مجلس التعاون ومفهوم المواطنة الخليجية
::cck::2211::/cck::
::introtext::
عندما نخوض تجربة الكتابة عن مسيرة مجلس التعاون الخليجي، يتبادر للذهن أن المجلس لم يحقق الطموح الذي ننشده، ولكن علينا التوقف عند مسألة الطموح التي أصبحت شماعة كبيرة لا يعتد بها في عصرنا الحالي، ونتساءل ماذا ننشد؟ وكيف تتحقق طموحات الإنسان الخليجي بعد ربع قرن من قيام مجلس التعاون الخليجي، هذا الإنسان الذي يسابق الزمن، ويلهث وراء تحقيق إنجاز كبير طالما انتظره طويلا وهو استكمال إجراءات المواطنة الخليجية. وما معنى المواطنة الخليجية؟ وما هي مقوماتها؟ لا نريد أن ندخل في تعريف المواطنة، ولا نريد أن تقتصر المواطنة على القطرية البحتة، ولكن ما نقصده بالمواطنة الخليجية هو القبول بفكرة أن مواطني الخليج يحق لهم الانتقال والعمل والاستثمار والتملك في أي قطر خليجي، حيث تتوفر لهم ميزات أهل البلد قولاً وفعلاً، واعتبارهم جزءا لا يتجزأ من أركان الكيان الخليجي الواحد.
::/introtext::
::fulltext::
عندما نخوض تجربة الكتابة عن مسيرة مجلس التعاون الخليجي، يتبادر للذهن أن المجلس لم يحقق الطموح الذي ننشده، ولكن علينا التوقف عند مسألة الطموح التي أصبحت شماعة كبيرة لا يعتد بها في عصرنا الحالي، ونتساءل ماذا ننشد؟ وكيف تتحقق طموحات الإنسان الخليجي بعد ربع قرن من قيام مجلس التعاون الخليجي، هذا الإنسان الذي يسابق الزمن، ويلهث وراء تحقيق إنجاز كبير طالما انتظره طويلا وهو استكمال إجراءات المواطنة الخليجية. وما معنى المواطنة الخليجية؟ وما هي مقوماتها؟ لا نريد أن ندخل في تعريف المواطنة، ولا نريد أن تقتصر المواطنة على القطرية البحتة، ولكن ما نقصده بالمواطنة الخليجية هو القبول بفكرة أن مواطني الخليج يحق لهم الانتقال والعمل والاستثمار والتملك في أي قطر خليجي، حيث تتوفر لهم ميزات أهل البلد قولاً وفعلاً، واعتبارهم جزءا لا يتجزأ من أركان الكيان الخليجي الواحد.
والسؤال كيف يتحقق هذا المطلب؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل بحاجة من كاتب هذا المقال إلى التحلي بالصراحة والشفافية في الطرح، فلا مجال للمجاملة والنفاق السياسي اللذين تتبناهما المؤسسات الإعلامية الرسمية في بلادنا الخليجية. وأرى أن المشكلة الحقيقية في عدم طرح موضوع المواطنة الخليجية جاءت من وجهة نظري لاعتبارات عدة أهمها الصراع بين الدول وهو عادة ما يكون صراعاً خفياً لا يظهر للسطح إلا في أندر الحالات، وممارسة فرض القضايا بالقوة، وعدم الانسجام التام في الطرح، وكذلك السيطرة أو الزعامة في قيادة دفة المجلس، هذه مجموعة قليلة من المشكلات نذكرها للقارئ، فنحن نعرف أن هناك مشكلات قد تصل في بعض الأحيان إلى القطيعة بين الأشقاء، وإن كانت هناك تصريحات علنية تنفي وقوعها. وآخر مثال على ذلك الخلاف بين بعض الدول الخليجية الذي شكّل تحدياً خطيراً في مسيرة مجلس التعاون الخليجي، خاصة عندما لم تتفق الدول الأعضاء على جدول أعمال “قمة زايد” في مملكة البحرين وهي قمة شابها الوجوم والوهن. هذا التحول الذي ينبئ بعدم التوافق في الرؤى، والتشبث بالرأي إما شطب هذا الموضوع من جدول أعمال القمة أو لن تكون هناك قمة، يجعل منا جميعاً كمراقبين نعيد قراءة مسيرة مجلس التعاون الخليجي بشيء من الواقعية وبحيادية تامة. فلطالما اعتقد المراقبون وخصوصا في سني نشوء المجلس الأولى أنه سوف يشكل ثقلاً سياسياً في القرار السياسي العربي والدولي، وهذا الثقل ينطلق نظرياً من واقع القوة الاقتصادية التي تتمتع بها دول الخليج، إلا أنها لم تستغل لوجود خلافات بين بعض الدول الخليجية لم يعلن عنها، إما نفاقاً أو مجاملة، أو أن الإعلام الرسمي الخليجي يرفض أن يتحدث عن الخلافات حرصاً منه على هذه المسيرة التي تواجه عقبات مختلفة من قمة إلى أخرى.
فالثقل الخليجي لم يعد له وجود خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، فلقد شكل هذا التاريخ نقطة تحول في السياسة الدولية تجاه منطقة باتت المصدر الأول للإرهاب في العالم على حد تصريحات القيادات الأوروبية والأمريكية. وما يحز في النفس أننا ما زلنا نظن أنفسنا أننا أمة مظلومة تنشد السلام والوئام في العالم، فإذا كانت الدول الخليجية ترى ذلك واقعاً ملموساً، فلماذا ساق الأمريكان إذن عدتهم وعتادهم العسكري إلى المنطقة للقضاء على بؤر الإرهاب في العراق أو لتكون أمريكا قريبة من المنطقة كما يدعون؟ وإذا سلمنا جزافاً بأن الغرب لا يريد المصلحة للمنطقة، فلماذا إذن الإخفاق في الممارسات السياسية من خلال المشاركة السياسية، والحرية الإعلامية وحرية التعبير على وجه العموم في الدول الخليجية تحديداً؟ ولماذا أشرك الإسلام في المهزلة السياسية التي يجني أرباحها من يقف خلفها بطريقة هزلية؟ أسئلة كثيرة يجب أن تبحث عن إجابات ولكن هذه المرة نريدها خالية من النفاق السياسي الممزوج بالدين أو مجاملة على حساب القيم والمبادئ.
لقد شكلت روحانية الإسلام إحدى دعائم الثبات لهذه الأمة، حيث التزم بالروحانية السمحة وممارسة النهج القويم لمبادئ القرآن والسنة النبوية الحقيقية، أما في عصرنا الحالي فقد ألبس الإسلام عباءة السياسة، وأدخلناه في شؤون حياتنا اليومية، وكأننا لا نستطيع أن نتحرك من دون فتوى أو مرشد ديني يقودنا إلى الطريق القويم، مع العلم أننا نؤمن بالقرآن وبرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فالدين ثابت إلى يوم الدين ودستورنا هو القرآن، ولكن السياسة تتغير بتغير الزمان والمكان، فلا مكان للانفعال القائم على الدين في السياسة، ولنواجه الحقيقة وإن كانت مُرة، فهي السبيل إلى الخلاص من الترهات والانزلاق السياسي الممزوج بنكهة دينية بين الحين والآخر. إذاً ما الذي يتوجب على مواطني الخليج أن يفهموه من الواقع ومن المتغيرات التي تعصف بالمنطقة من دون رحمة أو هوادة؟ وهذا بدوره يصل بي لأن أطرح فكرة بناء الموارد البشرية الخليجية عن طريق إيجاد قاعدة عملية لإشراكهم في مسيرة البناء الخليجية، وخلق كوادر مهنية مدربة تستطيع بهم الانتقال من وضع تقليدي يجسد الوضع السياسي الخليجي القائم على قراءات بسيطة تسطرها دراسات ارتجالية بحاجة إلى مراجعة شاملة وهادفة لانتقال مواردنا البشرية من مفهوم الاتكالية إلى الاعتماد على الذات.
ويعرف المراقبون أن التحديات التي تواجهها مسيرة مجلس التعاون كبيرة وشاقة، ولكن هل علينا الركون والاستسلام؟ أم علينا مواجهة مشكلاتنا بشفافية تامة من دون خوف أو تزييف للحقيقة. فكما يعلم الجميع نحن مواطني الخليج جزء من هذا التراب العربي الخليجي، ولسنا من كوكب آخر أو من قارة بعيدة، فعندما نطرح قضية للنقاش، نطرحها بموضوعية تامة في ظل أجواء من الضبابية التي تشهدها منطقة الخليج. فعندما نسمع عن المشاركة في البناء السياسي للمجتمعات الخليجية، فما هذا القول إلا تصريح أريد به باطل لكسب جولة على حساب الوضع السياسي الخليجي القائم، ويمكن القول إنه لا توجد شراكة حقيقية بين السلطة وشعوبها، فالشراكة تقتصر على السلطة ومن حولها أو من الهبات المقدمة من القادة أنفسهم، باعتبارهم السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية في دولهم.
كما يعرف المراقبون أن أي طرح صادق وصريح، يتعلق بالواقع الخليجي، لن يرضى عنه الكثيرون ممن تشبثوا بستار السلطة، وأصبحوا يشكلون عبئاً ثقيلاً على قادتهم، كما لا يمكن تجاهل الجهود التي بذلت طوال العقود الماضية، ولكن أما حان للمحارب أن يستريح، ويترك المسيرة لجيل عاصر التحولات وكان قريبا منها وشارك في بعضها لقيادة الدفة بالثوابت الراسخة في جذور الحضارة العربية. ألا يحق لهم أن يبدوا وجهة نظرهم بأن ينتقدوا بصراحة المحب التجربة السياسية في منطقة الخليج من خلال منابر الحرية التي تنتهجها بعض المؤسسات الإعلامية في منطقة الخليج، من دون الزج بمن يقرأ الواقع في غياهب السجون التأبينية، وتجميده في الخزائن الجليدية. فالحقيقة ساطعة وستظل تستطع إلى يوم يبعث الله الخلق من جديد.
إن الطاقات البشرية المؤهلة تستطيع أن تنهض وتكون رادعاً لأي مؤامرة تعصف بعروية أبناء الخليج، فما يجري على الساحة الخليجية من تحولات خطيرة – نتيجة القرارات الشخصية التي غالبا ما تعتمد على الارتجالية السريعة- قاد المنطقة إلى جحيم ملتهب سيظل ملتهباً لسنوات مقبلة، فلقد أصبحت هذه التحولات جزءاً من الواقع الخليجي، ولهذا فعلى الدول الخليجية أن تعيد حساباتها من جديد، وتفتح ملفا لا يقل أهمية عن الملفات الأخرى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خلال تجسيد مفهوم المواطنة الخليجية. فالمواطنة الحقة هي امتداد للجسور الوطنية، ولا تحتاج إلى من يغذيها ويستنهض الهمم بها، فالمسيرة الخليجية مستمرة بالمجلس أو بغيره، والشعوب الخليجية كانت وما زالت تستمد طاقاتها من خلال تماسك شعوبها، وهذا ما رأيناه مؤخرا في بطولة كأس الخليج السابعة عشرة التي استضافتها الدوحة مؤخرا، حيث كان الإنسان الخليجي رمزاً وطنياً يفتخر به، وكان معطاء جسّد حقيقة أن المجلس ما هو إلا ساحة للمعارك الشخصية بين بعض الخليجيين وتصفية لحسابات قد تكون شخصية أكثر من كونها مصلحة عامة تهم إنسانية المواطن الخليجي.
ولا يمكن النظر للواقع، والقول بأن كل شيء تمام (يا فندم)، فهذا مبدأ مرفوض بحكم الإيمان بأن نصف الحقيقة هي الطريق إلى الحقيقة بأكملها، وهي الطريق إلى تقويم الواقع الخليجي بصورة يرضاها الكبار قبل الصغار. وليعلم الجميع أن الخليج، كان وسيظل، ستاراً حديدياً وقوياً بشعوبه، وسيظل كذلك ما دامت الضمائر ساطعة تقول الحقيقة وتواجه قضاياها وتنتقدها للمصلحة الخليجية المشتركة، وليس من أجل تسجيل نقاط ضعف هنا وهناك. وليعلم الذين يسارعون إلى طمس جسور الحرية، بأن هناك أفقاً جديداً سوف يضيء الواقع الجديد في المنطقة خاصة بعد الرفض الخليجي لتغيير منهجية التعاطي مع مفهوم الحرية المسؤولة عبر سيل من الإملاءات المتكررة على البيوت السياسية لدول الخليج التي أصبحت هشة إلى حد أن الرياح الخفيفة تؤثر في متانة بنيانها. وليكن الله في عون الشعوب الخليجية التي حُرمت وما زالت محرومة من تبيان الحقيقة في بلدانها، فهاجر بعضها ليجد لنفسه منبراً آخر يعبر به عن رأيه، أما الذين يعيشون في الداخل فما عليهم إلا مواصلة نهج مشروع، يقود الجميع إلى إشعاع الحقيقة من خلال مناقشة الواقع السياسي الخليجي، ويكونون قريبين جداً من الأحداث للمشاركة بالرأي إذا طُلب منهم، فإذا كانت هناك أخطاء، فالكمال لله وحده، وما على الجميع إلا أن يقفوا سداً منيعاً للحفاظ على مبدأ الحوار وقبول الرأي والرأي الآخر، ومن خلال هذا النهج سوف تتشكل منظومة جديدة للشراكة السياسية في المنطقة لتكون نبراسا وإشعاعا لمستقبل أجيال الخليج بإذن الله تعالى.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2211::/cck::
::introtext::
عندما نخوض تجربة الكتابة عن مسيرة مجلس التعاون الخليجي، يتبادر للذهن أن المجلس لم يحقق الطموح الذي ننشده، ولكن علينا التوقف عند مسألة الطموح التي أصبحت شماعة كبيرة لا يعتد بها في عصرنا الحالي، ونتساءل ماذا ننشد؟ وكيف تتحقق طموحات الإنسان الخليجي بعد ربع قرن من قيام مجلس التعاون الخليجي، هذا الإنسان الذي يسابق الزمن، ويلهث وراء تحقيق إنجاز كبير طالما انتظره طويلا وهو استكمال إجراءات المواطنة الخليجية. وما معنى المواطنة الخليجية؟ وما هي مقوماتها؟ لا نريد أن ندخل في تعريف المواطنة، ولا نريد أن تقتصر المواطنة على القطرية البحتة، ولكن ما نقصده بالمواطنة الخليجية هو القبول بفكرة أن مواطني الخليج يحق لهم الانتقال والعمل والاستثمار والتملك في أي قطر خليجي، حيث تتوفر لهم ميزات أهل البلد قولاً وفعلاً، واعتبارهم جزءا لا يتجزأ من أركان الكيان الخليجي الواحد.
::/introtext::
::fulltext::
عندما نخوض تجربة الكتابة عن مسيرة مجلس التعاون الخليجي، يتبادر للذهن أن المجلس لم يحقق الطموح الذي ننشده، ولكن علينا التوقف عند مسألة الطموح التي أصبحت شماعة كبيرة لا يعتد بها في عصرنا الحالي، ونتساءل ماذا ننشد؟ وكيف تتحقق طموحات الإنسان الخليجي بعد ربع قرن من قيام مجلس التعاون الخليجي، هذا الإنسان الذي يسابق الزمن، ويلهث وراء تحقيق إنجاز كبير طالما انتظره طويلا وهو استكمال إجراءات المواطنة الخليجية. وما معنى المواطنة الخليجية؟ وما هي مقوماتها؟ لا نريد أن ندخل في تعريف المواطنة، ولا نريد أن تقتصر المواطنة على القطرية البحتة، ولكن ما نقصده بالمواطنة الخليجية هو القبول بفكرة أن مواطني الخليج يحق لهم الانتقال والعمل والاستثمار والتملك في أي قطر خليجي، حيث تتوفر لهم ميزات أهل البلد قولاً وفعلاً، واعتبارهم جزءا لا يتجزأ من أركان الكيان الخليجي الواحد.
والسؤال كيف يتحقق هذا المطلب؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل بحاجة من كاتب هذا المقال إلى التحلي بالصراحة والشفافية في الطرح، فلا مجال للمجاملة والنفاق السياسي اللذين تتبناهما المؤسسات الإعلامية الرسمية في بلادنا الخليجية. وأرى أن المشكلة الحقيقية في عدم طرح موضوع المواطنة الخليجية جاءت من وجهة نظري لاعتبارات عدة أهمها الصراع بين الدول وهو عادة ما يكون صراعاً خفياً لا يظهر للسطح إلا في أندر الحالات، وممارسة فرض القضايا بالقوة، وعدم الانسجام التام في الطرح، وكذلك السيطرة أو الزعامة في قيادة دفة المجلس، هذه مجموعة قليلة من المشكلات نذكرها للقارئ، فنحن نعرف أن هناك مشكلات قد تصل في بعض الأحيان إلى القطيعة بين الأشقاء، وإن كانت هناك تصريحات علنية تنفي وقوعها. وآخر مثال على ذلك الخلاف بين بعض الدول الخليجية الذي شكّل تحدياً خطيراً في مسيرة مجلس التعاون الخليجي، خاصة عندما لم تتفق الدول الأعضاء على جدول أعمال “قمة زايد” في مملكة البحرين وهي قمة شابها الوجوم والوهن. هذا التحول الذي ينبئ بعدم التوافق في الرؤى، والتشبث بالرأي إما شطب هذا الموضوع من جدول أعمال القمة أو لن تكون هناك قمة، يجعل منا جميعاً كمراقبين نعيد قراءة مسيرة مجلس التعاون الخليجي بشيء من الواقعية وبحيادية تامة. فلطالما اعتقد المراقبون وخصوصا في سني نشوء المجلس الأولى أنه سوف يشكل ثقلاً سياسياً في القرار السياسي العربي والدولي، وهذا الثقل ينطلق نظرياً من واقع القوة الاقتصادية التي تتمتع بها دول الخليج، إلا أنها لم تستغل لوجود خلافات بين بعض الدول الخليجية لم يعلن عنها، إما نفاقاً أو مجاملة، أو أن الإعلام الرسمي الخليجي يرفض أن يتحدث عن الخلافات حرصاً منه على هذه المسيرة التي تواجه عقبات مختلفة من قمة إلى أخرى.
فالثقل الخليجي لم يعد له وجود خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، فلقد شكل هذا التاريخ نقطة تحول في السياسة الدولية تجاه منطقة باتت المصدر الأول للإرهاب في العالم على حد تصريحات القيادات الأوروبية والأمريكية. وما يحز في النفس أننا ما زلنا نظن أنفسنا أننا أمة مظلومة تنشد السلام والوئام في العالم، فإذا كانت الدول الخليجية ترى ذلك واقعاً ملموساً، فلماذا ساق الأمريكان إذن عدتهم وعتادهم العسكري إلى المنطقة للقضاء على بؤر الإرهاب في العراق أو لتكون أمريكا قريبة من المنطقة كما يدعون؟ وإذا سلمنا جزافاً بأن الغرب لا يريد المصلحة للمنطقة، فلماذا إذن الإخفاق في الممارسات السياسية من خلال المشاركة السياسية، والحرية الإعلامية وحرية التعبير على وجه العموم في الدول الخليجية تحديداً؟ ولماذا أشرك الإسلام في المهزلة السياسية التي يجني أرباحها من يقف خلفها بطريقة هزلية؟ أسئلة كثيرة يجب أن تبحث عن إجابات ولكن هذه المرة نريدها خالية من النفاق السياسي الممزوج بالدين أو مجاملة على حساب القيم والمبادئ.
لقد شكلت روحانية الإسلام إحدى دعائم الثبات لهذه الأمة، حيث التزم بالروحانية السمحة وممارسة النهج القويم لمبادئ القرآن والسنة النبوية الحقيقية، أما في عصرنا الحالي فقد ألبس الإسلام عباءة السياسة، وأدخلناه في شؤون حياتنا اليومية، وكأننا لا نستطيع أن نتحرك من دون فتوى أو مرشد ديني يقودنا إلى الطريق القويم، مع العلم أننا نؤمن بالقرآن وبرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فالدين ثابت إلى يوم الدين ودستورنا هو القرآن، ولكن السياسة تتغير بتغير الزمان والمكان، فلا مكان للانفعال القائم على الدين في السياسة، ولنواجه الحقيقة وإن كانت مُرة، فهي السبيل إلى الخلاص من الترهات والانزلاق السياسي الممزوج بنكهة دينية بين الحين والآخر. إذاً ما الذي يتوجب على مواطني الخليج أن يفهموه من الواقع ومن المتغيرات التي تعصف بالمنطقة من دون رحمة أو هوادة؟ وهذا بدوره يصل بي لأن أطرح فكرة بناء الموارد البشرية الخليجية عن طريق إيجاد قاعدة عملية لإشراكهم في مسيرة البناء الخليجية، وخلق كوادر مهنية مدربة تستطيع بهم الانتقال من وضع تقليدي يجسد الوضع السياسي الخليجي القائم على قراءات بسيطة تسطرها دراسات ارتجالية بحاجة إلى مراجعة شاملة وهادفة لانتقال مواردنا البشرية من مفهوم الاتكالية إلى الاعتماد على الذات.
ويعرف المراقبون أن التحديات التي تواجهها مسيرة مجلس التعاون كبيرة وشاقة، ولكن هل علينا الركون والاستسلام؟ أم علينا مواجهة مشكلاتنا بشفافية تامة من دون خوف أو تزييف للحقيقة. فكما يعلم الجميع نحن مواطني الخليج جزء من هذا التراب العربي الخليجي، ولسنا من كوكب آخر أو من قارة بعيدة، فعندما نطرح قضية للنقاش، نطرحها بموضوعية تامة في ظل أجواء من الضبابية التي تشهدها منطقة الخليج. فعندما نسمع عن المشاركة في البناء السياسي للمجتمعات الخليجية، فما هذا القول إلا تصريح أريد به باطل لكسب جولة على حساب الوضع السياسي الخليجي القائم، ويمكن القول إنه لا توجد شراكة حقيقية بين السلطة وشعوبها، فالشراكة تقتصر على السلطة ومن حولها أو من الهبات المقدمة من القادة أنفسهم، باعتبارهم السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية في دولهم.
كما يعرف المراقبون أن أي طرح صادق وصريح، يتعلق بالواقع الخليجي، لن يرضى عنه الكثيرون ممن تشبثوا بستار السلطة، وأصبحوا يشكلون عبئاً ثقيلاً على قادتهم، كما لا يمكن تجاهل الجهود التي بذلت طوال العقود الماضية، ولكن أما حان للمحارب أن يستريح، ويترك المسيرة لجيل عاصر التحولات وكان قريبا منها وشارك في بعضها لقيادة الدفة بالثوابت الراسخة في جذور الحضارة العربية. ألا يحق لهم أن يبدوا وجهة نظرهم بأن ينتقدوا بصراحة المحب التجربة السياسية في منطقة الخليج من خلال منابر الحرية التي تنتهجها بعض المؤسسات الإعلامية في منطقة الخليج، من دون الزج بمن يقرأ الواقع في غياهب السجون التأبينية، وتجميده في الخزائن الجليدية. فالحقيقة ساطعة وستظل تستطع إلى يوم يبعث الله الخلق من جديد.
إن الطاقات البشرية المؤهلة تستطيع أن تنهض وتكون رادعاً لأي مؤامرة تعصف بعروية أبناء الخليج، فما يجري على الساحة الخليجية من تحولات خطيرة – نتيجة القرارات الشخصية التي غالبا ما تعتمد على الارتجالية السريعة- قاد المنطقة إلى جحيم ملتهب سيظل ملتهباً لسنوات مقبلة، فلقد أصبحت هذه التحولات جزءاً من الواقع الخليجي، ولهذا فعلى الدول الخليجية أن تعيد حساباتها من جديد، وتفتح ملفا لا يقل أهمية عن الملفات الأخرى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خلال تجسيد مفهوم المواطنة الخليجية. فالمواطنة الحقة هي امتداد للجسور الوطنية، ولا تحتاج إلى من يغذيها ويستنهض الهمم بها، فالمسيرة الخليجية مستمرة بالمجلس أو بغيره، والشعوب الخليجية كانت وما زالت تستمد طاقاتها من خلال تماسك شعوبها، وهذا ما رأيناه مؤخرا في بطولة كأس الخليج السابعة عشرة التي استضافتها الدوحة مؤخرا، حيث كان الإنسان الخليجي رمزاً وطنياً يفتخر به، وكان معطاء جسّد حقيقة أن المجلس ما هو إلا ساحة للمعارك الشخصية بين بعض الخليجيين وتصفية لحسابات قد تكون شخصية أكثر من كونها مصلحة عامة تهم إنسانية المواطن الخليجي.
ولا يمكن النظر للواقع، والقول بأن كل شيء تمام (يا فندم)، فهذا مبدأ مرفوض بحكم الإيمان بأن نصف الحقيقة هي الطريق إلى الحقيقة بأكملها، وهي الطريق إلى تقويم الواقع الخليجي بصورة يرضاها الكبار قبل الصغار. وليعلم الجميع أن الخليج، كان وسيظل، ستاراً حديدياً وقوياً بشعوبه، وسيظل كذلك ما دامت الضمائر ساطعة تقول الحقيقة وتواجه قضاياها وتنتقدها للمصلحة الخليجية المشتركة، وليس من أجل تسجيل نقاط ضعف هنا وهناك. وليعلم الذين يسارعون إلى طمس جسور الحرية، بأن هناك أفقاً جديداً سوف يضيء الواقع الجديد في المنطقة خاصة بعد الرفض الخليجي لتغيير منهجية التعاطي مع مفهوم الحرية المسؤولة عبر سيل من الإملاءات المتكررة على البيوت السياسية لدول الخليج التي أصبحت هشة إلى حد أن الرياح الخفيفة تؤثر في متانة بنيانها. وليكن الله في عون الشعوب الخليجية التي حُرمت وما زالت محرومة من تبيان الحقيقة في بلدانها، فهاجر بعضها ليجد لنفسه منبراً آخر يعبر به عن رأيه، أما الذين يعيشون في الداخل فما عليهم إلا مواصلة نهج مشروع، يقود الجميع إلى إشعاع الحقيقة من خلال مناقشة الواقع السياسي الخليجي، ويكونون قريبين جداً من الأحداث للمشاركة بالرأي إذا طُلب منهم، فإذا كانت هناك أخطاء، فالكمال لله وحده، وما على الجميع إلا أن يقفوا سداً منيعاً للحفاظ على مبدأ الحوار وقبول الرأي والرأي الآخر، ومن خلال هذا النهج سوف تتشكل منظومة جديدة للشراكة السياسية في المنطقة لتكون نبراسا وإشعاعا لمستقبل أجيال الخليج بإذن الله تعالى.
::/fulltext::
::cck::2211::/cck::
