اتفاقيات التجارة الحرة وانعكاساتها على اقتصادات دول مجلس التعاون
::cck::2264::/cck::
::introtext::
تعتبر منظمة التجارة العالمية والمعروفة اختصاراً باسم (دبليو تي أو) اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والإقليمية تهديداً لمبادئها وأهدافها. فقد تبين لي ذلك من خلال مشاركتي الشخصية في منتدى منظمة التجارة العالمية للعام 2007 بتاريخ الرابع والخامس من شهر أكتوبر الماضي في مقر المنظمة في جنيف بسويسرا.
::/introtext::
::fulltext::
تعتبر منظمة التجارة العالمية والمعروفة اختصاراً باسم (دبليو تي أو) اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والإقليمية تهديداً لمبادئها وأهدافها. فقد تبين لي ذلك من خلال مشاركتي الشخصية في منتدى منظمة التجارة العالمية للعام 2007 بتاريخ الرابع والخامس من شهر أكتوبر الماضي في مقر المنظمة في جنيف بسويسرا.
تسمي المنظمة اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية باتفاقيات التجارة التفضيلية، ويمكن الزعم بأن هذه التسمية أقرب للواقع لأنها اتفاقيات تخص دولتين أو عدداً من الدول، لكنها ليست حرة بالنسبة للدول الأخرى الأعضاء في المنظمة الدولية.
ولا بأس بمنح القارئ الكريم نبذة عما جاء في المنتدى بخصوص اتفاقيات التجارة الحرة. حيث انطلقت أعمال المنتدى بكلمة للمدير العام لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي حول دور المنظمة في تعزيز التجارة بين الدول الأعضاء (تضم المنظمة نحو 150 عضواً). وشدد الفرنسي لامي على أن اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية تمثل عقبة كأداء في تحقيق هدف إنهاء مفاوضات الدوحة لتحرير التجارة الدولية. وكانت المفاوضات قد انطلقت من العاصمة القطرية في العام 2001 بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من التجارة الحرة بين الدول الأعضاء وفي مقدمتها وضع ضوابط بخصوص الدعم المقدم للقطاع الزراعي.
تعثر العولمة التجارية
بدوره اتهم البروفيسور كشور مانهاباني عميد كلية (لي كوان يو) للإدارة العامة بالجامعة الوطنية في سنغافورة كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي على حد سواء بعرقلة جهود التوصل إلى حل نهائي لجولة الدوحة لتحرير التجارة العالمية لأنها غير قادرة على مواجهة الاقتصاديات الكبيرة النامية وخاصة الصين والهند والبرازيل. ورأى مانهاباني أن الدول التي كانت حتى الأمس القريب تبشر بفوائد العولمة هي من تقف حجر عثرة أمام تحرير التجارة العالمية لسبب جوهري هو عدم قدرتها على منافسة المنتجات القادمة من الدول الآسيوية على وجه التحديد.
وزعم محدثنا السنغافوري -والذي عمل ممثلاً لبلاده في الأمم المتحدة لمدة ست سنوات- بأن القوتين الاقتصاديتين على جانبي المحيط الأطلسي غير قادرتين على مواجهة الاقتصاديات الكبيرة النامية وخاصة الصين والهند والبرازيل. ورأى محدثنا أن الدول التي كانت حتى الأمس القريب تبشر بفوائد العولمة (أي إزالة القيود بين الدول) هي من تقف حجر عثرة أمام التجارة لسبب جوهري هو عدم قدرتها على مواجهة المارد الآسيوي على وجه التحديد.
كما أبدى البروفيسور فينود أغراوال من جامعة كاليفورنيا (بيركلي) خشيته من أن تتسبب اتفاقيات التجارة الثنائية والإقليمية بانهيار مفاوضات جولة الدوحة في نهاية المطاف. ورأى أغراوال بأن الاقتصاديات الكبيرة ومن بينها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا تميل للاتفاقيات الثنائية والإقليمية لأن بمقدورها فرض شروطها على الاقتصاديات الصغيرة، مستفيدة من حاجة هذه الدول للانفتاح على الأسواق الكبرى لمساعدتها في القضاء على بعض مشكلاتها الاقتصادية.
يمثل الانهيار المحتمل لمفاوضات جولة الدوحة المتعددة الأطراف خسارة للدول النامية على وجه التحديد لأنها سوف تدفع باتجاه إبرام المزيد من الاتفاقيات الثنائية وليست الجماعية، الأمر الذي يخدم مصالح الاقتصاديات الكبيرة حيث بمقدورها فرض شروطها على الاقتصاديات الصغيرة نسبياً، وتحصل الاقتصاديات الرئيسية في العالم مثل الولايات المتحدة بموجب الاتفاقيات الثنائية على فرص لفرض شروطها وذلك استناداً إلى قوة اقتصادها.

الدول التي كانت حتى الأمس القريب تبشر بفوائد العولمة هي من تقف حجر عثرة أمام تحرير التجارة العالمية
إيجابيات الاتفاقيات الثنائية
حقيقة القول فإن أكثر ما يميز دول مجلس التعاون الخليجي عن التجمعات الإقليمية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي هو استعداد بعض الدول الأعضاء فيها لإبرام اتفاقيات حرة ثنائية. والإشارة هنا إلى قيام كل من البحرين وسلطنة عمان بالتوقيع على اتفاقيات ثنائية بشكل منفرد مع الولايات المتحدة في محاولة واضحة للحصول على مكاسب اقتصادية خاصة، وكانت البحرين سباقة في هذا المجال حيث وقعت اتفاقية ثنائية مع الولايات المتحدة في سبتمبر من العام 2004 دخلت حيز التنفيذ في أغسطس من عام 2006.
وتعتبر سوق الواردات في الولايات المتحدة الأكبر في العالم على الإطلاق والأكثر انفتاحاً بين اقتصاديات الدول المتقدمة، الأمر الذي يشجع بعض الدول الأخرى على توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة معها. والكعكة الأمريكية عبارة عن واردات ضخمة (تزيد فاتورة الولايات المتحدة في ما يخص استيراد السلع والخدمات على 2000 مليار دولار أي الأكبر في العالم على الإطلاق). وعليه ترغب العديد من الدول في التصدير للسوق الأمريكية أملاً منها في القضاء على تحدياتها الاقتصادية مثل توفير فرص العمل لمواطنيها.
كما تأمل البحرين وعُمان في استقطاب استثمارات من الولايات المتحدة بعد تحسين التشريعات وخاصة حماية الملكية الفكرية وحقوق العمالة الأجنبية. وحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أو (الأونكتاد) تعتبر الولايات المتحدة مصدراً رئيسياً للاستثمارات الأجنبية المباشرةفي العالم. واستناداً للتقرير نفسه، بلغ حجم تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة (الخارجة) 1216 مليار دولار في العالم في العام 2006 (منها 217 مليار دولار استثمارات مصدرها الولايات المتحدة، أي نحو 18 في المائة من المجموع).
سلبيات الاتفاقيات الثنائية
فقد رضخت البحرين للشروط الأمريكية بخصوص استصدار تشريع خاص لاحترام الملكية الفكرية كشرط لدخول اتفاقية التجارة المبرمة بين الطرفين حيز التنفيذ. وبدورها أقدمت سلطنة عمان على إجراء تغييرات واسعة في قانون العمل تضمنت منح المواطنين والأجانب حرية تشكيل النقابات وذلك قبل أيام من تصويت الكونغرس على الاتفاقية في عام 2006. كما تضمنت التعديلات منح العمال حق القيام بمظاهرات سلمية إضافة إلى فرض جزاءات على المؤسسات التي تقوم بتوظيف الأحداث.
في المحصلة تمثل الخطوة التي أقدمت عليها كل من البحرين وبعدها عُمان بالدخول في اتفاقية منفصلة للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة تحدياً لصدقية مبدأ الاتحاد الجمركي في إطار مشروع التكامل الاقتصادي الخليجي، وتتناقض الاتفاقيات مع مبدأ توحيد التجارة الخارجية مع الدول غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. والجدير ذكره أن مشروع الاتحاد الجمركي دخل حيز التنفيذ في بداية العام 2003. كما تم في الدورة السادسة والعشرين التي عقدت في أبوظبي في نهاية عام 2005 اعتماد المجلس الأعلى وثيقة (السياسة التجارية الموحدة) مع العالم الخارجي، ويعتبر توحيد السياسات التجارية الخارجية مع الدول الأخرى أو غير الأعضاء من ضمن شروط الاتحاد الجمركي.
مفاوضات جماعية
من جهة أخرى، تأمل دول مجلس التعاون في إبرام اتفاقيات للتجارة الحرة بشكل جماعي مع بعض الجهات الأخرى وخاصة الاتحاد الأوروبي والصين. وبالعودة إلى الوراء، نجد المحادثات انطلقت بشأن منطقة للتجارة الحرة بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي في عام 1988، بيد أنه لم يتم إحراز تقدم يذكر لفترة طويلة نسبياً بسبب إصرار الجانب الأوروبي على الإتيان بأمور جديدة. فقد طلب الأوروبيون في بعض الفترات متغيرات جديدة مثل عدم إساءة استخدام البيئة وضرورة منح الأقليات الموجودة في دول الخليج حقوقهم، وبالتأكيد كانت هناك المسائل الاعتيادية مثل حقوق الإنسان والإصلاح السياسي. لكن يبدو أن الاتحاد الأوروبي قرر تجاوز المسائل السياسية والانطلاق نحو المستقبل لسبب جوهري وهو الخطر الأمريكي، حيث ترغب الولايات المتحدة في إقامة منطقة للتجارة الحرة في منطقة الشرق الأوسط بحلول عام 2013، فقد أبرمت أمريكا اتفاقيات منفصلة مع كل من الأردن والمغرب والبحرين وعُمان.
ترغب العديد من الدول في التصدير للسوق الأمريكية أملاً منها في القضاء على تحدياتها الاقتصادية
وينصب طلب الاتحاد الأوروبي حالياً على ضرورة إزالة شرط تقييد التملك الأجنبي بنسبة 49 في المائة في دول مجلس التعاون الخليجي. التي هي بدورها ترغب في حل بعض القضايا الأخرى مثل مسألة فرض الرسوم على الألمنيوم الخليجي المصدر إلى دول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن إفساح المجال للصادرات الخليجية من البتروكيماويات إلى داخل الاتحاد الأوروبي من دون قيود.
إضافة إلى ذلك، دخلت دول مجلس التعاون محادثات رسمية مع الصين ابتداء من عام 2004 لغرض إنشاء منطقة للتجارة بين الطرفين. وتأمل الصين في الوصول إلى اتفاقية للتجارة الحرة مع دول المجلس في أقرب وقت ممكن بخصوص السلع وليس الخدمات. والمعروف أن الصين تتمتع بميزة تصدير السلع على وجه الخصوص نظراً لأن الاقتصاد الصيني لا يتمتع بميزة تنافسية في مجال الخدمات في الوقت الحاضر على أقل تقدير.
البديل السهل
يخشى أن تكون الاتفاقيات الثنائية بديلاً سهلاً عن الاتفاقيات الجماعية بدليل انتشارها في الآونة الأخيرة، كما هو ظاهر من اندفاع الولايات المتحدة نحو إبرام المزيد من الاتفاقيات الثنائية (لدى الولايات المتحدة اتفاقيات للتجارة مع العديد من دول العالم من بينها الأردن والمغرب وتشيلي وأستراليا وسنغافورة). والوضع نفسه ينطبق على الاتحاد الأوروبي في ما يخص إبرام اتفاقيات إقليمية مع مجموعات إقليمية في جنوب شرق آسيا ومجلس التعاون الخليجي.
وتتميز الاتفاقيات الثنائية بالسرعة في إبرامها خلافاً للاتفاقيات الجماعية. وبالعودة إلى الوراء نجد أنه تم التوقيع على اتفاق لإنشاء منطقة للتجارة بين البلدين في شهر سبتمبر من عام 2004 في واشنطن. وقد انطلقت المفاوضات بين الولايات المتحدة والبحرين في شهر يناير من عام 2004 في المنامة، واستمرت لنحو خمسة شهور. وذكر حينها أن المفاوضات كانت الأسرع من بين الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها الولايات المتحدة مع الدول الأخرى. وبالمقابل، حتى تاريخ كتابة هذا المقال، لم يتمكن كل من الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي من التوقيع على اتفاقية إنشاء منطقة للتجارة الحرة بين الجانبين بعد نحو 20 سنة من انطلاق المحادثات. كما مر على بدء مفاوضات جولة الدوحة ست سنوات من دون وجود بصيص أمل على تحقيق نتائج إيجابية.
ختاماً يعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية وراء تعثر مفاوضات الدوحة يعود بالضرورة إلى شيوع ظاهرة اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية. بل بات في حكم المؤكد أن فشل جولة الدوحة في تحرير التجارة العالمية سيؤدي بالضرورة إلى المزيد من الاتفاقيات الثنائية على حساب المعاهدات الجماعية. وبالمقابل هناك من يزعم بأن التوجه نحو الاتفاقيات الثنائية مرده صعوبة إبرام اتفاقية متعددة الأطراف تماماً كما هي الحال مع جولة الدوحة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2264::/cck::
::introtext::
تعتبر منظمة التجارة العالمية والمعروفة اختصاراً باسم (دبليو تي أو) اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والإقليمية تهديداً لمبادئها وأهدافها. فقد تبين لي ذلك من خلال مشاركتي الشخصية في منتدى منظمة التجارة العالمية للعام 2007 بتاريخ الرابع والخامس من شهر أكتوبر الماضي في مقر المنظمة في جنيف بسويسرا.
::/introtext::
::fulltext::
تعتبر منظمة التجارة العالمية والمعروفة اختصاراً باسم (دبليو تي أو) اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والإقليمية تهديداً لمبادئها وأهدافها. فقد تبين لي ذلك من خلال مشاركتي الشخصية في منتدى منظمة التجارة العالمية للعام 2007 بتاريخ الرابع والخامس من شهر أكتوبر الماضي في مقر المنظمة في جنيف بسويسرا.
تسمي المنظمة اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية باتفاقيات التجارة التفضيلية، ويمكن الزعم بأن هذه التسمية أقرب للواقع لأنها اتفاقيات تخص دولتين أو عدداً من الدول، لكنها ليست حرة بالنسبة للدول الأخرى الأعضاء في المنظمة الدولية.
ولا بأس بمنح القارئ الكريم نبذة عما جاء في المنتدى بخصوص اتفاقيات التجارة الحرة. حيث انطلقت أعمال المنتدى بكلمة للمدير العام لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي حول دور المنظمة في تعزيز التجارة بين الدول الأعضاء (تضم المنظمة نحو 150 عضواً). وشدد الفرنسي لامي على أن اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية تمثل عقبة كأداء في تحقيق هدف إنهاء مفاوضات الدوحة لتحرير التجارة الدولية. وكانت المفاوضات قد انطلقت من العاصمة القطرية في العام 2001 بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من التجارة الحرة بين الدول الأعضاء وفي مقدمتها وضع ضوابط بخصوص الدعم المقدم للقطاع الزراعي.
تعثر العولمة التجارية
بدوره اتهم البروفيسور كشور مانهاباني عميد كلية (لي كوان يو) للإدارة العامة بالجامعة الوطنية في سنغافورة كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي على حد سواء بعرقلة جهود التوصل إلى حل نهائي لجولة الدوحة لتحرير التجارة العالمية لأنها غير قادرة على مواجهة الاقتصاديات الكبيرة النامية وخاصة الصين والهند والبرازيل. ورأى مانهاباني أن الدول التي كانت حتى الأمس القريب تبشر بفوائد العولمة هي من تقف حجر عثرة أمام تحرير التجارة العالمية لسبب جوهري هو عدم قدرتها على منافسة المنتجات القادمة من الدول الآسيوية على وجه التحديد.
وزعم محدثنا السنغافوري -والذي عمل ممثلاً لبلاده في الأمم المتحدة لمدة ست سنوات- بأن القوتين الاقتصاديتين على جانبي المحيط الأطلسي غير قادرتين على مواجهة الاقتصاديات الكبيرة النامية وخاصة الصين والهند والبرازيل. ورأى محدثنا أن الدول التي كانت حتى الأمس القريب تبشر بفوائد العولمة (أي إزالة القيود بين الدول) هي من تقف حجر عثرة أمام التجارة لسبب جوهري هو عدم قدرتها على مواجهة المارد الآسيوي على وجه التحديد.
كما أبدى البروفيسور فينود أغراوال من جامعة كاليفورنيا (بيركلي) خشيته من أن تتسبب اتفاقيات التجارة الثنائية والإقليمية بانهيار مفاوضات جولة الدوحة في نهاية المطاف. ورأى أغراوال بأن الاقتصاديات الكبيرة ومن بينها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا تميل للاتفاقيات الثنائية والإقليمية لأن بمقدورها فرض شروطها على الاقتصاديات الصغيرة، مستفيدة من حاجة هذه الدول للانفتاح على الأسواق الكبرى لمساعدتها في القضاء على بعض مشكلاتها الاقتصادية.
يمثل الانهيار المحتمل لمفاوضات جولة الدوحة المتعددة الأطراف خسارة للدول النامية على وجه التحديد لأنها سوف تدفع باتجاه إبرام المزيد من الاتفاقيات الثنائية وليست الجماعية، الأمر الذي يخدم مصالح الاقتصاديات الكبيرة حيث بمقدورها فرض شروطها على الاقتصاديات الصغيرة نسبياً، وتحصل الاقتصاديات الرئيسية في العالم مثل الولايات المتحدة بموجب الاتفاقيات الثنائية على فرص لفرض شروطها وذلك استناداً إلى قوة اقتصادها.

الدول التي كانت حتى الأمس القريب تبشر بفوائد العولمة هي من تقف حجر عثرة أمام تحرير التجارة العالمية
إيجابيات الاتفاقيات الثنائية
حقيقة القول فإن أكثر ما يميز دول مجلس التعاون الخليجي عن التجمعات الإقليمية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي هو استعداد بعض الدول الأعضاء فيها لإبرام اتفاقيات حرة ثنائية. والإشارة هنا إلى قيام كل من البحرين وسلطنة عمان بالتوقيع على اتفاقيات ثنائية بشكل منفرد مع الولايات المتحدة في محاولة واضحة للحصول على مكاسب اقتصادية خاصة، وكانت البحرين سباقة في هذا المجال حيث وقعت اتفاقية ثنائية مع الولايات المتحدة في سبتمبر من العام 2004 دخلت حيز التنفيذ في أغسطس من عام 2006.
وتعتبر سوق الواردات في الولايات المتحدة الأكبر في العالم على الإطلاق والأكثر انفتاحاً بين اقتصاديات الدول المتقدمة، الأمر الذي يشجع بعض الدول الأخرى على توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة معها. والكعكة الأمريكية عبارة عن واردات ضخمة (تزيد فاتورة الولايات المتحدة في ما يخص استيراد السلع والخدمات على 2000 مليار دولار أي الأكبر في العالم على الإطلاق). وعليه ترغب العديد من الدول في التصدير للسوق الأمريكية أملاً منها في القضاء على تحدياتها الاقتصادية مثل توفير فرص العمل لمواطنيها.
كما تأمل البحرين وعُمان في استقطاب استثمارات من الولايات المتحدة بعد تحسين التشريعات وخاصة حماية الملكية الفكرية وحقوق العمالة الأجنبية. وحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أو (الأونكتاد) تعتبر الولايات المتحدة مصدراً رئيسياً للاستثمارات الأجنبية المباشرةفي العالم. واستناداً للتقرير نفسه، بلغ حجم تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة (الخارجة) 1216 مليار دولار في العالم في العام 2006 (منها 217 مليار دولار استثمارات مصدرها الولايات المتحدة، أي نحو 18 في المائة من المجموع).
سلبيات الاتفاقيات الثنائية
فقد رضخت البحرين للشروط الأمريكية بخصوص استصدار تشريع خاص لاحترام الملكية الفكرية كشرط لدخول اتفاقية التجارة المبرمة بين الطرفين حيز التنفيذ. وبدورها أقدمت سلطنة عمان على إجراء تغييرات واسعة في قانون العمل تضمنت منح المواطنين والأجانب حرية تشكيل النقابات وذلك قبل أيام من تصويت الكونغرس على الاتفاقية في عام 2006. كما تضمنت التعديلات منح العمال حق القيام بمظاهرات سلمية إضافة إلى فرض جزاءات على المؤسسات التي تقوم بتوظيف الأحداث.
في المحصلة تمثل الخطوة التي أقدمت عليها كل من البحرين وبعدها عُمان بالدخول في اتفاقية منفصلة للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة تحدياً لصدقية مبدأ الاتحاد الجمركي في إطار مشروع التكامل الاقتصادي الخليجي، وتتناقض الاتفاقيات مع مبدأ توحيد التجارة الخارجية مع الدول غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. والجدير ذكره أن مشروع الاتحاد الجمركي دخل حيز التنفيذ في بداية العام 2003. كما تم في الدورة السادسة والعشرين التي عقدت في أبوظبي في نهاية عام 2005 اعتماد المجلس الأعلى وثيقة (السياسة التجارية الموحدة) مع العالم الخارجي، ويعتبر توحيد السياسات التجارية الخارجية مع الدول الأخرى أو غير الأعضاء من ضمن شروط الاتحاد الجمركي.
مفاوضات جماعية
من جهة أخرى، تأمل دول مجلس التعاون في إبرام اتفاقيات للتجارة الحرة بشكل جماعي مع بعض الجهات الأخرى وخاصة الاتحاد الأوروبي والصين. وبالعودة إلى الوراء، نجد المحادثات انطلقت بشأن منطقة للتجارة الحرة بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي في عام 1988، بيد أنه لم يتم إحراز تقدم يذكر لفترة طويلة نسبياً بسبب إصرار الجانب الأوروبي على الإتيان بأمور جديدة. فقد طلب الأوروبيون في بعض الفترات متغيرات جديدة مثل عدم إساءة استخدام البيئة وضرورة منح الأقليات الموجودة في دول الخليج حقوقهم، وبالتأكيد كانت هناك المسائل الاعتيادية مثل حقوق الإنسان والإصلاح السياسي. لكن يبدو أن الاتحاد الأوروبي قرر تجاوز المسائل السياسية والانطلاق نحو المستقبل لسبب جوهري وهو الخطر الأمريكي، حيث ترغب الولايات المتحدة في إقامة منطقة للتجارة الحرة في منطقة الشرق الأوسط بحلول عام 2013، فقد أبرمت أمريكا اتفاقيات منفصلة مع كل من الأردن والمغرب والبحرين وعُمان.
ترغب العديد من الدول في التصدير للسوق الأمريكية أملاً منها في القضاء على تحدياتها الاقتصادية
وينصب طلب الاتحاد الأوروبي حالياً على ضرورة إزالة شرط تقييد التملك الأجنبي بنسبة 49 في المائة في دول مجلس التعاون الخليجي. التي هي بدورها ترغب في حل بعض القضايا الأخرى مثل مسألة فرض الرسوم على الألمنيوم الخليجي المصدر إلى دول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن إفساح المجال للصادرات الخليجية من البتروكيماويات إلى داخل الاتحاد الأوروبي من دون قيود.
إضافة إلى ذلك، دخلت دول مجلس التعاون محادثات رسمية مع الصين ابتداء من عام 2004 لغرض إنشاء منطقة للتجارة بين الطرفين. وتأمل الصين في الوصول إلى اتفاقية للتجارة الحرة مع دول المجلس في أقرب وقت ممكن بخصوص السلع وليس الخدمات. والمعروف أن الصين تتمتع بميزة تصدير السلع على وجه الخصوص نظراً لأن الاقتصاد الصيني لا يتمتع بميزة تنافسية في مجال الخدمات في الوقت الحاضر على أقل تقدير.
البديل السهل
يخشى أن تكون الاتفاقيات الثنائية بديلاً سهلاً عن الاتفاقيات الجماعية بدليل انتشارها في الآونة الأخيرة، كما هو ظاهر من اندفاع الولايات المتحدة نحو إبرام المزيد من الاتفاقيات الثنائية (لدى الولايات المتحدة اتفاقيات للتجارة مع العديد من دول العالم من بينها الأردن والمغرب وتشيلي وأستراليا وسنغافورة). والوضع نفسه ينطبق على الاتحاد الأوروبي في ما يخص إبرام اتفاقيات إقليمية مع مجموعات إقليمية في جنوب شرق آسيا ومجلس التعاون الخليجي.
وتتميز الاتفاقيات الثنائية بالسرعة في إبرامها خلافاً للاتفاقيات الجماعية. وبالعودة إلى الوراء نجد أنه تم التوقيع على اتفاق لإنشاء منطقة للتجارة بين البلدين في شهر سبتمبر من عام 2004 في واشنطن. وقد انطلقت المفاوضات بين الولايات المتحدة والبحرين في شهر يناير من عام 2004 في المنامة، واستمرت لنحو خمسة شهور. وذكر حينها أن المفاوضات كانت الأسرع من بين الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها الولايات المتحدة مع الدول الأخرى. وبالمقابل، حتى تاريخ كتابة هذا المقال، لم يتمكن كل من الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي من التوقيع على اتفاقية إنشاء منطقة للتجارة الحرة بين الجانبين بعد نحو 20 سنة من انطلاق المحادثات. كما مر على بدء مفاوضات جولة الدوحة ست سنوات من دون وجود بصيص أمل على تحقيق نتائج إيجابية.
ختاماً يعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية وراء تعثر مفاوضات الدوحة يعود بالضرورة إلى شيوع ظاهرة اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية. بل بات في حكم المؤكد أن فشل جولة الدوحة في تحرير التجارة العالمية سيؤدي بالضرورة إلى المزيد من الاتفاقيات الثنائية على حساب المعاهدات الجماعية. وبالمقابل هناك من يزعم بأن التوجه نحو الاتفاقيات الثنائية مرده صعوبة إبرام اتفاقية متعددة الأطراف تماماً كما هي الحال مع جولة الدوحة.
::/fulltext::
::cck::2264::/cck::
