العراق والسلوك الإمبراطوري الأمريكي

::cck::2316::/cck::
::introtext::

إن المتتبع للسلوك السياسي الخارجي الأمريكي في عهد بوش الابن، يدرك أن الرئيس تبنى أجندة دولية غاية في التعقيد، الأمر الذي مازال يفرز تداعيات على المستوى الداخلي الأمريكي وعلى مستوى النظام الدولي برمته. ويبدو ان الإدارة الأمريكية عازمة على المضي قدماً باتجاه المزيد من الانغماس في شؤون الشرق الأوسط بشكل خاص. فالولاية الأولى للرئيس بوش شهدت مزيداً من النفقات العسكرية ومظاهر التمرد على أسس التعاون الدولي بتبنيها النهج الأحادي في التعامل مع قضايا السياسة الدولية.

 

::/introtext::
::fulltext::

إن المتتبع للسلوك السياسي الخارجي الأمريكي في عهد بوش الابن، يدرك أن الرئيس تبنى أجندة دولية غاية في التعقيد، الأمر الذي مازال يفرز تداعيات على المستوى الداخلي الأمريكي وعلى مستوى النظام الدولي برمته. ويبدو ان الإدارة الأمريكية عازمة على المضي قدماً باتجاه المزيد من الانغماس في شؤون الشرق الأوسط بشكل خاص.

فالولاية الأولى للرئيس بوش شهدت مزيداً من النفقات العسكرية ومظاهر التمرد على أسس التعاون الدولي بتبنيها النهج الأحادي في التعامل مع قضايا السياسة الدولية. أما الولاية الثانية فإن ملامحها تشير إلى أن الولايات المتحدة تمارس الآن سلوكا إمبراطوريا بكل ما يحمله ذلك من تبعات سياسية واقتصادية وأمنية. فأصبحت تقرر بمفردها شرعية النظم السياسية، وتبت في مختلف القضايا والأزمات خارج أطر الشرعية الدولية والأخلاقية السياسية.

وهنالك مخططات لإعادة السيطرة العالمية للولايات المتحدة، فمشروع القرن الأمريكي الجديد الذي ظهر في العام 1997 – برعاية المحافظ الأمريكي وليام كريستول – يتحدث عن ضرورة أن تقود الولايات المتحدة العالم باستخدام القوة العسكرية والسيطرة على منطقة الخليج العربي بإبقاء القواعد العسكرية الأمريكية فيها وإضعاف أي قوة إقليمية منافسة في تلك المنطقة وليس المقصود بالطبع إسرائيل. ولترجمة هذه الأفكار والطموحات إلى واقع عملي، أصبحت الولايات المتحدة تسعى إلى تشكيل السياسة الدولية وفق رؤاها الخاصة. ولا غرابة إذن أن نرى إصرار الرئيس بوش على رفض وضع جدول زمني للانسحاب من العراق وحث السعودية ومصر على إجراء الاصلاحات السياسية والتهديد العلني والصريح لكل من سوريا وإيران بدعوى دعمهما للإرهاب وسعيهما لحيازة أسلحة الدمار الشامل.

وسنتناول في هذه العجالة مفردة واحدة من مفردات السياسة الأمريكية الحالية وهي احتلال العراق. فمن خلال نظرة سريعة على خطاب الرئيس أمام الكونجرس حول حال الاتحاد في الثاني من فبراير 2005 يمكن أن نلمس أهم أجندة يسعى إلى محاولة تحقيقها في العراق. فقد قال: “هدفنا بناء مجتمعات حرة والحفاظ عليها ودول مستقلة تستجيب حكوماتها لمواطنيها”. ولكن أين استقلال العراق وحريته من هذا التصريح؟ ليس هذا فحسب، بل إنه رفض في الوقت نفسه جدولة الانسحاب حيث قال: “لن نعطي جدولا زمنيا مصطنعا لمغادرة العراق، لأن ذلك سيشجع الإرهابيين ويجعلهم يعتقدون بأننا فقدنا صبرنا”. وهذا توصيف غير دقيق لأن عمليات المقاومة ليست هدفا بحد ذاتها، بل وسيلة للضغط على الاحتلال بهدف إخراجه من البلاد. وبالعكس فإن تحديد أهداف الوجود الأمريكي في العراق سيعطي للعراقيين انطباعا بأن الاحتلال إلى زوال الأمر الذي من شأنه طمأنتهم من ناحية والتخفيف من العمليات التي تستهدف الجنود الأمريكيين من ناحية أخرى.

ويمكن القول هنا إن الإدارة الأمريكية إما أنها لا تتمتع بالخبرة في شؤون السياسة الخارجية أو أنها تطلق العنان للاتجاهات التي عبر عنها المحافظون الجدد وعلى رأسهم وليام كريستول ورامسفيلد وبول وولفويتز وغيرهم. وفي كلتا الحالتين لا بد من مراجعة سياستها إذا ما أرادت تجنب المزيد من الأعباء والنقد الداخلي والدولي. كما أن أمريكا خرجت على أسس التعاون الدولي، فهي ترى أن ميثاق الأمم المتحدة يشكل قيدا على استعمال القوة العسكرية ولم يعد يتناسب مع التطورات الراهنة، ولعل اللجوء إلى فكرة الحرب الاستباقية ضد قوى تعتقد بأنها من المحتمل أن تشكل تهديدا لمصالحها في المستقبل خير دليل على ذلك.

لكن الاحتلال حسب قراءة الوقائع والأحداث لا يحقق المصالح القومية الأمريكية. وجل ما فعلته الولايات المتحدة هو إزالة قوة إقليمية كانت تشكل تهديدا لإسرائيل، مما أخل بالتوازن الاقليمي في المنطقة. اضافة إلى أن الاحتلال الأمريكي للعراق يؤجج مشاعر الغضب والإحباط لدى مختلف فئات وأطياف الشعب العراقي. ومن الطبيعي أن يولد هذا الأمر الرفض والمقاومة بشتى الوسائل والطرق. والجدير بالذكر أن إنهاء عمليات المقاومة يرتبط بإنهاء الأسباب التي دعت إليها وهو بقاء الاحتلال. فالولايات المتحدة لديها فرصة حقيقية الآن في أعقاب الانتخابات لجدولة انسحابها من العراق، وعليها العودة إلى الشرعية الدولية والامتثال لمطالب الأمم المتحدة ومجلس الأمن القاضية بجدولة الانسحاب. وكشرط مسبق لذلك لا بد من تدريب أعداد كافية من قوات الأمن العراقية كي تتمكن من الإمساك بزمام الأمور، فوجود أحد عشر ألفاً من القوات العراقية المدربة من أصل 120 ألفاً أو أكثر قليلا لا يمكن التعويل عليه كثيرا في ضبط الوضع الأمني.

وينبغي على الولايات المتحدة أن تدرك في هذا السياق صعوبة المراهنة على البقاء في العراق لفترة طويلة، فالشعب العراقي في النهاية لديه هوية وطنية يريد الدفاع عنها. ولعل ايران تقدم نموذجاً مناسباً في هذا الشأن، إذ بالرغم من وجود اختلافات عدة بين تيار المحافظين والإصلاحيين، إلا أنه عندما وصف بوش إيران بأنها “محور الشر”، توحدت جميع القوى الداخلية للدفاع عن هويتها وسلامة أراضيها، وأعلنت كل الأطراف عن موقفها الواضح الرافض للتدخل الأمريكي في شؤون إيران. واليوم نجد أن مختلف فئات الشعب العراقي تتفق على مبدأ واحد هو ضرورة إنهاء الاحتلال الأمريكي للعراق حتى إن اختلفت في تصور الوسيلة المثلى لذلك. حيث إن استهداف المكونات التاريخية والثقافية والدينية والاجتماعية للشعب العراقي ليس بالأمر السهل، وعلى الولايات المتحدة أن تدرك أن نشر الحرية والديمقراطية في العراق لا يتم على الأنقاض وهدر كرامة المواطن العراقي وسلبه أغلى حقوقه وهو حق الاستقلال والعيش بحرية. فالولايات المتحدة تصف ما يجري في العراق بأنه إرهاب لا بد من القضاء عليه واستئصاله وهي بذلك لا تميز بين حق المقاومة المشروعة ضد المحتل وبين ممارسة الإرهاب ضد المدنيين العزل. والحقيقة إن ما يجري على أرض العراق هو الدفاع المستمر عن النفس ضد الاحتلال والاستبداد، أما الارهاب الذي استشرت مظاهره في العراق فإنه قد حدث بعد الاحتلال وكنتيجة طبيعية لهدم مؤسسات الدولة العراقية والأجهزة الأمنية وإصرار الإدارة الأمريكية على جعل العراق الميدان الأول لحربها على الارهاب بمنازلة خصومها على أرضه، وفي الغالب إن الذي يدفع الثمن هم العراقيون أنفسهم.

كما أنه لا يمكن تحقيق الديمقراطية من دون تحقيق الأمن والسلام الاجتماعي والسياسي للمجتمع، فليس من المعقول ممارسة الحرية تحت التهديد وغياب الأمن، أو أن الإدارة الأمريكية لا تعي أن الديمقراطية لا تتحقق من دون توفير شروطها التي تتمثل بإيجاد تنمية اقتصادية واجتماعية وبناء المؤسسات وأجهزة الدولة المختلفة. إذ كيف تنشر أمريكا الحرية في بلد يعاني من نقص الخدمات الضرورية ومن تدمير البنية التحتية والاستقطاب الطائفي الحاد؟ إن الديمقراطية تتطلب قدرا معقولا من الاستقرار السياسي غير المتوفر في عراق اليوم.

وأمام هذا الواقع المؤثر سواء في السياسة الأمريكية نفسها أو في الأمن والاستقرار في دولة ذات موقع استراتيجي مثل العراق، لا بد من التعامل مع استحقاقات ما بعد الانتخابات العراقية بوعي السياسي المتبصر. ولا بد أيضاً من إيجاد بيئة أمنية آمنة في منطقة الخليج للحفاظ على مصالح مختلف القوى بما فيها الولايات المتحدة نفسها. وأول متطلبات إيجاد هذه البيئة هو استقرار العراق كي يكون طرفا فاعلا في أمن الخليج.

وفي اتجاه آخر، فإن التحليل الدقيق لمجريات الأحداث في العراق يظهر صعوبة الانسحاب الأمريكي بشكل كلي وصعوبة البقاء في الوقت نفسه. فترك العراق يقع في قبضة مختلف التجاذبات والاستقطابات سيضر بالمصالح الأمريكية والعراقية معاً، والبقاء في العراق ستكون له أيضا كلفته الاقتصادية، وقد طالعتنا مؤخرا وسائل الإعلام بأن الرئيس سيطلب من الكونجرس مبالغ إضافية لتمويل العمليات العسكرية في العراق، ويتوقع أن تصل هذه المبالغ إلى 80 مليار دولار. فكيف لو أنفقت هذه المبالغ الطائلة على مشاريع التنمية في العراق؟ وستكون هناك بالطبع كلفة سياسية بتهميش دور المؤسسات الدولية وقواعد القانون الدولي ناهيك عن تراجع المصداقية الأمريكية في التعامل مع الوضع العراقي. وليس ذلك بمعزل عن الكلفة البشرية، حيث تشير التقارير إلى أن عدد القوات الأمريكية في العراق يصل إلى 150 ألفاً، قتل منهم منذ مارس 2003 قرابة 1400 جندي.

ولعل أحد البدائل المتاحة لتسوية المسألة في العراق يتمثل بخروج القوات الأمريكية وتسليم زمام الأمور إلى العراقيين الذين سيفرزون حكومة جديدة، وفي الوقت نفسه يمكن للولايات المتحدة أن تضمن المحافظة على مصالحها عبر توقيع مذكرة تفاهم مع الحكومة العراقية الشرعية حول كيفية وآلية وطبيعة الوجود الأمريكي في العراق. الأمر الذي من شأنه ضبط الوضع المتأزم في العراق بإرضاء طموحات ومشاعر المقاومة من ناحية، والإسهام في إخراج الولايات المتحدة من مأزقها الراهن مجتنبة المزيد من الخسائر من ناحية أخرى.

وفي المحصلة نقول إن العواقب التي من المحتمل أن تترتب على البقاء الأمريكي في العراق لا يمكن التقليل من شأنها وستلقي بظلالها على السياسة الخارجية الأمريكية نفسها. لذلك لا بد أن يكون الهدف الآن هو إيجاد عراق آمن مستقر يسير على طريق التطور والنضج السياسي والديمقراطي. وبخلاف ذلك سيجد المنظّرون للسياسة الأمريكية ودعاة التوجه الإمبراطوري أنفسهم في مأزق حقيقي هو عدم الواقعية السياسية، وأن مصداقيتهم كقوة عظمى أصبحت في أدنى مستوياتها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2316::/cck::
::introtext::

إن المتتبع للسلوك السياسي الخارجي الأمريكي في عهد بوش الابن، يدرك أن الرئيس تبنى أجندة دولية غاية في التعقيد، الأمر الذي مازال يفرز تداعيات على المستوى الداخلي الأمريكي وعلى مستوى النظام الدولي برمته. ويبدو ان الإدارة الأمريكية عازمة على المضي قدماً باتجاه المزيد من الانغماس في شؤون الشرق الأوسط بشكل خاص. فالولاية الأولى للرئيس بوش شهدت مزيداً من النفقات العسكرية ومظاهر التمرد على أسس التعاون الدولي بتبنيها النهج الأحادي في التعامل مع قضايا السياسة الدولية.

 

::/introtext::
::fulltext::

إن المتتبع للسلوك السياسي الخارجي الأمريكي في عهد بوش الابن، يدرك أن الرئيس تبنى أجندة دولية غاية في التعقيد، الأمر الذي مازال يفرز تداعيات على المستوى الداخلي الأمريكي وعلى مستوى النظام الدولي برمته. ويبدو ان الإدارة الأمريكية عازمة على المضي قدماً باتجاه المزيد من الانغماس في شؤون الشرق الأوسط بشكل خاص.

فالولاية الأولى للرئيس بوش شهدت مزيداً من النفقات العسكرية ومظاهر التمرد على أسس التعاون الدولي بتبنيها النهج الأحادي في التعامل مع قضايا السياسة الدولية. أما الولاية الثانية فإن ملامحها تشير إلى أن الولايات المتحدة تمارس الآن سلوكا إمبراطوريا بكل ما يحمله ذلك من تبعات سياسية واقتصادية وأمنية. فأصبحت تقرر بمفردها شرعية النظم السياسية، وتبت في مختلف القضايا والأزمات خارج أطر الشرعية الدولية والأخلاقية السياسية.

وهنالك مخططات لإعادة السيطرة العالمية للولايات المتحدة، فمشروع القرن الأمريكي الجديد الذي ظهر في العام 1997 – برعاية المحافظ الأمريكي وليام كريستول – يتحدث عن ضرورة أن تقود الولايات المتحدة العالم باستخدام القوة العسكرية والسيطرة على منطقة الخليج العربي بإبقاء القواعد العسكرية الأمريكية فيها وإضعاف أي قوة إقليمية منافسة في تلك المنطقة وليس المقصود بالطبع إسرائيل. ولترجمة هذه الأفكار والطموحات إلى واقع عملي، أصبحت الولايات المتحدة تسعى إلى تشكيل السياسة الدولية وفق رؤاها الخاصة. ولا غرابة إذن أن نرى إصرار الرئيس بوش على رفض وضع جدول زمني للانسحاب من العراق وحث السعودية ومصر على إجراء الاصلاحات السياسية والتهديد العلني والصريح لكل من سوريا وإيران بدعوى دعمهما للإرهاب وسعيهما لحيازة أسلحة الدمار الشامل.

وسنتناول في هذه العجالة مفردة واحدة من مفردات السياسة الأمريكية الحالية وهي احتلال العراق. فمن خلال نظرة سريعة على خطاب الرئيس أمام الكونجرس حول حال الاتحاد في الثاني من فبراير 2005 يمكن أن نلمس أهم أجندة يسعى إلى محاولة تحقيقها في العراق. فقد قال: “هدفنا بناء مجتمعات حرة والحفاظ عليها ودول مستقلة تستجيب حكوماتها لمواطنيها”. ولكن أين استقلال العراق وحريته من هذا التصريح؟ ليس هذا فحسب، بل إنه رفض في الوقت نفسه جدولة الانسحاب حيث قال: “لن نعطي جدولا زمنيا مصطنعا لمغادرة العراق، لأن ذلك سيشجع الإرهابيين ويجعلهم يعتقدون بأننا فقدنا صبرنا”. وهذا توصيف غير دقيق لأن عمليات المقاومة ليست هدفا بحد ذاتها، بل وسيلة للضغط على الاحتلال بهدف إخراجه من البلاد. وبالعكس فإن تحديد أهداف الوجود الأمريكي في العراق سيعطي للعراقيين انطباعا بأن الاحتلال إلى زوال الأمر الذي من شأنه طمأنتهم من ناحية والتخفيف من العمليات التي تستهدف الجنود الأمريكيين من ناحية أخرى.

ويمكن القول هنا إن الإدارة الأمريكية إما أنها لا تتمتع بالخبرة في شؤون السياسة الخارجية أو أنها تطلق العنان للاتجاهات التي عبر عنها المحافظون الجدد وعلى رأسهم وليام كريستول ورامسفيلد وبول وولفويتز وغيرهم. وفي كلتا الحالتين لا بد من مراجعة سياستها إذا ما أرادت تجنب المزيد من الأعباء والنقد الداخلي والدولي. كما أن أمريكا خرجت على أسس التعاون الدولي، فهي ترى أن ميثاق الأمم المتحدة يشكل قيدا على استعمال القوة العسكرية ولم يعد يتناسب مع التطورات الراهنة، ولعل اللجوء إلى فكرة الحرب الاستباقية ضد قوى تعتقد بأنها من المحتمل أن تشكل تهديدا لمصالحها في المستقبل خير دليل على ذلك.

لكن الاحتلال حسب قراءة الوقائع والأحداث لا يحقق المصالح القومية الأمريكية. وجل ما فعلته الولايات المتحدة هو إزالة قوة إقليمية كانت تشكل تهديدا لإسرائيل، مما أخل بالتوازن الاقليمي في المنطقة. اضافة إلى أن الاحتلال الأمريكي للعراق يؤجج مشاعر الغضب والإحباط لدى مختلف فئات وأطياف الشعب العراقي. ومن الطبيعي أن يولد هذا الأمر الرفض والمقاومة بشتى الوسائل والطرق. والجدير بالذكر أن إنهاء عمليات المقاومة يرتبط بإنهاء الأسباب التي دعت إليها وهو بقاء الاحتلال. فالولايات المتحدة لديها فرصة حقيقية الآن في أعقاب الانتخابات لجدولة انسحابها من العراق، وعليها العودة إلى الشرعية الدولية والامتثال لمطالب الأمم المتحدة ومجلس الأمن القاضية بجدولة الانسحاب. وكشرط مسبق لذلك لا بد من تدريب أعداد كافية من قوات الأمن العراقية كي تتمكن من الإمساك بزمام الأمور، فوجود أحد عشر ألفاً من القوات العراقية المدربة من أصل 120 ألفاً أو أكثر قليلا لا يمكن التعويل عليه كثيرا في ضبط الوضع الأمني.

وينبغي على الولايات المتحدة أن تدرك في هذا السياق صعوبة المراهنة على البقاء في العراق لفترة طويلة، فالشعب العراقي في النهاية لديه هوية وطنية يريد الدفاع عنها. ولعل ايران تقدم نموذجاً مناسباً في هذا الشأن، إذ بالرغم من وجود اختلافات عدة بين تيار المحافظين والإصلاحيين، إلا أنه عندما وصف بوش إيران بأنها “محور الشر”، توحدت جميع القوى الداخلية للدفاع عن هويتها وسلامة أراضيها، وأعلنت كل الأطراف عن موقفها الواضح الرافض للتدخل الأمريكي في شؤون إيران. واليوم نجد أن مختلف فئات الشعب العراقي تتفق على مبدأ واحد هو ضرورة إنهاء الاحتلال الأمريكي للعراق حتى إن اختلفت في تصور الوسيلة المثلى لذلك. حيث إن استهداف المكونات التاريخية والثقافية والدينية والاجتماعية للشعب العراقي ليس بالأمر السهل، وعلى الولايات المتحدة أن تدرك أن نشر الحرية والديمقراطية في العراق لا يتم على الأنقاض وهدر كرامة المواطن العراقي وسلبه أغلى حقوقه وهو حق الاستقلال والعيش بحرية. فالولايات المتحدة تصف ما يجري في العراق بأنه إرهاب لا بد من القضاء عليه واستئصاله وهي بذلك لا تميز بين حق المقاومة المشروعة ضد المحتل وبين ممارسة الإرهاب ضد المدنيين العزل. والحقيقة إن ما يجري على أرض العراق هو الدفاع المستمر عن النفس ضد الاحتلال والاستبداد، أما الارهاب الذي استشرت مظاهره في العراق فإنه قد حدث بعد الاحتلال وكنتيجة طبيعية لهدم مؤسسات الدولة العراقية والأجهزة الأمنية وإصرار الإدارة الأمريكية على جعل العراق الميدان الأول لحربها على الارهاب بمنازلة خصومها على أرضه، وفي الغالب إن الذي يدفع الثمن هم العراقيون أنفسهم.

كما أنه لا يمكن تحقيق الديمقراطية من دون تحقيق الأمن والسلام الاجتماعي والسياسي للمجتمع، فليس من المعقول ممارسة الحرية تحت التهديد وغياب الأمن، أو أن الإدارة الأمريكية لا تعي أن الديمقراطية لا تتحقق من دون توفير شروطها التي تتمثل بإيجاد تنمية اقتصادية واجتماعية وبناء المؤسسات وأجهزة الدولة المختلفة. إذ كيف تنشر أمريكا الحرية في بلد يعاني من نقص الخدمات الضرورية ومن تدمير البنية التحتية والاستقطاب الطائفي الحاد؟ إن الديمقراطية تتطلب قدرا معقولا من الاستقرار السياسي غير المتوفر في عراق اليوم.

وأمام هذا الواقع المؤثر سواء في السياسة الأمريكية نفسها أو في الأمن والاستقرار في دولة ذات موقع استراتيجي مثل العراق، لا بد من التعامل مع استحقاقات ما بعد الانتخابات العراقية بوعي السياسي المتبصر. ولا بد أيضاً من إيجاد بيئة أمنية آمنة في منطقة الخليج للحفاظ على مصالح مختلف القوى بما فيها الولايات المتحدة نفسها. وأول متطلبات إيجاد هذه البيئة هو استقرار العراق كي يكون طرفا فاعلا في أمن الخليج.

وفي اتجاه آخر، فإن التحليل الدقيق لمجريات الأحداث في العراق يظهر صعوبة الانسحاب الأمريكي بشكل كلي وصعوبة البقاء في الوقت نفسه. فترك العراق يقع في قبضة مختلف التجاذبات والاستقطابات سيضر بالمصالح الأمريكية والعراقية معاً، والبقاء في العراق ستكون له أيضا كلفته الاقتصادية، وقد طالعتنا مؤخرا وسائل الإعلام بأن الرئيس سيطلب من الكونجرس مبالغ إضافية لتمويل العمليات العسكرية في العراق، ويتوقع أن تصل هذه المبالغ إلى 80 مليار دولار. فكيف لو أنفقت هذه المبالغ الطائلة على مشاريع التنمية في العراق؟ وستكون هناك بالطبع كلفة سياسية بتهميش دور المؤسسات الدولية وقواعد القانون الدولي ناهيك عن تراجع المصداقية الأمريكية في التعامل مع الوضع العراقي. وليس ذلك بمعزل عن الكلفة البشرية، حيث تشير التقارير إلى أن عدد القوات الأمريكية في العراق يصل إلى 150 ألفاً، قتل منهم منذ مارس 2003 قرابة 1400 جندي.

ولعل أحد البدائل المتاحة لتسوية المسألة في العراق يتمثل بخروج القوات الأمريكية وتسليم زمام الأمور إلى العراقيين الذين سيفرزون حكومة جديدة، وفي الوقت نفسه يمكن للولايات المتحدة أن تضمن المحافظة على مصالحها عبر توقيع مذكرة تفاهم مع الحكومة العراقية الشرعية حول كيفية وآلية وطبيعة الوجود الأمريكي في العراق. الأمر الذي من شأنه ضبط الوضع المتأزم في العراق بإرضاء طموحات ومشاعر المقاومة من ناحية، والإسهام في إخراج الولايات المتحدة من مأزقها الراهن مجتنبة المزيد من الخسائر من ناحية أخرى.

وفي المحصلة نقول إن العواقب التي من المحتمل أن تترتب على البقاء الأمريكي في العراق لا يمكن التقليل من شأنها وستلقي بظلالها على السياسة الخارجية الأمريكية نفسها. لذلك لا بد أن يكون الهدف الآن هو إيجاد عراق آمن مستقر يسير على طريق التطور والنضج السياسي والديمقراطي. وبخلاف ذلك سيجد المنظّرون للسياسة الأمريكية ودعاة التوجه الإمبراطوري أنفسهم في مأزق حقيقي هو عدم الواقعية السياسية، وأن مصداقيتهم كقوة عظمى أصبحت في أدنى مستوياتها.

::/fulltext::
::cck::2316::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *