العلاقات الإيرانية – العراقية: وجهة نظر من داخل إيران
::cck::2365::/cck::
::introtext::
تعتبر العلاقات الإيرانية ـ العراقية، أكثر العناصر تعقيداً في مركب العلاقات الإيرانية ـ العربية والعائق الأكبر لاستثمار إيران لموقعها الاستراتيجي وحجمها الكبير إقليمياً وعربياً علی مدی العقدين الأخيرين، وهي الحقيقة التي جسدتها تماماً حرب الثماني سنوات، وتبدو آثارها في أمور متعددة واضحة للغاية، فقد أفرزت تناقضات البلدين معادلة توازن دخلت فيها معظم القوة العربية بكل ثقلها لحماية العراق خشية الانتصار الإيراني في المواجهة بين البلدين.. ومن ثم جاءت القوة الدولية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لتدعم هذا المسار للحؤول دون التقاء طهران وبغداد.
::/introtext::
::fulltext::
تعتبر العلاقات الإيرانية ـ العراقية، أكثر العناصر تعقيداً في مركب العلاقات الإيرانية ـ العربية والعائق الأكبر لاستثمار إيران لموقعها الاستراتيجي وحجمها الكبير إقليمياً وعربياً علی مدی العقدين الأخيرين، وهي الحقيقة التي جسدتها تماماً حرب الثماني سنوات، وتبدو آثارها في أمور متعددة واضحة للغاية، فقد أفرزت تناقضات البلدين معادلة توازن دخلت فيها معظم القوة العربية بكل ثقلها لحماية العراق خشية الانتصار الإيراني في المواجهة بين البلدين.. ومن ثم جاءت القوة الدولية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لتدعم هذا المسار للحؤول دون التقاء طهران وبغداد.
حيث إنه في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وتغير موازين القوی علی الصعيدين الدولي والإقليمي أسفر هذا الوضع عن ظهور “النظام الأحادي” على المسرح العالمي. وفي هذه الظروف أتيحت الفرصة المناسبة للولايات المتحدة الأمريكية لتفرض هيمنتها علی العالم كقوة عظمی وفي إطار النظام العالمي الجديد، وتستغل الظروف الدولية لتفرض علی إيران والعراق “استراتيجية الاحتواء المزدوج” وعلی هذا الأساس فرضت مجموعة من الضغوط السياسية والاقتصادية علی الجانبين الإيراني والعراقي للحد من قوة الدولتين في المنطقة.
ونجحت هذه السياسة الضاغطة تجاه العراق، وفشلت بالمواجهة مع طهران نظراً للأوضاع الجيوبوليتيكية وطبيعة النظام الإيراني وخصائصه. إلى ذلك فإن الحظر الاقتصادي والسياسي الدولي الذي استمر 13 عاماً (1990-2003) على العراق أدی إلى بروز خلافات أساسية ومتعددة بين الجانبين الإيراني والعراقي وسادت أجواء عدم الثقة والضبابية بين العاصمتين.
وفور وقوع أحداث 11 سبتمر والإعلان الأمريكي عن استراتيجية “الحرب الوقائية” ومن ثم وضع إيران والعراق وكوريا الشمالية علی لائحة الشر أدّی إلى بروز أرضية للتعاون بين طهران وبغداد. إن الإحتلال الأمريكي للعراق ووجود القوة العسكرية الأمريكية والبريطانية علی الحدود العراقية-الإيرانية وتعيين الجنرال جاي جارنر وبول بريمر للحكم في بغداد ومن ثم تأسيس مجلس الحكم وبعدها الحكومة المؤقتة في العراق، كل ذلك أدّی إلى بروز فراغ سياسي وضعف في الإدارة العراقية في جميع المجالات. وهذه المتغيرات المحلية والتطورات الإقليمية أدت إلى نوع من الازدواجية والتخبط في طريقة التعامل مع طهران وخاصة في ظل المواقف المتناقضة للمسؤولين العراقيين في مجلس الحكم واتهامات البعض بالتدخل الإيراني في الشؤون الداخلية العراقية.
إن العلاقات الثقافية والتاريخية التي تربط البلدين وأواصر الأخوة من شأنها تسهيل هذا النوع من التعاون وهذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحكومة العراقية المستقبلية واتجاهاتها وإدراكها للمناخ الإقليمي واحترامها للحدود السياسية والجغرافية وسيادة جيرانها وتطبيقها للمعاهدات والقوانين الدولية الموقعه بينها وبين جيرانها وخاصة إيران.
ولم تكن الاتهامات الصريحة التي تطلق من الجانب العربي الرسمي بين الحين والآخر، ضد الشعبين العراقي والإيراني وخاصة التي أطلقها ملك الأردن في حديث مع صحيفة “واشنطن بوست” عند تأكيده وجود طموحات تراود إيران بقيام ما أسماه (الهلال الشيعي) الذي يضم إلى جانب إيران كلاً من العراق ولبنان وسوريا أمراً يأتي من فراغ.. فهذه التهم هي في الحقيقة رقم في سلسلة طويلة من التهم مارستها السياسة بقصد إلغاء الآخر وتهميشه وإقصاؤه من مركز السلطة وأخيراً تسويغ اضطهاده.
وقد أشار موقع الراصد الإسلامي الالكتروني إلى العمق السني في العراق بأنه حالة استراتيجية بالنسبة للوجود الإقليمي العربي وكذلك للحركات الإسلامية السنية وأن عدم تمكن السنة من السلطة في العراق يعتبر نهاية لوجودهم الاستراتيجي في العالم الإسلامي، بل في العالم بأجمعه. هذه المواقف هي التي تؤدي إلى افتعال أزمات وتأجيج فتن ونزاعات دموية وتعطي الشرعية والذرائع لارتكاب المجازر الدموية والتصفيات الجسدية.
فهذه أمور حياتية ولا بد منها كون العراق مركز الشيعة ونقطة الاستقطاب الأهم بين كل النقاط الأخرى في العالم الإسلامي الشيعي الذي يدين بالولاء لأهل البيت وتشكل النجف نقطة الانطلاقة الأهم للمرجعية بالمفهوم الشيعي. إن واشنطن والعواصم الغربية هي الأخرى لم تحبذ قيام حكومة شيعية في العراق بالرغم من نتائج الانتخابات العراقية وما أفرزتها صناديق الاقتراع هناك فالتحرك الأمريكي والزيارات المتعددة لبغداد تأتي لفرض إملاءات علی العراقيين ومن هنا تأتي مقولة “الشيعة العرب” و”الليبرالية الشيعية” واختلافهم مع شيعة إيران.
ويقول وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بصراحة “إنه يعارض قيام حكومة تشبه حكومة إيران في العراق” وقال قبله كيسنجر في تصريح جاء فيه “إنه اقترح علی بوش بأنه إذا لم يستطع أن يحصل علی نتائج جيدة تجاه مصالحة في عراق موحد فحينئذٍ عليه أن يقسم العراق إلى أجزاء مختلفة.
وأيضاً إذا قامت في العراق حكومة شيعية فليس لأمريكا فائدة أو مصلحة في احترام رأي الشعب العراقي وحكومته. وأضاف إذا قامت في العراق حكومة شيعية فيجب أن تسمح للقوميات والمذاهب والأديان المختلفة في العراق أن تشكل كيانات مستقله لها في وجه الحكومة الشيعية.
ويعتقد أيضاً نعوم تشومسكي المفكر الأمريكي أن (الكلام عن حق السيادة والاستقلال ووجود عراق ديمقراطي هي نكتة بلا طعم) وأضاف ((أنا لا أصدق أن أمريكا وبريطانيا يسمحان بأن يقوم عراق سيد مستقل لأن حكومة كهذه إذا جاءت في العراق كأول خطوة له يحاول أن يحسن علاقاته مع الحكومة الإيرانية وهذا يؤدي إلى الحكم الذاتي للشيعة في كل المنطقة وهذا ما لا تريده أمريكا)) وأضاف (إذا ما أصبح الوضع هكذا فإن إيران والعراق والمناطق النفطية في المملكة العربية السعودية التي هي من أقطاب البترول العالمي تصبح شيعية، فأمريكا لم ولن تسمح بأن يصبح هذا الأمر واقعاً). وقال أيضاً (إذا أصبح العراق مستقلاً فسوف تحاول هذه البلدان أن تظهر كقوة في العالم العربي وهذا يعني مرة أخرى عراقاً قوياً وخطراً وعدواً لإسرائيل في المنطقة.
من ناحية أخرى فإن العقدة الإيرانية لم تكن إلا حصيلة للعملية التراكمية التاريخية لمئات السنين من علاقات التخاصم والتنافس بين الأمبراطورية الفارسية من جهة والأمبراطورية العربية ومن ثم الأمبراطورية العثمانية من جهة أخرى واحتساب الشيعة العرب علی القومية الفارسية. هذه المرة وعلی لسان بعض مسؤوليها في الحكم المؤقت لتثير المشكلة القومية والنعرات الطائفية لطمأنة بعض الأنظمة الرسمية لدول الجوار، وفي الوقت نفسه للحصول علی حصة في الحكم بعد ترضية الأمريكيين.
فالضرب علی الوتر الطائفي ـ القومي والشيعي ـ الفارسي منه بشكل خاص من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وعناصرها في العراق، إضافة إلى دول عربية وإقليمية أخرى تعتبر نفسها رأس الحربة للسياسات الأمريكية في المنطقة هو لضمان بقائها في الحكم والحؤول دون الوقوع ضحية الإصلاحات الأمريكية المقترحة.
وفي ما يخص الأمن فإن إيران تعتبر التعاون الإقليمي إطاراً مناسباً لتأمين الأمن في المنطقة وتراه أساس الأمن الإقليمي، وبعبارة أخرى تحرص طهران كل الحرص علی الإنتقال إلى تحقيق الأمن الجماعي اتفاقية الدفاع المشترك بعد تكريس التعاون الإقليمي. ولكن هل هذا الجهد لن يثمر بسبب الوضع الإقليمي الخليجي والعربي والتباينات والتناقضات السائدة في دول المنطقة وخاصة بعد احتلال العراق ووجود القوات الأمريكية والبريطانية علی الحدود الإيرانية ـ العراقية؟ وهل إن الحكم في العراق بكل اتجاهاته وأطيافه وألوانه يسمح بذلك؟ وهل هو قادر أساساً على رسم نظام أمني مع نفسه أو مع جيرانه خارج إطار الاحتلال؟ وكيف يمكن الحد من التوتر الأمني بين البلدين وعقد اتفاقيات ثنائية في ظل الاحتلال؟
يبدو واضحاً أن إمكان إيجاد نظام أمني جماعي أو ثنائي الذي باستطاعته جمع الإيرانيين والعراقيين في ظل الظروف الراهنة غير ممكن إلا بعد تحقيق الثقة ودفع الشكوك وسوء الظن الذي هو بدوره لن يتحقق طالما لن ترضاه القوی الأجنبية الجاثمة علی أرض العراق. ومن هذا المنطلق تصر إيران علی (التعاون الإقليمي) باعتباره الحل الوحيد والمفيد الذي باستطاعته ضمان الأمن، ولكن يتطلب استتباب الأمن حسب الرؤية الإيرانية عدم إيجاد أي تغييرات جيوسياسية في الوضع الإقليمي، وعدم ربط الأمن هنا من خلال الأمن العربي بالأمن الأجنبي وبالتحديد بالقوی الغربية والأمريكية خاصة الموجودة هنا وهناك. فإيران ترفض الوجود الأجنبي علی حدودها فهي ترى أن هذا الوجود العسكري يشكل مصدر تهديد مهما كانت الدوافع المعلنة لهذه الدول.
إذا اعتبرنا النقاط المذكورة أعلاه أي في ما يتعلق بالجغرافيا والحدود والجدل القومي والمذهبي بؤراً قابلة للاشتعال واختلاق أزمات حقيقية فمن الضروري البحث عن سبل تجنبنا الوقوع فيها والحؤول دون تكرار الماضي، وفي الوقت نفسه فإن عوامل الالتقاء متعددة هي أيضاً وكثيرة للغاية وهذه المساحات العريضة للقاء تعتبر مصيرية وحيوية وساخنة نظراً للظروف الدولية والإقليمية الراهنة وهذا ما تدركه طهران جيداً لأسباب واضحة. إن تعاطي طهران مع الاحتلال كان عقلانياً للغاية بالرغم من التعقيد الكبير والمتغيرات الطارئة والمستمرة علی المسرح السياسي والعسكري في المنطقة.
طهران لا تريد أيضاً أن يشكل خطابها عبئاً نفسياً إضافياً علی العراقيين ويظهرهم عاجزين عن دحر الاحتلال أو أنهم لا غيرة لهم علی بلدهم، فجاءت المواقف تتطابق مع الأغلبية الشعبية في العراق: بناء الدولة أولاً وطرد المحتل ثانياً والصراع ضده باعتبارها نقطة جوهرية لاستعادة سيادة العراق ولكن على مراحل وعلی مستويات مختلفة.
ولهذا أيضاً جاءت المواقف الإيرانية متناغمة مع السلطة العراقية ومع الأغلبية الشعبية بشأن ضرورة إجراء الانتخابات النيابية ومتماشية مع الكثير من التيارات الشيعية المتمثلة بالمجلس الأعلی للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة الإسلامية وتيارات وشخصيات وطنية أخرى لقيادة تيار المقاومة السلمية لإخراج الاحتلال من البلاد بالوسائل السياسية بعد طرح برنامج بديل عن الانسحاب الفوري للحؤول دول الوقوع في فراغ سياسي / أمني في ظل ما يجري من عمليات إرهابية طائفية تحصد الأبرياء وما لا يحمد عقباه.
وتتخذ طهران سبلاً أخرى لمقاومة المحتل فهي:
* تلعب علی التناقضات الأمريكية والتشجيع الإعلامي والدعم المعنوي وغير المباشر للعمليات التي تستهدف القوات الأمريكية ومواقعها فقط لشد الخناق علی قوات الاحتلال.
* تحريض الشارع العراقي سلمياً ودعم المقاومة السلمية في كل مواقفها التي تستهدف الاحتلال.
* الاستعانة بالمؤسسات والمنظمات الدولية المناوئة للهيمنة الأمريكية واتخاذ ودعم المواقف المعارضة للاحتلال في الاجتماعات الدولية.
* المشاركة الفاعلة في المؤتمرات الوطنية العربية والعالمية لتحويل القضية إلى ثقافة شعبية عريضة تناهض الاحتلال والمحتل مستخدمة كل وسائل الإعلام والمنابر الدينية والوطنية.
علی أي حال فإن روح الأخوة والتسامح والتعاضد والتعاون وفي نطاق الانسجام الديني والحضاري أمر مهم للغاية تتبعها طهران في تعاطيها مع الأحداث العراقية ومع كل السلطات العراقية التي تولت الحكم في العراق بعد انهيار النظام السابق. كما اتخذت طهران استراتيجية مرنة في علاقاتها مع المرجعيات والشخصيات والقوی السياسية والدينية والفصائل والتيارات الناشطة في العراق وفقاً لمجری الأحداث هناك، فاعترفت بالحكومة المؤقتة، واستقبلت المسؤولين بمختلف مستوياتهم وشاركت بقوة في اجتماعات دول الجوار، وأقامت الندوات الاقتصادية، وخصصت مبالغ طائلة لإعمار العراق ومساعدات إنسانية كبيرة ومستمرة أخرى.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2365::/cck::
::introtext::
تعتبر العلاقات الإيرانية ـ العراقية، أكثر العناصر تعقيداً في مركب العلاقات الإيرانية ـ العربية والعائق الأكبر لاستثمار إيران لموقعها الاستراتيجي وحجمها الكبير إقليمياً وعربياً علی مدی العقدين الأخيرين، وهي الحقيقة التي جسدتها تماماً حرب الثماني سنوات، وتبدو آثارها في أمور متعددة واضحة للغاية، فقد أفرزت تناقضات البلدين معادلة توازن دخلت فيها معظم القوة العربية بكل ثقلها لحماية العراق خشية الانتصار الإيراني في المواجهة بين البلدين.. ومن ثم جاءت القوة الدولية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لتدعم هذا المسار للحؤول دون التقاء طهران وبغداد.
::/introtext::
::fulltext::
تعتبر العلاقات الإيرانية ـ العراقية، أكثر العناصر تعقيداً في مركب العلاقات الإيرانية ـ العربية والعائق الأكبر لاستثمار إيران لموقعها الاستراتيجي وحجمها الكبير إقليمياً وعربياً علی مدی العقدين الأخيرين، وهي الحقيقة التي جسدتها تماماً حرب الثماني سنوات، وتبدو آثارها في أمور متعددة واضحة للغاية، فقد أفرزت تناقضات البلدين معادلة توازن دخلت فيها معظم القوة العربية بكل ثقلها لحماية العراق خشية الانتصار الإيراني في المواجهة بين البلدين.. ومن ثم جاءت القوة الدولية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لتدعم هذا المسار للحؤول دون التقاء طهران وبغداد.
حيث إنه في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وتغير موازين القوی علی الصعيدين الدولي والإقليمي أسفر هذا الوضع عن ظهور “النظام الأحادي” على المسرح العالمي. وفي هذه الظروف أتيحت الفرصة المناسبة للولايات المتحدة الأمريكية لتفرض هيمنتها علی العالم كقوة عظمی وفي إطار النظام العالمي الجديد، وتستغل الظروف الدولية لتفرض علی إيران والعراق “استراتيجية الاحتواء المزدوج” وعلی هذا الأساس فرضت مجموعة من الضغوط السياسية والاقتصادية علی الجانبين الإيراني والعراقي للحد من قوة الدولتين في المنطقة.
ونجحت هذه السياسة الضاغطة تجاه العراق، وفشلت بالمواجهة مع طهران نظراً للأوضاع الجيوبوليتيكية وطبيعة النظام الإيراني وخصائصه. إلى ذلك فإن الحظر الاقتصادي والسياسي الدولي الذي استمر 13 عاماً (1990-2003) على العراق أدی إلى بروز خلافات أساسية ومتعددة بين الجانبين الإيراني والعراقي وسادت أجواء عدم الثقة والضبابية بين العاصمتين.
وفور وقوع أحداث 11 سبتمر والإعلان الأمريكي عن استراتيجية “الحرب الوقائية” ومن ثم وضع إيران والعراق وكوريا الشمالية علی لائحة الشر أدّی إلى بروز أرضية للتعاون بين طهران وبغداد. إن الإحتلال الأمريكي للعراق ووجود القوة العسكرية الأمريكية والبريطانية علی الحدود العراقية-الإيرانية وتعيين الجنرال جاي جارنر وبول بريمر للحكم في بغداد ومن ثم تأسيس مجلس الحكم وبعدها الحكومة المؤقتة في العراق، كل ذلك أدّی إلى بروز فراغ سياسي وضعف في الإدارة العراقية في جميع المجالات. وهذه المتغيرات المحلية والتطورات الإقليمية أدت إلى نوع من الازدواجية والتخبط في طريقة التعامل مع طهران وخاصة في ظل المواقف المتناقضة للمسؤولين العراقيين في مجلس الحكم واتهامات البعض بالتدخل الإيراني في الشؤون الداخلية العراقية.
إن العلاقات الثقافية والتاريخية التي تربط البلدين وأواصر الأخوة من شأنها تسهيل هذا النوع من التعاون وهذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحكومة العراقية المستقبلية واتجاهاتها وإدراكها للمناخ الإقليمي واحترامها للحدود السياسية والجغرافية وسيادة جيرانها وتطبيقها للمعاهدات والقوانين الدولية الموقعه بينها وبين جيرانها وخاصة إيران.
ولم تكن الاتهامات الصريحة التي تطلق من الجانب العربي الرسمي بين الحين والآخر، ضد الشعبين العراقي والإيراني وخاصة التي أطلقها ملك الأردن في حديث مع صحيفة “واشنطن بوست” عند تأكيده وجود طموحات تراود إيران بقيام ما أسماه (الهلال الشيعي) الذي يضم إلى جانب إيران كلاً من العراق ولبنان وسوريا أمراً يأتي من فراغ.. فهذه التهم هي في الحقيقة رقم في سلسلة طويلة من التهم مارستها السياسة بقصد إلغاء الآخر وتهميشه وإقصاؤه من مركز السلطة وأخيراً تسويغ اضطهاده.
وقد أشار موقع الراصد الإسلامي الالكتروني إلى العمق السني في العراق بأنه حالة استراتيجية بالنسبة للوجود الإقليمي العربي وكذلك للحركات الإسلامية السنية وأن عدم تمكن السنة من السلطة في العراق يعتبر نهاية لوجودهم الاستراتيجي في العالم الإسلامي، بل في العالم بأجمعه. هذه المواقف هي التي تؤدي إلى افتعال أزمات وتأجيج فتن ونزاعات دموية وتعطي الشرعية والذرائع لارتكاب المجازر الدموية والتصفيات الجسدية.
فهذه أمور حياتية ولا بد منها كون العراق مركز الشيعة ونقطة الاستقطاب الأهم بين كل النقاط الأخرى في العالم الإسلامي الشيعي الذي يدين بالولاء لأهل البيت وتشكل النجف نقطة الانطلاقة الأهم للمرجعية بالمفهوم الشيعي. إن واشنطن والعواصم الغربية هي الأخرى لم تحبذ قيام حكومة شيعية في العراق بالرغم من نتائج الانتخابات العراقية وما أفرزتها صناديق الاقتراع هناك فالتحرك الأمريكي والزيارات المتعددة لبغداد تأتي لفرض إملاءات علی العراقيين ومن هنا تأتي مقولة “الشيعة العرب” و”الليبرالية الشيعية” واختلافهم مع شيعة إيران.
ويقول وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بصراحة “إنه يعارض قيام حكومة تشبه حكومة إيران في العراق” وقال قبله كيسنجر في تصريح جاء فيه “إنه اقترح علی بوش بأنه إذا لم يستطع أن يحصل علی نتائج جيدة تجاه مصالحة في عراق موحد فحينئذٍ عليه أن يقسم العراق إلى أجزاء مختلفة.
وأيضاً إذا قامت في العراق حكومة شيعية فليس لأمريكا فائدة أو مصلحة في احترام رأي الشعب العراقي وحكومته. وأضاف إذا قامت في العراق حكومة شيعية فيجب أن تسمح للقوميات والمذاهب والأديان المختلفة في العراق أن تشكل كيانات مستقله لها في وجه الحكومة الشيعية.
ويعتقد أيضاً نعوم تشومسكي المفكر الأمريكي أن (الكلام عن حق السيادة والاستقلال ووجود عراق ديمقراطي هي نكتة بلا طعم) وأضاف ((أنا لا أصدق أن أمريكا وبريطانيا يسمحان بأن يقوم عراق سيد مستقل لأن حكومة كهذه إذا جاءت في العراق كأول خطوة له يحاول أن يحسن علاقاته مع الحكومة الإيرانية وهذا يؤدي إلى الحكم الذاتي للشيعة في كل المنطقة وهذا ما لا تريده أمريكا)) وأضاف (إذا ما أصبح الوضع هكذا فإن إيران والعراق والمناطق النفطية في المملكة العربية السعودية التي هي من أقطاب البترول العالمي تصبح شيعية، فأمريكا لم ولن تسمح بأن يصبح هذا الأمر واقعاً). وقال أيضاً (إذا أصبح العراق مستقلاً فسوف تحاول هذه البلدان أن تظهر كقوة في العالم العربي وهذا يعني مرة أخرى عراقاً قوياً وخطراً وعدواً لإسرائيل في المنطقة.
من ناحية أخرى فإن العقدة الإيرانية لم تكن إلا حصيلة للعملية التراكمية التاريخية لمئات السنين من علاقات التخاصم والتنافس بين الأمبراطورية الفارسية من جهة والأمبراطورية العربية ومن ثم الأمبراطورية العثمانية من جهة أخرى واحتساب الشيعة العرب علی القومية الفارسية. هذه المرة وعلی لسان بعض مسؤوليها في الحكم المؤقت لتثير المشكلة القومية والنعرات الطائفية لطمأنة بعض الأنظمة الرسمية لدول الجوار، وفي الوقت نفسه للحصول علی حصة في الحكم بعد ترضية الأمريكيين.
فالضرب علی الوتر الطائفي ـ القومي والشيعي ـ الفارسي منه بشكل خاص من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وعناصرها في العراق، إضافة إلى دول عربية وإقليمية أخرى تعتبر نفسها رأس الحربة للسياسات الأمريكية في المنطقة هو لضمان بقائها في الحكم والحؤول دون الوقوع ضحية الإصلاحات الأمريكية المقترحة.
وفي ما يخص الأمن فإن إيران تعتبر التعاون الإقليمي إطاراً مناسباً لتأمين الأمن في المنطقة وتراه أساس الأمن الإقليمي، وبعبارة أخرى تحرص طهران كل الحرص علی الإنتقال إلى تحقيق الأمن الجماعي اتفاقية الدفاع المشترك بعد تكريس التعاون الإقليمي. ولكن هل هذا الجهد لن يثمر بسبب الوضع الإقليمي الخليجي والعربي والتباينات والتناقضات السائدة في دول المنطقة وخاصة بعد احتلال العراق ووجود القوات الأمريكية والبريطانية علی الحدود الإيرانية ـ العراقية؟ وهل إن الحكم في العراق بكل اتجاهاته وأطيافه وألوانه يسمح بذلك؟ وهل هو قادر أساساً على رسم نظام أمني مع نفسه أو مع جيرانه خارج إطار الاحتلال؟ وكيف يمكن الحد من التوتر الأمني بين البلدين وعقد اتفاقيات ثنائية في ظل الاحتلال؟
يبدو واضحاً أن إمكان إيجاد نظام أمني جماعي أو ثنائي الذي باستطاعته جمع الإيرانيين والعراقيين في ظل الظروف الراهنة غير ممكن إلا بعد تحقيق الثقة ودفع الشكوك وسوء الظن الذي هو بدوره لن يتحقق طالما لن ترضاه القوی الأجنبية الجاثمة علی أرض العراق. ومن هذا المنطلق تصر إيران علی (التعاون الإقليمي) باعتباره الحل الوحيد والمفيد الذي باستطاعته ضمان الأمن، ولكن يتطلب استتباب الأمن حسب الرؤية الإيرانية عدم إيجاد أي تغييرات جيوسياسية في الوضع الإقليمي، وعدم ربط الأمن هنا من خلال الأمن العربي بالأمن الأجنبي وبالتحديد بالقوی الغربية والأمريكية خاصة الموجودة هنا وهناك. فإيران ترفض الوجود الأجنبي علی حدودها فهي ترى أن هذا الوجود العسكري يشكل مصدر تهديد مهما كانت الدوافع المعلنة لهذه الدول.
إذا اعتبرنا النقاط المذكورة أعلاه أي في ما يتعلق بالجغرافيا والحدود والجدل القومي والمذهبي بؤراً قابلة للاشتعال واختلاق أزمات حقيقية فمن الضروري البحث عن سبل تجنبنا الوقوع فيها والحؤول دون تكرار الماضي، وفي الوقت نفسه فإن عوامل الالتقاء متعددة هي أيضاً وكثيرة للغاية وهذه المساحات العريضة للقاء تعتبر مصيرية وحيوية وساخنة نظراً للظروف الدولية والإقليمية الراهنة وهذا ما تدركه طهران جيداً لأسباب واضحة. إن تعاطي طهران مع الاحتلال كان عقلانياً للغاية بالرغم من التعقيد الكبير والمتغيرات الطارئة والمستمرة علی المسرح السياسي والعسكري في المنطقة.
طهران لا تريد أيضاً أن يشكل خطابها عبئاً نفسياً إضافياً علی العراقيين ويظهرهم عاجزين عن دحر الاحتلال أو أنهم لا غيرة لهم علی بلدهم، فجاءت المواقف تتطابق مع الأغلبية الشعبية في العراق: بناء الدولة أولاً وطرد المحتل ثانياً والصراع ضده باعتبارها نقطة جوهرية لاستعادة سيادة العراق ولكن على مراحل وعلی مستويات مختلفة.
ولهذا أيضاً جاءت المواقف الإيرانية متناغمة مع السلطة العراقية ومع الأغلبية الشعبية بشأن ضرورة إجراء الانتخابات النيابية ومتماشية مع الكثير من التيارات الشيعية المتمثلة بالمجلس الأعلی للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة الإسلامية وتيارات وشخصيات وطنية أخرى لقيادة تيار المقاومة السلمية لإخراج الاحتلال من البلاد بالوسائل السياسية بعد طرح برنامج بديل عن الانسحاب الفوري للحؤول دول الوقوع في فراغ سياسي / أمني في ظل ما يجري من عمليات إرهابية طائفية تحصد الأبرياء وما لا يحمد عقباه.
وتتخذ طهران سبلاً أخرى لمقاومة المحتل فهي:
* تلعب علی التناقضات الأمريكية والتشجيع الإعلامي والدعم المعنوي وغير المباشر للعمليات التي تستهدف القوات الأمريكية ومواقعها فقط لشد الخناق علی قوات الاحتلال.
* تحريض الشارع العراقي سلمياً ودعم المقاومة السلمية في كل مواقفها التي تستهدف الاحتلال.
* الاستعانة بالمؤسسات والمنظمات الدولية المناوئة للهيمنة الأمريكية واتخاذ ودعم المواقف المعارضة للاحتلال في الاجتماعات الدولية.
* المشاركة الفاعلة في المؤتمرات الوطنية العربية والعالمية لتحويل القضية إلى ثقافة شعبية عريضة تناهض الاحتلال والمحتل مستخدمة كل وسائل الإعلام والمنابر الدينية والوطنية.
علی أي حال فإن روح الأخوة والتسامح والتعاضد والتعاون وفي نطاق الانسجام الديني والحضاري أمر مهم للغاية تتبعها طهران في تعاطيها مع الأحداث العراقية ومع كل السلطات العراقية التي تولت الحكم في العراق بعد انهيار النظام السابق. كما اتخذت طهران استراتيجية مرنة في علاقاتها مع المرجعيات والشخصيات والقوی السياسية والدينية والفصائل والتيارات الناشطة في العراق وفقاً لمجری الأحداث هناك، فاعترفت بالحكومة المؤقتة، واستقبلت المسؤولين بمختلف مستوياتهم وشاركت بقوة في اجتماعات دول الجوار، وأقامت الندوات الاقتصادية، وخصصت مبالغ طائلة لإعمار العراق ومساعدات إنسانية كبيرة ومستمرة أخرى.
::/fulltext::
::cck::2365::/cck::
