زيارة نجاد وتقاطع الأمن العراقي الخليجي

::cck::2237::/cck::
::introtext::

 ربما أعاد مشهد دخول الأراضي العراقية للرئيس محمود أحمدي نجاد من المطار الذي يخضع للإدارة الأمريكية كلمة الأمير سعود الفيصل إلى الأضواء حين قال للأمريكيين (إنكم قدمتم العراق لقمة جاهزة للإيرانيين). لذا عاد المشهد عند انتهاء الأعمال الحربية بعد التاسع من إبريل 2003 حين كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يعلن فوق البارجة العسكرية الضخمة في الخليج انتهاء حرب العدوان على العراق باحتلاله وسط صيحات الجنود وضباط البحرية الأمريكية وهتافاتهم.

::/introtext::
::fulltext::

 ربما أعاد مشهد دخول الأراضي العراقية للرئيس محمود أحمدي نجاد من المطار الذي يخضع للإدارة الأمريكية كلمة الأمير سعود الفيصل إلى الأضواء حين قال للأمريكيين (إنكم قدمتم العراق لقمة جاهزة للإيرانيين). لذا عاد المشهد عند انتهاء الأعمال الحربية بعد التاسع من إبريل 2003 حين كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يعلن فوق البارجة العسكرية الضخمة في الخليج انتهاء حرب العدوان على العراق باحتلاله وسط صيحات الجنود وضباط البحرية الأمريكية وهتافاتهم.

لعل الرئيس محمود أحمدي نجاد رئيس الجمهورية الإيرانية قد لخص في خطابه في مطلع مارس الماضي علاقة التفوق والانتصار بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإيرانية وذلك حين كانت أولى كلماته بعد أن وطأ بغداد: (إنه من الجميل جداً أن أزور العراق بعد رحيل صدام). هذه الرمزية في دلالة المشهدين ليست بكل تأكيد تصادفاً في التعبير اللفظي لقيادة الإمبراطوريتين وإن كانت رمزت إلى الرئيس الراحل في دلالة على حالة جسدها العراق سابقاً بغض النظر عن أخطاء الرئيس الراحل على الصعيد الوطني وحجم الحريات وضحايا القمع في سيرته وبغض النظر أيضاً عن إن كان بالفعل قد تورط مع استفزازات الجمهورية الإيرانية وواجه خطاب تصدير الثورة بالتجاوب مع الحرب ثم انتهى إلى الخطيئة الاستراتيجية الكبرى وهي غزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990.

إن كل ما تقدم لا يلغي دلائل الحقيقة الكبرى في القراءة الاستراتيجية لعلاقة الدولتين توافقاً واستقطاباً أو تنافساً وصراعاً على الحالة الامنية والاستراتيجية لاستقرار الخليج، فمن المؤكد أن ما يعنيه الرئيس الإيراني هو العراق ما قبل الاحتلال بغض النظر عمن يحكمه، وهو بالتالي العراق العربي الموحد القوي في تطوير قدراته الاستراتيجية ومتانة بنائه العلمي في قضايا التصنيع والاستقلال الذاتي وفي تطوير القدرات، وهو أيضاً العراق الممتنع ذاتياً بحكم التعايش الطائفي العميق سابقاً قبل سقوط النظام في العراق وهي الحالة التي ضمنت استقراراً وهدوءاً اجتماعياً ووطنياً في الخليج رغم التوتر الشديد بين بغداد والعواصم الخليجية، وبناء على تصريح الرئيس نجاد فإنه كان بالفعل عراقاً غير مرحب به، وحسب التصريحات الرسمية والمواقف التاريخية فإن إسقاط ذلك العراق كان هدفاً مزدوجاً لكلا الفريقين.

الفوضى ربما تكون خلاقة لواشنطن لكنها ليست كذلك للعراق والخليج ما لم يفعل الدور العربي الخليجي

 

موقف الرئيسين والتطبيق العملي على الأرض

وحين يسمي الرئيس أحمدي نجاد رحيل صدام كمطلب استراتيجي وجموح شعوري بالانتصار فلابد من العودة إلى المشهد ذاته ليس لتصوير إعدام الرئيس السابق صدام حسين عاطفياً ولكن للربط بين دلالات خطاب الرئيس نجاد وما جرى على الأرض فإن تلك اللحظة التي مثلت هتاف الانتقام الطائفي وهو يلفظ شهادة التوحيد ثم القفز على جسده وترديدها بعاطفية هستيرية لا يمكن أن تفصل عن هذا المسار الذي أعطته دلالات كلمات وخطب الزعامات الأمريكية والإيرانية عن رحيل صدام، فالشخصيات الرئيسية في محاكمة الرئيس العراقي في قضية الدجيل هي ذاتها من كانت قيادات ميدانية لعمليات التفجير والاستهداف العسكري في العراق عند بداية إعلان تصدير الثورة وهي ذاتها أيضاً من كانت في طلائع القوات التي تجاوزت الحدود العراقية-الإيرانية للقيام بأعمال المساندة اللوجستية والمخابراتية جنباً إلى جنب مع القوات الأمريكية الغازية.

ماذا عن الخليج؟

وهنا يبرز تساؤل جدي حول هذا المسار في علاقات إيران الحاضنة الأم لبعض فصائل الثقافة الإيرانية في الخليج المبنية علاقتها مع المركز على ولاء ديني وسياسي وارتباطها بالمشهد العراقي وما يترتب على ذلك من تداعيات سياسية وأمنية تؤثر في التوازن والاستقرار الوطني في الخليج خاصة بعد تداعيات قضية تأبين عماد مغنية في الكويت والشغب والاحتقان الطائفي في البحرين ومدى طموح طهران لاستثمار هذه الأوضاع الحساسة في الخليج.

زيارة أحمدي نجاد إلى بغداد لا يمكن أن تتم دون تأمين أمني مباشر من قبل قوات الاحتلال الأمريكي

الفريق نفسه لكلتا الدولتين

هذه الشخصيات التي التقاها الرئيس نجاد سواءً من الأحزاب الطائفية التي بنيت عقدياً وفكرياً وولائياً في إيران أو كانت من قيادات الحزبين الكرديين كانت وبكل امتياز فريق العمل الموحد لواشنطن وطهران معاً وفقاً لإعادة القراءة البسيطة لمسيرة الأحداث وصناعة مؤتمر لندن والسليمانية وإربيل وغيرها حتى تشكيل مجلس الحكم الذي صاغه بول بريمر مع الفريق نفسه.

عبور نجاد من المطار إلى المنطقة الخضراء

أصبح من البديهي الجزم بأنه لا يمكن للرئيس محمود أحمدي نجاد أن يقوم بهذه الزيارة التاريخية من دون التأمين الأمني المباشر من قبل قوات الاحتلال الأمريكي منذ هبوط طائرته في قاعدة عسكرية أمريكية بعد أن حوّل الجيش الأمريكي مطار بغداد للأعمال العسكرية وصولاً إلى كل تنقلاته إلى المنطقة الخضراء، لكن الأهم من ذلك هو الاندماج الكامل بين طهران وواشنطن في إعلان الدعم القوي والصريح لحكومة نوري المالكي الذي دُعم في واشنطن عند زيارة بوش للعراق حيث جددَ دعمه وهو نفسه من دعمته طهران وجددَت دعمها اليوم له في بغداد فضلاً عن علاقة التركيبة الطائفية التي لإيران اليد الطولى فيها في تثبيت برنامج حكومة المالكي بما فيها وثيقة المبادئ التي وقعت مع واشنطن.

لا شيء حقيقياً ينقض هذا المشهد

إذاً فهذه المراجعات الهادئة لا تعطي أي دليل ملموس بأن هناك صراعاً قوياً وتحديداً على الساحة العراقية ومسارها رغم حدة الخطاب الإعلامي وصراع الأروقة الدبلوماسية، وهذا لا يعني كما أكدنا سابقاً عدم وجود تنافس واستقطاب حاد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإيرانية في مواضع عدة منها الملف النووي وقضية لبنان غير أن البرنامج التنفيذي في العراق الذي يقوم على قاعدة استراتيجية موحدة وهي إنهاء العراق العربي القوي والموحد لا تزال فاعلة بكل حيوية على الأرض العراقية.

وما يعزز هذه النظرة التوافقية ما أشار إليه الأستاذ عمرو حمزاوي أحد كبار الباحثين في معهد كارينجي للسلام خلال حديثه مع قناة (الجزيرة) في وقت سابق من استمرار التوافق الاستراتيجي في الخطوط العامة على العراق بين واشنطن وطهران، وعليه يبرزالسؤال مجدداً ماذا عن أمن الخليج القومي المستقل؟

سيطرة طهران القوية ليست حاسمة في الجنوب

إن متابعة أحداث الجنوب العراقي الأخيرة تعطي دلالة بارزة ومتصاعدة على حجم النزاع والصراع وتصاعد الحالة الطائفية في المشهد العراقي داخلياً وسط الطائفة الشيعية وفي منطقة الجنوب التي تعتبر الركيزة الأولى والضمانة للهيمنة الإيرانية ومن ثم تصاعد حملة التصفيات الداخلية بين الميليشيات التي ساندتها إيران بل صنعت الكثير منها واندلاع مواجهات أخرى بين هذه الميليشيات من جهة وقيادات الشرطة المحلية التي تسعى إلى تكريس ثقافة ومؤسسة أمنية جديدة في الجنوب العراقي تجمع بين التوازن الإيراني والأمريكي معاً فيما اعتادت هذه الميليشيات على ولاء واحد للمرجعيات الإيرانية إضافة إلى تفجر الطموح الشخصي والنزعة الحزبية والمذهبية الداخلية عند هذه الجماعات والأحزاب والميليشيات في الجنوب العراقي وهو ما أصبح ينعكس على عموم المنطقة ويساعد على نشر الفوضى التي إن كانت (خلاقة) لواشنطن إلا أنها ليست كذلك للعراق والخليج ما لم يفعّل الدور العربي الخليجي، خاصة وأن هذه الحالة من الاضطراب والتصاعد الطائفي يقابلها تنامي الروح العربية والشعور الإنساني المجرد واستيقاظه وانطلاقته القوية لدى العشائر العربية في الجنوب لمحاولة الخلاص من الوضع المتدهور الذي يعيشه الجنوب العراقي ومناشدة هذه القيادات العشائرية والثقافية عرب الخليج التدخل لمساندتهم.

ولعل تفاعل المقاومة الوطنية العراقية مع عشائر الجنوب العربية في دعواتها للخلاص من كلا الاحتلالين يجسد إدراك المقاومة لصدق هذه الدعوات العشائرية الثائرة، في المقابل أهملت القيادات الوطنية العراقية والمقاومة دعوات التيارات والأحزاب الطائفية للتوحد وخاصة التيار الصدري وذلك لانعدام المصداقية في هذه الأحزاب بعد تجربة واسعة أظهرت حجم التلاعب الإيراني في هذه المجموعات التي يستهلك خطابها في محاولات تحسين صورتها أمام الرأي العام العراقي والعربي بعد تورطها في العديد من الفواجع التي عاشها العراق أرضاً وشعباً، فضلاً عن أن خطاب هذه الأحزاب والتيارات الطائفية سرعان ما يتضح انقلابه وتبنيها برنامجاً استراتيجياً يهدم ما تطرحه من دعوات لإنشاء أطر وحدوية، وتبقى مشاريع كلا الاحتلالين هي الرهان الاستراتيجي لهذه التوجهات.

قلق إيران من (الصحوة).. لماذا؟

خلال الفترة الماضية أبدت طهران وأحزابها انزعاجاً كبيراً من استقرار (الصحوات)، وبادرت إلى تحريك مشاريع سياسية وأمنية لاحتوائها، ومن جهة أخرى سعت إلى اختراق مباشر لبعض عناصرها، ومع التسليم الحاسم بأن مشروع الصحوات كان قد أسسٍ بدعم أمريكي مباشر وأسند على الأرض من خلال الأحزاب السنية المشاركة في العملية السياسية لتحقيق توازن يدعم مشاركتها السياسية، ويعزز أوراقها مع الأمريكيين إلا أن الأحداث السابقة وسجل حراك الصحوات على الأرض أظهرا اضطراباً شديداً في قضية تثبيت الولاءات لهذه الصحوة، والخطر الشديد الذي تخشاه إيران هو أن تتحول هذه الصحوات إلى طلائع حماية ذاتية لأحياء السنة التي عانت من استهداف الميليشيات الطائفية المحسوبة على إيران وبإسناد أمريكي من مذابح جماعية، فضلاً عن حصار سياسي واقتصادي والتحجيم الديموغرافي لها وحينها تتفرغ المقاومة العراقية للجهاز العسكري للاحتلال وتحسم الحرب، وهذا بلا شك يمثل خطراً كبيراً يؤرق طهران ويربك كل ملفاتها في المنطقة، فضلاً عن الموقف الأمريكي المذعور قديماً من هذا المآل.

أصبح العراق ينتقل من اضطراب إلى اضطراب آخر ولا يوجد أي مؤشر إلى استقراره

رسالة ديالى وأزمة المناطق السنية

حين أوقفت صحوة ديالى التعاون مع الاحتلال الأمريكي ثم استأنفته فقد كان ذلك رسالة مضطربة في ذاتها، لكنها تحمل مؤشرات إلى أن قضية مواجهة هذه الصحوات خاصة عبر العنف والاستهداف الدموي لقياداتها تخدم كلا الاحتلالين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فهي من جهة تؤمن للأمريكيين حرب استنزاف داخلية في مواقع أهل السنة وهذا الاستنزاف يؤثر في برنامج المقاومة والاستقرار في مناطقها، وتخدم إيران من جهة أخرى لأنها تضمن لها إشعال الصراع الدموي في الوسط السني وضمان تحول هذه الحرب الدموية إلى حالة إنهاك كامل لمناطق المقاومة وقدرتها الذاتية وهو ما يعرقل برنامج التحرير الوطني ومشروعه السياسي للمقاومة العراقية، لكن من غير المتوقع أن يراجع أبو عمر البغدادي وأصحابه منهجهم العسكري لأسباب تتعلق بحجم الإدراك السياسي والعمق الفكري لفهم هذه المسارات الحساسة.

تحرك الخليج عراقياً: التوقيت والضرورة

كل ما تقدم يعيد التأكيد على قضية التقاطعات العديدة والتأثيرات الضخمة للمشهد العراقي في الخليج وفي الوقت نفسه أذن المشهد بميلاد حالة من التوافق الوطني الشيعي والسني يؤمن بعمق بضرورة عودة التوازن العربي وخاصة عبر البوابة الخليجية بعد أن أصبح العراق بالفعل ينقل من اضطراب إلى اضطراب، ولا يوجد أي مؤشر إلى استقراره حتى مع ضغوط واشنطن على الحكومات العربية للتواصل مع حكومة المالكي المهمومة، – كما قدم المشهد – بتعزيز النفوذ الإيراني والتنسيق بينه وبين واشنطن في جولات الحوار العراقية، هذا الدعم الخليجي للحركة العربية الشيعية المتمردة على إيران والمتوافقة مع المشروع الوطني العراقي المستقل لا يحتاج إلى تضحيات من دول المجلس بقدر ما سيكسبها من أمن واستقرار بتكاليف يسيرة.

الحراك الشيعي العربي والمشروع السياسي للمقاومة

إن التقاء هذا الوعي والدعم يتزامن مع إعادة ترتيب المقاومة العراقية أوراقها السياسية وتعزيز وحدتها بعد حسمها المتجدد لرفض عمليات الاستهداف للمدنيين ولمصالح العراق وإدراكها لضرورة مراجعة الأسس الفكرية والمنطلقات السياسية التي تضمن عدم سقوط هذا المشروع الوطني السياسي للمقاومة العراقية ليس لإرضاء الأطراف المتحفظة فحسب ولكن وقاية وحماية لهذا الحراك السياسي، وهذا الحضور العربي وبطاقات قوته سيكون في مصلحة أمن الخليج واستقراره وحينها سوف يدرك الجميع حين تتوحد الجبهة الداخلية لعرب العراق أن الأحداث ستسير لصالح الأمن العربي وصالح العراق واستقراره، فهل يتحرك الخليج للمهمة الخاصة في الزمن الحرج؟

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2237::/cck::
::introtext::

 ربما أعاد مشهد دخول الأراضي العراقية للرئيس محمود أحمدي نجاد من المطار الذي يخضع للإدارة الأمريكية كلمة الأمير سعود الفيصل إلى الأضواء حين قال للأمريكيين (إنكم قدمتم العراق لقمة جاهزة للإيرانيين). لذا عاد المشهد عند انتهاء الأعمال الحربية بعد التاسع من إبريل 2003 حين كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يعلن فوق البارجة العسكرية الضخمة في الخليج انتهاء حرب العدوان على العراق باحتلاله وسط صيحات الجنود وضباط البحرية الأمريكية وهتافاتهم.

::/introtext::
::fulltext::

 ربما أعاد مشهد دخول الأراضي العراقية للرئيس محمود أحمدي نجاد من المطار الذي يخضع للإدارة الأمريكية كلمة الأمير سعود الفيصل إلى الأضواء حين قال للأمريكيين (إنكم قدمتم العراق لقمة جاهزة للإيرانيين). لذا عاد المشهد عند انتهاء الأعمال الحربية بعد التاسع من إبريل 2003 حين كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يعلن فوق البارجة العسكرية الضخمة في الخليج انتهاء حرب العدوان على العراق باحتلاله وسط صيحات الجنود وضباط البحرية الأمريكية وهتافاتهم.

لعل الرئيس محمود أحمدي نجاد رئيس الجمهورية الإيرانية قد لخص في خطابه في مطلع مارس الماضي علاقة التفوق والانتصار بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإيرانية وذلك حين كانت أولى كلماته بعد أن وطأ بغداد: (إنه من الجميل جداً أن أزور العراق بعد رحيل صدام). هذه الرمزية في دلالة المشهدين ليست بكل تأكيد تصادفاً في التعبير اللفظي لقيادة الإمبراطوريتين وإن كانت رمزت إلى الرئيس الراحل في دلالة على حالة جسدها العراق سابقاً بغض النظر عن أخطاء الرئيس الراحل على الصعيد الوطني وحجم الحريات وضحايا القمع في سيرته وبغض النظر أيضاً عن إن كان بالفعل قد تورط مع استفزازات الجمهورية الإيرانية وواجه خطاب تصدير الثورة بالتجاوب مع الحرب ثم انتهى إلى الخطيئة الاستراتيجية الكبرى وهي غزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990.

إن كل ما تقدم لا يلغي دلائل الحقيقة الكبرى في القراءة الاستراتيجية لعلاقة الدولتين توافقاً واستقطاباً أو تنافساً وصراعاً على الحالة الامنية والاستراتيجية لاستقرار الخليج، فمن المؤكد أن ما يعنيه الرئيس الإيراني هو العراق ما قبل الاحتلال بغض النظر عمن يحكمه، وهو بالتالي العراق العربي الموحد القوي في تطوير قدراته الاستراتيجية ومتانة بنائه العلمي في قضايا التصنيع والاستقلال الذاتي وفي تطوير القدرات، وهو أيضاً العراق الممتنع ذاتياً بحكم التعايش الطائفي العميق سابقاً قبل سقوط النظام في العراق وهي الحالة التي ضمنت استقراراً وهدوءاً اجتماعياً ووطنياً في الخليج رغم التوتر الشديد بين بغداد والعواصم الخليجية، وبناء على تصريح الرئيس نجاد فإنه كان بالفعل عراقاً غير مرحب به، وحسب التصريحات الرسمية والمواقف التاريخية فإن إسقاط ذلك العراق كان هدفاً مزدوجاً لكلا الفريقين.

الفوضى ربما تكون خلاقة لواشنطن لكنها ليست كذلك للعراق والخليج ما لم يفعل الدور العربي الخليجي

 

موقف الرئيسين والتطبيق العملي على الأرض

وحين يسمي الرئيس أحمدي نجاد رحيل صدام كمطلب استراتيجي وجموح شعوري بالانتصار فلابد من العودة إلى المشهد ذاته ليس لتصوير إعدام الرئيس السابق صدام حسين عاطفياً ولكن للربط بين دلالات خطاب الرئيس نجاد وما جرى على الأرض فإن تلك اللحظة التي مثلت هتاف الانتقام الطائفي وهو يلفظ شهادة التوحيد ثم القفز على جسده وترديدها بعاطفية هستيرية لا يمكن أن تفصل عن هذا المسار الذي أعطته دلالات كلمات وخطب الزعامات الأمريكية والإيرانية عن رحيل صدام، فالشخصيات الرئيسية في محاكمة الرئيس العراقي في قضية الدجيل هي ذاتها من كانت قيادات ميدانية لعمليات التفجير والاستهداف العسكري في العراق عند بداية إعلان تصدير الثورة وهي ذاتها أيضاً من كانت في طلائع القوات التي تجاوزت الحدود العراقية-الإيرانية للقيام بأعمال المساندة اللوجستية والمخابراتية جنباً إلى جنب مع القوات الأمريكية الغازية.

ماذا عن الخليج؟

وهنا يبرز تساؤل جدي حول هذا المسار في علاقات إيران الحاضنة الأم لبعض فصائل الثقافة الإيرانية في الخليج المبنية علاقتها مع المركز على ولاء ديني وسياسي وارتباطها بالمشهد العراقي وما يترتب على ذلك من تداعيات سياسية وأمنية تؤثر في التوازن والاستقرار الوطني في الخليج خاصة بعد تداعيات قضية تأبين عماد مغنية في الكويت والشغب والاحتقان الطائفي في البحرين ومدى طموح طهران لاستثمار هذه الأوضاع الحساسة في الخليج.

زيارة أحمدي نجاد إلى بغداد لا يمكن أن تتم دون تأمين أمني مباشر من قبل قوات الاحتلال الأمريكي

الفريق نفسه لكلتا الدولتين

هذه الشخصيات التي التقاها الرئيس نجاد سواءً من الأحزاب الطائفية التي بنيت عقدياً وفكرياً وولائياً في إيران أو كانت من قيادات الحزبين الكرديين كانت وبكل امتياز فريق العمل الموحد لواشنطن وطهران معاً وفقاً لإعادة القراءة البسيطة لمسيرة الأحداث وصناعة مؤتمر لندن والسليمانية وإربيل وغيرها حتى تشكيل مجلس الحكم الذي صاغه بول بريمر مع الفريق نفسه.

عبور نجاد من المطار إلى المنطقة الخضراء

أصبح من البديهي الجزم بأنه لا يمكن للرئيس محمود أحمدي نجاد أن يقوم بهذه الزيارة التاريخية من دون التأمين الأمني المباشر من قبل قوات الاحتلال الأمريكي منذ هبوط طائرته في قاعدة عسكرية أمريكية بعد أن حوّل الجيش الأمريكي مطار بغداد للأعمال العسكرية وصولاً إلى كل تنقلاته إلى المنطقة الخضراء، لكن الأهم من ذلك هو الاندماج الكامل بين طهران وواشنطن في إعلان الدعم القوي والصريح لحكومة نوري المالكي الذي دُعم في واشنطن عند زيارة بوش للعراق حيث جددَ دعمه وهو نفسه من دعمته طهران وجددَت دعمها اليوم له في بغداد فضلاً عن علاقة التركيبة الطائفية التي لإيران اليد الطولى فيها في تثبيت برنامج حكومة المالكي بما فيها وثيقة المبادئ التي وقعت مع واشنطن.

لا شيء حقيقياً ينقض هذا المشهد

إذاً فهذه المراجعات الهادئة لا تعطي أي دليل ملموس بأن هناك صراعاً قوياً وتحديداً على الساحة العراقية ومسارها رغم حدة الخطاب الإعلامي وصراع الأروقة الدبلوماسية، وهذا لا يعني كما أكدنا سابقاً عدم وجود تنافس واستقطاب حاد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإيرانية في مواضع عدة منها الملف النووي وقضية لبنان غير أن البرنامج التنفيذي في العراق الذي يقوم على قاعدة استراتيجية موحدة وهي إنهاء العراق العربي القوي والموحد لا تزال فاعلة بكل حيوية على الأرض العراقية.

وما يعزز هذه النظرة التوافقية ما أشار إليه الأستاذ عمرو حمزاوي أحد كبار الباحثين في معهد كارينجي للسلام خلال حديثه مع قناة (الجزيرة) في وقت سابق من استمرار التوافق الاستراتيجي في الخطوط العامة على العراق بين واشنطن وطهران، وعليه يبرزالسؤال مجدداً ماذا عن أمن الخليج القومي المستقل؟

سيطرة طهران القوية ليست حاسمة في الجنوب

إن متابعة أحداث الجنوب العراقي الأخيرة تعطي دلالة بارزة ومتصاعدة على حجم النزاع والصراع وتصاعد الحالة الطائفية في المشهد العراقي داخلياً وسط الطائفة الشيعية وفي منطقة الجنوب التي تعتبر الركيزة الأولى والضمانة للهيمنة الإيرانية ومن ثم تصاعد حملة التصفيات الداخلية بين الميليشيات التي ساندتها إيران بل صنعت الكثير منها واندلاع مواجهات أخرى بين هذه الميليشيات من جهة وقيادات الشرطة المحلية التي تسعى إلى تكريس ثقافة ومؤسسة أمنية جديدة في الجنوب العراقي تجمع بين التوازن الإيراني والأمريكي معاً فيما اعتادت هذه الميليشيات على ولاء واحد للمرجعيات الإيرانية إضافة إلى تفجر الطموح الشخصي والنزعة الحزبية والمذهبية الداخلية عند هذه الجماعات والأحزاب والميليشيات في الجنوب العراقي وهو ما أصبح ينعكس على عموم المنطقة ويساعد على نشر الفوضى التي إن كانت (خلاقة) لواشنطن إلا أنها ليست كذلك للعراق والخليج ما لم يفعّل الدور العربي الخليجي، خاصة وأن هذه الحالة من الاضطراب والتصاعد الطائفي يقابلها تنامي الروح العربية والشعور الإنساني المجرد واستيقاظه وانطلاقته القوية لدى العشائر العربية في الجنوب لمحاولة الخلاص من الوضع المتدهور الذي يعيشه الجنوب العراقي ومناشدة هذه القيادات العشائرية والثقافية عرب الخليج التدخل لمساندتهم.

ولعل تفاعل المقاومة الوطنية العراقية مع عشائر الجنوب العربية في دعواتها للخلاص من كلا الاحتلالين يجسد إدراك المقاومة لصدق هذه الدعوات العشائرية الثائرة، في المقابل أهملت القيادات الوطنية العراقية والمقاومة دعوات التيارات والأحزاب الطائفية للتوحد وخاصة التيار الصدري وذلك لانعدام المصداقية في هذه الأحزاب بعد تجربة واسعة أظهرت حجم التلاعب الإيراني في هذه المجموعات التي يستهلك خطابها في محاولات تحسين صورتها أمام الرأي العام العراقي والعربي بعد تورطها في العديد من الفواجع التي عاشها العراق أرضاً وشعباً، فضلاً عن أن خطاب هذه الأحزاب والتيارات الطائفية سرعان ما يتضح انقلابه وتبنيها برنامجاً استراتيجياً يهدم ما تطرحه من دعوات لإنشاء أطر وحدوية، وتبقى مشاريع كلا الاحتلالين هي الرهان الاستراتيجي لهذه التوجهات.

قلق إيران من (الصحوة).. لماذا؟

خلال الفترة الماضية أبدت طهران وأحزابها انزعاجاً كبيراً من استقرار (الصحوات)، وبادرت إلى تحريك مشاريع سياسية وأمنية لاحتوائها، ومن جهة أخرى سعت إلى اختراق مباشر لبعض عناصرها، ومع التسليم الحاسم بأن مشروع الصحوات كان قد أسسٍ بدعم أمريكي مباشر وأسند على الأرض من خلال الأحزاب السنية المشاركة في العملية السياسية لتحقيق توازن يدعم مشاركتها السياسية، ويعزز أوراقها مع الأمريكيين إلا أن الأحداث السابقة وسجل حراك الصحوات على الأرض أظهرا اضطراباً شديداً في قضية تثبيت الولاءات لهذه الصحوة، والخطر الشديد الذي تخشاه إيران هو أن تتحول هذه الصحوات إلى طلائع حماية ذاتية لأحياء السنة التي عانت من استهداف الميليشيات الطائفية المحسوبة على إيران وبإسناد أمريكي من مذابح جماعية، فضلاً عن حصار سياسي واقتصادي والتحجيم الديموغرافي لها وحينها تتفرغ المقاومة العراقية للجهاز العسكري للاحتلال وتحسم الحرب، وهذا بلا شك يمثل خطراً كبيراً يؤرق طهران ويربك كل ملفاتها في المنطقة، فضلاً عن الموقف الأمريكي المذعور قديماً من هذا المآل.

أصبح العراق ينتقل من اضطراب إلى اضطراب آخر ولا يوجد أي مؤشر إلى استقراره

رسالة ديالى وأزمة المناطق السنية

حين أوقفت صحوة ديالى التعاون مع الاحتلال الأمريكي ثم استأنفته فقد كان ذلك رسالة مضطربة في ذاتها، لكنها تحمل مؤشرات إلى أن قضية مواجهة هذه الصحوات خاصة عبر العنف والاستهداف الدموي لقياداتها تخدم كلا الاحتلالين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فهي من جهة تؤمن للأمريكيين حرب استنزاف داخلية في مواقع أهل السنة وهذا الاستنزاف يؤثر في برنامج المقاومة والاستقرار في مناطقها، وتخدم إيران من جهة أخرى لأنها تضمن لها إشعال الصراع الدموي في الوسط السني وضمان تحول هذه الحرب الدموية إلى حالة إنهاك كامل لمناطق المقاومة وقدرتها الذاتية وهو ما يعرقل برنامج التحرير الوطني ومشروعه السياسي للمقاومة العراقية، لكن من غير المتوقع أن يراجع أبو عمر البغدادي وأصحابه منهجهم العسكري لأسباب تتعلق بحجم الإدراك السياسي والعمق الفكري لفهم هذه المسارات الحساسة.

تحرك الخليج عراقياً: التوقيت والضرورة

كل ما تقدم يعيد التأكيد على قضية التقاطعات العديدة والتأثيرات الضخمة للمشهد العراقي في الخليج وفي الوقت نفسه أذن المشهد بميلاد حالة من التوافق الوطني الشيعي والسني يؤمن بعمق بضرورة عودة التوازن العربي وخاصة عبر البوابة الخليجية بعد أن أصبح العراق بالفعل ينقل من اضطراب إلى اضطراب، ولا يوجد أي مؤشر إلى استقراره حتى مع ضغوط واشنطن على الحكومات العربية للتواصل مع حكومة المالكي المهمومة، – كما قدم المشهد – بتعزيز النفوذ الإيراني والتنسيق بينه وبين واشنطن في جولات الحوار العراقية، هذا الدعم الخليجي للحركة العربية الشيعية المتمردة على إيران والمتوافقة مع المشروع الوطني العراقي المستقل لا يحتاج إلى تضحيات من دول المجلس بقدر ما سيكسبها من أمن واستقرار بتكاليف يسيرة.

الحراك الشيعي العربي والمشروع السياسي للمقاومة

إن التقاء هذا الوعي والدعم يتزامن مع إعادة ترتيب المقاومة العراقية أوراقها السياسية وتعزيز وحدتها بعد حسمها المتجدد لرفض عمليات الاستهداف للمدنيين ولمصالح العراق وإدراكها لضرورة مراجعة الأسس الفكرية والمنطلقات السياسية التي تضمن عدم سقوط هذا المشروع الوطني السياسي للمقاومة العراقية ليس لإرضاء الأطراف المتحفظة فحسب ولكن وقاية وحماية لهذا الحراك السياسي، وهذا الحضور العربي وبطاقات قوته سيكون في مصلحة أمن الخليج واستقراره وحينها سوف يدرك الجميع حين تتوحد الجبهة الداخلية لعرب العراق أن الأحداث ستسير لصالح الأمن العربي وصالح العراق واستقراره، فهل يتحرك الخليج للمهمة الخاصة في الزمن الحرج؟

::/fulltext::
::cck::2237::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *