تجربة “تنظيم القاعدة” في العراق: كيان غريب في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب والثقافات!

::cck::2239::/cck::
::introtext::

حتى لحظة غزو الولايات المتحدة الأمريكية العراق في الربع الأول من عام 2003 بغية تحريره من نظام الدولة البعثية، كما يقول الأمريكيون، لم يكن العراقيون يسمعون بـ (تنظيم القاعدة) إلا من خلال الإذاعات العالمية يوم لم تكن الحكومة العراقية، وفي ظل نظام صدام حسين، تسمح للعراقيين بتداول القنوات التلفازية الفضائية حتى يتعرفوا إلى هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإسلامية ذات الرؤية المتشددة والفعل الدموي المتطرف.

::/introtext::
::fulltext::

ومن ناحية أخرى، حتى لحظة غزو الولايات المتحدة الأمريكية العراق في الربع الأول من عام 2003 بغية تحريره من نظام الدولة البعثية، كما يقول الأمريكيون، لم يكن العراقيون يسمعون بـ (تنظيم القاعدة) إلا من خلال الإذاعات العالمية يوم لم تكن الحكومة العراقية، وفي ظل نظام صدام حسين، تسمح للعراقيين بتداول القنوات التلفازية الفضائية حتى يتعرفوا إلى هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإسلامية ذات الرؤية المتشددة والفعل الدموي المتطرف.

في منتصف عام 2001، ظهرت جماعات إسلامية كردية ذات توجهات فقهية سلفية بمناطق كردية عدة في شمال العراق عرفت بأنها (جند الإسلام)، ولاحقاً عرفت بـ (أنصار الإسلام) التي أعلنت عن نفسها في 10/12/2001، وكان هدفها بدايةً مقاتلة عناصر حزب (الاتحاد الوطني الكردستاني)، لكنها أخذت تتغذى بعناصر من (تنظيم القاعدة) في أفغانستان، وزاد عدد المنضمين إليها تصاعدياً بعد واقعة الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأخذت أيضاً تقيم المعسكرات التدريبية، وتأتي بالسلاح، وتجمع المعلومات عن كافة مدن العراق لأغراض لوجستية وعملياتية، بل تنشر عناصرها في مدن عراقية كثيرة من خلال فتح نوافذ اتصال مع السلفيين الجهاديين العراقيين في الموصل وسامراء والأنبار ومناطق غرب بغداد، إلا أن مقراتها الرئيسية في شمال العراق سرعان ما تم تدميرها بالكامل في إبريل 2003 من جانب القوات الأمريكية ما أدى إلى فرار ما تبقى من قياداتها وعناصرها إلى مدن عراقية يقطنها أهل السنة والجماعة من العراقيين، في وقت كانت فيه تلك المواقع الرئيسية قد أمنت طرق الإمدادات من إيران وسوريا، خاصة وأن الكثير من قيادات (تنظيم القاعدة) في أفغانستان غادرت بعد الحرب الأمريكية على نظام طالبان إلى إيران وفلسطين المحتلة وسوريا ولبنان وكل هذه الأمكنة لها طريق إلى العراق.

ومنذ 11 سبتمبر 2001، أصبح (تنظيم القاعدة) في العراق تنظيماً نزيلاً، ومنذ شهر أغسطس 2003 حيث تفجير مقر (السفارة الأردنية) في العاصمة بغداد، ومن ثم تفجير مقر الأمم المتحدة في 20/8/2003، وبالتالي اغتيال محمد باقر الحكيم، رئيس (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) بالنجف في 29/8/2003، أصبح هذا التنظيم حقيقة ملموسة، وأخذ يخترق الجغرافيا العراقية، بل الجغرافيا السكانية أيضاً، معولاً على شرائح عراقية مذهبية وسياسية وإجرامية محددة في تنفيذ أجندته بالعراق، هذا البلد الذي جعله (تنظيم القاعدة) مسرحاً للقتال بعد هزيمته في الحرب الأمريكية على نظام طالبان في أفغانستان.

بداية الانحسار

صار العراق في غضون سنوات قليلة بؤرة جاذبة لـ (تنظيم القاعدة) المترامي الأشلاء في مشرق الأرض ومغربها، وكانت فصائل عديدة من (المقاومة العراقية) قد آزرته في مساعيه لتدمير قدرات الاحتلال الأمريكي للعراق، إلا أن اغتيال محمد باقر الحكيم، وبالطريقة الإجرامية التي تم بها، أثار شكوك قيادات المقاومة، فتم الانفصال عن (القاعدة)، في حين ظل هذا التنظيم يضاعف من اتصالاته مع البعثيين الناقمين على الاحتلال، والصداميين الذين كانوا يرغبون في عودة صدام إلى الحكم، وشرائح من المجتمع السني العراقي بعد أن تم حقن ذهنيتها ومخيالها بأفكار طائفية تكفيرية متطرفة قائمة على فكرة أن السنة العراقيين الذين كانوا يحكمون العراق منذ عام 1921 حتى سقوط نظام صدام عام 2003، أصبحوا طائفة مذهبية مهمشة الحقوق، وثانوية المرتبة، ومغيبة الأدوار.

وكان البعثيون الناقمون، والصداميون الحالمون بعودة الرئيس، والشرائح السنية التي ضاع منها مفتاح الحكم العتيد، لديهم أمل بأن يعينهم (تنظيم القاعدة) على تحقيق أمانيهم، لكنهم وجدوا أنفسهم ضحايا المكر السياسي لهذا التنظيم، عندما صارت المدن التي يقطنها سنة العراق إمارات طالبانية، وصار العراق الجمهوري (دولة العراق الإسلامية) على طريقة أبو مصعب الزرقاوي وأبو عمر البغدادي، وصار دستوره يحكم بالتكفير وقطع الأعناق، وتلغيم الأجسام والحد من الأرزاق، وتدمير المنازل وقتل الناس في الأسواق. فكانت الصدمة عندما أصبح العراقيون يشعرون بأنهم فقدوا كل شيء من حولهم؛ فهويتهم تمسخ، ومالهم يضيع، ومدنهم تستباح، وحياتهم تتعطل، وكينونتهم إلى مصير مجهول، وأصبح المجاهد المسلم القادم من جحور أفغانستان لا يعدو أن يكون كائناً غريباً هائجاً يريد نسف الكينونة العراقية بتدمير مقدراتها وخصائصها المذهبية والسكانية والثقافية ليجيء رد الفعل معاكساً؛ فكانت الحرب على (تنظيم القاعدة)، بكل أشكاله، أشبه ما تكون بالحرب المجتمعية العامة تلك التي خاضها المجتمع السني العراقي بالتعاون مع قوات الاحتلال والقوات العسكرية والأمنية العراقية ما أدى إلى انحسار دور (تنظيم القاعدة) في العراق.

أيديولوجية نزيلة

كانت شرائح من البعثيين والصداميين وبعض السنة العراقيين الذين لا يروق لهم حكم الأغلبية في العراق على أساس ديمقراطي، هي الحاضنة السكانية والمجتمعية لـ (تنظيم القاعدة) في العراق ابتداء من منتصف عام 2001 حتى انحسار دور هذا التنظيم في العراق المحتل كما لاحت تباشيره عام 2007، إلا أن تخلي هذه الفئات من العراقيين عن (القاعدة) لا يمثل سوى أحد الأسباب التي أدت إلى اضمحلال أدواره بل وكيانه في العراق.

وما هو واضح، أن (تنظيم القاعدة) هو تنظيم نزيل ومستحدث على المجتمع العراقي، وإذا كان هذا التنظيم يستند مذهبياً إلى التيار السلفي الجهادي، فإن هذا التيار انحسر في العراق الحديث منذ عام 1924 وذلك عندما رحل محمود شكري الألوسي إلى جوار ربه، ووجد هذا التيار بعض ضالته في العراق منذ اندلاع حرب الخليج الأولى، إلا أنه كان مدعوماً من قبل النظام العراقي السابق حتى إن هذا الأخير كان يقوي عوده تارة ويقضي عليه تارة أخرى، رغم يقيني بأن صدام حسين لم يكن يقيم له وزناً، لكنه جعله ورقة لاستكشاف ما يفكر فيه بقايا (الإخوان المسلمين) العراقيين، وبقايا (حزب التحرير الإسلامي) العراقي، والجيل الجديد من سنة العراق أصحاب العمائم الذين كانوا يحلمون بإكمال دراساتهم العليا في جامعات ومعاهد المملكة العربية السعودية. وعلى الرغم من أن بصمة (القاعدة) في العراق كانت قاسية جداً، إلا أن غياب جذوره التنظيمية واللوجستية والفكرية والعقائدية في هذا البلد، وعلى نحو متراكم، كان أحد أسباب هشاشة وجوده المتأصل والمترسخ بالعراق ما يفقده إمكانية الدوام في هذا البلد.

يستند الفكر الفقهي لـ (تنظيم القاعدة) إلى رؤية تكفيرية حادة لمسلمي المذاهب الأخرى، رؤية تستلهم موروثات التكفير القديمة وتزيد عليها تطرف أيديولوجيات التكفير المعاصرة. وهذه الرؤية لم نجد لها أثراً ولا تطبيقاً لدى إسلاميي العراق السنة، الأحناف/ المالكية/ الشافعية/ الحنابلة على قلتهم بالعراق، والشيعة الجعفرية وغير الجعفرية. ولذلك كانت تجربة (تنظيم القاعدة) في العراق مريرة عندما كان يطرح مسألة تكفير مسلمي العراق على أساس مذهبي أو طائفي، خاصة تكفير الشيعة الجعفرية ويصفهم بـ (الروافض) في وقت كان فيه صدام نفسه يسمح لأي إسلامي أو قومي استخدام هذا المصطلح طيلة أيام حكمه، ولم يكن الإسلاميون العراقيون السنة يتداولونه، لا على الصعيد الجماهيري ولا على الصعيد النخبوي، ناهيك عن نأي عامة العراقيين عن استخدامه.

يستند الفكر الفقهي لـ (تنظيم القاعدة) إلى رؤية تكفيرية حادة لمسلمي المذاهب الأخرى

ورغم أن الفصائل العراقية المقاومة تماهى عملها مع رؤية (القاعدة) في هذا المجال، إلا أن السواد الغالب من المقاومة العراقية ما كان يستسيغ الوقوع في فخ توظيف المفاهيم الاستفزازية والرؤى التكفيرية المتطرفة في مخاطبة مجتمع لم يألفها أصلاً، وهو الفخ الذي سقط في حبائله (تنظيم القاعدة) وكان أحد أسباب انحساره

شَراك التعدد

إن أيديولوجيةً واحدية الاتجاه لن يكتب لها النجاح في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب والأعراق والثقافات كالمجتمع العراقي ذي الجذور العتيدة في النزعة التعددية. وأيديولوجية من هذا النوع هي التي تعتمل ذهنية أهل (القاعدة) ودعاتها في العراق، في وقت لم يتمكن الخطاب السياسي الإسلامي منفرداً، ولا الخطاب القومي منفرداً، ولا الخطاب الشيوعي منفرداً، ولا الخطاب الليبرالي منفرداً، أن يمارس طغيانه على حراك المجتمع العراقي، وعلى نظام الحكم فيه بأي شكل من الأشكال خلال قرن من الزمان مضى.

هذه حقيقة موضوعية يدركها (تنظيم القاعدة)، لكنه أصر على تجاهلها، فسقط كالأعمى في شراك قوة التعدد المرن إزاء أوهام إمكانية الانفراد بالعراق، ومسخ هوياته لصالح هوية واحدية فشلت في كل من مصر والسودان والجزائر والشيشان وأفغانستان.

وهناك تناقضات كثيرة بين ما تضمه أيديولوجية (تنظيم القاعدة) وما يتسم به المجتمع العراقي في كل مكوناته؛ السكانية والدينية والمذهبية والعرقية والثقافية. وفي ضوء ذلك، لن يكون لهذا التنظيم أي كينونة قابلة للبقاء والاستمرار في العراق وبالحجم الذي ظهر فيه منذ منتصف عام 2001 حتى نهاية عام 2007، إلا أن خيوط هذا التنظيم ستبقى في العراق ممتدة هنا وهناك، كما هي حال خيوطه في الجزائر والمغرب ومصر والسودان ولبنان وسوريا ودول مجلس التعاون الخليجي وإيران وأفغانستان وباكستان والشيشان، وغير ذلك من الدول في أوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

الصحوات العشائرية

بدا عام 2007 عاماً حافلاً بالإجراءات الميدانية على صعيد حصر (تنظيم القاعدة) في زوايا نهاياته بالعراق؛ فقد شهدت مناطق كثيرة في العراق ظهور نمط من المقاومة المعكوسة -إن صح التعبير- قادتها شرائح من المجتمع السني في العراق ضد (تنظيم القاعدة)، وهي التي صارت تعرف بـ (الصحوات) أو (رجال الصحوة) أو (صحوة العشائر) أو (مجلس صحوة الأنبار/ سامراء/ ديالى/ بعقوبة/ الموصل) التي انطلقت بداية في محافظة الأنبار، معقل خلايا (تنظيم القاعدة) ومسرح عملياتها وتدريباتها وخططها، وانتقلت إلى بقية المحافظات السنية الساخنة، بعد أن حققت تجربتها نجاحات باهرة في التصدي لخلايا القاعدة، وملاحقتها، وتصفيتها، واسترداد أغلب المواقع التي كانت عناصرها تتحرك فيها.

لقد تلقت خلايا (تنظيم القاعدة) الضربات المتلاحقة التي قصمت ظهر وجود هذا التنظيم في العراق، وكانت أحد أهم الأساليب المجتمعية المجدية ميدانياً على طريق التخلص من شرور هذه الجماعات العنفية المتطرفة، وانحسار حركتها، وربما اقتلاع وجودها جذرياً من العراق.

ومع ذلك، ومن نافلة القول أن العراق الذي قاتل (تنظيم القاعدة) بشراسة، وعلى نحو لافت، لا بد له من استحداث برامج مكثفة تزيل الآثار السلبية التي تركها هذا التنظيم في المجتمع العراقي طيلة السنوات الفائتة، برامج قد تستغرق عشرة أعوام مقبلة، وهذه هي مسؤولية العراق إزاء هذا الكائن الغريب الذي جلب للعراقيين الشؤم فعاث بهم وبهويتهم فساداً

::/fulltext::

44_62-eac
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2239::/cck::
::introtext::

حتى لحظة غزو الولايات المتحدة الأمريكية العراق في الربع الأول من عام 2003 بغية تحريره من نظام الدولة البعثية، كما يقول الأمريكيون، لم يكن العراقيون يسمعون بـ (تنظيم القاعدة) إلا من خلال الإذاعات العالمية يوم لم تكن الحكومة العراقية، وفي ظل نظام صدام حسين، تسمح للعراقيين بتداول القنوات التلفازية الفضائية حتى يتعرفوا إلى هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإسلامية ذات الرؤية المتشددة والفعل الدموي المتطرف.

::/introtext::
::fulltext::

ومن ناحية أخرى، حتى لحظة غزو الولايات المتحدة الأمريكية العراق في الربع الأول من عام 2003 بغية تحريره من نظام الدولة البعثية، كما يقول الأمريكيون، لم يكن العراقيون يسمعون بـ (تنظيم القاعدة) إلا من خلال الإذاعات العالمية يوم لم تكن الحكومة العراقية، وفي ظل نظام صدام حسين، تسمح للعراقيين بتداول القنوات التلفازية الفضائية حتى يتعرفوا إلى هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإسلامية ذات الرؤية المتشددة والفعل الدموي المتطرف.

في منتصف عام 2001، ظهرت جماعات إسلامية كردية ذات توجهات فقهية سلفية بمناطق كردية عدة في شمال العراق عرفت بأنها (جند الإسلام)، ولاحقاً عرفت بـ (أنصار الإسلام) التي أعلنت عن نفسها في 10/12/2001، وكان هدفها بدايةً مقاتلة عناصر حزب (الاتحاد الوطني الكردستاني)، لكنها أخذت تتغذى بعناصر من (تنظيم القاعدة) في أفغانستان، وزاد عدد المنضمين إليها تصاعدياً بعد واقعة الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأخذت أيضاً تقيم المعسكرات التدريبية، وتأتي بالسلاح، وتجمع المعلومات عن كافة مدن العراق لأغراض لوجستية وعملياتية، بل تنشر عناصرها في مدن عراقية كثيرة من خلال فتح نوافذ اتصال مع السلفيين الجهاديين العراقيين في الموصل وسامراء والأنبار ومناطق غرب بغداد، إلا أن مقراتها الرئيسية في شمال العراق سرعان ما تم تدميرها بالكامل في إبريل 2003 من جانب القوات الأمريكية ما أدى إلى فرار ما تبقى من قياداتها وعناصرها إلى مدن عراقية يقطنها أهل السنة والجماعة من العراقيين، في وقت كانت فيه تلك المواقع الرئيسية قد أمنت طرق الإمدادات من إيران وسوريا، خاصة وأن الكثير من قيادات (تنظيم القاعدة) في أفغانستان غادرت بعد الحرب الأمريكية على نظام طالبان إلى إيران وفلسطين المحتلة وسوريا ولبنان وكل هذه الأمكنة لها طريق إلى العراق.

ومنذ 11 سبتمبر 2001، أصبح (تنظيم القاعدة) في العراق تنظيماً نزيلاً، ومنذ شهر أغسطس 2003 حيث تفجير مقر (السفارة الأردنية) في العاصمة بغداد، ومن ثم تفجير مقر الأمم المتحدة في 20/8/2003، وبالتالي اغتيال محمد باقر الحكيم، رئيس (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) بالنجف في 29/8/2003، أصبح هذا التنظيم حقيقة ملموسة، وأخذ يخترق الجغرافيا العراقية، بل الجغرافيا السكانية أيضاً، معولاً على شرائح عراقية مذهبية وسياسية وإجرامية محددة في تنفيذ أجندته بالعراق، هذا البلد الذي جعله (تنظيم القاعدة) مسرحاً للقتال بعد هزيمته في الحرب الأمريكية على نظام طالبان في أفغانستان.

بداية الانحسار

صار العراق في غضون سنوات قليلة بؤرة جاذبة لـ (تنظيم القاعدة) المترامي الأشلاء في مشرق الأرض ومغربها، وكانت فصائل عديدة من (المقاومة العراقية) قد آزرته في مساعيه لتدمير قدرات الاحتلال الأمريكي للعراق، إلا أن اغتيال محمد باقر الحكيم، وبالطريقة الإجرامية التي تم بها، أثار شكوك قيادات المقاومة، فتم الانفصال عن (القاعدة)، في حين ظل هذا التنظيم يضاعف من اتصالاته مع البعثيين الناقمين على الاحتلال، والصداميين الذين كانوا يرغبون في عودة صدام إلى الحكم، وشرائح من المجتمع السني العراقي بعد أن تم حقن ذهنيتها ومخيالها بأفكار طائفية تكفيرية متطرفة قائمة على فكرة أن السنة العراقيين الذين كانوا يحكمون العراق منذ عام 1921 حتى سقوط نظام صدام عام 2003، أصبحوا طائفة مذهبية مهمشة الحقوق، وثانوية المرتبة، ومغيبة الأدوار.

وكان البعثيون الناقمون، والصداميون الحالمون بعودة الرئيس، والشرائح السنية التي ضاع منها مفتاح الحكم العتيد، لديهم أمل بأن يعينهم (تنظيم القاعدة) على تحقيق أمانيهم، لكنهم وجدوا أنفسهم ضحايا المكر السياسي لهذا التنظيم، عندما صارت المدن التي يقطنها سنة العراق إمارات طالبانية، وصار العراق الجمهوري (دولة العراق الإسلامية) على طريقة أبو مصعب الزرقاوي وأبو عمر البغدادي، وصار دستوره يحكم بالتكفير وقطع الأعناق، وتلغيم الأجسام والحد من الأرزاق، وتدمير المنازل وقتل الناس في الأسواق. فكانت الصدمة عندما أصبح العراقيون يشعرون بأنهم فقدوا كل شيء من حولهم؛ فهويتهم تمسخ، ومالهم يضيع، ومدنهم تستباح، وحياتهم تتعطل، وكينونتهم إلى مصير مجهول، وأصبح المجاهد المسلم القادم من جحور أفغانستان لا يعدو أن يكون كائناً غريباً هائجاً يريد نسف الكينونة العراقية بتدمير مقدراتها وخصائصها المذهبية والسكانية والثقافية ليجيء رد الفعل معاكساً؛ فكانت الحرب على (تنظيم القاعدة)، بكل أشكاله، أشبه ما تكون بالحرب المجتمعية العامة تلك التي خاضها المجتمع السني العراقي بالتعاون مع قوات الاحتلال والقوات العسكرية والأمنية العراقية ما أدى إلى انحسار دور (تنظيم القاعدة) في العراق.

أيديولوجية نزيلة

كانت شرائح من البعثيين والصداميين وبعض السنة العراقيين الذين لا يروق لهم حكم الأغلبية في العراق على أساس ديمقراطي، هي الحاضنة السكانية والمجتمعية لـ (تنظيم القاعدة) في العراق ابتداء من منتصف عام 2001 حتى انحسار دور هذا التنظيم في العراق المحتل كما لاحت تباشيره عام 2007، إلا أن تخلي هذه الفئات من العراقيين عن (القاعدة) لا يمثل سوى أحد الأسباب التي أدت إلى اضمحلال أدواره بل وكيانه في العراق.

وما هو واضح، أن (تنظيم القاعدة) هو تنظيم نزيل ومستحدث على المجتمع العراقي، وإذا كان هذا التنظيم يستند مذهبياً إلى التيار السلفي الجهادي، فإن هذا التيار انحسر في العراق الحديث منذ عام 1924 وذلك عندما رحل محمود شكري الألوسي إلى جوار ربه، ووجد هذا التيار بعض ضالته في العراق منذ اندلاع حرب الخليج الأولى، إلا أنه كان مدعوماً من قبل النظام العراقي السابق حتى إن هذا الأخير كان يقوي عوده تارة ويقضي عليه تارة أخرى، رغم يقيني بأن صدام حسين لم يكن يقيم له وزناً، لكنه جعله ورقة لاستكشاف ما يفكر فيه بقايا (الإخوان المسلمين) العراقيين، وبقايا (حزب التحرير الإسلامي) العراقي، والجيل الجديد من سنة العراق أصحاب العمائم الذين كانوا يحلمون بإكمال دراساتهم العليا في جامعات ومعاهد المملكة العربية السعودية. وعلى الرغم من أن بصمة (القاعدة) في العراق كانت قاسية جداً، إلا أن غياب جذوره التنظيمية واللوجستية والفكرية والعقائدية في هذا البلد، وعلى نحو متراكم، كان أحد أسباب هشاشة وجوده المتأصل والمترسخ بالعراق ما يفقده إمكانية الدوام في هذا البلد.

يستند الفكر الفقهي لـ (تنظيم القاعدة) إلى رؤية تكفيرية حادة لمسلمي المذاهب الأخرى، رؤية تستلهم موروثات التكفير القديمة وتزيد عليها تطرف أيديولوجيات التكفير المعاصرة. وهذه الرؤية لم نجد لها أثراً ولا تطبيقاً لدى إسلاميي العراق السنة، الأحناف/ المالكية/ الشافعية/ الحنابلة على قلتهم بالعراق، والشيعة الجعفرية وغير الجعفرية. ولذلك كانت تجربة (تنظيم القاعدة) في العراق مريرة عندما كان يطرح مسألة تكفير مسلمي العراق على أساس مذهبي أو طائفي، خاصة تكفير الشيعة الجعفرية ويصفهم بـ (الروافض) في وقت كان فيه صدام نفسه يسمح لأي إسلامي أو قومي استخدام هذا المصطلح طيلة أيام حكمه، ولم يكن الإسلاميون العراقيون السنة يتداولونه، لا على الصعيد الجماهيري ولا على الصعيد النخبوي، ناهيك عن نأي عامة العراقيين عن استخدامه.

يستند الفكر الفقهي لـ (تنظيم القاعدة) إلى رؤية تكفيرية حادة لمسلمي المذاهب الأخرى

ورغم أن الفصائل العراقية المقاومة تماهى عملها مع رؤية (القاعدة) في هذا المجال، إلا أن السواد الغالب من المقاومة العراقية ما كان يستسيغ الوقوع في فخ توظيف المفاهيم الاستفزازية والرؤى التكفيرية المتطرفة في مخاطبة مجتمع لم يألفها أصلاً، وهو الفخ الذي سقط في حبائله (تنظيم القاعدة) وكان أحد أسباب انحساره

شَراك التعدد

إن أيديولوجيةً واحدية الاتجاه لن يكتب لها النجاح في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب والأعراق والثقافات كالمجتمع العراقي ذي الجذور العتيدة في النزعة التعددية. وأيديولوجية من هذا النوع هي التي تعتمل ذهنية أهل (القاعدة) ودعاتها في العراق، في وقت لم يتمكن الخطاب السياسي الإسلامي منفرداً، ولا الخطاب القومي منفرداً، ولا الخطاب الشيوعي منفرداً، ولا الخطاب الليبرالي منفرداً، أن يمارس طغيانه على حراك المجتمع العراقي، وعلى نظام الحكم فيه بأي شكل من الأشكال خلال قرن من الزمان مضى.

هذه حقيقة موضوعية يدركها (تنظيم القاعدة)، لكنه أصر على تجاهلها، فسقط كالأعمى في شراك قوة التعدد المرن إزاء أوهام إمكانية الانفراد بالعراق، ومسخ هوياته لصالح هوية واحدية فشلت في كل من مصر والسودان والجزائر والشيشان وأفغانستان.

وهناك تناقضات كثيرة بين ما تضمه أيديولوجية (تنظيم القاعدة) وما يتسم به المجتمع العراقي في كل مكوناته؛ السكانية والدينية والمذهبية والعرقية والثقافية. وفي ضوء ذلك، لن يكون لهذا التنظيم أي كينونة قابلة للبقاء والاستمرار في العراق وبالحجم الذي ظهر فيه منذ منتصف عام 2001 حتى نهاية عام 2007، إلا أن خيوط هذا التنظيم ستبقى في العراق ممتدة هنا وهناك، كما هي حال خيوطه في الجزائر والمغرب ومصر والسودان ولبنان وسوريا ودول مجلس التعاون الخليجي وإيران وأفغانستان وباكستان والشيشان، وغير ذلك من الدول في أوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

الصحوات العشائرية

بدا عام 2007 عاماً حافلاً بالإجراءات الميدانية على صعيد حصر (تنظيم القاعدة) في زوايا نهاياته بالعراق؛ فقد شهدت مناطق كثيرة في العراق ظهور نمط من المقاومة المعكوسة -إن صح التعبير- قادتها شرائح من المجتمع السني في العراق ضد (تنظيم القاعدة)، وهي التي صارت تعرف بـ (الصحوات) أو (رجال الصحوة) أو (صحوة العشائر) أو (مجلس صحوة الأنبار/ سامراء/ ديالى/ بعقوبة/ الموصل) التي انطلقت بداية في محافظة الأنبار، معقل خلايا (تنظيم القاعدة) ومسرح عملياتها وتدريباتها وخططها، وانتقلت إلى بقية المحافظات السنية الساخنة، بعد أن حققت تجربتها نجاحات باهرة في التصدي لخلايا القاعدة، وملاحقتها، وتصفيتها، واسترداد أغلب المواقع التي كانت عناصرها تتحرك فيها.

لقد تلقت خلايا (تنظيم القاعدة) الضربات المتلاحقة التي قصمت ظهر وجود هذا التنظيم في العراق، وكانت أحد أهم الأساليب المجتمعية المجدية ميدانياً على طريق التخلص من شرور هذه الجماعات العنفية المتطرفة، وانحسار حركتها، وربما اقتلاع وجودها جذرياً من العراق.

ومع ذلك، ومن نافلة القول أن العراق الذي قاتل (تنظيم القاعدة) بشراسة، وعلى نحو لافت، لا بد له من استحداث برامج مكثفة تزيل الآثار السلبية التي تركها هذا التنظيم في المجتمع العراقي طيلة السنوات الفائتة، برامج قد تستغرق عشرة أعوام مقبلة، وهذه هي مسؤولية العراق إزاء هذا الكائن الغريب الذي جلب للعراقيين الشؤم فعاث بهم وبهويتهم فساداً

::/fulltext::
::cck::2239::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *