتبرته الرياض تحدياً للاتحاد الجمركي الخليجي والمساعي الخليجية للتكامل الاقتصادي الجارية. ويبدو أن قمة زايد لم تستطع إيجاد مخرج لهذا الخلاف، وخرجت بحل توفيقي بقرار تأجيل مناقشة موضوع إبرام اتفاقات اقتصادية بين دول المجلس والدول الأخرى.

من هنا فإن تأجيل مثل هذا الموضوع المهم إلى الفترة المقبلة من شأنه أن يثير المزيد من المشاكل وتترتب عليه عدة أمور، وهو ما يستدعي بحث التحديات التي من المتوقع أن يواجهها مجلس التعاون الخليجي بعد قمة زايد في ضوء ما شهدته القمة من تباين في الآراء ووجهات النظر. ويمكن تحديد أهم التحديات التي ستواجه المجلس خلال الفترة المقبلة في ستة تحديات رئيسية، وهي: تغيّر العلاقات الخليجية ـ الخليجية، وطبيعة العلاقات الخليجية ـ الأمريكية، وطبيعة العلاقات الخليجية ـ الإقليمية، وقضايا الإصلاح السياسي، وتوجهات الرأي العام الخليجي، وتفعيل التكامل الاقتصادي.

أولاً: تغيّر العلاقات الخليجية ـ الخليجية:

كما أشرنا إلى أن الخلاف الثنائي الذي ظهر قبل القمة بين البحرين والسعودية حول اتفاق التجارة الحرة كان مؤشراً على بداية تغيّر في العلاقات الخليجية ـ الخليجية، وطبقاً للمؤشرات الحالية فإن هناك تغيّراً في العلاقات من حالة الاستتباع إلى حالة التوازن في العلاقات. إلا أن مثل هذا التحول في نظريات العلاقات الدولية عادة ما يواجه مشاكل قد تؤدي به إلى شكل من أشكال الصراع بسبب مخاوف وهواجس الطرف القوي في العلاقة، الذي يرفض محاولات الأطراف الصغيرة نحو التغيير أو الخروج من حالة الاستتباع.

وفي هذه الحالة، فإن هناك مخاطر من أن تشهد العلاقات الخليجية ـ الخليجية شكلاً من أشكال التنافس والصراع قد يكون هذا التنافس في العلاقات بين محوري البلدان الخليجية الصغيرة (الكويت، والبحرين، وقطر، والإمارات، وعمان) من ناحية، ومحور القوة الكبرى في النظام الإقليمي الخليجي وهو السعودية من ناحية أخرى. وتبقى احتمالات بروز مثل هذا التغيّر مفتوحة على السياسات الخارجية لدول المنطقة في ظل المتغيرات المستمرة التي تشهدها منطقة الخليج العربي.  كما أن هذا التحدي يعد من أخطر التحديات التي يمكن أن تهدد كيان مجلس التعاون الخليجي، وينبغي على دول المجلس السعي إلى معالجة أي خلافات قد تنشأ بينها في الوقت الحالي
خاصة مع الشروع بتنفيذ إجراءات التكامل الاقتصادي التي بدأت بالاتحاد الجمركي مطلع العام 3002، وتوقع تدشين السوق الخليجية المشتركة في العام 7002، وصولاً إلى إنشاء وحدة نقدية خليجية في العام 0102. لذا فإنه من الأهمية بمكان الابتعاد عن أي خلافات من شأنها أن تؤثر في العلاقات الخليجية ـ الخليجية وتنعكس سلباً على كيان مجلس التعاون.

ثانياً: طبيعة العلاقات الخليجية ـ الأمريكية:

يأتي هذا التحدي ليؤكد نظيره السابق، فمع التغيّر الجاري في العلاقات الخليجية ـ الخليجية حالياً فإن هناك تبايناً في بناء علاقات ثنائية مع الغرب، وتحديداً مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويمكن تقسيم علاقات دول مجلس التعاون مع الولايات المتحدة إلى فئتين:
ـ الفئة الأول: تؤكد على أهمية الحماية العسكرية الأجنبية في المنطقة، وترى ضرورة تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة في المجالات السياسية والاقتصادية. وتضم هذه الفئة الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعمان.

ـ الفئة الثانية: تمثلها السعودية التي لديها علاقات متذبذبة مع الولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر1002، تصل أحياناً إلى حالة من التوتر الواضح. وهي تقوم حالياً بمراجعة علاقاتها مع الولايات المتحدة في ظل الأطروحات التي تروج لها بعض الدوائر السياسية والأكاديمية في واشنطن حول ضرورة رسم سياسات جديدة للتعامل مع السعودية بعد تبني الولايات المتحدة الحرب العالمية ضد الإرهاب.

وفي ظل هذا الانقسام في العلاقات تظهر احتمالات التباين في وجهات النظر والمواقف تجاه تفعيل العلاقات الثنائية بين دول المجلس والولايات المتحدة. فإذا كانت الرياض تسعى لإعادة إقامة علاقات جديدة مع واشنطن تقوم على نمط مختلف عن السابق، فإن البلدان الخليجية الأخرى قد لا تتوافق مع السعودية في هذا التوجه، وتسعى هذه الدول إلى تفعيل علاقاتها القائمة وبنفس النهج والآليات، وقد تتطور باستحداث آليات أخرى، كما هي الحال في الاتفاق البحريني ـ الأمريكي حول إقامة منطقة للتجارة الحرة، وظهور بوادر في الآونة الأخيرة لتوقيع اتفاقيات مماثلة بين كل من الكويت وقطر والإمارات مع الولايات المتحدة.

ومثل هذا التحدي يرتبط بتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة وأهدافها الراهنة التي تسعى إلى تحقيقها في ظل تفاقم الأوضاع في العراق، ومساعيها المعلنة لمكافحة الإرهاب في المنطقة. وإذا كانت بلدان المنطقة ترغب في تفعيل علاقاتها الثنائية الخليجية، فإن عليها الاتفاق على سياسة خارجية متوافقة المبادئ حول كيفية التعامل مع الولايات المتحدة وإبرام الاتفاقيات الثنائية معها خصوصاً في المجال الاقتصادي.

ثالثاً: طبيعة العلاقات الخليجية ـ الإقليمية:

قد تكون المرحلة الراهنة للعلاقات بين بلدان مجلس التعاون الخليجي والقوى الإقليمية في منطقة الخليج مثل العراق وإيران من أفضل المراحل التي تمر بها حالياً بعد سقوط النظام العراقي السابق، وتراجع عوامل التوتر التي كانت سائدة منذ نهاية السبعينات وحتى نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، إلا أن ثمة إشكاليات مرتبطة بعلاقات دول المجلس مع القوى الإقليمية. وفي مقدمة هذه الإشكاليات مسألة أمن الخليج، حيث مازالت معادلة تحقيق الأمن الإقليمي في المنطقة غائبة وغير متفق عليها بين جميع دول المنطقة سواءً أكانت عضو داخل المجلس أم خارجه. وبالتالي يمكن القول بأنه مع احتلال العراق وتفاقم الأوضاع الداخلية فيه مازالت مسألة أمن الخليج غامضة على دول المنطقة وغير واضحة المعالم، ولا توجد مبادرات جادة نحو تحقيقه. ويتوقع خلال الفترة المقبلة أن تزداد هذه القضية إلحاحاً بعد زيادة الدور الأجنبي في حماية المنطقة في ظل مساعي حلف شمال الأطلسي لتبني دور في حماية أمن الخليج، كما أعلن كبار المسؤولين بالحلف في غير مرة.

أما الإشكاليات الأخرى فتظهر في احتمالات تزايد عوامل عدم الاستقرار في كل من العراق وإيران. ففي الأولى بسبب تزايد دور التنظيمات المسلحة وقوى المقاومة، واختلاف مواقف هذه التنظيمات من الترتيبات المستقبلية للنظام السياسي العراقي، الأمر الذي قد يثير موجة من الصراعات والفتن الطائفية في العراق. وبالنسبة لإيران فإن تزايد الضغوط الدولية عليها بشأن الملف النووي وقضايا حقوق الإنسان وتداعيات عدم الاستقرار في العراق من شأنه أن يزيد من التحديات الأمنية والسياسية للنظام الإيراني مع وجود مؤشرات على احتمال تكرار سيناريو العراق في إيران. ومع ذلك تبقى احتمالات التغيير بعيدة في إيران، ولكنها ستكون أكثر حضوراً في العراق. وبالتالي، فإن الأوضاع غير المستقرة في العراق وإيران من شأنها أن تحول دون قيام أية معادلات أو منظومة إقليمية لتحقيق الأمن الخليجي المشترك، وتفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الأجنبية للمساهمة في حفظ الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الاستراتيجية من منظور المصالح الغربية.

رابعاً: قضايا الإصلاح السياسي:

تعد قضايا الإصلاح السياسي من أبرز التحديات التي بدأت تحظى باهتمام بالغ لدى قيادات دول مجلس التعاون الخليجي، وظهر ذلك واضحاً في البيان الختامي للقمة الأخيرة عندما أكد على أهمية الإصلاح بما يتوافق مع خصوصيات دول المنطقة من النواحي الدينية والثقافية والاجتماعية. وإزاء ذلك فإنه من المتوقع أن يزداد اهتمام بلدان المجلس بقضايا الإصلاح السياسي خلال الفترة المقبلة، وهو ما سيساعد على امتصاص حالة الكبت السياسي.

ولكن التحدي يظهر في حجم الإصلاح السياسي الذي ستشرع به دول المجلس، فإذا كان الإصلاح مقتصراً على مجرد انفتاح سياسي وحرية تعبير دون مشاركة سياسية حقيقية، فإن دول المجلس ستكون مهددة بحركات الاحتجاج السياسي مصحوبة بشكل من أشكال العنف، كما شهد النظام السياسي البحريني خلال الفترة من 4991 ـ 9991، أو الحركات التي بدأت في الظهور مؤخراً في السعودية. كذلك فإن تفاوت حجم الإصلاح السياسي بين دول المجلس سيعوق أية محاولات أو مشاريع لتطوير العلاقات السياسية بين هذه الدول، كما هي الحال بالنسبة لمشروع البرلمان الخليجي المنتخب أو المطالبات بإنشاء محكمة عدل خليجية مشتركة لمعالجة النزاعات والخلافات بين الدول الأعضاء.

خامساً: توجهات الرأي العام الخليجي:

لم يكن الرأي العام الخليجي عاملاً مؤثراً في مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه وحتى فترة قريبة بسبب الظروف السياسية التي مر بها. ولكنه اليوم يعد عاملاً مهماً يجب عدم إغفاله في رسم سياسات وتوجهات المجلس ودوله، خصوصاً مع تزايد المطالبات الشعبية في دول المجلس بالإصلاح السياسي والاقتصادي، وإعطاء الشعوب الخليجية دوراً أكبر في تحديد مستقبل دولها. ورغم وجود العديد من الدراسات الميدانية حول اتجاهات وآراء شعوب الخليج تجاه مجلس التعاون، إلا أنه تظهر حاجة ماسة لإجراء دراسة معمقة في جميع بلدان المجلس لقياس الرأي العام الخليجي وتحديد سماته ومواقفه واتجاهاته تجاه المجلس وقضاياه وكيفية تفعيل دوره والتعرف إلى طموحاته، ومن ثم استشراف مستقبله. وارتباطاً بهذا التحدي نجد أن إنجازات مجلس التعاون في أدبيات الرأي العام الخليجي مازالت محدودة ودون الطموح، وبالتالي فإن تباين الآراء الشعبية عن الرسمية تجاه العمل الخليجي المشترك من شأنه أن يثير المزيد من الخلافات مستقبلاً، وأن يقلل من صدقية المجلس كمنظمة إقليمية، وفي هذه الحالة فإنه من غير المستبعد أن تظهر مطالبات بتقديم المصالح الوطنية على المصالح الخليجية المشتركة العليا. وعليه فإنه لابد من تفعيل دور الرأي العام الخليجي في رسم وتحديد سياسات مجلس التعاون خلال الفترة المقبلة، وقد تكون فكرة تطوير الهيئة الاستشارية للمجلس مناسبة كمرحلة أولى، على أن تعقبها خطوات مستقبلية لإنشاء مجلس شورى أو برلمان خليجي مشترك يمتلك صلاحيات وأدواراً فعلية.

سادساً: تفعيل التكامل الاقتصادي:

قد لا يعتبر التكامل الاقتصادي تحدياً حقيقياً لمجلس التعاون، ولكن الإشكاليات المصاحبة لتنفيذ اتفاقيات التكامل قد تسبب بعض المشاكل في العلاقات الخليجية ـ الخليجية كما حدث عندما تحفظت البحرين مبدئياً على النسبة المتفق عليها في الاتحاد الجمركي ثم وافقت عليها لاحقاً، وكذلك الحال بالنسبة للسعودية عندما تحفظت على توجهات البحرين بتوقيع اتفاق للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وظهرت تهديدات بوقف تنفيذها للاتفاق الجمركي الخليجي.

مثل هذه المشاكل من شأنها أن تزداد خلال الفترة المقبلة، وهي تمثل حالة طبيعية لعملية التكامل الاقتصادي، ولكن يجب مواجهة مثل هذه المشاكل بآليات وإجراءات مرنة تحفظ استمرار العمل بالاتفاقيات الخليجية المشتركة، وتحول دون إيقافها. وقد يكون النموذج الذي انتهجه الاتحاد الأوروبي ملائماً للتطبيق في التجربة الخليجية، فهناك آليات معينة للتحفظ، وعدم الموافقة في هذه الاتفاقيات، وبإمكان دول الخليج أن تقوم بتنفيذ الاتفاقيات مع التحفظ على بعض البنود والإجراءات التي تتضمنها، وبذلك يتم تقليل حجم الخلافات وتباين الآراء ووجهات النظر بين دول المجلس بشأن تفعيل التكامل الاقتصادي.

تلك كانت أبرز التحديات المتوقعة لمجلس التعاون بعد قمة زايد التي عقدت في البحرين، ولكن يبقى التحدي الأكبر وهو إمكانية وقدرة دول المجلس على مواجهة هذه التحديات والتغلب عليها لصالح العمل الخليجي المشترك، وهو ما يتطلب إرادة سياسية ورغبة شعبية تدفع لمواجهة جميع هذه التحديات حتى لا يدخل مجلس التعاون في سيناريوهات من شأنها أن تهدد مستقبله واستقراره بعد مسيرة دامت أكثر من ربع قرن.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2209::/cck::
::introtext::

انتهت قمة مجلس التعاون الخليجي الخامسة والعشرون «قمة زايد» في العاصمة البحرينية المنامة بصدور بيان تقليدي الخطاب ناقش القضايا الاعتيادية التي تهم قيادات المجلس في ظل الظروف الراهنة. ولكن قد تشكل هذه القمة مفترق طرق في مسيرة المجلس من ناحية العلاقات السياسية بعد أن ظلت هذه العلاقات على وتيرة واحدة منذ تأسيسه في مايو 1891.

::/introtext::
::fulltext::

انتهت قمة مجلس التعاون الخليجي الخامسة والعشرون «قمة زايد» في العاصمة البحرينية المنامة بصدور بيان تقليدي الخطاب ناقش القضايا الاعتيادية التي تهم قيادات المجلس في ظل الظروف الراهنة. ولكن قد تشكل هذه القمة مفترق طرق في مسيرة المجلس من ناحية العلاقات السياسية بعد أن ظلت هذه العلاقات على وتيرة واحدة منذ تأسيسه في مايو 1891.

فالعلاقات الخليجية ـ الخليجية في المرحلة التالية لتأسيس المجلس تأثّـرت كثيراً بطبيعة الأوضاع السائدة في النظام الإقليمي الخليجي الذي اتسم بتنافس القوى الكبرى في هذا النظام (العراق – إيران – السعودية) مما خلق شكلاً من أشكال التبعية الجماعية داخل المجلس لصالح السعودية التي تمثل القوة العظمى ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي.

لم تشهد الفترة السابقة من عمر المجلس توترات حقيقية في العلاقات إلا مرّات قليلة كالخلاف القطري ـ السعودي، والخلاف البحريني ـ القطري وغيرهما. إلا أن ما حدث في القمة الأخيرة كشف عن هواجس وتحفظات سعودية تجاه أية محاولات من دول المجلس الصغيرة ـ وفق المنظور الجيواستراتيجي ـ للخروج من حالة التبعية التي تتسم بها العلاقات الخليجية ـ الخليجية. وكان السبب واضحاً بعد قيام مملكة البحرين بتوقيع اتفاق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف سبتمبر 4002 وهو ما اعتبرته الرياض تحدياً للاتحاد الجمركي الخليجي والمساعي الخليجية للتكامل الاقتصادي الجارية. ويبدو أن قمة زايد لم تستطع إيجاد مخرج لهذا الخلاف، وخرجت بحل توفيقي بقرار تأجيل مناقشة موضوع إبرام اتفاقات اقتصادية بين دول المجلس والدول الأخرى.

من هنا فإن تأجيل مثل هذا الموضوع المهم إلى الفترة المقبلة من شأنه أن يثير المزيد من المشاكل وتترتب عليه عدة أمور، وهو ما يستدعي بحث التحديات التي من المتوقع أن يواجهها مجلس التعاون الخليجي بعد قمة زايد في ضوء ما شهدته القمة من تباين في الآراء ووجهات النظر. ويمكن تحديد أهم التحديات التي ستواجه المجلس خلال الفترة المقبلة في ستة تحديات رئيسية، وهي: تغيّر العلاقات الخليجية ـ الخليجية، وطبيعة العلاقات الخليجية ـ الأمريكية، وطبيعة العلاقات الخليجية ـ الإقليمية، وقضايا الإصلاح السياسي، وتوجهات الرأي العام الخليجي، وتفعيل التكامل الاقتصادي.

أولاً: تغيّر العلاقات الخليجية ـ الخليجية:

كما أشرنا إلى أن الخلاف الثنائي الذي ظهر قبل القمة بين البحرين والسعودية حول اتفاق التجارة الحرة كان مؤشراً على بداية تغيّر في العلاقات الخليجية ـ الخليجية، وطبقاً للمؤشرات الحالية فإن هناك تغيّراً في العلاقات من حالة الاستتباع إلى حالة التوازن في العلاقات. إلا أن مثل هذا التحول في نظريات العلاقات الدولية عادة ما يواجه مشاكل قد تؤدي به إلى شكل من أشكال الصراع بسبب مخاوف وهواجس الطرف القوي في العلاقة، الذي يرفض محاولات الأطراف الصغيرة نحو التغيير أو الخروج من حالة الاستتباع.

وفي هذه الحالة، فإن هناك مخاطر من أن تشهد العلاقات الخليجية ـ الخليجية شكلاً من أشكال التنافس والصراع قد يكون هذا التنافس في العلاقات بين محوري البلدان الخليجية الصغيرة (الكويت، والبحرين، وقطر، والإمارات، وعمان) من ناحية، ومحور القوة الكبرى في النظام الإقليمي الخليجي وهو السعودية من ناحية أخرى. وتبقى احتمالات بروز مثل هذا التغيّر مفتوحة على السياسات الخارجية لدول المنطقة في ظل المتغيرات المستمرة التي تشهدها منطقة الخليج العربي.  كما أن هذا التحدي يعد من أخطر التحديات التي يمكن أن تهدد كيان مجلس التعاون الخليجي، وينبغي على دول المجلس السعي إلى معالجة أي خلافات قد تنشأ بينها في الوقت الحالي
خاصة مع الشروع بتنفيذ إجراءات التكامل الاقتصادي التي بدأت بالاتحاد الجمركي مطلع العام 3002، وتوقع تدشين السوق الخليجية المشتركة في العام 7002، وصولاً إلى إنشاء وحدة نقدية خليجية في العام 0102. لذا فإنه من الأهمية بمكان الابتعاد عن أي خلافات من شأنها أن تؤثر في العلاقات الخليجية ـ الخليجية وتنعكس سلباً على كيان مجلس التعاون.

ثانياً: طبيعة العلاقات الخليجية ـ الأمريكية:

يأتي هذا التحدي ليؤكد نظيره السابق، فمع التغيّر الجاري في العلاقات الخليجية ـ الخليجية حالياً فإن هناك تبايناً في بناء علاقات ثنائية مع الغرب، وتحديداً مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويمكن تقسيم علاقات دول مجلس التعاون مع الولايات المتحدة إلى فئتين:
ـ الفئة الأول: تؤكد على أهمية الحماية العسكرية الأجنبية في المنطقة، وترى ضرورة تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة في المجالات السياسية والاقتصادية. وتضم هذه الفئة الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعمان.

ـ الفئة الثانية: تمثلها السعودية التي لديها علاقات متذبذبة مع الولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر1002، تصل أحياناً إلى حالة من التوتر الواضح. وهي تقوم حالياً بمراجعة علاقاتها مع الولايات المتحدة في ظل الأطروحات التي تروج لها بعض الدوائر السياسية والأكاديمية في واشنطن حول ضرورة رسم سياسات جديدة للتعامل مع السعودية بعد تبني الولايات المتحدة الحرب العالمية ضد الإرهاب.

وفي ظل هذا الانقسام في العلاقات تظهر احتمالات التباين في وجهات النظر والمواقف تجاه تفعيل العلاقات الثنائية بين دول المجلس والولايات المتحدة. فإذا كانت الرياض تسعى لإعادة إقامة علاقات جديدة مع واشنطن تقوم على نمط مختلف عن السابق، فإن البلدان الخليجية الأخرى قد لا تتوافق مع السعودية في هذا التوجه، وتسعى هذه الدول إلى تفعيل علاقاتها القائمة وبنفس النهج والآليات، وقد تتطور باستحداث آليات أخرى، كما هي الحال في الاتفاق البحريني ـ الأمريكي حول إقامة منطقة للتجارة الحرة، وظهور بوادر في الآونة الأخيرة لتوقيع اتفاقيات مماثلة بين كل من الكويت وقطر والإمارات مع الولايات المتحدة.

ومثل هذا التحدي يرتبط بتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة وأهدافها الراهنة التي تسعى إلى تحقيقها في ظل تفاقم الأوضاع في العراق، ومساعيها المعلنة لمكافحة الإرهاب في المنطقة. وإذا كانت بلدان المنطقة ترغب في تفعيل علاقاتها الثنائية الخليجية، فإن عليها الاتفاق على سياسة خارجية متوافقة المبادئ حول كيفية التعامل مع الولايات المتحدة وإبرام الاتفاقيات الثنائية معها خصوصاً في المجال الاقتصادي.

ثالثاً: طبيعة العلاقات الخليجية ـ الإقليمية:

قد تكون المرحلة الراهنة للعلاقات بين بلدان مجلس التعاون الخليجي والقوى الإقليمية في منطقة الخليج مثل العراق وإيران من أفضل المراحل التي تمر بها حالياً بعد سقوط النظام العراقي السابق، وتراجع عوامل التوتر التي كانت سائدة منذ نهاية السبعينات وحتى نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، إلا أن ثمة إشكاليات مرتبطة بعلاقات دول المجلس مع القوى الإقليمية. وفي مقدمة هذه الإشكاليات مسألة أمن الخليج، حيث مازالت معادلة تحقيق الأمن الإقليمي في المنطقة غائبة وغير متفق عليها بين جميع دول المنطقة سواءً أكانت عضو داخل المجلس أم خارجه. وبالتالي يمكن القول بأنه مع احتلال العراق وتفاقم الأوضاع الداخلية فيه مازالت مسألة أمن الخليج غامضة على دول المنطقة وغير واضحة المعالم، ولا توجد مبادرات جادة نحو تحقيقه. ويتوقع خلال الفترة المقبلة أن تزداد هذه القضية إلحاحاً بعد زيادة الدور الأجنبي في حماية المنطقة في ظل مساعي حلف شمال الأطلسي لتبني دور في حماية أمن الخليج، كما أعلن كبار المسؤولين بالحلف في غير مرة.

أما الإشكاليات الأخرى فتظهر في احتمالات تزايد عوامل عدم الاستقرار في كل من العراق وإيران. ففي الأولى بسبب تزايد دور التنظيمات المسلحة وقوى المقاومة، واختلاف مواقف هذه التنظيمات من الترتيبات المستقبلية للنظام السياسي العراقي، الأمر الذي قد يثير موجة من الصراعات والفتن الطائفية في العراق. وبالنسبة لإيران فإن تزايد الضغوط الدولية عليها بشأن الملف النووي وقضايا حقوق الإنسان وتداعيات عدم الاستقرار في العراق من شأنه أن يزيد من التحديات الأمنية والسياسية للنظام الإيراني مع وجود مؤشرات على احتمال تكرار سيناريو العراق في إيران. ومع ذلك تبقى احتمالات التغيير بعيدة في إيران، ولكنها ستكون أكثر حضوراً في العراق. وبالتالي، فإن الأوضاع غير المستقرة في العراق وإيران من شأنها أن تحول دون قيام أية معادلات أو منظومة إقليمية لتحقيق الأمن الخليجي المشترك، وتفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الأجنبية للمساهمة في حفظ الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الاستراتيجية من منظور المصالح الغربية.

رابعاً: قضايا الإصلاح السياسي:

تعد قضايا الإصلاح السياسي من أبرز التحديات التي بدأت تحظى باهتمام بالغ لدى قيادات دول مجلس التعاون الخليجي، وظهر ذلك واضحاً في البيان الختامي للقمة الأخيرة عندما أكد على أهمية الإصلاح بما يتوافق مع خصوصيات دول المنطقة من النواحي الدينية والثقافية والاجتماعية. وإزاء ذلك فإنه من المتوقع أن يزداد اهتمام بلدان المجلس بقضايا الإصلاح السياسي خلال الفترة المقبلة، وهو ما سيساعد على امتصاص حالة الكبت السياسي.

ولكن التحدي يظهر في حجم الإصلاح السياسي الذي ستشرع به دول المجلس، فإذا كان الإصلاح مقتصراً على مجرد انفتاح سياسي وحرية تعبير دون مشاركة سياسية حقيقية، فإن دول المجلس ستكون مهددة بحركات الاحتجاج السياسي مصحوبة بشكل من أشكال العنف، كما شهد النظام السياسي البحريني خلال الفترة من 4991 ـ 9991، أو الحركات التي بدأت في الظهور مؤخراً في السعودية. كذلك فإن تفاوت حجم الإصلاح السياسي بين دول المجلس سيعوق أية محاولات أو مشاريع لتطوير العلاقات السياسية بين هذه الدول، كما هي الحال بالنسبة لمشروع البرلمان الخليجي المنتخب أو المطالبات بإنشاء محكمة عدل خليجية مشتركة لمعالجة النزاعات والخلافات بين الدول الأعضاء.

خامساً: توجهات الرأي العام الخليجي:

لم يكن الرأي العام الخليجي عاملاً مؤثراً في مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه وحتى فترة قريبة بسبب الظروف السياسية التي مر بها. ولكنه اليوم يعد عاملاً مهماً يجب عدم إغفاله في رسم سياسات وتوجهات المجلس ودوله، خصوصاً مع تزايد المطالبات الشعبية في دول المجلس بالإصلاح السياسي والاقتصادي، وإعطاء الشعوب الخليجية دوراً أكبر في تحديد مستقبل دولها. ورغم وجود العديد من الدراسات الميدانية حول اتجاهات وآراء شعوب الخليج تجاه مجلس التعاون، إلا أنه تظهر حاجة ماسة لإجراء دراسة معمقة في جميع بلدان المجلس لقياس الرأي العام الخليجي وتحديد سماته ومواقفه واتجاهاته تجاه المجلس وقضاياه وكيفية تفعيل دوره والتعرف إلى طموحاته، ومن ثم استشراف مستقبله. وارتباطاً بهذا التحدي نجد أن إنجازات مجلس التعاون في أدبيات الرأي العام الخليجي مازالت محدودة ودون الطموح، وبالتالي فإن تباين الآراء الشعبية عن الرسمية تجاه العمل الخليجي المشترك من شأنه أن يثير المزيد من الخلافات مستقبلاً، وأن يقلل من صدقية المجلس كمنظمة إقليمية، وفي هذه الحالة فإنه من غير المستبعد أن تظهر مطالبات بتقديم المصالح الوطنية على المصالح الخليجية المشتركة العليا. وعليه فإنه لابد من تفعيل دور الرأي العام الخليجي في رسم وتحديد سياسات مجلس التعاون خلال الفترة المقبلة، وقد تكون فكرة تطوير الهيئة الاستشارية للمجلس مناسبة كمرحلة أولى، على أن تعقبها خطوات مستقبلية لإنشاء مجلس شورى أو برلمان خليجي مشترك يمتلك صلاحيات وأدواراً فعلية.

سادساً: تفعيل التكامل الاقتصادي:

قد لا يعتبر التكامل الاقتصادي تحدياً حقيقياً لمجلس التعاون، ولكن الإشكاليات المصاحبة لتنفيذ اتفاقيات التكامل قد تسبب بعض المشاكل في العلاقات الخليجية ـ الخليجية كما حدث عندما تحفظت البحرين مبدئياً على النسبة المتفق عليها في الاتحاد الجمركي ثم وافقت عليها لاحقاً، وكذلك الحال بالنسبة للسعودية عندما تحفظت على توجهات البحرين بتوقيع اتفاق للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وظهرت تهديدات بوقف تنفيذها للاتفاق الجمركي الخليجي.

مثل هذه المشاكل من شأنها أن تزداد خلال الفترة المقبلة، وهي تمثل حالة طبيعية لعملية التكامل الاقتصادي، ولكن يجب مواجهة مثل هذه المشاكل بآليات وإجراءات مرنة تحفظ استمرار العمل بالاتفاقيات الخليجية المشتركة، وتحول دون إيقافها. وقد يكون النموذج الذي انتهجه الاتحاد الأوروبي ملائماً للتطبيق في التجربة الخليجية، فهناك آليات معينة للتحفظ، وعدم الموافقة في هذه الاتفاقيات، وبإمكان دول الخليج أن تقوم بتنفيذ الاتفاقيات مع التحفظ على بعض البنود والإجراءات التي تتضمنها، وبذلك يتم تقليل حجم الخلافات وتباين الآراء ووجهات النظر بين دول المجلس بشأن تفعيل التكامل الاقتصادي.

تلك كانت أبرز التحديات المتوقعة لمجلس التعاون بعد قمة زايد التي عقدت في البحرين، ولكن يبقى التحدي الأكبر وهو إمكانية وقدرة دول المجلس على مواجهة هذه التحديات والتغلب عليها لصالح العمل الخليجي المشترك، وهو ما يتطلب إرادة سياسية ورغبة شعبية تدفع لمواجهة جميع هذه التحديات حتى لا يدخل مجلس التعاون في سيناريوهات من شأنها أن تهدد مستقبله واستقراره بعد مسيرة دامت أكثر من ربع قرن.

::/fulltext::
::cck::2209::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *