الاتفاقية البحـرينية ـ الأمريكية تكشـف عن تصــدعات في عـلاقات دول التعـــاون
::cck::2213::/cck::
::introtext::
من المنطقي أن تعرب بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، عن عدم رضاها عن قرار مملكة البحرين التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة. وبالفعل، تصاعدت وتيرة المعارضة الخليجية لمعاهدة سبتمبر 4002، التي لم تدخل بعد حيز التنفيذ إلى درجة أن عدداً من دول مجلس التعاون، حثت المنامة على التخلي عن الاتفاقية، والاستعاضة عنها بالعمل على تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية الخليجية.
::/introtext::
::fulltext::
من المنطقي أن تعرب بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، عن عدم رضاها عن قرار مملكة البحرين التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة. وبالفعل، تصاعدت وتيرة المعارضة الخليجية لمعاهدة سبتمبر 4002، التي لم تدخل بعد حيز التنفيذ إلى درجة أن عدداً من دول مجلس التعاون، حثت المنامة على التخلي عن الاتفاقية، والاستعاضة عنها بالعمل على تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية الخليجية.
ففي حين تنتاب السعودية بعض المخاوف من استيراد البحرين للبضائع والسلع الأمريكية معفاة من أي تعرفة جمركية وطرحها في السوق المحلية، يتمحور الخلاف بين البحرين وباقي دول مجلس التعاون الخليجي حول إلغاء الرسوم الجمركية ضمن إطار ثنائي بين المنامة وواشنطن، وهو الأمر الذي يمنح البحرين امتيازاً تجارياً مقارنة مع باقي الدول الأعضاء في مجلس التعاون، والتي سبق لها أن وقعت اتفاقاً خاصاً بالوحدة الجمركية يحدد قيمة التعرفة الجمركية بخمسة في المائة.
بموجب بنود اتفاقية التجارة الحرة بين البحرين والولايات المتحدة، يمكن للطرفين الحصول، دون دفع أي رسوم جمركية تُذكر، على مائة في المائة من المنتجات المصنعة باستثناء المنسوجات والملابس، إضافة إلى مائة في المائة من صادرات البحرين الزراعية و89 في المائة من الصادرات الزراعية الأمريكية. إلى جانب ذلك، تمنح الاتفاقية للشركات والمنتجات الأمريكية جملة من الامتيازات التفضيلية من خلال فتح أبواب سوق السلع البحرينية، والتزام الحكومة البحرينية بمنح شركات الخدمات الأمريكية مزيداً من الحرية لدخول قطاع الخدمات البحريني، بما في ذلك قطاعات المال والسياحة والطاقة.
ومن المنطقي أن تعرب بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، عن عدم رضاها عن قرار مملكة البحرين التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة. وبالفعل، تصاعدت وتيرة المعارضة الخليجية لمعاهدة سبتمبر 4002، التي لم تدخل بعد حيز التنفيذ إلى درجة أن عدداً من دول مجلس التعاون، حثت المنامة على التخلي عن الاتفاقية، والاستعاضة عنها بالعمل على تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية الخليجية.
ففي حين تنتاب السعودية بعض المخاوف من استيراد البحرين للبضائع والسلع الأمريكية معفاة من أي تعرفة جمركية وطرحها في السوق المحلية، يتمحور الخلاف بين البحرين وباقي دول مجلس التعاون الخليجي حول إلغاء الرسوم الجمركية ضمن إطار ثنائي بين المنامة وواشنطن، وهو الأمر الذي يمنح البحرين امتيازاً تجارياً مقارنة مع باقي الدول الأعضاء في مجلس التعاون، والتي سبق لها أن وقعت اتفاقاً خاصاً بالوحدة الجمركية يحدد قيمة التعرفة الجمركية بخمسة في المائة. وبموجب بنود اتفاقية التجارة الحرة بين البحرين والولايات المتحدة، يمكن للطرفين الحصول، دون دفع أي رسوم جمركية تُذكر، على مائة في المائة من المنتجات المصنعة باستثناء المنسوجات والملابس، إضافة إلى مائة في المائة من صادرات البحرين الزراعية و89 في المائة من الصادرات الزراعية الأمريكية.
إلى جانب ذلك، تمنح الاتفاقية للشركات والمنتجات الأمريكية جملة من الامتيازات التفضيلية من خلال فتح أبواب سوق السلع البحرينية، والتزام الحكومة البحرينية بمنح شركات الخدمات الأمريكية مزيداً من الحرية لدخول قطاع الخدمات البحريني، بما في ذلك قطاعات المال والسياحة والطاقة. غير أن بنود نص الاتفاقية تخرق المبادئ الأساسية، التي يرتكز عليها الاتفاق الاقتصادي الذي صادق عليه المجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي في اجتماعه الذي انعقد بالعاصمة العُمانية مسقط خلال عام 1002، والذي ينص صراحة على أنه «لا يجوز لأي دولة من الدول الأعضاء التعامل مع أي دولة غير عضو (في مجلس التعاون الخليجي) في إطار تفضيلي يتجاوز ما يُمنح، كما هو منصوص عليه ضمن نص الاتفاق للدول الأعضاء. ولا يجوز التوقيع على أي اتفاق ينتهك بنود هذا الاتفاق».
ومن جهة أخرى، ينص الاتفاق، إضافة إلى أمور أخرى كثيرة، على تطبيق رسوم جمركية خارجية موحدة وفرض قيود وإجراءات جمركية مشتركة، إضافة إلى ضرورة إقامة مركز موحد يتولى مهمة تحصيل الرسوم الجمركية وضرورة التعامل مع منتجات الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي على قدم المساواة مع المنتجات المحلية.
وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية الخارجية، يشدد نص الاتفاق على مبدأ المفاوضات الجماعية مع الدول والمنظومات الإقليمية الأخرى خارج منظومة مجلس التعاون الخليجي، وذلك بهدف تأمين الحصول على شروط اتفاقية أفضل.
فوائد اتفاقية التجارة الحرة على المدى القصير
في حين تتوفر العديد من الدوافع الاقتصادية، قد تبرر توقيع البحرين على اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، إلا أنه يبدو أن الشأن السياسي كان له دور محوري في قرار البلدين توقيع الاتفاقية. فالبحرين من جهتها ترى في الاتفاقية حجر الأساس للعلاقات المتعاظمة بينها وبين الولايات المتحدة، ربما في السياق نفسه الذي ساهمت به اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية المعروفة بــ «نافتا» في دعم الروابط البينية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وباعتبار ما تردد على لسان بعض المسؤولين الأمريكيين من أن البحرين تمثل «واحة للتقدم» في قلب منطقة «تهزها رياح التطرف العاتية»، يمكن النظر إلى اتفاقية التجارة الحرة على أنها مكافأة سياسية للدعم القوي الذي ما فتئت مملكة البحرين، وهي التي تستضيف الأسطول الخامس لمشاة البحرية الأمريكية، تقدمه للولايات المتحدة.
ويبدو أيضاً أن الاتفاقية تأتي كخطوة تندرج ضمن جهود واشنطن للمصالحة مع حكومة البحرين بعد أن أصدرت الإدارة الأمريكية تحذيرات من إمكانية تعرض مملكة البحرين لعمليات هجومية على يد جماعات متطرفة ضد المصالح الأمريكية والغربية، كما أن واشنطن أصدرت في شهر يوليو 4002 تعليمات بإجلاء طواقم الدفاع من غير العاملين في فرق الطوارئ وأسرهم، وهو القرار الذي أثار حفيظة المنامة.
وعلى الرغم من أن الاتفاقية تمثل سابقة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي وتعكس الرغبة في إيلاء الأولوية للمصالح الوطنية والمحادثات الثنائية على حساب المصالح الجماعية والمحادثات متعددة الأطراف، فإن رغبة المنامة في تعزيز مكانتها على صعيد الساحة الاقتصادية العالمية وسعيها إلى اجتذاب المزيد من المستثمرين الأجانب، لا شك في أنه يمثل أحد الدوافع التي تقف بقوة وراء توقيعها على اتفاقية التجارة الحرة. فالمنامة كانت دائماً مهتمة بتوطيد علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة تماشياً مع تطور روابطهما السياسية. وباعتبار أن حجم الاحتياطي النفطي للبحرين يمثل أصغر الاحتياطيات بالمقارنة مع باقي دول مجلس التعاون الخليجي، فقد اضطُرت البحرين إلى تنويع قاعدة اقتصادها في وقت مبكر قبل أن تتبنى الدول المجاورة فكرة تنويع الإنتاج الاقتصادي.
وفي الوقت الراهن، تساهم القطاعات المالية والمصرفية والسياحية بشكل ملموس في دفع عجلة نمو الاقتصاد البحريني، غير أنها تواجه منافسة شديدة من قبل اقتصادات باقي دول مجلس التعاون، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة.
علاوة على ذلك، وجدت البحرين نفسها في الفترة الأخيرة في مواجهة سلسلة من الصعوبات الاقتصادية. فالمملكة العربية السعودية اتخذت قراراً في شهر يوليو 4002 بتعليق مساعداتها النفطية للبحرين، والتي تصل إلى حدود خمسين ألف برميل نفط في اليوم، وذلك في انتظار نتائج المحادثات الثنائية حول تقاسم إنتاج الحقل البحري المشترك بمنطقة أبو سعفة. وكانت البحرين التي لا تنتمي إلى منظمة أوبك تحصل وحدها على الإنتاج الإجمالي لحقل أيو سعفة، والذي تبلغ
قدرته الإنتاجية 341 ألف برميل يومياً، إضافة إلى حصولها على 05 ألف برميل نفط يومياً من السعودية، وذلك منذ عام 6991.
وبالتمعن في معطيات هذه الخلفية، يمكن القول إن اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة تمثل مصدراً لابتهاج البحرينيين. وباعتبار الإشادة التي أعربت عنها واشنطن لفتح أسواق البحرين الخدمية للمنتجات الأمريكية «أكثر من أي شريك آخر ضمن اتفاقيات التجارة الحرة»، فإن الاتفاقية الحالية تبدو حبلى بالوعود وتحمل الكثير من البشائر.
الاستفادة الأمريكية
بتوقيعها على اتفاقية التجارة الحرة مع البحرين، تستمر الولايات المتحدة في انتهاج سياستها المعتادة والقائمة على مبدأ التفاوض للتوصل إلى اتفاقيات منفردة مع دول المنطقة عوضاً عن التعامل معها من منطلق أنها تمثل منظومة إقليمية موحدة، وذلك ضمن إطار القواعد التي صاغتها (لجنة الحادي عشر من سبتمبر) بناءً على مبادرة الرئيس جورج بوش التي ترمي إلى تحفيز دول منطقة الشرق الأوسط لتطبيق إصلاحات سياسية واقتصادية داخلية. ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 1002، سعت الولايات المتحدة ولاتزال تسعى إلى إقامة منطقة تجارة حرة في الشرق الأوسط مع حلول عام 3102. وبالإضافة إلى توقيع اتفاقية مع البحرين، وقعت واشنطن اتفاقيتين إضافيتين مع كل من المغرب والأردن، مع العلم أن واشنطن تسعى إلى توقيع اتفاقيات مماثلة مع كل من السعودية والإمارات والكويت وقطر وتونس. غير أن السعودية وبعض الدول العربية الأخرى، مثل الجزائر، يتعين عليها الانتظار إلى حين قبول انضمامها في عضوية منظمة التجارة العالمية.
وعلى الرغم من أن المفاوضات مع دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان حققت تقدماً ملموساً، في حين لا تزال المفاوضات مع الكويت في مراحلها الأولى، فإن جميع دول مجلس التعاون الخليجي تدّعي أنها ملتزمة بمبدأ خوض مفاوضات على المستوى الجماعي وليس الثنائي مع شركائها التجاريين. وينسحب الوضع نفسه على المفاوضات التجارية الجارية حالياً بين دول مجلس التعاون الخليجي والهند بعد توقيع الطرفين على اتفاق إطار للتعاون الاقتصادي في شهر أغسطس 4002.
ومن اللافت للنظر أن نص الاتفاق يتضمن بنداً يقر بأن «الدول الأعضاء لديها حرية القيام بأنشطة اقتصادية ثنائية مع الهند في مختلف المجالات». لكن ومن منطلق أن الولايات المتحدة تمثل أكثر اللاعبين الدوليين في المنطقة تأثيراً وحضوراً، فلا يبدو أن هناك مجالاً لمعارضة مصالحها وإملاءاتها. فبالإضافة إلى حصولها على امتياز تفضيلي لولوج سوق السلع البحرينية، حصلت الولايات المتحدة على التزام من قبل السلطات البحرينية للسماح لشركات الخدمات الأمريكية بتوسيع مشاركتها في السوق الخدمية البحرينية، بما في ذلك قطاع الطاقة. وفي الواقع، فإن الولايات المتحدة تأمل بأن تمثل اتفاقيتها مع البحرين طعماً يجتذب الدول الخليجية الأخرى للتوقيع على اتفاقيات مماثلة.
ومن خلال عقد مفاوضات على الصعيد الثنائي، وبفضل ما تتمتع به من قدرات تفاوضية هائلة، تستطيع الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاقيات تمنح الشركات الأمريكية الفرص والنتائج المنشودة باقتحامها سوق الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو هدف يخدم بطبيعة الحال مصالح كبرى شركات الطاقة الأمريكية، إضافة إلى خدمة مصلحة الأمن القومي الأمريكي.
ومن الواضح أن عزم الولايات المتحدة على الدخول في محادثات ثنائية، يستند إلى قناعتها بأن التعامل مع دول مجلس التعاون الخليجي فرادى، ربما يفضي إلى حصولها على تنازلات من قبل كل دولة على حدة. فالسعودية والكويت وقطر وما تمتلكه هذه الدول من احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، قد لا تقدم تنازلات كبيرة لصالح الولايات المتحدة، خصوصاً أن ملف الاستثمارات الخارجية في قطاعات هذه الدول لا يزال موضع سجال محموم. غير أنه وفي حال اتجهت واشنطن نحو تشجيع الانضمام إلى الاتفاقية الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي وفاوضت الدول الخليجية على أساس جماعي، فقد تضمن دول المجلس التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة تؤطرها بنود تفضيلية. في مثل هذه الحالة، سوف تسهم الاتفاقية في تعزيز المزيد من الانضباط على صعيد القوانين الحاكمة لها، وتؤمّن قاعدة من المعايير العالمية للمنافسة التجارية، إضافة إلى دعمها لمبادئ الشفافية، وتيسير الإجراءات الجمركية والتجارية وتوفير غطاء حماية لحقوق الملكية الفكرية، وتعزيز قوة قوانين العمل، وكذلك دعم المزيد من الجهود الرامية إلى توسيع دائرة استخدام التكنولوجيا والمساهمة في تيسير هبوب رياح العولمة إلى داخل الأسواق المحلية.
وعلى صعيد آخر، سوف تمثل اتفاقية التجارة الحرة خطوة أولية في اتجاه توقيع اتفاقيات دولية إضافية مع عدد من دول العالم التي تربطها علاقات صداقة مع الولايات المتحدة. فسوق الأعمال الأمريكية سوف تستفيد مباشرة من الاتفاقيات الثنائية الست والثلاثين التي وقعتها البحرين مع دول أخرى، إضافة إلى الاستفادة من الروابط التاريخية والاتفاقات التي تجمع البحرين بباقي دول مجلس التعاون الخليجي. فالبحرين سبق لها أن وقعت اتفاقية للتجارة الحرة مع تايلاند، وتجري حالياً مفاوضات للتوقيع على اتفاقية مماثلة مع سنغافورة. وعلى الرغم من محدودية حجم السوق المحلية البحرينية، فإن أسواقاً دولية جديدة وضخمة سوف تفتح أبوابها أمام المنتجات والسلع الأمريكية. وعلى المدى البعيد، من المرجح أن تستمر العلاقات البحرينية ـ الأمريكية على مسارها الحالي، بل من المحتمل جداً أن تتقوى، بفضل اتفاقية التجارة الحرة التي تربطهما، والتي تغطي اثني عشر مجالاً من مجالات الاستثمار، بما في ذلك قطاع التعليم وقطاع المنسوجات والملابس وقطاع الخدمات المالية.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الاتفاقية تأتي في أعقاب تراجع العلاقات الاقتصادية السعودية ـ الأمريكية خلال عام 3002. فالرياض رفضت عرضين أساسيين، تقدمت بهما شركتا الطاقة الأمريكيتان، إيكسون موبيل وكونوكو/فيليبس لتطوير مصادر حقول الغاز الطبيعي في السعودية، وفضلت السلطات الاقتصادية السعودية التوقيع على صفقتين مع الاتحاد الأوروبي وروسيا في مجالي التجارة والطاقة على التوالي. ويبدو أن الرياض سعت من خلال ذلك إلى إرسال إشارة إلى أن مستقبلها الاقتصادي بات اليوم أقل ارتباطاً بالولايات المتحدة مما كانت عليه الحال في العقود السابقة.
نهج الاتحاد الأوروبي
أكدت الولايات المتحدة مؤخراً موقفها، الذي يفضل التفاوض حول اتفاقيات للتجارة الحرة في إطار ثنائي، كما برهنت على ذلك نتائج الملتقى الوزاري لمنظمة التجارة العالمية الذي انعقد بكانكون. ولعل النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة، يمكّنها من حسن استثمار قدراتها التفاوضية الهائلة وفرض ثقلها الاقتصادي في سبيل تأمين شروط تجارية، تخدم مصالحها الذاتية بدرجة أساسية، وهو التكتيك الذي تتبناه حالياً في إدارة علاقاتها التجارية مع دول مجلس التعاون الخليجي.
وعلى النقيض من ذلك، اختار الاتحاد الأوروبي التفاوض حول اتفاقية للتجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي في إطار إقليمي. وقد ساهمت المفاوضات الخليجية مع الاتحاد الأوروبي في دعم التوجه الإقليمي نحو المزيد من الاندماج الاقتصادي على مستوى منطقة الخليج، وهو تطور ساهم الاتحاد الأوروبي في تعزيزه. فعلى سبيل المثال، شكّل قيام وحدة جمركية على صعيد دول مجلس التعاون الخليجي شرطاً مسبقاً فرضه الاتحاد الأوروبي قبل التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة. وبالمعنى نفسه، يرى الاتحاد الأوروبي في عملية الاندماج الخليجي خطوة مهمة، تعبد الطريق نحو توطيد ركائز الاستقرار والازدهار الإقليميين، مع العلم أن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي
استغرقت وقتاً طويلاً، كما هي الحال بالنسبة لجميع المفاوضات الإقليمية، ولم يتم التوقيع على أي بنود اتفاق بين الطرفين بعد.
وفي التحليل النهائي، يمكن تأكيد أن اتفاقية التجارة الحرة بين مملكة البحرين والولايات المتحدة ستعود بالنفع على الطرفين معاً، لكنها في الوقت نفسه ستؤدي إلى التقليل من دور دول مجلس التعاون الخليجي كمنظومة إقليمية.
ومن الواضح أن دول مجلس التعاون الخليجي، يتعين عليها إقرار وتجسيد ضرورة توكيل مهمة إجراء مفاوضاتها التجارية لمؤسسة مجلس التعاون الخليجي، على الأقل في ما برتبط بالمجالات المتفق عليها أصلاً، كما هي الحال بالنسبة للمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي مثلاً. وهكذا باتت الحاجة اليوم ملحة من أجل صياغة اتفاقيات للتجارة الحرة لا تنتهك نصوص الاتفاقيات الاقتصادية، التي تربط دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي تفادي إحداث تصدع في البنيان الإقليمي الخليجي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2213::/cck::
::introtext::
من المنطقي أن تعرب بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، عن عدم رضاها عن قرار مملكة البحرين التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة. وبالفعل، تصاعدت وتيرة المعارضة الخليجية لمعاهدة سبتمبر 4002، التي لم تدخل بعد حيز التنفيذ إلى درجة أن عدداً من دول مجلس التعاون، حثت المنامة على التخلي عن الاتفاقية، والاستعاضة عنها بالعمل على تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية الخليجية.
::/introtext::
::fulltext::
من المنطقي أن تعرب بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، عن عدم رضاها عن قرار مملكة البحرين التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة. وبالفعل، تصاعدت وتيرة المعارضة الخليجية لمعاهدة سبتمبر 4002، التي لم تدخل بعد حيز التنفيذ إلى درجة أن عدداً من دول مجلس التعاون، حثت المنامة على التخلي عن الاتفاقية، والاستعاضة عنها بالعمل على تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية الخليجية.
ففي حين تنتاب السعودية بعض المخاوف من استيراد البحرين للبضائع والسلع الأمريكية معفاة من أي تعرفة جمركية وطرحها في السوق المحلية، يتمحور الخلاف بين البحرين وباقي دول مجلس التعاون الخليجي حول إلغاء الرسوم الجمركية ضمن إطار ثنائي بين المنامة وواشنطن، وهو الأمر الذي يمنح البحرين امتيازاً تجارياً مقارنة مع باقي الدول الأعضاء في مجلس التعاون، والتي سبق لها أن وقعت اتفاقاً خاصاً بالوحدة الجمركية يحدد قيمة التعرفة الجمركية بخمسة في المائة.
بموجب بنود اتفاقية التجارة الحرة بين البحرين والولايات المتحدة، يمكن للطرفين الحصول، دون دفع أي رسوم جمركية تُذكر، على مائة في المائة من المنتجات المصنعة باستثناء المنسوجات والملابس، إضافة إلى مائة في المائة من صادرات البحرين الزراعية و89 في المائة من الصادرات الزراعية الأمريكية. إلى جانب ذلك، تمنح الاتفاقية للشركات والمنتجات الأمريكية جملة من الامتيازات التفضيلية من خلال فتح أبواب سوق السلع البحرينية، والتزام الحكومة البحرينية بمنح شركات الخدمات الأمريكية مزيداً من الحرية لدخول قطاع الخدمات البحريني، بما في ذلك قطاعات المال والسياحة والطاقة.
ومن المنطقي أن تعرب بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، عن عدم رضاها عن قرار مملكة البحرين التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة. وبالفعل، تصاعدت وتيرة المعارضة الخليجية لمعاهدة سبتمبر 4002، التي لم تدخل بعد حيز التنفيذ إلى درجة أن عدداً من دول مجلس التعاون، حثت المنامة على التخلي عن الاتفاقية، والاستعاضة عنها بالعمل على تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية الخليجية.
ففي حين تنتاب السعودية بعض المخاوف من استيراد البحرين للبضائع والسلع الأمريكية معفاة من أي تعرفة جمركية وطرحها في السوق المحلية، يتمحور الخلاف بين البحرين وباقي دول مجلس التعاون الخليجي حول إلغاء الرسوم الجمركية ضمن إطار ثنائي بين المنامة وواشنطن، وهو الأمر الذي يمنح البحرين امتيازاً تجارياً مقارنة مع باقي الدول الأعضاء في مجلس التعاون، والتي سبق لها أن وقعت اتفاقاً خاصاً بالوحدة الجمركية يحدد قيمة التعرفة الجمركية بخمسة في المائة. وبموجب بنود اتفاقية التجارة الحرة بين البحرين والولايات المتحدة، يمكن للطرفين الحصول، دون دفع أي رسوم جمركية تُذكر، على مائة في المائة من المنتجات المصنعة باستثناء المنسوجات والملابس، إضافة إلى مائة في المائة من صادرات البحرين الزراعية و89 في المائة من الصادرات الزراعية الأمريكية.
إلى جانب ذلك، تمنح الاتفاقية للشركات والمنتجات الأمريكية جملة من الامتيازات التفضيلية من خلال فتح أبواب سوق السلع البحرينية، والتزام الحكومة البحرينية بمنح شركات الخدمات الأمريكية مزيداً من الحرية لدخول قطاع الخدمات البحريني، بما في ذلك قطاعات المال والسياحة والطاقة. غير أن بنود نص الاتفاقية تخرق المبادئ الأساسية، التي يرتكز عليها الاتفاق الاقتصادي الذي صادق عليه المجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي في اجتماعه الذي انعقد بالعاصمة العُمانية مسقط خلال عام 1002، والذي ينص صراحة على أنه «لا يجوز لأي دولة من الدول الأعضاء التعامل مع أي دولة غير عضو (في مجلس التعاون الخليجي) في إطار تفضيلي يتجاوز ما يُمنح، كما هو منصوص عليه ضمن نص الاتفاق للدول الأعضاء. ولا يجوز التوقيع على أي اتفاق ينتهك بنود هذا الاتفاق».
ومن جهة أخرى، ينص الاتفاق، إضافة إلى أمور أخرى كثيرة، على تطبيق رسوم جمركية خارجية موحدة وفرض قيود وإجراءات جمركية مشتركة، إضافة إلى ضرورة إقامة مركز موحد يتولى مهمة تحصيل الرسوم الجمركية وضرورة التعامل مع منتجات الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي على قدم المساواة مع المنتجات المحلية.
وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية الخارجية، يشدد نص الاتفاق على مبدأ المفاوضات الجماعية مع الدول والمنظومات الإقليمية الأخرى خارج منظومة مجلس التعاون الخليجي، وذلك بهدف تأمين الحصول على شروط اتفاقية أفضل.
فوائد اتفاقية التجارة الحرة على المدى القصير
في حين تتوفر العديد من الدوافع الاقتصادية، قد تبرر توقيع البحرين على اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، إلا أنه يبدو أن الشأن السياسي كان له دور محوري في قرار البلدين توقيع الاتفاقية. فالبحرين من جهتها ترى في الاتفاقية حجر الأساس للعلاقات المتعاظمة بينها وبين الولايات المتحدة، ربما في السياق نفسه الذي ساهمت به اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية المعروفة بــ «نافتا» في دعم الروابط البينية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وباعتبار ما تردد على لسان بعض المسؤولين الأمريكيين من أن البحرين تمثل «واحة للتقدم» في قلب منطقة «تهزها رياح التطرف العاتية»، يمكن النظر إلى اتفاقية التجارة الحرة على أنها مكافأة سياسية للدعم القوي الذي ما فتئت مملكة البحرين، وهي التي تستضيف الأسطول الخامس لمشاة البحرية الأمريكية، تقدمه للولايات المتحدة.
ويبدو أيضاً أن الاتفاقية تأتي كخطوة تندرج ضمن جهود واشنطن للمصالحة مع حكومة البحرين بعد أن أصدرت الإدارة الأمريكية تحذيرات من إمكانية تعرض مملكة البحرين لعمليات هجومية على يد جماعات متطرفة ضد المصالح الأمريكية والغربية، كما أن واشنطن أصدرت في شهر يوليو 4002 تعليمات بإجلاء طواقم الدفاع من غير العاملين في فرق الطوارئ وأسرهم، وهو القرار الذي أثار حفيظة المنامة.
وعلى الرغم من أن الاتفاقية تمثل سابقة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي وتعكس الرغبة في إيلاء الأولوية للمصالح الوطنية والمحادثات الثنائية على حساب المصالح الجماعية والمحادثات متعددة الأطراف، فإن رغبة المنامة في تعزيز مكانتها على صعيد الساحة الاقتصادية العالمية وسعيها إلى اجتذاب المزيد من المستثمرين الأجانب، لا شك في أنه يمثل أحد الدوافع التي تقف بقوة وراء توقيعها على اتفاقية التجارة الحرة. فالمنامة كانت دائماً مهتمة بتوطيد علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة تماشياً مع تطور روابطهما السياسية. وباعتبار أن حجم الاحتياطي النفطي للبحرين يمثل أصغر الاحتياطيات بالمقارنة مع باقي دول مجلس التعاون الخليجي، فقد اضطُرت البحرين إلى تنويع قاعدة اقتصادها في وقت مبكر قبل أن تتبنى الدول المجاورة فكرة تنويع الإنتاج الاقتصادي.
وفي الوقت الراهن، تساهم القطاعات المالية والمصرفية والسياحية بشكل ملموس في دفع عجلة نمو الاقتصاد البحريني، غير أنها تواجه منافسة شديدة من قبل اقتصادات باقي دول مجلس التعاون، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة.
علاوة على ذلك، وجدت البحرين نفسها في الفترة الأخيرة في مواجهة سلسلة من الصعوبات الاقتصادية. فالمملكة العربية السعودية اتخذت قراراً في شهر يوليو 4002 بتعليق مساعداتها النفطية للبحرين، والتي تصل إلى حدود خمسين ألف برميل نفط في اليوم، وذلك في انتظار نتائج المحادثات الثنائية حول تقاسم إنتاج الحقل البحري المشترك بمنطقة أبو سعفة. وكانت البحرين التي لا تنتمي إلى منظمة أوبك تحصل وحدها على الإنتاج الإجمالي لحقل أيو سعفة، والذي تبلغ
قدرته الإنتاجية 341 ألف برميل يومياً، إضافة إلى حصولها على 05 ألف برميل نفط يومياً من السعودية، وذلك منذ عام 6991.
وبالتمعن في معطيات هذه الخلفية، يمكن القول إن اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة تمثل مصدراً لابتهاج البحرينيين. وباعتبار الإشادة التي أعربت عنها واشنطن لفتح أسواق البحرين الخدمية للمنتجات الأمريكية «أكثر من أي شريك آخر ضمن اتفاقيات التجارة الحرة»، فإن الاتفاقية الحالية تبدو حبلى بالوعود وتحمل الكثير من البشائر.
الاستفادة الأمريكية
بتوقيعها على اتفاقية التجارة الحرة مع البحرين، تستمر الولايات المتحدة في انتهاج سياستها المعتادة والقائمة على مبدأ التفاوض للتوصل إلى اتفاقيات منفردة مع دول المنطقة عوضاً عن التعامل معها من منطلق أنها تمثل منظومة إقليمية موحدة، وذلك ضمن إطار القواعد التي صاغتها (لجنة الحادي عشر من سبتمبر) بناءً على مبادرة الرئيس جورج بوش التي ترمي إلى تحفيز دول منطقة الشرق الأوسط لتطبيق إصلاحات سياسية واقتصادية داخلية. ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 1002، سعت الولايات المتحدة ولاتزال تسعى إلى إقامة منطقة تجارة حرة في الشرق الأوسط مع حلول عام 3102. وبالإضافة إلى توقيع اتفاقية مع البحرين، وقعت واشنطن اتفاقيتين إضافيتين مع كل من المغرب والأردن، مع العلم أن واشنطن تسعى إلى توقيع اتفاقيات مماثلة مع كل من السعودية والإمارات والكويت وقطر وتونس. غير أن السعودية وبعض الدول العربية الأخرى، مثل الجزائر، يتعين عليها الانتظار إلى حين قبول انضمامها في عضوية منظمة التجارة العالمية.
وعلى الرغم من أن المفاوضات مع دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان حققت تقدماً ملموساً، في حين لا تزال المفاوضات مع الكويت في مراحلها الأولى، فإن جميع دول مجلس التعاون الخليجي تدّعي أنها ملتزمة بمبدأ خوض مفاوضات على المستوى الجماعي وليس الثنائي مع شركائها التجاريين. وينسحب الوضع نفسه على المفاوضات التجارية الجارية حالياً بين دول مجلس التعاون الخليجي والهند بعد توقيع الطرفين على اتفاق إطار للتعاون الاقتصادي في شهر أغسطس 4002.
ومن اللافت للنظر أن نص الاتفاق يتضمن بنداً يقر بأن «الدول الأعضاء لديها حرية القيام بأنشطة اقتصادية ثنائية مع الهند في مختلف المجالات». لكن ومن منطلق أن الولايات المتحدة تمثل أكثر اللاعبين الدوليين في المنطقة تأثيراً وحضوراً، فلا يبدو أن هناك مجالاً لمعارضة مصالحها وإملاءاتها. فبالإضافة إلى حصولها على امتياز تفضيلي لولوج سوق السلع البحرينية، حصلت الولايات المتحدة على التزام من قبل السلطات البحرينية للسماح لشركات الخدمات الأمريكية بتوسيع مشاركتها في السوق الخدمية البحرينية، بما في ذلك قطاع الطاقة. وفي الواقع، فإن الولايات المتحدة تأمل بأن تمثل اتفاقيتها مع البحرين طعماً يجتذب الدول الخليجية الأخرى للتوقيع على اتفاقيات مماثلة.
ومن خلال عقد مفاوضات على الصعيد الثنائي، وبفضل ما تتمتع به من قدرات تفاوضية هائلة، تستطيع الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاقيات تمنح الشركات الأمريكية الفرص والنتائج المنشودة باقتحامها سوق الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو هدف يخدم بطبيعة الحال مصالح كبرى شركات الطاقة الأمريكية، إضافة إلى خدمة مصلحة الأمن القومي الأمريكي.
ومن الواضح أن عزم الولايات المتحدة على الدخول في محادثات ثنائية، يستند إلى قناعتها بأن التعامل مع دول مجلس التعاون الخليجي فرادى، ربما يفضي إلى حصولها على تنازلات من قبل كل دولة على حدة. فالسعودية والكويت وقطر وما تمتلكه هذه الدول من احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، قد لا تقدم تنازلات كبيرة لصالح الولايات المتحدة، خصوصاً أن ملف الاستثمارات الخارجية في قطاعات هذه الدول لا يزال موضع سجال محموم. غير أنه وفي حال اتجهت واشنطن نحو تشجيع الانضمام إلى الاتفاقية الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي وفاوضت الدول الخليجية على أساس جماعي، فقد تضمن دول المجلس التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة تؤطرها بنود تفضيلية. في مثل هذه الحالة، سوف تسهم الاتفاقية في تعزيز المزيد من الانضباط على صعيد القوانين الحاكمة لها، وتؤمّن قاعدة من المعايير العالمية للمنافسة التجارية، إضافة إلى دعمها لمبادئ الشفافية، وتيسير الإجراءات الجمركية والتجارية وتوفير غطاء حماية لحقوق الملكية الفكرية، وتعزيز قوة قوانين العمل، وكذلك دعم المزيد من الجهود الرامية إلى توسيع دائرة استخدام التكنولوجيا والمساهمة في تيسير هبوب رياح العولمة إلى داخل الأسواق المحلية.
وعلى صعيد آخر، سوف تمثل اتفاقية التجارة الحرة خطوة أولية في اتجاه توقيع اتفاقيات دولية إضافية مع عدد من دول العالم التي تربطها علاقات صداقة مع الولايات المتحدة. فسوق الأعمال الأمريكية سوف تستفيد مباشرة من الاتفاقيات الثنائية الست والثلاثين التي وقعتها البحرين مع دول أخرى، إضافة إلى الاستفادة من الروابط التاريخية والاتفاقات التي تجمع البحرين بباقي دول مجلس التعاون الخليجي. فالبحرين سبق لها أن وقعت اتفاقية للتجارة الحرة مع تايلاند، وتجري حالياً مفاوضات للتوقيع على اتفاقية مماثلة مع سنغافورة. وعلى الرغم من محدودية حجم السوق المحلية البحرينية، فإن أسواقاً دولية جديدة وضخمة سوف تفتح أبوابها أمام المنتجات والسلع الأمريكية. وعلى المدى البعيد، من المرجح أن تستمر العلاقات البحرينية ـ الأمريكية على مسارها الحالي، بل من المحتمل جداً أن تتقوى، بفضل اتفاقية التجارة الحرة التي تربطهما، والتي تغطي اثني عشر مجالاً من مجالات الاستثمار، بما في ذلك قطاع التعليم وقطاع المنسوجات والملابس وقطاع الخدمات المالية.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الاتفاقية تأتي في أعقاب تراجع العلاقات الاقتصادية السعودية ـ الأمريكية خلال عام 3002. فالرياض رفضت عرضين أساسيين، تقدمت بهما شركتا الطاقة الأمريكيتان، إيكسون موبيل وكونوكو/فيليبس لتطوير مصادر حقول الغاز الطبيعي في السعودية، وفضلت السلطات الاقتصادية السعودية التوقيع على صفقتين مع الاتحاد الأوروبي وروسيا في مجالي التجارة والطاقة على التوالي. ويبدو أن الرياض سعت من خلال ذلك إلى إرسال إشارة إلى أن مستقبلها الاقتصادي بات اليوم أقل ارتباطاً بالولايات المتحدة مما كانت عليه الحال في العقود السابقة.
نهج الاتحاد الأوروبي
أكدت الولايات المتحدة مؤخراً موقفها، الذي يفضل التفاوض حول اتفاقيات للتجارة الحرة في إطار ثنائي، كما برهنت على ذلك نتائج الملتقى الوزاري لمنظمة التجارة العالمية الذي انعقد بكانكون. ولعل النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة، يمكّنها من حسن استثمار قدراتها التفاوضية الهائلة وفرض ثقلها الاقتصادي في سبيل تأمين شروط تجارية، تخدم مصالحها الذاتية بدرجة أساسية، وهو التكتيك الذي تتبناه حالياً في إدارة علاقاتها التجارية مع دول مجلس التعاون الخليجي.
وعلى النقيض من ذلك، اختار الاتحاد الأوروبي التفاوض حول اتفاقية للتجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي في إطار إقليمي. وقد ساهمت المفاوضات الخليجية مع الاتحاد الأوروبي في دعم التوجه الإقليمي نحو المزيد من الاندماج الاقتصادي على مستوى منطقة الخليج، وهو تطور ساهم الاتحاد الأوروبي في تعزيزه. فعلى سبيل المثال، شكّل قيام وحدة جمركية على صعيد دول مجلس التعاون الخليجي شرطاً مسبقاً فرضه الاتحاد الأوروبي قبل التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة. وبالمعنى نفسه، يرى الاتحاد الأوروبي في عملية الاندماج الخليجي خطوة مهمة، تعبد الطريق نحو توطيد ركائز الاستقرار والازدهار الإقليميين، مع العلم أن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي
استغرقت وقتاً طويلاً، كما هي الحال بالنسبة لجميع المفاوضات الإقليمية، ولم يتم التوقيع على أي بنود اتفاق بين الطرفين بعد.
وفي التحليل النهائي، يمكن تأكيد أن اتفاقية التجارة الحرة بين مملكة البحرين والولايات المتحدة ستعود بالنفع على الطرفين معاً، لكنها في الوقت نفسه ستؤدي إلى التقليل من دور دول مجلس التعاون الخليجي كمنظومة إقليمية.
ومن الواضح أن دول مجلس التعاون الخليجي، يتعين عليها إقرار وتجسيد ضرورة توكيل مهمة إجراء مفاوضاتها التجارية لمؤسسة مجلس التعاون الخليجي، على الأقل في ما برتبط بالمجالات المتفق عليها أصلاً، كما هي الحال بالنسبة للمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي مثلاً. وهكذا باتت الحاجة اليوم ملحة من أجل صياغة اتفاقيات للتجارة الحرة لا تنتهك نصوص الاتفاقيات الاقتصادية، التي تربط دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي تفادي إحداث تصدع في البنيان الإقليمي الخليجي.
::/fulltext::
::cck::2213::/cck::
