العلاقة عبر الأطلسية وانعكاساتها على منطقة الخليج

::cck::2335::/cck::
::introtext::

“ربما تكون الولايات المتحدة قوة لا يمكن الاستغناء عنها، لكن شركاءها الأوروبيين يمثلون الحلفاء الذين لا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنهم”. بهذه العبارة وصف ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية والمدير الأسبق للفريق المكلف بتخطيط السياسات التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، الأسس الاستراتيجية التي تؤطر العلاقات بين شطري الأطلسي، وذلك ضمن سياق كلمة مهد بها لتقرير أعده فريق عمل تحت عنوان: “إعادة إحياء الشراكة عبر الأطلسية” الصادر في مارس 2004.

::/introtext::
::fulltext::

“ربما تكون الولايات المتحدة قوة لا يمكن الاستغناء عنها، لكن شركاءها الأوروبيين يمثلون الحلفاء الذين لا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنهم”. بهذه العبارة وصف ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية والمدير الأسبق للفريق المكلف بتخطيط السياسات التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، الأسس الاستراتيجية التي تؤطر العلاقات بين شطري الأطلسي، وذلك ضمن سياق كلمة مهد بها لتقرير أعده فريق عمل تحت عنوان: “إعادة إحياء الشراكة عبر الأطلسية” الصادر في مارس 2004.

ولسوء الحظ، وبعد انقضاء زهاء عام كامل على تاريخ صدور التقرير المشار إليه، لا تزال توجهات العلاقة بين طرفي الأطلسي محط سيل من التكهنات والتحليلات التي تشير في مجملها إلى أن الخلاف بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية الحليفة حول الملف العراقي ما هو في جوهره إلا مؤشر يعكس استمرار حالة التشنج والاستغراب التي تطغى على العلاقة بين الطرفين.

وإذا ما أردنا فعلا أخذ التصريحات التي أدلت بها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس خلال جلسة الكونجرس الأمريكي لتثبيت تعيينها في منصبها الجديد على محمل الجد، فإن الوقت يبدو قد حان بالنسبة للولايات المتحدة، كما شددت على ذلك رايس لمرات متكررة، لتبني خيار الدبلوماسية. وإذا ما حدث بالفعل مثل هذا التحول فيمكننا حينذاك توقع سيناريو يتجه طرفا العلاقة عبر الأطلسية ضمن سياقه نحو إعادة ترميم علاقاتهما المهتزة في الوقت الراهن.

غير أن معطيات الواقع القائمة حاليا تؤكد أن إشكالية إعادة الشراكة الاستراتيجية التي تجمع الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى سابق عهدها وصياغة أجندة مشتركة تحدد مفردات تعاطي الجانبين مع أبرز التحديات الإقليمية والدولية تجسد تساؤلا ملحا للغاية، وربما لن يلقى جوابا شافيا ولا حلولا نهائية له خلال الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي جورج بوش .

ولعل الزيارة، التي يرتقب أن يجريها الرئيس بوش لأوروبا خلال شهر فبراير الحالي ولقائه برؤساء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ( الناتو)، وهي أول زيارة يقوم بها بوش منذ وصوله إلى البيت الأبيض للمرة الثانية، سوف تشكل أحد المؤشرات الأولية لما يمكن أن تؤول إليه العلاقات الأمريكية –الأوروبية خلال الأشهر، إن لم نقل السنوات المقبلة. كما أن نتائج المحادثات المزمع إجراؤها خلال زيارة الرئيس بوش سوف تحمل دلالات مهمة بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.

وليس من المستغرب أن توجه دول منطقة الخليج أنظارها لنتائج المحادثات الأمريكية – الأوروبية، خصوصا أن مجموعة من الملفات الساخنة على ساحة الشرق الأوسط، مثل الوضع في العراق وبرنامج إيران النووي ومشاريع الإصلاح السياسي في المنطقة وعملية التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي، كلها قضايا تتصدر أجندة المباحثات الأمريكية – الأوروبية.

وبهذا المعنى، فإن أي مؤشرات سوف تنبثق عن فحوى المناقشات التي ستدور بين واشنطن والعواصم الأوروبية سوف تحمل عناوين مهمة للغاية. ففي حال استمر الشقاق بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية بخصوص القضايا المحورية التي ترتبط بمنطقة الشرق الأوسط، فإن ذلك سوف يعني بكل تأكيد أن إمكانية انتهاج وتفعيل سياسات فاعلة تجاه تلك القضايا سوف تظل أمرا بعيد المنال.

فليس المهم أن تقوم واشنطن والدول الأوروبية بعرض واجهة للتضامن ووحدة المواقف بخصوص جملة من القضايا المحددة ذات الأهمية الاستراتيجية المشتركة بقدر ما هو مهم الإدراك أن جذور الخلاف بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية يضرب في أعماق العلاقة بينهما، وبالتالي من الضروري أن يتبنى الطرفان مقاربة أساسية وشاملة تطال جميع مناحي الفُرقة السياسية.

وفي هذا السياق، يمثل النهج الذي تتبناه واشنطن في تعاملها مع حلفائها الأوروبيين أول الجوانب الجوهرية، حيث من المتوقع حالما ينـزل الرئيس بوش من على سلم طائرته الرئاسية، وقبل أن تطأ قدماه الأرض الأوروبية، سوف تقابله موجة من مشاعر التشكيك والاستغراب في الأوساط الأوروبية حول توجهات السياسات الأمريكية في العالم. ولن تنجح المجاملات الدبلوماسية في تبديد أو تغييب واقع اختلاف الموقف والنهج السياسي الأوروبي عن نظيره الأمريكي في التعاطي مع الأسباب والحلول الممكنة للأزمات التي تُعكّر صفو الأجواء السياسية الدولية في الوقت الراهن.

علينا ألا ننسى أن مشاعر التضامن التي سادت في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والتي دفعت بحلف شمال الأطلسي إلى وضع المادة الخامسة من ميثاق الحلف موضع التنفيذ، في الوقت الذي أعلنت فيه الصحف الألمانية والفرنسية ” أننا جميعا أمريكيون” أصبحت اليوم جزءا من الماضي. وقد أظهرت نتائج آخر استطلاعات الرأي التي أجراها مركز “بيو” للأبحاث تراجعا لافتا في نسبة الفرنسيين الذين يحملون نظرة إيجابية للولايات المتحدة، حيث تراجعت تلك النسبة من 69 في المائة خلال صيف 2002 إلى حدود 37 في المائة فقط مع حلول مارس 2004. كما شهدت ألمانيا تراجعا مماثلا من 61 في المائة إلى حدود 38 في المائة. وفي غضون ذلك، انحدرت بشكل حاد نسبة الأمريكيين الذين يتبنون نظرة إيجابية تجاه فرنسا، وذلك هبوطا من 79 في المائة إلى حدود 33 في المائة، في حين تراجعت نسبة الأمريكيين الذين ينظرون نظرة إيجابية لألمانيا من 83 في المائة إلى 50 في المائة.

ومن المؤكد أن هذه النسب والأرقام لا توحي بأن هناك عملية مصالحة ووئام تجري في الوقت الحالي من أجل دعم تقارب أمريكي – أوروبي. ولهذا السبب، وإذا ما كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يود فعلا تغيير واقع العلاقات الأمريكية – الأوروبية المتدهور، فإن عليه أن يحل على أوروبا حاملا في حقيبته السياسية الرغبة الأكيدة في إصغاء وتفهم الهواجس الأوروبية إلى جانب التركيز على قيمة تفعيل النهج التعاوني في إطاره الدولي ضمن شروط قابلة للتفاوض وليس ضمن إطار مشاورات شكلية.

وهناك جانب آخر يرتبط بمدى قدرة الدول الأوروبية على طرح ودعم مصالحها الأساسية، حيث يبدو أنه بات من الضروري للغاية اليوم أن تنقشع حالة الغموض التي تلف طبيعة الدور الأوروبي في الساحة الدولية المعاصرة، وذلك ليس أمام أعين صانعي السياسات الأمريكية فقط، بل أيضا أمام أعين الشعوب الأوروبية التي تتابع التطورات التي يشهدها المسرح الأوروبي من الداخل. فبالنسبة للعديد من المشككين في قدرات أوروبا السياسية، لا يمثل الاتحاد الأوروبي في واقع الأمر لاعبا سياسيا قويا على الرغم من أنه نجح بفضل إصراره ومثابرته الدؤوبة مدعوما بالقليل من الحظ في بناء وتوسيع البيت الأوروبي المشترك. لكن كلما جد الجد وسخنت الساحة السياسية، سرعان ما تتلاشى عضلات الاتحاد الأوروبي، ويبرهن عن عجزه على دعم تصريحاته السياسية بالتحرك باتجاه تفعيل الإجراءات والخطوات اللازمة. ولعل نموذج جمهورية يوغسلافيا السابقة والأزمة العراقية التي اندلعت عام 2003 يجسدان بشكل جلي هذا النمط على مستوى النهج الأوروبي. ويؤكد المشككون في قدرات الاتحاد الأوروبي أن الاتحاد ليست أمامه آفاق مستقبل قابل للاستدامة. والحقيقة، كما يعتقد المشككون، أن التناقضات المتأصلة في الجسم الأوروبي سوف تبرز بشكل أقوى وأوضح مع مرور الوقت، وبالتالي سوف ينهار حلم الوحدة الأوروبية.

ويرى البعض الآخر أن أوروبا، وهي في خضم صناعة وبناء وحدتها، سوف تمثل بديلا يعمل على توازن السياسات الأحادية الجانب التي تنتهجها حاليا الولايات المتحدة. بعبارة أفصح سوف تحقق أوروبا مشروع بناء كتلة إقليمية تتألف من مجموعة من الدول/ الأمم تجسد روح النهج المتعدد الأطراف الذي سوف يوجه ويحدد مستقبل العالم برمته. ويشدد المؤيدون لفكرة الاتحاد الأوروبي على أن ما تم تحقيقه من تقدم على صعيد توسيع عضوية الاتحاد وتفعيل الاتحاد النقدي وإمكانية تفعيل منظومة دستورية موحدة في المستقبل القريب، كلها معطيات ملموسة تمثل مرآة تعكس الأهمية التاريخية التي تنطوي عليها التجربة الأوروبية التي استطاعت خلق فضاء سياسي يرى في القوة العسكرية آخر الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لمواجهة الأزمات والمشكلات. وحتى في ما يخص بعض جوانب الضعف التي ينتقدها بعض المشككين في قدرات أوروبا فإن المؤيدين يرون فيها على العكس من ذلك مناحي قوة. وعلى الرغم من أن أوروبا اليوم لا تبدي استعدادها لتولي مسؤوليات دولية على النحو الذي تقوم به الولايات المتحدة، تسود أطروحة سياسية تؤكد أن القرن الحادي والعشرين سيكون عهدا أوروبيا.

وليس من الوارد أن يحل اللقاء المرتقب بين الرئيس جورج بوش والقادة الأوروبيين هذه الإشكالية أو يلغي هذا السجال، مع العلم أن الطريقة التي سوف يختارها القادة الأوروبيون لخوض المناقشات مع الرئيس بوش، خصوصا في ما يرتبط بالسياسات الأمريكية، سوف تحدد مدى استعداد أوروبا لتبني موقف أكثر صرامة في سبيل تأمين مصالحها والتخفيف من حدة الهواجس الملمة بها، لعل طريق النجاح يتمثل في إبراز وتأكيد القدرة على إيجاد نهج يعتمد على مبدأ تنسيق المواقف من خلال التوفيق بين أولويات السياسة الأمريكية وأولويات السياسة الأوروبية مع الحفاظ على استقلالية هوية كل طرف على حدة.

وأخيرا هناك ملف الشرق الأوسط والكيفية التي تستطيع كل من الولايات المتحدة وأوروبا من خلالها صياغة أجندة سياسية تتسم بطابع الواقعية والاتزان، وتكون قادرة على مساعدة دول المنطقة على تجاوز المعضلات التي تؤرقها، وفي الوقت نفسه تعمل على تعزيز مصالح طرفي الأطلسي. ومن أعتى المعضلات التي برزت على الساحة خلال السنوات القليلة الماضية غياب جبهة موحدة وتبني مبادرات منفصلة تقوم على أساس جهود ثنائية ومنفردة.

ولنستذكر هنا أن قضايا منطقة الشرق الأوسط تصدرت واجهة الخلافات حول السياسة الخارجية. ولم يستفد أي طرف من تلك الخلافات، فالولايات المتحدة تعرضت لعزلة وأصبحت سياساتها محط انتقادات لاذعة أفقدتها جزءا من مصداقيتها. فمشاعر العداء تجاه السياسات الأمريكية بلغت حدودا غير مسبوقة في جميع أرجاء المنطقة، وتعرضت الأجندة الأمريكية المطالبة بضرورة تنفيذ إصلاحات سياسية في دول المنطقة إلى انتقادات شديدة اللهجة. ربما تكون بعض المبادرات الأمريكية، مثل مبادرة الشراكة الشرق أوسطية، نابعة فعلا من نيات صادقة، غير أن عمق تأثيرها يظل محدودا للغاية في ظل الاعتقاد السائد في المنطقة أن أي نوع من الشراكة مع واشنطن سوف يضر بمصالح دول المنطقة. أما بالنسبة لأوروبا، فهي تجد نفسها اليوم محشورة في زاوية لا ترغب التقوقع فيها، حيث إن دول المنطقة ترى في أوروبا الحل للنـزعة الأحادية الأمريكية. علاوة على ذلك، فإن السياسات الأوروبية وما تعمل أوروبا على إنجازه من مشاريع لمساعدة دول المنطقة لا يحققان عادة النتائج والأهداف المنشودة. فالاتحاد الأوروبي ضخ مئات المليارات من اليورو في مشاريع أقامها في الأراضي الفلسطينية، لكن من دون تحقيق أي تحسن ملموس في الظروف الحياتية للشعب الفلسطيني أو دفع عجلة عملية السلام إلى الأمام.
ومن أجل تجاوز هذه الإشكالية، لا بد من العمل على دعم أطر تنسيق العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دون الحاجة إلى دمج سياسات الطرفين. فعلى الصعيد السياسي، من المحتمل أن يحقق صوت أوروبي يحمل نبرة أقوى مدعوما بنهج سياسي أمريكي غير مندفع فاعلية أكبر. أما في ما يخص ملف الأمن الخليجي، فإن اضطلاع حلف شمال الأطلسي بدور رئيسي بدلا من استمرار واشنطن وإصرارها على تبني نهج أحادي في تعاملها مع الشأن الأمني في منطقة الخليج ربما يشكل دورا واعدا وحاملا آمالا كبيرة.

أما في ما يتعلق بوضع العراق، فإن التزام الدول الأوروبية بدعم العملية السياسية في العراق سوف يساعد على تعظيم الزخم الذي يحرك العملية الانتخابية إلى الأمام. أما بالنسبة لإيران، ففي حال أقدمت الولايات المتحدة على إرسال إشارات تدلل على استعدادها للبحث في مبادرات دبلوماسية، فإن من شأن ذلك أن يوسع دائرة الدعم على الساحتين الدولية والإقليمية لمعارضة برنامج إيران النووي. وفي جميع هذه الحالات، يبقى التركيز قائما على ضرورة تفعيل روابط التنسيق المكثف بدلا من محاكاة أي طرف لسياسات الطرف الآخر أو الابتعاد كليا عن الخط السياسي الذي يتبناه أي طرف من طرفي العلاقة عبر الأطلسية. وهذا أمر لازم وملزم للطرفين.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2335::/cck::
::introtext::

“ربما تكون الولايات المتحدة قوة لا يمكن الاستغناء عنها، لكن شركاءها الأوروبيين يمثلون الحلفاء الذين لا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنهم”. بهذه العبارة وصف ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية والمدير الأسبق للفريق المكلف بتخطيط السياسات التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، الأسس الاستراتيجية التي تؤطر العلاقات بين شطري الأطلسي، وذلك ضمن سياق كلمة مهد بها لتقرير أعده فريق عمل تحت عنوان: “إعادة إحياء الشراكة عبر الأطلسية” الصادر في مارس 2004.

::/introtext::
::fulltext::

“ربما تكون الولايات المتحدة قوة لا يمكن الاستغناء عنها، لكن شركاءها الأوروبيين يمثلون الحلفاء الذين لا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنهم”. بهذه العبارة وصف ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية والمدير الأسبق للفريق المكلف بتخطيط السياسات التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، الأسس الاستراتيجية التي تؤطر العلاقات بين شطري الأطلسي، وذلك ضمن سياق كلمة مهد بها لتقرير أعده فريق عمل تحت عنوان: “إعادة إحياء الشراكة عبر الأطلسية” الصادر في مارس 2004.

ولسوء الحظ، وبعد انقضاء زهاء عام كامل على تاريخ صدور التقرير المشار إليه، لا تزال توجهات العلاقة بين طرفي الأطلسي محط سيل من التكهنات والتحليلات التي تشير في مجملها إلى أن الخلاف بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية الحليفة حول الملف العراقي ما هو في جوهره إلا مؤشر يعكس استمرار حالة التشنج والاستغراب التي تطغى على العلاقة بين الطرفين.

وإذا ما أردنا فعلا أخذ التصريحات التي أدلت بها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس خلال جلسة الكونجرس الأمريكي لتثبيت تعيينها في منصبها الجديد على محمل الجد، فإن الوقت يبدو قد حان بالنسبة للولايات المتحدة، كما شددت على ذلك رايس لمرات متكررة، لتبني خيار الدبلوماسية. وإذا ما حدث بالفعل مثل هذا التحول فيمكننا حينذاك توقع سيناريو يتجه طرفا العلاقة عبر الأطلسية ضمن سياقه نحو إعادة ترميم علاقاتهما المهتزة في الوقت الراهن.

غير أن معطيات الواقع القائمة حاليا تؤكد أن إشكالية إعادة الشراكة الاستراتيجية التي تجمع الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى سابق عهدها وصياغة أجندة مشتركة تحدد مفردات تعاطي الجانبين مع أبرز التحديات الإقليمية والدولية تجسد تساؤلا ملحا للغاية، وربما لن يلقى جوابا شافيا ولا حلولا نهائية له خلال الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي جورج بوش .

ولعل الزيارة، التي يرتقب أن يجريها الرئيس بوش لأوروبا خلال شهر فبراير الحالي ولقائه برؤساء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ( الناتو)، وهي أول زيارة يقوم بها بوش منذ وصوله إلى البيت الأبيض للمرة الثانية، سوف تشكل أحد المؤشرات الأولية لما يمكن أن تؤول إليه العلاقات الأمريكية –الأوروبية خلال الأشهر، إن لم نقل السنوات المقبلة. كما أن نتائج المحادثات المزمع إجراؤها خلال زيارة الرئيس بوش سوف تحمل دلالات مهمة بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.

وليس من المستغرب أن توجه دول منطقة الخليج أنظارها لنتائج المحادثات الأمريكية – الأوروبية، خصوصا أن مجموعة من الملفات الساخنة على ساحة الشرق الأوسط، مثل الوضع في العراق وبرنامج إيران النووي ومشاريع الإصلاح السياسي في المنطقة وعملية التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي، كلها قضايا تتصدر أجندة المباحثات الأمريكية – الأوروبية.

وبهذا المعنى، فإن أي مؤشرات سوف تنبثق عن فحوى المناقشات التي ستدور بين واشنطن والعواصم الأوروبية سوف تحمل عناوين مهمة للغاية. ففي حال استمر الشقاق بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية بخصوص القضايا المحورية التي ترتبط بمنطقة الشرق الأوسط، فإن ذلك سوف يعني بكل تأكيد أن إمكانية انتهاج وتفعيل سياسات فاعلة تجاه تلك القضايا سوف تظل أمرا بعيد المنال.

فليس المهم أن تقوم واشنطن والدول الأوروبية بعرض واجهة للتضامن ووحدة المواقف بخصوص جملة من القضايا المحددة ذات الأهمية الاستراتيجية المشتركة بقدر ما هو مهم الإدراك أن جذور الخلاف بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية يضرب في أعماق العلاقة بينهما، وبالتالي من الضروري أن يتبنى الطرفان مقاربة أساسية وشاملة تطال جميع مناحي الفُرقة السياسية.

وفي هذا السياق، يمثل النهج الذي تتبناه واشنطن في تعاملها مع حلفائها الأوروبيين أول الجوانب الجوهرية، حيث من المتوقع حالما ينـزل الرئيس بوش من على سلم طائرته الرئاسية، وقبل أن تطأ قدماه الأرض الأوروبية، سوف تقابله موجة من مشاعر التشكيك والاستغراب في الأوساط الأوروبية حول توجهات السياسات الأمريكية في العالم. ولن تنجح المجاملات الدبلوماسية في تبديد أو تغييب واقع اختلاف الموقف والنهج السياسي الأوروبي عن نظيره الأمريكي في التعاطي مع الأسباب والحلول الممكنة للأزمات التي تُعكّر صفو الأجواء السياسية الدولية في الوقت الراهن.

علينا ألا ننسى أن مشاعر التضامن التي سادت في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والتي دفعت بحلف شمال الأطلسي إلى وضع المادة الخامسة من ميثاق الحلف موضع التنفيذ، في الوقت الذي أعلنت فيه الصحف الألمانية والفرنسية ” أننا جميعا أمريكيون” أصبحت اليوم جزءا من الماضي. وقد أظهرت نتائج آخر استطلاعات الرأي التي أجراها مركز “بيو” للأبحاث تراجعا لافتا في نسبة الفرنسيين الذين يحملون نظرة إيجابية للولايات المتحدة، حيث تراجعت تلك النسبة من 69 في المائة خلال صيف 2002 إلى حدود 37 في المائة فقط مع حلول مارس 2004. كما شهدت ألمانيا تراجعا مماثلا من 61 في المائة إلى حدود 38 في المائة. وفي غضون ذلك، انحدرت بشكل حاد نسبة الأمريكيين الذين يتبنون نظرة إيجابية تجاه فرنسا، وذلك هبوطا من 79 في المائة إلى حدود 33 في المائة، في حين تراجعت نسبة الأمريكيين الذين ينظرون نظرة إيجابية لألمانيا من 83 في المائة إلى 50 في المائة.

ومن المؤكد أن هذه النسب والأرقام لا توحي بأن هناك عملية مصالحة ووئام تجري في الوقت الحالي من أجل دعم تقارب أمريكي – أوروبي. ولهذا السبب، وإذا ما كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يود فعلا تغيير واقع العلاقات الأمريكية – الأوروبية المتدهور، فإن عليه أن يحل على أوروبا حاملا في حقيبته السياسية الرغبة الأكيدة في إصغاء وتفهم الهواجس الأوروبية إلى جانب التركيز على قيمة تفعيل النهج التعاوني في إطاره الدولي ضمن شروط قابلة للتفاوض وليس ضمن إطار مشاورات شكلية.

وهناك جانب آخر يرتبط بمدى قدرة الدول الأوروبية على طرح ودعم مصالحها الأساسية، حيث يبدو أنه بات من الضروري للغاية اليوم أن تنقشع حالة الغموض التي تلف طبيعة الدور الأوروبي في الساحة الدولية المعاصرة، وذلك ليس أمام أعين صانعي السياسات الأمريكية فقط، بل أيضا أمام أعين الشعوب الأوروبية التي تتابع التطورات التي يشهدها المسرح الأوروبي من الداخل. فبالنسبة للعديد من المشككين في قدرات أوروبا السياسية، لا يمثل الاتحاد الأوروبي في واقع الأمر لاعبا سياسيا قويا على الرغم من أنه نجح بفضل إصراره ومثابرته الدؤوبة مدعوما بالقليل من الحظ في بناء وتوسيع البيت الأوروبي المشترك. لكن كلما جد الجد وسخنت الساحة السياسية، سرعان ما تتلاشى عضلات الاتحاد الأوروبي، ويبرهن عن عجزه على دعم تصريحاته السياسية بالتحرك باتجاه تفعيل الإجراءات والخطوات اللازمة. ولعل نموذج جمهورية يوغسلافيا السابقة والأزمة العراقية التي اندلعت عام 2003 يجسدان بشكل جلي هذا النمط على مستوى النهج الأوروبي. ويؤكد المشككون في قدرات الاتحاد الأوروبي أن الاتحاد ليست أمامه آفاق مستقبل قابل للاستدامة. والحقيقة، كما يعتقد المشككون، أن التناقضات المتأصلة في الجسم الأوروبي سوف تبرز بشكل أقوى وأوضح مع مرور الوقت، وبالتالي سوف ينهار حلم الوحدة الأوروبية.

ويرى البعض الآخر أن أوروبا، وهي في خضم صناعة وبناء وحدتها، سوف تمثل بديلا يعمل على توازن السياسات الأحادية الجانب التي تنتهجها حاليا الولايات المتحدة. بعبارة أفصح سوف تحقق أوروبا مشروع بناء كتلة إقليمية تتألف من مجموعة من الدول/ الأمم تجسد روح النهج المتعدد الأطراف الذي سوف يوجه ويحدد مستقبل العالم برمته. ويشدد المؤيدون لفكرة الاتحاد الأوروبي على أن ما تم تحقيقه من تقدم على صعيد توسيع عضوية الاتحاد وتفعيل الاتحاد النقدي وإمكانية تفعيل منظومة دستورية موحدة في المستقبل القريب، كلها معطيات ملموسة تمثل مرآة تعكس الأهمية التاريخية التي تنطوي عليها التجربة الأوروبية التي استطاعت خلق فضاء سياسي يرى في القوة العسكرية آخر الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لمواجهة الأزمات والمشكلات. وحتى في ما يخص بعض جوانب الضعف التي ينتقدها بعض المشككين في قدرات أوروبا فإن المؤيدين يرون فيها على العكس من ذلك مناحي قوة. وعلى الرغم من أن أوروبا اليوم لا تبدي استعدادها لتولي مسؤوليات دولية على النحو الذي تقوم به الولايات المتحدة، تسود أطروحة سياسية تؤكد أن القرن الحادي والعشرين سيكون عهدا أوروبيا.

وليس من الوارد أن يحل اللقاء المرتقب بين الرئيس جورج بوش والقادة الأوروبيين هذه الإشكالية أو يلغي هذا السجال، مع العلم أن الطريقة التي سوف يختارها القادة الأوروبيون لخوض المناقشات مع الرئيس بوش، خصوصا في ما يرتبط بالسياسات الأمريكية، سوف تحدد مدى استعداد أوروبا لتبني موقف أكثر صرامة في سبيل تأمين مصالحها والتخفيف من حدة الهواجس الملمة بها، لعل طريق النجاح يتمثل في إبراز وتأكيد القدرة على إيجاد نهج يعتمد على مبدأ تنسيق المواقف من خلال التوفيق بين أولويات السياسة الأمريكية وأولويات السياسة الأوروبية مع الحفاظ على استقلالية هوية كل طرف على حدة.

وأخيرا هناك ملف الشرق الأوسط والكيفية التي تستطيع كل من الولايات المتحدة وأوروبا من خلالها صياغة أجندة سياسية تتسم بطابع الواقعية والاتزان، وتكون قادرة على مساعدة دول المنطقة على تجاوز المعضلات التي تؤرقها، وفي الوقت نفسه تعمل على تعزيز مصالح طرفي الأطلسي. ومن أعتى المعضلات التي برزت على الساحة خلال السنوات القليلة الماضية غياب جبهة موحدة وتبني مبادرات منفصلة تقوم على أساس جهود ثنائية ومنفردة.

ولنستذكر هنا أن قضايا منطقة الشرق الأوسط تصدرت واجهة الخلافات حول السياسة الخارجية. ولم يستفد أي طرف من تلك الخلافات، فالولايات المتحدة تعرضت لعزلة وأصبحت سياساتها محط انتقادات لاذعة أفقدتها جزءا من مصداقيتها. فمشاعر العداء تجاه السياسات الأمريكية بلغت حدودا غير مسبوقة في جميع أرجاء المنطقة، وتعرضت الأجندة الأمريكية المطالبة بضرورة تنفيذ إصلاحات سياسية في دول المنطقة إلى انتقادات شديدة اللهجة. ربما تكون بعض المبادرات الأمريكية، مثل مبادرة الشراكة الشرق أوسطية، نابعة فعلا من نيات صادقة، غير أن عمق تأثيرها يظل محدودا للغاية في ظل الاعتقاد السائد في المنطقة أن أي نوع من الشراكة مع واشنطن سوف يضر بمصالح دول المنطقة. أما بالنسبة لأوروبا، فهي تجد نفسها اليوم محشورة في زاوية لا ترغب التقوقع فيها، حيث إن دول المنطقة ترى في أوروبا الحل للنـزعة الأحادية الأمريكية. علاوة على ذلك، فإن السياسات الأوروبية وما تعمل أوروبا على إنجازه من مشاريع لمساعدة دول المنطقة لا يحققان عادة النتائج والأهداف المنشودة. فالاتحاد الأوروبي ضخ مئات المليارات من اليورو في مشاريع أقامها في الأراضي الفلسطينية، لكن من دون تحقيق أي تحسن ملموس في الظروف الحياتية للشعب الفلسطيني أو دفع عجلة عملية السلام إلى الأمام.
ومن أجل تجاوز هذه الإشكالية، لا بد من العمل على دعم أطر تنسيق العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دون الحاجة إلى دمج سياسات الطرفين. فعلى الصعيد السياسي، من المحتمل أن يحقق صوت أوروبي يحمل نبرة أقوى مدعوما بنهج سياسي أمريكي غير مندفع فاعلية أكبر. أما في ما يخص ملف الأمن الخليجي، فإن اضطلاع حلف شمال الأطلسي بدور رئيسي بدلا من استمرار واشنطن وإصرارها على تبني نهج أحادي في تعاملها مع الشأن الأمني في منطقة الخليج ربما يشكل دورا واعدا وحاملا آمالا كبيرة.

أما في ما يتعلق بوضع العراق، فإن التزام الدول الأوروبية بدعم العملية السياسية في العراق سوف يساعد على تعظيم الزخم الذي يحرك العملية الانتخابية إلى الأمام. أما بالنسبة لإيران، ففي حال أقدمت الولايات المتحدة على إرسال إشارات تدلل على استعدادها للبحث في مبادرات دبلوماسية، فإن من شأن ذلك أن يوسع دائرة الدعم على الساحتين الدولية والإقليمية لمعارضة برنامج إيران النووي. وفي جميع هذه الحالات، يبقى التركيز قائما على ضرورة تفعيل روابط التنسيق المكثف بدلا من محاكاة أي طرف لسياسات الطرف الآخر أو الابتعاد كليا عن الخط السياسي الذي يتبناه أي طرف من طرفي العلاقة عبر الأطلسية. وهذا أمر لازم وملزم للطرفين.

::/fulltext::
::cck::2335::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *