المقاومة العراقية.. إلى أين!
::cck::2219::/cck::
::introtext::
شكّل الاندلاع الفوري والمباشر للمقاومة العراقية في مواجهة قوات الاحتلال الأمريكيةعقب احتلال بغداد ميزة استراتيجية حولت اتجاه المعركة في العراق من وضع الدفاع إلى وضع الهجوم من قبل الشعب العراقي، فضلاً عن أن اندلاعها واستمرارها غيّرا اتجاه الصراع في المنطقة من الدفاع الشامل لقوى الممانعة والمقاومة إلى الهجوم العام؛ إذ يمكن القول إن هذا الاندلاع وفق فعاليات وديناميات متصاعدة، هو ما أربك الخطة الاستراتيجية الأمريكية التي استهدفت الانطلاق من احتلال العراق، ومن أرض هذا البلد، نحو إسقاط نظم الحكم في دول أخرى لخمس دول هي: سوريا والسودان وإيران والسعودية ولبنان.
::/introtext::
::fulltext::
شكّل الاندلاع الفوري والمباشر للمقاومة العراقية في مواجهة قوات الاحتلال الأمريكيةعقب احتلال بغداد ميزة استراتيجية حولت اتجاه المعركة في العراق من وضع الدفاع إلى وضع الهجوم من قبل الشعب العراقي، فضلاً عن أن اندلاعها واستمرارها غيّرا اتجاه الصراع في المنطقة من الدفاع الشامل لقوى الممانعة والمقاومة إلى الهجوم العام؛ إذ يمكن القول إن هذا الاندلاع وفق فعاليات وديناميات متصاعدة، هو ما أربك الخطة الاستراتيجية الأمريكية التي استهدفت الانطلاق من احتلال العراق، ومن أرض هذا البلد، نحو إسقاط نظم الحكم في دول أخرى لخمس دول هي: سوريا والسودان وإيران والسعودية ولبنان.
لكن هذا الاندلاع والتصاعد في قدرة المقاومة من دون رؤية استراتيجية واضحة ومحددة لها، حمل في طياته مضامين أنتجت تحديات ذات طابع استراتيجي للمقاومة على الأرض العراقية ذاتها، انعكست في التأثير على تطورات المعركة في المرحلة التالية، خاصة وأن المقاومة لم تطرح برنامجاً سياسياً محدداً لمدة ثلاث سنوات يفصل رؤيتها لتحرير العراق. لقد ظهرت بعض فصائل المقاومة العراقية بأفق تحرير (الوطن) العراقي، لكنها كانت في بعض من رؤيتها وقيادتها وحالتها التنظيمية ومناطق انتشارها (طائفية) الطابع. كما وجد بعضها الآخر نفسه دون حافز من الأطراف والأطياف في منطقتي الجنوب والشمال، يمكن أن يُساهم في إعلاء البُعد الوطني العام لدى المقاومة التي بدأت – وفق رؤية مذهبية – ويدفعها إلى تغيير توجهاتها، والخروج من هذا المأزق، الذي شكل تحدياً هو الأخطر في مواجهة تلك المقاومة، خاصة وأن الحاضن السكاني للمقاومة في مناطق الوسط تعرض لتهجير قسري داخل العراق وخارجه. وكذلك باعتبار أن بعض دول الجوار ساهمت في إذكاء البعد المذهبي داخل المجتمع العراقي تنفيذاً لاستراتيجيتها ومصالحها داخل العراق، وخاصة إيران.
سمات المقاومة العراقية
كان اندلاع المقاومة مفاجئاً، وجاءت بدايته متوازنة بين جوانبها السياسية والجماهيرية والعسكرية. فلقد شهد العراق خلال فترة ما بعد الاحتلال مظاهرات جماهيريةترفض الاحتلال، وتندد بعدم الاهتمام بالخدمات، كما شمل بروز قيادات وهيئات سياسية (مدافعة) عن حق المقاومة وشرعيتها-كان أبرزها هيئة علماء المسلمين- إضافة إلى الفعل الميداني العسكري المتدفق للمقاومة العراقية والفصائل المناهضة للاحتلال.
وخلال تلك المرحلة، تمكنت المقاومة من تبديد الهزيمة النفسية التي حدثت جراء الاحتلال، وتمكنت أيضاً من اكتساب شرعيتها الداخلية ومن تحقيق إنجازات مهمة، أهمها: تحقيق الانعزال السياسي والنفسي بين قوات الاحتلال والشعب العراقي، وتعرية المبررات التي ساقها الاحتلال لتنفيذ عملية الغزو، كما نجحت المقاومة في تحقيق تعرية للقوات الأمريكية من غطاء الدول الأخرى التي سحبت قواتها من العراق تحت ضربات المقاومة. وقد تمكنت المقاومة أيضاً من دفع الشعب الأمريكي للتململ ثم الرفض لبقاء قوات بلاده في العراق، إلى درجة التأثير في نتائج انتخابات تجديد مجلسي النواب والشيوخ في عام 2006.
غير أن المقاومة وجدت نفسها رويداً رويداً في مواجهة مع حالة طائفية (خاصة بعد الضربات التي تعرضت لها حركات المقاومة في الجنوب والشمال، كما هي الحال في حركة الصدر في الوسط والجنوب وحركة أنصار الإسلام في الشمال) بما أعطى قوات الاحتلال فرصة تركيز الجهد العسكري على مناطق نشاط المقاومة (الوسط)، كما وجدت المقاومة نفسها (وحيدة) بسبب خمود الحركة الجماهيرية الشعبية المساندة، إضافة إلى أنها باتت في مواجهة تعقيدات عسكرية أعلى، بحكم الدور الإيراني داخل العراق من جهة، ومن جهة ثانية زيادة عدد قوات الاحتلال الأمريكية في العراق إثر قرار الرئيس الأمريكي جورج بوش في عام 2007.
وما زاد من تأثير هذه المقاومة هو عدم امتلاك رؤية استراتيجية متكاملة في أغلب تنظيماتها؛ ما جعلها تُقبل على خوض معارك أثرت في قدراتها، كما هي الحال في معركة الفلوجة الثانية التي اعتمدت الدفاع الثابت عن منطقة صغيرة محاصرة، وكذلك كان بعضها بلا خطط ولا استراتيجيات كما هي حال (التيار الصدري) الذي تعرض لضربات قاسية أثرت في مواقفه السياسية ونقلته من النقيض إلى النقيض، وهكذا. كانت تلك التطورات هي الأساس الذي أربك الاندفاع الأول، رغم كل الإنجازات الاستراتيجية المتحققة على الأرض، ورغم إضعافها لعدوها.
وفي تفسير هذه الحالة يمكن القول:
1- إن عملية الحظر الجوي التي نفذتها القوات الجوية الأمريكية على الطيران العراقي في شمال العراق وجنوبه، لم تؤثر في قدرة الدولة المركزية العراقية على تمكين سيطرتها في هاتين المنطقتين فقط، بل أثرت أيضاً في تكوين المجتمع العراقي من زاوية نمو الجماعات السياسية المذهبية والانفصالية على حساب المجموعات الوطنية ذات الرؤية التوحيدية. وهو ما ظهر تأثيره بشكل كبير ومؤثر على وجود فعال للمقاومة العراقية في الجنوب والشمال، خاصة مع سيطرة الأحزاب الكردية الانفصالية على الشمال، وسيطرة بعض الجماعات المذهبية على الجنوب، وتعاون هذه وتلك مع قوات الاحتلال من جهة، ومع إيران من جهة أخرى، وكلا الطرفين ليس في صالحه بروز توجهات وطنية مقاومة (جامعة) لأهل العراق.
2- إن استمرار المجتمع العراقي في حالة استنفار وصراعات عسكرية منذ الثمانينات (حرب الخليج الأولى) وحتى عام 2003، أثر في ذهنية الفرد العراقي في الميل إلى التعامل العسكري مع فكرة المقاومة أو إلى تغليب العمل العسكري على ما عداه، وهو ما كان سبباً مباشراً ومميزاً جعل المقاومة المسلحة تندلع في اليوم الثاني للاحتلال، إلا أنه من زاوية أخرى أثر سلباً من ناحية الاهتمام بالجوانب السياسية والإعلامية والجماهيرية لهذه المقاومة، والتي هي جوانب أكثر قدرة على مواجهة الفعل التفكيكي للمجتمع العراقي، وأيضاً مواجهة خطة الاحتلال لإحداث الفتن الداخلية.
3- زاد من تلك الحالة – أو من قلة اهتمام المقاومة العراقية بالعمل السياسي والجماهيري والإعلامي مقارنة باهتمامها بالعمل العسكري – أن المجتمع العراقي لم يكن يشهد نشاطاً سياسياً وجماهيرياً وإعلامياً منفتحاً ومنظماً على أسس مستقلة عن الدولة قبل الاحتلال (هذا الأمر ذاته هو أحد المؤثرات السلبية في التكوينات السياسية التي تعاونت مع الاحتلال).
4- بطبيعة الحال فإن الصراع المذهبي والعرقي الذي ظهر بشكل أوضح بعد الاحتلال – بما أعاق توسع المقاومة وشمولها – كان قد ساهم في زيادة حالة الوجود والدور الإيراني من جهة، والأبعاد التاريخية للصراعات في شمال العراق، التي غزتها من قبل المخابرات الصهيونية والأمريكية قبل الاحتلال.
5-وهنا كان البعد المذهبي (السني) الذي ظهرت عليه إحدى الجماعات المسلحة –تنظيم القاعدة –وفق رؤية تكفيرية للشيعة وانفصالية بإعلان قيام (دولة) في وسط العراق و(استبعادية) في التعامل مع فصائل المقاومة، عاملاً آخر موازياً وفاعلاً في دفع قطاعات من السكان إلى تغيير انحيازاتهم ولو مؤقتاً، مما أدى إلى بروز ظاهرة (الصحوات).
6- يضاف إلى ذلك، أن نشأة المقاومة العراقية بشكل واسع ومندفع من دون قيادة بارزة وتنظيم بارز أنتجت حالة واسعة من الفعل والتعدد في التنظيمات مختلفة الاتجاهات والرؤى والخبرات، وهو وإن كان ظاهرة شهدتها كل المقاومات التي واجهت احتلالاً في كل بلد، إلا أنه كان ظاهرة واسعة بعض الشيء في العراق بحكم أوضاع المجتمع ولأهمية هذا البلد استراتيجياً بما دفع لتدخلات واسعة من المحيط.

المرحلة الحالية في العراق
في قراءة لصورة الأوضاع الراهنة في العراق توطئة لتلمس رؤية مستقبلية لأوضاع المقاومة العراقية، تبدو الملامح والسمات الرئيسية في الوقت الراهن محددة في التالي:
أولاً: وضع قوات الاحتلال
وصلت خطة الاحتلال إلى هزيمة استراتيجية في ما يتعلق بأهداف السيطرة والإدارة للعراق على أساس حالة أمنه حالياً ومستقبلياً لاستمرار الاحتلال وتنفيذ أهدافه الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية، بحكم تفشي الظاهرة الانقسامية في العملية السياسية التي استحدثتها في حكم العراق المحتل، وبالنظر إلى أن (جهاز الدولة الجديد) الذي عملت على تشكيله والإنفاق عليه صار جهاز دولة مخترقاً من قِبل أطراف إقليمية، إضافة إلى عدم فاعليته في السيطرة على المجتمع والمقاومة، كما تواجه قوات الاحتلال مشكلة استراتيجية تتعلق بتغلغل الدور الإيراني المنافس لقوة الاحتلال الأمريكي ونفوذه على الأرض. وهكذا، فإضافة إلى الفشل الاستراتيجي الذي مُنيت به الخطة الاستراتيجية في المنطقة، فإن عملية احتلال العراق تحولت إلى حالة استنزاف سياسي واقتصادي وعسكري ولسمعة الولايات المتحدة في المنطقة بفعل استمرار المقاومة وتخطيها بعض التحديات، خاصة على صعيد مشكلة الاهتمام بالدور السياسي والإعلامي وعلى صعيد التعددية المعوقة للقوة.
لكن إشكالية الاحتلال ومأزقه لم يعودا متوقفين عند حدود الأوضاع في العراق، بل تخطياها إلى التأثير في القوة العسكرية الأمريكية دولياً، وفي الاقتصاد الأمريكي ليصبحا العامل الأساسي في المعركة الانتخابية على مقعد الرئاسة الأمريكية، حيث تؤكد استطلاعات للرأي العام الأمريكي حدوث انقلاب في الرأي العام الأمريكي بشأن بقاء القوات الأمريكية في العراق لأسباب تتعلق بالخسائر التي مُنيت بها القدرة الأمريكية دولياً وعسكرياً، ولتأثر الاقتصاد الأمريكي إلى درجة الكساد. وبشكل أكثر دقة نقول لقد أصبحت بيد المقاومة العراقية درجة أعلى من التأثير في نتائج الانتخابات الأمريكية بما يمكن أن ينعكس إيجاباً على تحقيق أهداف المقاومة في انسحاب القوات الأمريكية.
ثانياً: الوضع في شمال العراق
لا يزال شمال العراق على حاله من زاوية سيطرة الحزبين الكرديين المتعصبين على التأثير السياسي والعسكري والثقافي في الإقليم، غير أن المرحلة الماضية شهدت متغيرات عدة:
أولاً: دخول تركيا على خط التأثير المباشر في أوضاع الإقليم حالياً ومستقبلياً، وهو دخول جرى في صيغة عسكرية خلال مطاردة حزب العمال الكردستاني التركي في المناطق الشمالية في العراق إلا أنه أحدث تحولات مهمة، أبرزها أنه جرى وفق توافق مع قوات الاحتلال الأمريكي بما شكّل السابقة الأولى لسماح القوات الأمريكية للقوات التركية باجتياز (حدود الإقليم) – حدود العراق الشمالية- وهو ما أربك أو لبّد سماء العلاقات الكردية – الأمريكية إلى درجة رفض مسعود البارزاني لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية خلال زيارتها التي أعقبت الاجتياح التركي. كما أنه جاء حاملاً بشارات ذات طابع استراتيجي على استعداد تركيا للتدخل العسكري في الإقليم في حالة (شعور) تركيا باحتمالات استقلال الإقليم عن العراق – باعتباره أمراً يهدد الاستقرار في المجتمع التركي – بالقدر نفسه الذي أوضح استعداد تركيا للتدخل في حال ضم كركوك لإقليم كردستان العراق للزوايا (التاريخية) المعروفة.
ثانياً: تخلخل علاقة التحالف التي جرت بين الأحزاب الكردية المتعصبة مع الكتل الشيعية المشاركة في العملية السياسية التي شكلتها سلطة الاحتلال. فلقد شهدت العملية السياسية التي أقامها الاحتلال تحالفاً بين القائمة الكردية وقائمة التحالف الشيعي الموحد، نتج عنها وصول جلال الدين الطالباني إلى مقعد الرئاسة، وتولى مسعود البارزاني رئاسة إقليم كردستان، كما نتج عنها إقرار (الفيدرالية) وتمتع الإقليم بحالة من النشوة والاستقرار السياسي. غير أن بعض الأطراف في الجنوب – المسيطرة على الحكومة الحالية – والمرتبطة بإيران، باتت تبدي ضيقاً من تصرفات إقليم الشمال بشأن التصرفات (الانفصالية) وتخطي صلاحيات (الحكومة المركزية) بشأن قضايا البترول وغيرها، وهو ما ظهر جلياً في عقد بعض التحالفات الجديدة بين القوائم الكردية والأخرى المرتبطة جماهيرياً بمناطق الوسط.
ثالثاً: عودة ظهور تنظيم (أنصار الإسلام) للنشاط، وهو إن كان نشاطاً غير بارز بشكل كبير في الإعلام إلا أنه يمثل تحولاً نوعياً في حالة الشمال وطبيعة الاستقرار فيه.
ثالثاً: الوضع في جنوب العراق
بعد احتلال القوات الأمريكية لبغداد وإنهاء الوجود الوطني المستقل لمؤسسات الدولة العراقية، ظهرت الأوضاع في جنوب العراق وكأنها حالة موحدة في القرار والرؤية والتوجه، خاصة مع بروز دور السيد السيستاني كمرجعية عامة للقرار في الجنوب أو على صعيد الطائفة الشيعية. كما جرى الاندفاع عبر الممثلين السياسيين (الطائفيين) للسيطرة على الحكم في العراق وعلى جهاز الدولة العراقي الجديد الذي بدأ الاحتلال بتشييده وفق أسس تمكن الاحتلال من البقاء والاستقرار، وهو ما جرى على محاور عدة:
أولاً: المساهمة في العملية السياسية للاحتلال وفق قائمة موحدة، أعلن أنها حصلت على مرتبة القوة الانتخابية تصويتاً في الانتخابات التي جرت في عام 2006، وهو ما ترجم في تشكيل الحكومة العراقية تحت الاحتلال، وتولي قيادتها.
ثانياً: تغلغل الأحزاب والميليشيات في جهاز الدولة الجديد من خلال فصل الكوادر المهنية العراقية في أجهزة الدولة واستبدالها بعناصر من هذه الأحزاب أو من خلال السيطرة على الشرطة والجيش العراقيين قيادة وتوجيهاً.
ثالثاً: استخدام أجهزة الدولة العراقية في إحداث تحول في الواقع العراقي وهويته التاريخية وثقافة المجتمع وتكويناته وخريطة تركزاته وتوزيعاته السكانية.
غير أن أحداثاً كثيرة جرت، غيّرت من هذه الحالة، يمكن إجمالها في التالي:
1- الظهور المؤثر لجيش المهدي وحركة الصدر التي طرحت شعارات ورؤى سياسية شكلت في الخط العام رؤية مواجهة للاحتلال، وهي حركة إن كانت شاركت في عمليات التصفية الطائفية، إلا أنها أحرجت المجموعات الأخرى (خاصة حركة بدر)، وطرحت مواقف أخرى من داخل الصف الشيعي ضد الاحتلال، وهو ما ظل الخط العام لها خاصة بعد أن جرت (معارك البصرة) في إبريل الماضي، التي أعادت تثبيت هذه الرؤية وتفعيل عوامل التوحد الوطني ضد الاحتلال.
2- دخول العلاقات الإيرانية-الأمريكية في حالة مواجهة بسبب البرنامج النووي الإيراني، انعكست على الأوضاع في العراق، وبصفة خاصة على مناطق الجنوب، بما أدى إلى حدوث تباينات في المواقف بين الأحزاب المؤتلفة ضمن القائمة الموحدة.
3- دور المقاومة العراقية وصمودها الذي أثر إيجاباً في الروح الوطنية للمواطنين العراقيين كافة، وبشكل خاص في مناطق الجنوب والشمال، إن لم يكن بقوة فعلها المواجهة فلإصرارها على تحرير العراق (كله)، وهو ما أعطى مصداقية للأطروحات السياسية الداعية لمواجهة الاحتلال.
4- فشل حكومات الاحتلال في تحقيق ما توقعه مواطنو الجنوب من (سيطرة الشيعة على الحكم) – الحكومة والبرلمان ومختلف الأجهزة التنفيذية – مما انعكس سلباً على الأطروحات الجوهرية للجماعات السياسية التي تحالفت أو تعاونت مع الاحتلال وحشدت الجمهور للتصويت، وجاء رفضاً لممارساتها ودورها والتفافاً حول تيار الصدر الرافض لها.
5- دور العشائر العربية ودور العشائر بصفة عامة التي شكلت حاضناً مهماً في التحرك الوطني، والتي أصدرت وثيقة وقّعت عليها قيادات العشائر ضد الاحتلال،كما قام وفد منها بزيارة الجامعة العربية بالقاهرة للدفاع عن وحدة العراق وعروبته في مارس الماضي.
وفي ظل هذه العوامل جرت تغيرات مهمة في تلك الصيغة:
أولاً: تحولت الظاهرة الشيعية المستقرة إلى حالة متصارعة تصل إلى حد الاقتتال، سواء بين من هم في الحكم، وميليشيات الصدر أو ميليشيات الصدر وميليشيات حركة بدر، وهو ما جاء على خلفية من ضرورات الصراع مع الاحتلال.
ثانياً: تعرضت الحكومة لحالة اهتزاز شديد، ضمن إطار اللعبة السياسية الجارية، إذ انسحب وزراء الصدر ونوابه مرات عدة وعادوا إلى الحكومة.
ثالثاً: تطور ضعف التحالف إلى حالة أعقد بين الأطياف الأخرى، إذ أصبحت مواقف أحزاب الفضيلة وغيرها مواقف متذبذبة أيضاً.
رابعاً: لم يعد بالإمكان الوصول إلى حالة إجماع للقوى السياسية الطائفية المذهبية على فكرة السيطرة على الدولة وفق رؤية استبعادية، كما زادت عوامل القوة لفكرة مواجهة الاحتلال على رؤية التعاون معه لنيل مكاسب فئوية أو مناطقية أو مذهبية أو طائفية.
رابعاً: العراق ودول الجوار
سجلت المقاومة نجاحاً استراتيجياً على صعيد يتخطى البعد العراقي إلى البعدين العربي والإسلامي؛ فهي التي أوقفت زحف الدبابات الأمريكية عند حدود العراق من خلال المعارك داخله.
وفي المقابل فإن المقاومة العراقية لم تتلق دعماً من الدول التي أنقذت المقاومة نظمها، وفي بعض الحالات لعبت تلك الدول دوراً سلبياً تجاه المقاومة العراقية. والأمر الواضح أن استراتيجية إيران قامت على استثمارات إسقاط الاحتلال لنظام الرئيس العراقي صدام حسين، للتمدد في العراق وفق صيغة (اتفاق – صراع) مع قوات الاحتلال، بما جعلها إجمالاً في غير صف المقاومة، بل عامل ضغط عليها. وفي تعامل النظام الرسمي العربي مع المقاومة، فإن الاعتراف بالمقاومة ممثلاً شرعياً للعراق لم يلق قبولاً حتى الآن، إن لم نقل إن الاعتراف بالحكومة التي نصّبها الاحتلال كان هو الفعل العملي، خاصة مع وصول بعض السفراء العرب إلى بغداد.
إلا أن التقييم الموضوعي الأشمل يظهر أن التعاطف مع المقاومة ودعمها لم يكونا فعلاً شعبياً فقط، وإنما تخطياه على نحو ما إلى بعض الدور الرسمي من بعض النظم العربية، سواء من خلال التسامح مع إقامة قيادات معارضة للاحتلال وداعمة للمقاومة على أراضي تلك الدول –رغم الضغوط الأمريكية- أو من خلال فتح المجالات الإعلامية بهذه الطريقة أو تلك للإعلان عن المقاومة ونشاطاتها أو من خلال بعض أنشطة الجامعة العربية..إلخ.
خامساً: الوضع الدولي
إذا كان الوضع العربي وحالة دول الجوار على هذا النحو، فإن الوضع الدولي في صيغته الرسمية لم يتحرك حتى الآن باتجاه مساند للفعل الشعبي العراقي المقاوم، رغم تصاعد المواقف الشعبية الرافضة للاحتلال في مختلف دول العالم، فلقد رفضت فرنسا وروسيا والصين بطريقة أو أخرى إعطاء مشروعية للعدوان الأمريكي على العراق من خلال مجلس الأمن، غير أن المواقف التالية لذلك لم تتطور بعد إلى مطالبة واضحة بالانسحاب الأمريكي من العراق أو الاعتراف بالمقاومة العراقية.
سادساً: المقاومة والتحديات
تمثلت التحديات التي واجهت المقاومة عند نشأتها في فكرة العفوية والمذهبية وتغليب الجهد العسكري على السياسي والجماهيري، كما كان عدم توحد المقاومة إحدى مشكلاتها. غير أن مسيرة المقاومة شهدت تطورات مهمة ذللت فيها بعض هذه التحديات:
أولاً: تغيير النظرة لفكرة المقاومة، إذ نجحت المقاومة في ولوج طريق العمل الإعلامي والنجاح فيه على نحو فاعل، مما جعل القيادات الأمريكية تراها أصبحت أكثر تأثيراً من أجهزة الإعلام الأمريكي وفق تصريحات عديدة لوزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد. وكذلك تغيرت نظرة المقاومة عند كثير من فصائلها لمسألة الإطار السياسي لها، وفي ذلك نشأ المجلس السياسي للمقاومة معبراً عن فصائل عدة من المقاومة.
ثانياً: حققت المقاومة تطوراً كبيراً على صعيد أشكال التوحد بين فصائلها التي نشأت بشكل منفرد، إذ أصبحنا أمام ثلاثة أو أربعة كيانات عامة هي (جبهة الجهاد والتغيير، وجبهة الجهاد والإصلاح).
ثالثاً: إن المقاومة استفادت من تجاربها رغم صعوبة المعركة وتعقيداتها وضراوتها- بفعل وصول قوات أمريكية جديدة ووجود حوار إيراني-أمريكي حول العراق وغيرها-وباتت عملياتها ضد قوات الاحتلال أكثر حرفية وقوة وتأثيراً.
رابعاً: كان للالتزام الشديد من قبل المقاومة وعدم الانجرار في فخ الصراع الداخلي وثباتها على مبدأ الصراع مع الاحتلال وحده، دور كبير في إضعاف احتمالات تحول الحالة الطائفية والمذهبية إلى حرب أهلية، كما ساهم موقف المقاومة هذا في إضعاف التحالفات التي قامت على أسس مذهبية وإضعاف دور جهاز الدولة الذي شيده الاحتلال.
سابعاً: مستقبل المقاومة العراقية
رغم تلك النجاحات على مستوى علاقات المقاومة وفكرها واستراتيجيتها ووضعها التنظيمي، فإن التحديات التي ستحدد طريقة المقاومة في التعامل معها مستقبلاً، لا تزال متمثلة في تحدي الطائفية وعدم الانتشار في رقعة ومساحة الوطن، وكذلك في تحدي مجالس الصحوات التي باتت ذراعاً آخر يُضاف إلى المشاركين في العملية السياسية في منطقة وسط العراق، وبالإضافة إلى تحدي العلاقات مع دول الجوار والنظام الرسمي العربي.
وأخيراً لقد أثبتت المقاومة وجودها، وأنهت قدرة الخصم الاستراتيجي على استخدام القوة المسلحة للقضاء عليها، كما نجحت في نقل المعركة إلى أرض الخصم سياسياً، لكنها لا تزال على مستوى المجتمع العراقي غير قادرة على مواجهة تحدي المذهبية في داخلها والطائفية في المجتمع، وتحدي إيجاد صيغة للتعامل مع دول الجوار (خاصة إيران)، وتحدي التعامل مع النظام الرسمي العربي، بالإضافة إلى ما هو مطلوب منها من صياغة رؤية استراتيجية لعراق ما بعد التحرير، خاصة في ظل المخاوف المطروحة باحتمال لجوء الاحتلال إلى انسحاب مباغت يترك فراغاً قد يؤدي إلى حرب أهلية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2219::/cck::
::introtext::
شكّل الاندلاع الفوري والمباشر للمقاومة العراقية في مواجهة قوات الاحتلال الأمريكيةعقب احتلال بغداد ميزة استراتيجية حولت اتجاه المعركة في العراق من وضع الدفاع إلى وضع الهجوم من قبل الشعب العراقي، فضلاً عن أن اندلاعها واستمرارها غيّرا اتجاه الصراع في المنطقة من الدفاع الشامل لقوى الممانعة والمقاومة إلى الهجوم العام؛ إذ يمكن القول إن هذا الاندلاع وفق فعاليات وديناميات متصاعدة، هو ما أربك الخطة الاستراتيجية الأمريكية التي استهدفت الانطلاق من احتلال العراق، ومن أرض هذا البلد، نحو إسقاط نظم الحكم في دول أخرى لخمس دول هي: سوريا والسودان وإيران والسعودية ولبنان.
::/introtext::
::fulltext::
شكّل الاندلاع الفوري والمباشر للمقاومة العراقية في مواجهة قوات الاحتلال الأمريكيةعقب احتلال بغداد ميزة استراتيجية حولت اتجاه المعركة في العراق من وضع الدفاع إلى وضع الهجوم من قبل الشعب العراقي، فضلاً عن أن اندلاعها واستمرارها غيّرا اتجاه الصراع في المنطقة من الدفاع الشامل لقوى الممانعة والمقاومة إلى الهجوم العام؛ إذ يمكن القول إن هذا الاندلاع وفق فعاليات وديناميات متصاعدة، هو ما أربك الخطة الاستراتيجية الأمريكية التي استهدفت الانطلاق من احتلال العراق، ومن أرض هذا البلد، نحو إسقاط نظم الحكم في دول أخرى لخمس دول هي: سوريا والسودان وإيران والسعودية ولبنان.
لكن هذا الاندلاع والتصاعد في قدرة المقاومة من دون رؤية استراتيجية واضحة ومحددة لها، حمل في طياته مضامين أنتجت تحديات ذات طابع استراتيجي للمقاومة على الأرض العراقية ذاتها، انعكست في التأثير على تطورات المعركة في المرحلة التالية، خاصة وأن المقاومة لم تطرح برنامجاً سياسياً محدداً لمدة ثلاث سنوات يفصل رؤيتها لتحرير العراق. لقد ظهرت بعض فصائل المقاومة العراقية بأفق تحرير (الوطن) العراقي، لكنها كانت في بعض من رؤيتها وقيادتها وحالتها التنظيمية ومناطق انتشارها (طائفية) الطابع. كما وجد بعضها الآخر نفسه دون حافز من الأطراف والأطياف في منطقتي الجنوب والشمال، يمكن أن يُساهم في إعلاء البُعد الوطني العام لدى المقاومة التي بدأت – وفق رؤية مذهبية – ويدفعها إلى تغيير توجهاتها، والخروج من هذا المأزق، الذي شكل تحدياً هو الأخطر في مواجهة تلك المقاومة، خاصة وأن الحاضن السكاني للمقاومة في مناطق الوسط تعرض لتهجير قسري داخل العراق وخارجه. وكذلك باعتبار أن بعض دول الجوار ساهمت في إذكاء البعد المذهبي داخل المجتمع العراقي تنفيذاً لاستراتيجيتها ومصالحها داخل العراق، وخاصة إيران.
سمات المقاومة العراقية
كان اندلاع المقاومة مفاجئاً، وجاءت بدايته متوازنة بين جوانبها السياسية والجماهيرية والعسكرية. فلقد شهد العراق خلال فترة ما بعد الاحتلال مظاهرات جماهيريةترفض الاحتلال، وتندد بعدم الاهتمام بالخدمات، كما شمل بروز قيادات وهيئات سياسية (مدافعة) عن حق المقاومة وشرعيتها-كان أبرزها هيئة علماء المسلمين- إضافة إلى الفعل الميداني العسكري المتدفق للمقاومة العراقية والفصائل المناهضة للاحتلال.
وخلال تلك المرحلة، تمكنت المقاومة من تبديد الهزيمة النفسية التي حدثت جراء الاحتلال، وتمكنت أيضاً من اكتساب شرعيتها الداخلية ومن تحقيق إنجازات مهمة، أهمها: تحقيق الانعزال السياسي والنفسي بين قوات الاحتلال والشعب العراقي، وتعرية المبررات التي ساقها الاحتلال لتنفيذ عملية الغزو، كما نجحت المقاومة في تحقيق تعرية للقوات الأمريكية من غطاء الدول الأخرى التي سحبت قواتها من العراق تحت ضربات المقاومة. وقد تمكنت المقاومة أيضاً من دفع الشعب الأمريكي للتململ ثم الرفض لبقاء قوات بلاده في العراق، إلى درجة التأثير في نتائج انتخابات تجديد مجلسي النواب والشيوخ في عام 2006.
غير أن المقاومة وجدت نفسها رويداً رويداً في مواجهة مع حالة طائفية (خاصة بعد الضربات التي تعرضت لها حركات المقاومة في الجنوب والشمال، كما هي الحال في حركة الصدر في الوسط والجنوب وحركة أنصار الإسلام في الشمال) بما أعطى قوات الاحتلال فرصة تركيز الجهد العسكري على مناطق نشاط المقاومة (الوسط)، كما وجدت المقاومة نفسها (وحيدة) بسبب خمود الحركة الجماهيرية الشعبية المساندة، إضافة إلى أنها باتت في مواجهة تعقيدات عسكرية أعلى، بحكم الدور الإيراني داخل العراق من جهة، ومن جهة ثانية زيادة عدد قوات الاحتلال الأمريكية في العراق إثر قرار الرئيس الأمريكي جورج بوش في عام 2007.
وما زاد من تأثير هذه المقاومة هو عدم امتلاك رؤية استراتيجية متكاملة في أغلب تنظيماتها؛ ما جعلها تُقبل على خوض معارك أثرت في قدراتها، كما هي الحال في معركة الفلوجة الثانية التي اعتمدت الدفاع الثابت عن منطقة صغيرة محاصرة، وكذلك كان بعضها بلا خطط ولا استراتيجيات كما هي حال (التيار الصدري) الذي تعرض لضربات قاسية أثرت في مواقفه السياسية ونقلته من النقيض إلى النقيض، وهكذا. كانت تلك التطورات هي الأساس الذي أربك الاندفاع الأول، رغم كل الإنجازات الاستراتيجية المتحققة على الأرض، ورغم إضعافها لعدوها.
وفي تفسير هذه الحالة يمكن القول:
1- إن عملية الحظر الجوي التي نفذتها القوات الجوية الأمريكية على الطيران العراقي في شمال العراق وجنوبه، لم تؤثر في قدرة الدولة المركزية العراقية على تمكين سيطرتها في هاتين المنطقتين فقط، بل أثرت أيضاً في تكوين المجتمع العراقي من زاوية نمو الجماعات السياسية المذهبية والانفصالية على حساب المجموعات الوطنية ذات الرؤية التوحيدية. وهو ما ظهر تأثيره بشكل كبير ومؤثر على وجود فعال للمقاومة العراقية في الجنوب والشمال، خاصة مع سيطرة الأحزاب الكردية الانفصالية على الشمال، وسيطرة بعض الجماعات المذهبية على الجنوب، وتعاون هذه وتلك مع قوات الاحتلال من جهة، ومع إيران من جهة أخرى، وكلا الطرفين ليس في صالحه بروز توجهات وطنية مقاومة (جامعة) لأهل العراق.
2- إن استمرار المجتمع العراقي في حالة استنفار وصراعات عسكرية منذ الثمانينات (حرب الخليج الأولى) وحتى عام 2003، أثر في ذهنية الفرد العراقي في الميل إلى التعامل العسكري مع فكرة المقاومة أو إلى تغليب العمل العسكري على ما عداه، وهو ما كان سبباً مباشراً ومميزاً جعل المقاومة المسلحة تندلع في اليوم الثاني للاحتلال، إلا أنه من زاوية أخرى أثر سلباً من ناحية الاهتمام بالجوانب السياسية والإعلامية والجماهيرية لهذه المقاومة، والتي هي جوانب أكثر قدرة على مواجهة الفعل التفكيكي للمجتمع العراقي، وأيضاً مواجهة خطة الاحتلال لإحداث الفتن الداخلية.
3- زاد من تلك الحالة – أو من قلة اهتمام المقاومة العراقية بالعمل السياسي والجماهيري والإعلامي مقارنة باهتمامها بالعمل العسكري – أن المجتمع العراقي لم يكن يشهد نشاطاً سياسياً وجماهيرياً وإعلامياً منفتحاً ومنظماً على أسس مستقلة عن الدولة قبل الاحتلال (هذا الأمر ذاته هو أحد المؤثرات السلبية في التكوينات السياسية التي تعاونت مع الاحتلال).
4- بطبيعة الحال فإن الصراع المذهبي والعرقي الذي ظهر بشكل أوضح بعد الاحتلال – بما أعاق توسع المقاومة وشمولها – كان قد ساهم في زيادة حالة الوجود والدور الإيراني من جهة، والأبعاد التاريخية للصراعات في شمال العراق، التي غزتها من قبل المخابرات الصهيونية والأمريكية قبل الاحتلال.
5-وهنا كان البعد المذهبي (السني) الذي ظهرت عليه إحدى الجماعات المسلحة –تنظيم القاعدة –وفق رؤية تكفيرية للشيعة وانفصالية بإعلان قيام (دولة) في وسط العراق و(استبعادية) في التعامل مع فصائل المقاومة، عاملاً آخر موازياً وفاعلاً في دفع قطاعات من السكان إلى تغيير انحيازاتهم ولو مؤقتاً، مما أدى إلى بروز ظاهرة (الصحوات).
6- يضاف إلى ذلك، أن نشأة المقاومة العراقية بشكل واسع ومندفع من دون قيادة بارزة وتنظيم بارز أنتجت حالة واسعة من الفعل والتعدد في التنظيمات مختلفة الاتجاهات والرؤى والخبرات، وهو وإن كان ظاهرة شهدتها كل المقاومات التي واجهت احتلالاً في كل بلد، إلا أنه كان ظاهرة واسعة بعض الشيء في العراق بحكم أوضاع المجتمع ولأهمية هذا البلد استراتيجياً بما دفع لتدخلات واسعة من المحيط.

المرحلة الحالية في العراق
في قراءة لصورة الأوضاع الراهنة في العراق توطئة لتلمس رؤية مستقبلية لأوضاع المقاومة العراقية، تبدو الملامح والسمات الرئيسية في الوقت الراهن محددة في التالي:
أولاً: وضع قوات الاحتلال
وصلت خطة الاحتلال إلى هزيمة استراتيجية في ما يتعلق بأهداف السيطرة والإدارة للعراق على أساس حالة أمنه حالياً ومستقبلياً لاستمرار الاحتلال وتنفيذ أهدافه الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية، بحكم تفشي الظاهرة الانقسامية في العملية السياسية التي استحدثتها في حكم العراق المحتل، وبالنظر إلى أن (جهاز الدولة الجديد) الذي عملت على تشكيله والإنفاق عليه صار جهاز دولة مخترقاً من قِبل أطراف إقليمية، إضافة إلى عدم فاعليته في السيطرة على المجتمع والمقاومة، كما تواجه قوات الاحتلال مشكلة استراتيجية تتعلق بتغلغل الدور الإيراني المنافس لقوة الاحتلال الأمريكي ونفوذه على الأرض. وهكذا، فإضافة إلى الفشل الاستراتيجي الذي مُنيت به الخطة الاستراتيجية في المنطقة، فإن عملية احتلال العراق تحولت إلى حالة استنزاف سياسي واقتصادي وعسكري ولسمعة الولايات المتحدة في المنطقة بفعل استمرار المقاومة وتخطيها بعض التحديات، خاصة على صعيد مشكلة الاهتمام بالدور السياسي والإعلامي وعلى صعيد التعددية المعوقة للقوة.
لكن إشكالية الاحتلال ومأزقه لم يعودا متوقفين عند حدود الأوضاع في العراق، بل تخطياها إلى التأثير في القوة العسكرية الأمريكية دولياً، وفي الاقتصاد الأمريكي ليصبحا العامل الأساسي في المعركة الانتخابية على مقعد الرئاسة الأمريكية، حيث تؤكد استطلاعات للرأي العام الأمريكي حدوث انقلاب في الرأي العام الأمريكي بشأن بقاء القوات الأمريكية في العراق لأسباب تتعلق بالخسائر التي مُنيت بها القدرة الأمريكية دولياً وعسكرياً، ولتأثر الاقتصاد الأمريكي إلى درجة الكساد. وبشكل أكثر دقة نقول لقد أصبحت بيد المقاومة العراقية درجة أعلى من التأثير في نتائج الانتخابات الأمريكية بما يمكن أن ينعكس إيجاباً على تحقيق أهداف المقاومة في انسحاب القوات الأمريكية.
ثانياً: الوضع في شمال العراق
لا يزال شمال العراق على حاله من زاوية سيطرة الحزبين الكرديين المتعصبين على التأثير السياسي والعسكري والثقافي في الإقليم، غير أن المرحلة الماضية شهدت متغيرات عدة:
أولاً: دخول تركيا على خط التأثير المباشر في أوضاع الإقليم حالياً ومستقبلياً، وهو دخول جرى في صيغة عسكرية خلال مطاردة حزب العمال الكردستاني التركي في المناطق الشمالية في العراق إلا أنه أحدث تحولات مهمة، أبرزها أنه جرى وفق توافق مع قوات الاحتلال الأمريكي بما شكّل السابقة الأولى لسماح القوات الأمريكية للقوات التركية باجتياز (حدود الإقليم) – حدود العراق الشمالية- وهو ما أربك أو لبّد سماء العلاقات الكردية – الأمريكية إلى درجة رفض مسعود البارزاني لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية خلال زيارتها التي أعقبت الاجتياح التركي. كما أنه جاء حاملاً بشارات ذات طابع استراتيجي على استعداد تركيا للتدخل العسكري في الإقليم في حالة (شعور) تركيا باحتمالات استقلال الإقليم عن العراق – باعتباره أمراً يهدد الاستقرار في المجتمع التركي – بالقدر نفسه الذي أوضح استعداد تركيا للتدخل في حال ضم كركوك لإقليم كردستان العراق للزوايا (التاريخية) المعروفة.
ثانياً: تخلخل علاقة التحالف التي جرت بين الأحزاب الكردية المتعصبة مع الكتل الشيعية المشاركة في العملية السياسية التي شكلتها سلطة الاحتلال. فلقد شهدت العملية السياسية التي أقامها الاحتلال تحالفاً بين القائمة الكردية وقائمة التحالف الشيعي الموحد، نتج عنها وصول جلال الدين الطالباني إلى مقعد الرئاسة، وتولى مسعود البارزاني رئاسة إقليم كردستان، كما نتج عنها إقرار (الفيدرالية) وتمتع الإقليم بحالة من النشوة والاستقرار السياسي. غير أن بعض الأطراف في الجنوب – المسيطرة على الحكومة الحالية – والمرتبطة بإيران، باتت تبدي ضيقاً من تصرفات إقليم الشمال بشأن التصرفات (الانفصالية) وتخطي صلاحيات (الحكومة المركزية) بشأن قضايا البترول وغيرها، وهو ما ظهر جلياً في عقد بعض التحالفات الجديدة بين القوائم الكردية والأخرى المرتبطة جماهيرياً بمناطق الوسط.
ثالثاً: عودة ظهور تنظيم (أنصار الإسلام) للنشاط، وهو إن كان نشاطاً غير بارز بشكل كبير في الإعلام إلا أنه يمثل تحولاً نوعياً في حالة الشمال وطبيعة الاستقرار فيه.
ثالثاً: الوضع في جنوب العراق
بعد احتلال القوات الأمريكية لبغداد وإنهاء الوجود الوطني المستقل لمؤسسات الدولة العراقية، ظهرت الأوضاع في جنوب العراق وكأنها حالة موحدة في القرار والرؤية والتوجه، خاصة مع بروز دور السيد السيستاني كمرجعية عامة للقرار في الجنوب أو على صعيد الطائفة الشيعية. كما جرى الاندفاع عبر الممثلين السياسيين (الطائفيين) للسيطرة على الحكم في العراق وعلى جهاز الدولة العراقي الجديد الذي بدأ الاحتلال بتشييده وفق أسس تمكن الاحتلال من البقاء والاستقرار، وهو ما جرى على محاور عدة:
أولاً: المساهمة في العملية السياسية للاحتلال وفق قائمة موحدة، أعلن أنها حصلت على مرتبة القوة الانتخابية تصويتاً في الانتخابات التي جرت في عام 2006، وهو ما ترجم في تشكيل الحكومة العراقية تحت الاحتلال، وتولي قيادتها.
ثانياً: تغلغل الأحزاب والميليشيات في جهاز الدولة الجديد من خلال فصل الكوادر المهنية العراقية في أجهزة الدولة واستبدالها بعناصر من هذه الأحزاب أو من خلال السيطرة على الشرطة والجيش العراقيين قيادة وتوجيهاً.
ثالثاً: استخدام أجهزة الدولة العراقية في إحداث تحول في الواقع العراقي وهويته التاريخية وثقافة المجتمع وتكويناته وخريطة تركزاته وتوزيعاته السكانية.
غير أن أحداثاً كثيرة جرت، غيّرت من هذه الحالة، يمكن إجمالها في التالي:
1- الظهور المؤثر لجيش المهدي وحركة الصدر التي طرحت شعارات ورؤى سياسية شكلت في الخط العام رؤية مواجهة للاحتلال، وهي حركة إن كانت شاركت في عمليات التصفية الطائفية، إلا أنها أحرجت المجموعات الأخرى (خاصة حركة بدر)، وطرحت مواقف أخرى من داخل الصف الشيعي ضد الاحتلال، وهو ما ظل الخط العام لها خاصة بعد أن جرت (معارك البصرة) في إبريل الماضي، التي أعادت تثبيت هذه الرؤية وتفعيل عوامل التوحد الوطني ضد الاحتلال.
2- دخول العلاقات الإيرانية-الأمريكية في حالة مواجهة بسبب البرنامج النووي الإيراني، انعكست على الأوضاع في العراق، وبصفة خاصة على مناطق الجنوب، بما أدى إلى حدوث تباينات في المواقف بين الأحزاب المؤتلفة ضمن القائمة الموحدة.
3- دور المقاومة العراقية وصمودها الذي أثر إيجاباً في الروح الوطنية للمواطنين العراقيين كافة، وبشكل خاص في مناطق الجنوب والشمال، إن لم يكن بقوة فعلها المواجهة فلإصرارها على تحرير العراق (كله)، وهو ما أعطى مصداقية للأطروحات السياسية الداعية لمواجهة الاحتلال.
4- فشل حكومات الاحتلال في تحقيق ما توقعه مواطنو الجنوب من (سيطرة الشيعة على الحكم) – الحكومة والبرلمان ومختلف الأجهزة التنفيذية – مما انعكس سلباً على الأطروحات الجوهرية للجماعات السياسية التي تحالفت أو تعاونت مع الاحتلال وحشدت الجمهور للتصويت، وجاء رفضاً لممارساتها ودورها والتفافاً حول تيار الصدر الرافض لها.
5- دور العشائر العربية ودور العشائر بصفة عامة التي شكلت حاضناً مهماً في التحرك الوطني، والتي أصدرت وثيقة وقّعت عليها قيادات العشائر ضد الاحتلال،كما قام وفد منها بزيارة الجامعة العربية بالقاهرة للدفاع عن وحدة العراق وعروبته في مارس الماضي.
وفي ظل هذه العوامل جرت تغيرات مهمة في تلك الصيغة:
أولاً: تحولت الظاهرة الشيعية المستقرة إلى حالة متصارعة تصل إلى حد الاقتتال، سواء بين من هم في الحكم، وميليشيات الصدر أو ميليشيات الصدر وميليشيات حركة بدر، وهو ما جاء على خلفية من ضرورات الصراع مع الاحتلال.
ثانياً: تعرضت الحكومة لحالة اهتزاز شديد، ضمن إطار اللعبة السياسية الجارية، إذ انسحب وزراء الصدر ونوابه مرات عدة وعادوا إلى الحكومة.
ثالثاً: تطور ضعف التحالف إلى حالة أعقد بين الأطياف الأخرى، إذ أصبحت مواقف أحزاب الفضيلة وغيرها مواقف متذبذبة أيضاً.
رابعاً: لم يعد بالإمكان الوصول إلى حالة إجماع للقوى السياسية الطائفية المذهبية على فكرة السيطرة على الدولة وفق رؤية استبعادية، كما زادت عوامل القوة لفكرة مواجهة الاحتلال على رؤية التعاون معه لنيل مكاسب فئوية أو مناطقية أو مذهبية أو طائفية.
رابعاً: العراق ودول الجوار
سجلت المقاومة نجاحاً استراتيجياً على صعيد يتخطى البعد العراقي إلى البعدين العربي والإسلامي؛ فهي التي أوقفت زحف الدبابات الأمريكية عند حدود العراق من خلال المعارك داخله.
وفي المقابل فإن المقاومة العراقية لم تتلق دعماً من الدول التي أنقذت المقاومة نظمها، وفي بعض الحالات لعبت تلك الدول دوراً سلبياً تجاه المقاومة العراقية. والأمر الواضح أن استراتيجية إيران قامت على استثمارات إسقاط الاحتلال لنظام الرئيس العراقي صدام حسين، للتمدد في العراق وفق صيغة (اتفاق – صراع) مع قوات الاحتلال، بما جعلها إجمالاً في غير صف المقاومة، بل عامل ضغط عليها. وفي تعامل النظام الرسمي العربي مع المقاومة، فإن الاعتراف بالمقاومة ممثلاً شرعياً للعراق لم يلق قبولاً حتى الآن، إن لم نقل إن الاعتراف بالحكومة التي نصّبها الاحتلال كان هو الفعل العملي، خاصة مع وصول بعض السفراء العرب إلى بغداد.
إلا أن التقييم الموضوعي الأشمل يظهر أن التعاطف مع المقاومة ودعمها لم يكونا فعلاً شعبياً فقط، وإنما تخطياه على نحو ما إلى بعض الدور الرسمي من بعض النظم العربية، سواء من خلال التسامح مع إقامة قيادات معارضة للاحتلال وداعمة للمقاومة على أراضي تلك الدول –رغم الضغوط الأمريكية- أو من خلال فتح المجالات الإعلامية بهذه الطريقة أو تلك للإعلان عن المقاومة ونشاطاتها أو من خلال بعض أنشطة الجامعة العربية..إلخ.
خامساً: الوضع الدولي
إذا كان الوضع العربي وحالة دول الجوار على هذا النحو، فإن الوضع الدولي في صيغته الرسمية لم يتحرك حتى الآن باتجاه مساند للفعل الشعبي العراقي المقاوم، رغم تصاعد المواقف الشعبية الرافضة للاحتلال في مختلف دول العالم، فلقد رفضت فرنسا وروسيا والصين بطريقة أو أخرى إعطاء مشروعية للعدوان الأمريكي على العراق من خلال مجلس الأمن، غير أن المواقف التالية لذلك لم تتطور بعد إلى مطالبة واضحة بالانسحاب الأمريكي من العراق أو الاعتراف بالمقاومة العراقية.
سادساً: المقاومة والتحديات
تمثلت التحديات التي واجهت المقاومة عند نشأتها في فكرة العفوية والمذهبية وتغليب الجهد العسكري على السياسي والجماهيري، كما كان عدم توحد المقاومة إحدى مشكلاتها. غير أن مسيرة المقاومة شهدت تطورات مهمة ذللت فيها بعض هذه التحديات:
أولاً: تغيير النظرة لفكرة المقاومة، إذ نجحت المقاومة في ولوج طريق العمل الإعلامي والنجاح فيه على نحو فاعل، مما جعل القيادات الأمريكية تراها أصبحت أكثر تأثيراً من أجهزة الإعلام الأمريكي وفق تصريحات عديدة لوزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد. وكذلك تغيرت نظرة المقاومة عند كثير من فصائلها لمسألة الإطار السياسي لها، وفي ذلك نشأ المجلس السياسي للمقاومة معبراً عن فصائل عدة من المقاومة.
ثانياً: حققت المقاومة تطوراً كبيراً على صعيد أشكال التوحد بين فصائلها التي نشأت بشكل منفرد، إذ أصبحنا أمام ثلاثة أو أربعة كيانات عامة هي (جبهة الجهاد والتغيير، وجبهة الجهاد والإصلاح).
ثالثاً: إن المقاومة استفادت من تجاربها رغم صعوبة المعركة وتعقيداتها وضراوتها- بفعل وصول قوات أمريكية جديدة ووجود حوار إيراني-أمريكي حول العراق وغيرها-وباتت عملياتها ضد قوات الاحتلال أكثر حرفية وقوة وتأثيراً.
رابعاً: كان للالتزام الشديد من قبل المقاومة وعدم الانجرار في فخ الصراع الداخلي وثباتها على مبدأ الصراع مع الاحتلال وحده، دور كبير في إضعاف احتمالات تحول الحالة الطائفية والمذهبية إلى حرب أهلية، كما ساهم موقف المقاومة هذا في إضعاف التحالفات التي قامت على أسس مذهبية وإضعاف دور جهاز الدولة الذي شيده الاحتلال.
سابعاً: مستقبل المقاومة العراقية
رغم تلك النجاحات على مستوى علاقات المقاومة وفكرها واستراتيجيتها ووضعها التنظيمي، فإن التحديات التي ستحدد طريقة المقاومة في التعامل معها مستقبلاً، لا تزال متمثلة في تحدي الطائفية وعدم الانتشار في رقعة ومساحة الوطن، وكذلك في تحدي مجالس الصحوات التي باتت ذراعاً آخر يُضاف إلى المشاركين في العملية السياسية في منطقة وسط العراق، وبالإضافة إلى تحدي العلاقات مع دول الجوار والنظام الرسمي العربي.
وأخيراً لقد أثبتت المقاومة وجودها، وأنهت قدرة الخصم الاستراتيجي على استخدام القوة المسلحة للقضاء عليها، كما نجحت في نقل المعركة إلى أرض الخصم سياسياً، لكنها لا تزال على مستوى المجتمع العراقي غير قادرة على مواجهة تحدي المذهبية في داخلها والطائفية في المجتمع، وتحدي إيجاد صيغة للتعامل مع دول الجوار (خاصة إيران)، وتحدي التعامل مع النظام الرسمي العربي، بالإضافة إلى ما هو مطلوب منها من صياغة رؤية استراتيجية لعراق ما بعد التحرير، خاصة في ظل المخاوف المطروحة باحتمال لجوء الاحتلال إلى انسحاب مباغت يترك فراغاً قد يؤدي إلى حرب أهلية.
::/fulltext::
::cck::2219::/cck::
