تأثيرات الحرب الأمريكية في مستقبل العراق والمنطقة
::cck::2235::/cck::
::introtext::
لا يمكن الحديث عن المستقبل وتحدياته من دون التطرق إلى الماضي وتداعياته. فالمستقبل والماضي يرتبطان برباط وثيق هو النتائج، التي يجب ألا تغيب عن أذهاننا عندما نحاول استقراء ما يحدث في منطقتنا في ضوء احتلال أمريكي للعراق مرت عليه 5 سنوات، وقد يمتد لسنوات أخرى لا يعلمها أحد في ظل تضارب رؤى الجمهوريين والديمقراطيين حول الوجود الأمريكي العسكري في العراق أو الانسحاب منه.
::/introtext::
::fulltext::
لا يمكن الحديث عن المستقبل وتحدياته من دون التطرق إلى الماضي وتداعياته. فالمستقبل والماضي يرتبطان برباط وثيق هو النتائج، التي يجب ألا تغيب عن أذهاننا عندما نحاول استقراء ما يحدث في منطقتنا في ضوء احتلال أمريكي للعراق مرت عليه 5 سنوات، وقد يمتد لسنوات أخرى لا يعلمها أحد في ظل تضارب رؤى الجمهوريين والديمقراطيين حول الوجود الأمريكي العسكري في العراق أو الانسحاب منه.
إن تحديات المستقبل في ضوء هذا الاحتلال كثيرة ومتشعبة، ولعل أهمها هو مستقبل العراق ذاته ومشكلة علاقاته مع جيرانه في منطقة الخليج وإيران وامتداده العربي ثم الدولي، فهذه الحرب أثرت مما لا شك فيه في العلاقات الخليجية على ثلاثة مستويات:
الأول: من جهة العلاقات الخليجية – العراقية.
الثاني: على العلاقات الخليجية – الأمريكية.
الثالث: بخصوص العلاقات الخليجية – الإيرانية.
تسعى الدول الخليجية إلى نشر الاستقرار والهدوء في العراق وإعادته إلى الحظيرة العربية
فعلى المستوى الأول تسعى الدول الخليجية إلى نشر الاستقرار والهدوء في العراق وإعادته إلى الحظيرة العربية وإلى سابق عهده لما قبل احتلاله لدولة الكويت وتحييده والعمل على احتواء ظواهر الاحتلال الأمريكي الخطيرة سواء على مستوى التقسيم أو بث الفتنة المذهبية والطائفية أو نشر بذور الحرب الأهلية، فكل هذا سيؤثر حتماً في الجيران الخليجيين الذين سيتأثرون بهذه الرياح.
وعلى المستوى الثاني أصبحت العلاقات الخليجية – الأمريكية محل تشكيك وشكوك في الوقت نفسه. فالولايات المتحدة خانت عهدها للقادة الخليجيين منذ احتلالها للعراق، فالهدف الأول والأخير لها قبل الحرب هو الإطاحة بصدام حسين ثم إنهاء المهمة بسرعة وتسليم المهمة إلى حكومة مركزية وهو ما لم تنفذه الولايات المتحدة، ووضعت المنطقة بأكملها على سطح صفيح ساخن، مما ألهب الأجواء في المنطقة، وجعلت العلاقات متشابكة ومتوترة في أحيان كثيرة، ناهيك عن تكلفة الحرب التي تحاول الإدارة الأمريكية تحميلها للدول الخليجية.
وعلى المستوى الثالث والمتعلق بالعلاقات الخليجية – الإيرانية فهي تبدو وكأنها تسير على رمال متحركة، فالتدخلات الإيرانية في شؤون دول المنطقة العربية لا تقود إلى تقوي العلاقات بين الطرفين. فإيران أصبحت ممثلة رئيسية في معظم مشكلات المنطقة ابتداء بالوضع الكارثي في قطاع غزة الذي ارتبط بإيران منذ صعود حركة حماس الإسلامية إلى سدة الحكم في الأراضي الفلسطينية، وهناك الأزمة اللبنانية التي تلعب فيها إيران دوراً لا يقل خطورة عن تدخلاتها في الشؤون الفلسطينية، ثم أمامنا المثل الأوضح وهو العراق الذي أصبحت أراضيه مكاناً خصباً لمعركة خفية بين إيران والولايات المتحدة.
ولعلنا نتساءل أيضاً ونحن نتحدث عن تأثيرات الحرب الأمريكية في العراق عن مستقبل العراق نفسه: هل سيظل موحداً أم سيمر بمرحلة التقسيم والانفصال؟ وهي المرحلة التي تسبقها حالة التشرذم والحرب الأهلية وإن بدا العراق الآن يمر بمرحلة الحرب الأهلية في ظل تصاعد عمليات العنف والإرهاب والاشتباكات المستمرة بين أطيافه ومذاهبه المختلفة. ويجرنا هذا إلى التذكير بما سبق أن طرحه هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق قبل أكثر من ثلاثة عقود وحتى قبل أن يصبح مستشاراً للأمن القومي ووزيراً للخارجية، حيث رأى آنذاك أهمية تفتيت دول المنطقة وليس العراق وحده وإنما بلدان الشرق الأوسط عبر رؤيته الخاصة لكي لا تكون هناك أغلبية ليصبح الكل أقليات في محاولة لإعطاء إسرائيل دوراً متميزاً فيها عبر تقسيم الدول العربية إلى دويلات ضعيفة سواء تحكمها الهوية الدينية أو العرقية أو المذهبية أو الطائفية أو هوية ذات بعد مناطقي أو جيو- استراتيجي. وقد استكمل مستشار الأمن القومي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي ما خطط له كيسنجر ثم عمل الاثنان معاً – كيسنجر وبريجنسكي – على تأسيس نظرية الهوية الأحادية للدولة في مناطق الشرق الأوسط بتقسيم الكيانات القائمة إلى دويلات مصغرة ومجزأة لتسهل السيطرة عليها وعلى ثرواتها وحماية أمن إسرائيل.
هذا الموجز التاريخي عن المخططات الأمريكية لتقسيم العراق يلقي بظلاله على خيارات إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بشأن مستقبل العراق لاسيما ما نلحظه من تخبط في سياساتها خلال السنوات الخمس الماضية منذ احتلالها للعراق، ففي جعبة هذه الإدارة الكثير من الخطط ومشروعات التقسيم مثل مشروع جوزيف بايدن السيناتور الديمقراطي بشأن تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات: شيعية وكردية وسنية تحت مظلة حكومة مركزية واحدة وبشرط أن تكون ضعيفة. وتعمل إدارة بوش جاهدة على تكريس وضع الانقسام في العراق في ضوء نظرية يتبناها دعاة التقسيم، وتقول هذه النظرية إن الدولة المركزية ونموذجها (نظام صدام حسين) سيؤديان إلى الدكتاتورية والاستبداد لا محالة، وبالتالي لا بد من تفكيك الدولة المركزية لأسباب عديدة (من وجهة نظرهم) من بينها:
* إن تطبيق الفيدرالية وتقسيم العراق سيقضيان على الإرهاب. لذا فإنه لا بد من تفكيك الدولة المركزية وجعلها لا مركزية.
* تفكيك الدولة المركزية سيؤدي إلى القضاء على الهوية الدينية (موجة العنف الطائفي).
* تفكيك الدولة المركزية سيقود حتماً إلى القضاء على قوة العراق وعدم تهديده مرة أخرى لجيرانه.
ومن هنا تظهر أهمية أن يبحث العراقيون هذه القضية الخطيرة التي ترتبط بمستقبلهم مباشرة وستؤثر حتماً فيهم لأن دعاة التقسيم في الإدارة الأمريكية يراهنون على الوقت للشروع بوضع اللمسات الأخيرة له، فالمسألة أصبحت مسألة وقت فقط تتحين فيه واشنطن الفرصة لتنفيذ مخططها بتقسيم العراق وتحويله على دويلات ضعيفة ومفككة تسهل السيطرة عليها جميعاً.
تقسيم المنطقة بالكامل
من المؤكد أن خطط تقسيم العراق لن تستهدف العراق وحده لأن المشاريع الانقسامية التي وضعها الأمريكيون والغرب لتقسيم المنطقة طوال السنوات الماضية استهدفت تفتيت بلدانها ودولها، ويعمل مركز (راند) التابع لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) منذ سنوات على إعادة بحث هذه المشروعات ووضع الخرائط الجديدة لها مثلما خرج بحثه في عام 2002 لتقسيم المملكة العربية السعودية إلى مناطق حجازية تتولى أمور الحجيج ونجدية تحت إشراف الأسرة المالكة وشرقية تسيطر على منابع ومنافذ النفط. كما لم يترك الغرب والولايات المتحدة فرصة لتأجيج الصراع بين المسلمين والأقباط في الدول العربية مثل مصر والسودان الذي يتعرض لخطط هو الآخر لتقسيمه وتفتيته بدعوى صراع إقليم دارفور. وهناك اتحاد المغرب العربي الذي لم تلتئم قمته منذ سنوات بسبب خلافات واهية بين القادة والنزاع على منطقة الصحراء الغربية بين حكومة المغرب والبوليساريو. ثم ما حدث مؤخراً في الأراضي الفلسطينية حيث تدخلت أطراف كثيرة في الخلاف الفلسطيني الداخلي لتحدث المأساة وينفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. ويجرنا الحديث أيضاً إلى الأزمة اللبنانية الناشبة منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وما أعقبها مثل الحرب الإسرائيلية على لبنان وتصاعد الخلاف بين الأغلبية والأقلية. وأخيراً يتوارد كثيراً الحديث عن منطقة (الهلال الشيعي) الذي سيؤدي حتماً إلى تقسيم آخر للدول العربية وما يقابله من انطلاق مشروع الدولة الكردية الكبرى والذي لا يقل خطورة هو الآخر عن الهلال الشيعي.
الإرهاب.. تطور طبيعي لمشروعات التقسيم
وتقودنا مخططات تقسيم العراق مباشرة إلى الحديث عن ظاهرة الإرهاب، فهي نتيجة طبيعية لما تخطط له الإدارة الأمريكية لتقسيم بلاد الرافدين وإحدى النتائج المباشرة لاحتلال العراق. وهي الظاهرة التي انبثقت منها نتيجة خطيرة أدت إلى التناحر باتجاه الحرب الأهلية المستمرة. وليس أدل على ذلك من المعارك الشيعية – الشيعية التي اندلعت في العراق مؤخراً، فهذه المعارك تصاعدت حدتها بين قوات الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي رئيس الوزراء الشيعي وميليشيا جيش المهدي التابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر في ظل الصراع الشيعي – الشيعي للسيطرة على مدينة البصرة وأجزاء من العاصمة بغداد. وخطورة هذه المعارك أنها امتدت إلى العديد من المدن العراقية مثل الحلة والكوت وغيرهما من المدن الشيعية. تضاف إلى ذلك خطورة أخرى تتمثل في دعوة المالكي لهذه الجماعات المسلحة إلى الاستسلام أو الموت مما يكشف عن شقاق حاد بين صفوف الأغلبية الشيعية في العراق منذ صعودهم إلى قمة السلطة وهو صراع قد يمتد نظراً لمخاوف أنصار التيار الصدري من أن القوات الحكومية تحاول التخلص منهم والقضاء على شوكتهم قبل حلول موعد الانتخابات المقرر إجراؤها في جنوب العراق في وقت لاحق من العام الحالي. ويعد هذا صراعاً جديداً في العراق، فالمعتاد خلال الفترة الماضية هو حدوث اشتباكات بين السنة والشيعة وليس بين الشيعة أنفسهم مما ينذر باستحداث فصل جديد من الحرب الأهلية في هذا البلد الذي حطمته الحرب والاحتلال الأمريكي. وتتزامن مع ذلك ظاهرة العنف والعمليات الانتحارية وشلالات الدم في العراق وهو ما لا نراه في أي مجتمع آخر. فلا يمكن أن تبني دولة عصرية أو ديمقراطية في ظل انتشار الميليشيات والعمليات الانتحارية بالصورة التي توجد في العراق. وإذا كان هناك مشروع دولة فلا بد لها أن تحتكر استخدام السلاح وحدها وتتولى كحكومة مركزية حق فرض القانون.
أسس قيام العراق الحديث
هذا الوضع السيئ يفرض سؤالاً رئيسياً هو ما السبيل لتجاوز الوضع الراهن؟ والحل يتوقف على اتفاق الأطراف السياسية الرئيسية من داخل العملية السياسية في العراق وأخرى من خارجها على أربعة مبادئ أساسية هي:
* انسحاب القوات المحتلة من العراق على أساس وضع جدول زمني للانسحاب.
* تتولى الأمم المتحدة إدارة شؤون العراق بالتعاون مع حكومة عراقية لمدة زمنية يتفق عليها وتكون حكومة محايدة، وأن تحظى بدعم إقليمي ودولي على إعادة الإعمار.
* إجراء الانتخابات على أساس التعددية وعبر قانون انتخابي جديد.
* توزيع الثروات بشكل عادل وخاصة موضوع النفط والغاز الذي ينبغي أن يكون تحت إشراف السلطة الاتحادية. وأن يخضع الجيش للسلطة الاتحادية التي لها الحق في الإشراف على القوات المسلحة في كل العراق، أي أن يكون لكل العراق جيش واحد مركزي.
ولكن قبل أن تتأزم الأمور وتصل إلى طريق مسدود أمام الولايات المتحدة في حال فشل استراتيجيتها العسكرية والسياسية في العراق والبدء في الانسحاب منه فاعتقد أنه على الولايات المتحدة أن تفكر في مستقبل هذا البلد وألا تتركه هدية خالصة لإيران، فهي تعلم أن إيران تتدخل في الشأن العراقي عبر وسائل متعددة. وكلنا يعلم أيضاً أن إيران ترفض الاحتلال الأمريكي للعراق والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ورأيها واضح في هذه المسألة فهي لا تريد حدوداً مع الولايات المتحدة عبر العراق لأنه إذا نجح مشروع الاحتلال في العراق فإنه سيتمدد لتصبح إيران وبلدان أخرى أهدافاً جديدة، ناهيك عن الأطماع الإيرانية التاريخية في العراق. لذا تسعى إيران إلى الحصول على مركز متميز للنفوذ لتكون اللاعب الرئيسي في العراق وذلك عبر قوى وجماعات سياسية قريبة مذهبياً منها أو حتى بعيدة لتكون يديها في مواجهة الولايات المتحدة. وهذا يستدعي أن تعمل الولايات المتحدة قبل انسحابها وخروج قواتها من العراق على الحصول على تعهد إيراني عبر صفقة إيرانية- أمريكية حول العراق أساسها انسحاب الجيش الأمريكي من العراق مقابل تعهد إيران بعدم التدخل في شؤون العراق، وهذا الأمر من شأنه التأكيد على:
* مسألة حسن الجوار بين العراق وإيران. وهي مسألة تصب مباشرة في مصلحة مشروع إيران السياسي الاستراتيجي البعيد المدى علاوة على خدمة المشروع الوطني العراقي.
* من مصلحة إيران أن تقيم علاقات طيبة مع العراقيين ومن مصلحة العراقيين أيضاً بكل تياراتهم واتجاهاتهم أن يكون لديهم عمق استراتيجي في إيران. فإيران الصديق المرغوب أفضل من عدو محتمل وخصم قائم وجار غادر والعكس صحيح أيضا بالنسبة لإيران.
ومن المؤكد أن ولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش تقترب من نهايتها، وهو لن يتمكن بعد من إرساء دعائم الحرية والديمقراطية سواء في بلاد الرافدين أو في دولة منطقة الشرق الأوسط الكبير كما أدعى من قبل. ولا نقصد هنا الديمقراطية الحقيقية كما يفهمها العالم الحر، لكننا نشير فقط إلى ديمقراطية بوش.
دعاة التقسيم في الإدارة الأمريكية يراهنون على الوقت للشروع بوضع اللمسات الأخيرة له
الخسائر الأمريكية
أياً كان الوضع فإن حرب بوش في العراق ستبقى شاغلاً لخليفته، كما أنها قد تلعب دوراً حاسماً في انتخاب هذا الأخير. وعندما سيجلس الرئيس القادم في المكتب البيضاوي سيكون سؤاله الرئيسي هو (هل سيقرر سحب الجنود من العراق كما وعد المرشحان الديمقراطيان هيلاري كلينتون وباراك أوباما؟ أم سيبقيهم هناك فترة غير محددة كما وعد منافسهما الجمهوري جون ماكين؟). فالخسائر الأمريكية عديدة على كافة المستويات مثل:
* عسكرياً: ارتفع عدد القتلى من العسكريين الأمريكيين مع حلول الذكرى الخامسة للحرب ليناهز الأربعة آلاف قتيل.
* مادياً: يؤكد الاقتصادي جوزف ستيجلتز الحائز على جائزة نوبل في كتاب مثير للجدل شارك في تأليفه أن تكلفة الحرب بلغت ثلاثة آلاف مليار دولار.
* نفسياًً: أحدثت الحرب شرخاً عميقاً بين الأمريكيين، فبعد أن أيدوها بشكل ساحق في البداية يسود الاعتقاد بينهم أنها كانت خطأ، خاصة بعدما أظهرت الوقائع عدم وجود أي صلة بين صدام حسين وشبكة القاعدة مع عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2235::/cck::
::introtext::
لا يمكن الحديث عن المستقبل وتحدياته من دون التطرق إلى الماضي وتداعياته. فالمستقبل والماضي يرتبطان برباط وثيق هو النتائج، التي يجب ألا تغيب عن أذهاننا عندما نحاول استقراء ما يحدث في منطقتنا في ضوء احتلال أمريكي للعراق مرت عليه 5 سنوات، وقد يمتد لسنوات أخرى لا يعلمها أحد في ظل تضارب رؤى الجمهوريين والديمقراطيين حول الوجود الأمريكي العسكري في العراق أو الانسحاب منه.
::/introtext::
::fulltext::
لا يمكن الحديث عن المستقبل وتحدياته من دون التطرق إلى الماضي وتداعياته. فالمستقبل والماضي يرتبطان برباط وثيق هو النتائج، التي يجب ألا تغيب عن أذهاننا عندما نحاول استقراء ما يحدث في منطقتنا في ضوء احتلال أمريكي للعراق مرت عليه 5 سنوات، وقد يمتد لسنوات أخرى لا يعلمها أحد في ظل تضارب رؤى الجمهوريين والديمقراطيين حول الوجود الأمريكي العسكري في العراق أو الانسحاب منه.
إن تحديات المستقبل في ضوء هذا الاحتلال كثيرة ومتشعبة، ولعل أهمها هو مستقبل العراق ذاته ومشكلة علاقاته مع جيرانه في منطقة الخليج وإيران وامتداده العربي ثم الدولي، فهذه الحرب أثرت مما لا شك فيه في العلاقات الخليجية على ثلاثة مستويات:
الأول: من جهة العلاقات الخليجية – العراقية.
الثاني: على العلاقات الخليجية – الأمريكية.
الثالث: بخصوص العلاقات الخليجية – الإيرانية.
تسعى الدول الخليجية إلى نشر الاستقرار والهدوء في العراق وإعادته إلى الحظيرة العربية
فعلى المستوى الأول تسعى الدول الخليجية إلى نشر الاستقرار والهدوء في العراق وإعادته إلى الحظيرة العربية وإلى سابق عهده لما قبل احتلاله لدولة الكويت وتحييده والعمل على احتواء ظواهر الاحتلال الأمريكي الخطيرة سواء على مستوى التقسيم أو بث الفتنة المذهبية والطائفية أو نشر بذور الحرب الأهلية، فكل هذا سيؤثر حتماً في الجيران الخليجيين الذين سيتأثرون بهذه الرياح.
وعلى المستوى الثاني أصبحت العلاقات الخليجية – الأمريكية محل تشكيك وشكوك في الوقت نفسه. فالولايات المتحدة خانت عهدها للقادة الخليجيين منذ احتلالها للعراق، فالهدف الأول والأخير لها قبل الحرب هو الإطاحة بصدام حسين ثم إنهاء المهمة بسرعة وتسليم المهمة إلى حكومة مركزية وهو ما لم تنفذه الولايات المتحدة، ووضعت المنطقة بأكملها على سطح صفيح ساخن، مما ألهب الأجواء في المنطقة، وجعلت العلاقات متشابكة ومتوترة في أحيان كثيرة، ناهيك عن تكلفة الحرب التي تحاول الإدارة الأمريكية تحميلها للدول الخليجية.
وعلى المستوى الثالث والمتعلق بالعلاقات الخليجية – الإيرانية فهي تبدو وكأنها تسير على رمال متحركة، فالتدخلات الإيرانية في شؤون دول المنطقة العربية لا تقود إلى تقوي العلاقات بين الطرفين. فإيران أصبحت ممثلة رئيسية في معظم مشكلات المنطقة ابتداء بالوضع الكارثي في قطاع غزة الذي ارتبط بإيران منذ صعود حركة حماس الإسلامية إلى سدة الحكم في الأراضي الفلسطينية، وهناك الأزمة اللبنانية التي تلعب فيها إيران دوراً لا يقل خطورة عن تدخلاتها في الشؤون الفلسطينية، ثم أمامنا المثل الأوضح وهو العراق الذي أصبحت أراضيه مكاناً خصباً لمعركة خفية بين إيران والولايات المتحدة.
ولعلنا نتساءل أيضاً ونحن نتحدث عن تأثيرات الحرب الأمريكية في العراق عن مستقبل العراق نفسه: هل سيظل موحداً أم سيمر بمرحلة التقسيم والانفصال؟ وهي المرحلة التي تسبقها حالة التشرذم والحرب الأهلية وإن بدا العراق الآن يمر بمرحلة الحرب الأهلية في ظل تصاعد عمليات العنف والإرهاب والاشتباكات المستمرة بين أطيافه ومذاهبه المختلفة. ويجرنا هذا إلى التذكير بما سبق أن طرحه هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق قبل أكثر من ثلاثة عقود وحتى قبل أن يصبح مستشاراً للأمن القومي ووزيراً للخارجية، حيث رأى آنذاك أهمية تفتيت دول المنطقة وليس العراق وحده وإنما بلدان الشرق الأوسط عبر رؤيته الخاصة لكي لا تكون هناك أغلبية ليصبح الكل أقليات في محاولة لإعطاء إسرائيل دوراً متميزاً فيها عبر تقسيم الدول العربية إلى دويلات ضعيفة سواء تحكمها الهوية الدينية أو العرقية أو المذهبية أو الطائفية أو هوية ذات بعد مناطقي أو جيو- استراتيجي. وقد استكمل مستشار الأمن القومي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي ما خطط له كيسنجر ثم عمل الاثنان معاً – كيسنجر وبريجنسكي – على تأسيس نظرية الهوية الأحادية للدولة في مناطق الشرق الأوسط بتقسيم الكيانات القائمة إلى دويلات مصغرة ومجزأة لتسهل السيطرة عليها وعلى ثرواتها وحماية أمن إسرائيل.
هذا الموجز التاريخي عن المخططات الأمريكية لتقسيم العراق يلقي بظلاله على خيارات إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بشأن مستقبل العراق لاسيما ما نلحظه من تخبط في سياساتها خلال السنوات الخمس الماضية منذ احتلالها للعراق، ففي جعبة هذه الإدارة الكثير من الخطط ومشروعات التقسيم مثل مشروع جوزيف بايدن السيناتور الديمقراطي بشأن تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات: شيعية وكردية وسنية تحت مظلة حكومة مركزية واحدة وبشرط أن تكون ضعيفة. وتعمل إدارة بوش جاهدة على تكريس وضع الانقسام في العراق في ضوء نظرية يتبناها دعاة التقسيم، وتقول هذه النظرية إن الدولة المركزية ونموذجها (نظام صدام حسين) سيؤديان إلى الدكتاتورية والاستبداد لا محالة، وبالتالي لا بد من تفكيك الدولة المركزية لأسباب عديدة (من وجهة نظرهم) من بينها:
* إن تطبيق الفيدرالية وتقسيم العراق سيقضيان على الإرهاب. لذا فإنه لا بد من تفكيك الدولة المركزية وجعلها لا مركزية.
* تفكيك الدولة المركزية سيؤدي إلى القضاء على الهوية الدينية (موجة العنف الطائفي).
* تفكيك الدولة المركزية سيقود حتماً إلى القضاء على قوة العراق وعدم تهديده مرة أخرى لجيرانه.
ومن هنا تظهر أهمية أن يبحث العراقيون هذه القضية الخطيرة التي ترتبط بمستقبلهم مباشرة وستؤثر حتماً فيهم لأن دعاة التقسيم في الإدارة الأمريكية يراهنون على الوقت للشروع بوضع اللمسات الأخيرة له، فالمسألة أصبحت مسألة وقت فقط تتحين فيه واشنطن الفرصة لتنفيذ مخططها بتقسيم العراق وتحويله على دويلات ضعيفة ومفككة تسهل السيطرة عليها جميعاً.
تقسيم المنطقة بالكامل
من المؤكد أن خطط تقسيم العراق لن تستهدف العراق وحده لأن المشاريع الانقسامية التي وضعها الأمريكيون والغرب لتقسيم المنطقة طوال السنوات الماضية استهدفت تفتيت بلدانها ودولها، ويعمل مركز (راند) التابع لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) منذ سنوات على إعادة بحث هذه المشروعات ووضع الخرائط الجديدة لها مثلما خرج بحثه في عام 2002 لتقسيم المملكة العربية السعودية إلى مناطق حجازية تتولى أمور الحجيج ونجدية تحت إشراف الأسرة المالكة وشرقية تسيطر على منابع ومنافذ النفط. كما لم يترك الغرب والولايات المتحدة فرصة لتأجيج الصراع بين المسلمين والأقباط في الدول العربية مثل مصر والسودان الذي يتعرض لخطط هو الآخر لتقسيمه وتفتيته بدعوى صراع إقليم دارفور. وهناك اتحاد المغرب العربي الذي لم تلتئم قمته منذ سنوات بسبب خلافات واهية بين القادة والنزاع على منطقة الصحراء الغربية بين حكومة المغرب والبوليساريو. ثم ما حدث مؤخراً في الأراضي الفلسطينية حيث تدخلت أطراف كثيرة في الخلاف الفلسطيني الداخلي لتحدث المأساة وينفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. ويجرنا الحديث أيضاً إلى الأزمة اللبنانية الناشبة منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وما أعقبها مثل الحرب الإسرائيلية على لبنان وتصاعد الخلاف بين الأغلبية والأقلية. وأخيراً يتوارد كثيراً الحديث عن منطقة (الهلال الشيعي) الذي سيؤدي حتماً إلى تقسيم آخر للدول العربية وما يقابله من انطلاق مشروع الدولة الكردية الكبرى والذي لا يقل خطورة هو الآخر عن الهلال الشيعي.
الإرهاب.. تطور طبيعي لمشروعات التقسيم
وتقودنا مخططات تقسيم العراق مباشرة إلى الحديث عن ظاهرة الإرهاب، فهي نتيجة طبيعية لما تخطط له الإدارة الأمريكية لتقسيم بلاد الرافدين وإحدى النتائج المباشرة لاحتلال العراق. وهي الظاهرة التي انبثقت منها نتيجة خطيرة أدت إلى التناحر باتجاه الحرب الأهلية المستمرة. وليس أدل على ذلك من المعارك الشيعية – الشيعية التي اندلعت في العراق مؤخراً، فهذه المعارك تصاعدت حدتها بين قوات الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي رئيس الوزراء الشيعي وميليشيا جيش المهدي التابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر في ظل الصراع الشيعي – الشيعي للسيطرة على مدينة البصرة وأجزاء من العاصمة بغداد. وخطورة هذه المعارك أنها امتدت إلى العديد من المدن العراقية مثل الحلة والكوت وغيرهما من المدن الشيعية. تضاف إلى ذلك خطورة أخرى تتمثل في دعوة المالكي لهذه الجماعات المسلحة إلى الاستسلام أو الموت مما يكشف عن شقاق حاد بين صفوف الأغلبية الشيعية في العراق منذ صعودهم إلى قمة السلطة وهو صراع قد يمتد نظراً لمخاوف أنصار التيار الصدري من أن القوات الحكومية تحاول التخلص منهم والقضاء على شوكتهم قبل حلول موعد الانتخابات المقرر إجراؤها في جنوب العراق في وقت لاحق من العام الحالي. ويعد هذا صراعاً جديداً في العراق، فالمعتاد خلال الفترة الماضية هو حدوث اشتباكات بين السنة والشيعة وليس بين الشيعة أنفسهم مما ينذر باستحداث فصل جديد من الحرب الأهلية في هذا البلد الذي حطمته الحرب والاحتلال الأمريكي. وتتزامن مع ذلك ظاهرة العنف والعمليات الانتحارية وشلالات الدم في العراق وهو ما لا نراه في أي مجتمع آخر. فلا يمكن أن تبني دولة عصرية أو ديمقراطية في ظل انتشار الميليشيات والعمليات الانتحارية بالصورة التي توجد في العراق. وإذا كان هناك مشروع دولة فلا بد لها أن تحتكر استخدام السلاح وحدها وتتولى كحكومة مركزية حق فرض القانون.
أسس قيام العراق الحديث
هذا الوضع السيئ يفرض سؤالاً رئيسياً هو ما السبيل لتجاوز الوضع الراهن؟ والحل يتوقف على اتفاق الأطراف السياسية الرئيسية من داخل العملية السياسية في العراق وأخرى من خارجها على أربعة مبادئ أساسية هي:
* انسحاب القوات المحتلة من العراق على أساس وضع جدول زمني للانسحاب.
* تتولى الأمم المتحدة إدارة شؤون العراق بالتعاون مع حكومة عراقية لمدة زمنية يتفق عليها وتكون حكومة محايدة، وأن تحظى بدعم إقليمي ودولي على إعادة الإعمار.
* إجراء الانتخابات على أساس التعددية وعبر قانون انتخابي جديد.
* توزيع الثروات بشكل عادل وخاصة موضوع النفط والغاز الذي ينبغي أن يكون تحت إشراف السلطة الاتحادية. وأن يخضع الجيش للسلطة الاتحادية التي لها الحق في الإشراف على القوات المسلحة في كل العراق، أي أن يكون لكل العراق جيش واحد مركزي.
ولكن قبل أن تتأزم الأمور وتصل إلى طريق مسدود أمام الولايات المتحدة في حال فشل استراتيجيتها العسكرية والسياسية في العراق والبدء في الانسحاب منه فاعتقد أنه على الولايات المتحدة أن تفكر في مستقبل هذا البلد وألا تتركه هدية خالصة لإيران، فهي تعلم أن إيران تتدخل في الشأن العراقي عبر وسائل متعددة. وكلنا يعلم أيضاً أن إيران ترفض الاحتلال الأمريكي للعراق والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ورأيها واضح في هذه المسألة فهي لا تريد حدوداً مع الولايات المتحدة عبر العراق لأنه إذا نجح مشروع الاحتلال في العراق فإنه سيتمدد لتصبح إيران وبلدان أخرى أهدافاً جديدة، ناهيك عن الأطماع الإيرانية التاريخية في العراق. لذا تسعى إيران إلى الحصول على مركز متميز للنفوذ لتكون اللاعب الرئيسي في العراق وذلك عبر قوى وجماعات سياسية قريبة مذهبياً منها أو حتى بعيدة لتكون يديها في مواجهة الولايات المتحدة. وهذا يستدعي أن تعمل الولايات المتحدة قبل انسحابها وخروج قواتها من العراق على الحصول على تعهد إيراني عبر صفقة إيرانية- أمريكية حول العراق أساسها انسحاب الجيش الأمريكي من العراق مقابل تعهد إيران بعدم التدخل في شؤون العراق، وهذا الأمر من شأنه التأكيد على:
* مسألة حسن الجوار بين العراق وإيران. وهي مسألة تصب مباشرة في مصلحة مشروع إيران السياسي الاستراتيجي البعيد المدى علاوة على خدمة المشروع الوطني العراقي.
* من مصلحة إيران أن تقيم علاقات طيبة مع العراقيين ومن مصلحة العراقيين أيضاً بكل تياراتهم واتجاهاتهم أن يكون لديهم عمق استراتيجي في إيران. فإيران الصديق المرغوب أفضل من عدو محتمل وخصم قائم وجار غادر والعكس صحيح أيضا بالنسبة لإيران.
ومن المؤكد أن ولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش تقترب من نهايتها، وهو لن يتمكن بعد من إرساء دعائم الحرية والديمقراطية سواء في بلاد الرافدين أو في دولة منطقة الشرق الأوسط الكبير كما أدعى من قبل. ولا نقصد هنا الديمقراطية الحقيقية كما يفهمها العالم الحر، لكننا نشير فقط إلى ديمقراطية بوش.
دعاة التقسيم في الإدارة الأمريكية يراهنون على الوقت للشروع بوضع اللمسات الأخيرة له
الخسائر الأمريكية
أياً كان الوضع فإن حرب بوش في العراق ستبقى شاغلاً لخليفته، كما أنها قد تلعب دوراً حاسماً في انتخاب هذا الأخير. وعندما سيجلس الرئيس القادم في المكتب البيضاوي سيكون سؤاله الرئيسي هو (هل سيقرر سحب الجنود من العراق كما وعد المرشحان الديمقراطيان هيلاري كلينتون وباراك أوباما؟ أم سيبقيهم هناك فترة غير محددة كما وعد منافسهما الجمهوري جون ماكين؟). فالخسائر الأمريكية عديدة على كافة المستويات مثل:
* عسكرياً: ارتفع عدد القتلى من العسكريين الأمريكيين مع حلول الذكرى الخامسة للحرب ليناهز الأربعة آلاف قتيل.
* مادياً: يؤكد الاقتصادي جوزف ستيجلتز الحائز على جائزة نوبل في كتاب مثير للجدل شارك في تأليفه أن تكلفة الحرب بلغت ثلاثة آلاف مليار دولار.
* نفسياًً: أحدثت الحرب شرخاً عميقاً بين الأمريكيين، فبعد أن أيدوها بشكل ساحق في البداية يسود الاعتقاد بينهم أنها كانت خطأ، خاصة بعدما أظهرت الوقائع عدم وجود أي صلة بين صدام حسين وشبكة القاعدة مع عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل.
::/fulltext::
::cck::2235::/cck::
