مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق بعد الانتخابات

::cck::2384::/cck::
::introtext::

أمسى الاحتلال الحليف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أمراً واقعاً في العراق بموجب قرار خاص أصدره مجلس الأمن الدولي بعد حوالي شهرين من سقوط النظام العراقي السابق، بينما واجهته مقاومة مسلحة عراقية شرسة ومشروعة حسب الأعراف الدولية، وعمليات مسلحة أخرى دخيلة تُوصفُ بـ “الإرهاب”، لتتحول أرض هذا البلد إلى ساحة مجابهات عمّت عدداً من مدنه الكبرى، وخصوصاً في الوسط وبعض شمالي الوطن، وفرضت أوزارها على العاصمة بغداد بشكل مروّع، لجملة من العوامل، قد تأتي على رأس القائمة تلك الأخطاء الاستراتيجية التي اقترفتها قيادة القوات الأمريكية منذ عصر يوم الأربعاء 9 إبريل 2003 والإدارة المدنية لسلطة الائتلاف المؤقتة حال تشكيلها، حتى بات الاعتقاد مترسخاً في نفوس البعض بأن الأمريكيين قد سقطوا في مستنقع – شبيه بفيتنام – يصعب اجتيازه أو الخروج منه. فيما يرى آخرون أن “واشنطن” أساساً قد خططت لما جرى على أرض العراق بعد الحرب مباشرة وفق الخطة العامة بكامل التفاصيل ضمن رؤيتها بضرورة تدمير هذا البلد إلى أقصى حدّ ممكن قبل إعادة بنائه وفق هواها، بينما ينظر البعض إلى مُجريات الأمور على أنها خطة تستهدف إبقاء الاحتلال حتى مستقبل منظور والحيلولة دون أن يطالب أحد بضرورة ترك العراق لأهله، كي يحكم نفسه بنفسه.

::/introtext::
::fulltext::

أمسى الاحتلال الحليف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أمراً واقعاً في العراق بموجب قرار خاص أصدره مجلس الأمن الدولي بعد حوالي شهرين من سقوط النظام العراقي السابق، بينما واجهته مقاومة مسلحة عراقية شرسة ومشروعة حسب الأعراف الدولية، وعمليات مسلحة أخرى دخيلة تُوصفُ بـ “الإرهاب”، لتتحول أرض هذا البلد إلى ساحة مجابهات عمّت عدداً من مدنه الكبرى، وخصوصاً في الوسط وبعض شمالي الوطن، وفرضت أوزارها على العاصمة بغداد بشكل مروّع، لجملة من العوامل، قد تأتي على رأس القائمة تلك الأخطاء الاستراتيجية التي اقترفتها قيادة القوات الأمريكية منذ عصر يوم الأربعاء 9 إبريل 2003 والإدارة المدنية لسلطة الائتلاف المؤقتة حال تشكيلها، حتى بات الاعتقاد مترسخاً في نفوس البعض بأن الأمريكيين قد سقطوا في مستنقع – شبيه بفيتنام – يصعب اجتيازه أو الخروج منه.

فيما يرى آخرون أن “واشنطن” أساساً قد خططت لما جرى على أرض العراق بعد الحرب مباشرة وفق الخطة العامة بكامل التفاصيل ضمن رؤيتها بضرورة تدمير هذا البلد إلى أقصى حدّ ممكن قبل إعادة بنائه وفق هواها، بينما ينظر البعض إلى مُجريات الأمور على أنها خطة تستهدف إبقاء الاحتلال حتى مستقبل منظور والحيلولة دون أن يطالب أحد بضرورة ترك العراق لأهله، كي يحكم نفسه بنفسه.
وتُطْرَحُ العديد من التساؤلات المعمَّقة عن الوجود العسكري الأمريكي في العراق، والمشاهد المحتملة لذلك في المستقبل المنظور ؟
وهذا ما نحاول تسليط بعض الضوء عليه في هذه الدراسة الموجزة.

نظرة إلى الماضي القريب والواقع القائم

وفق رؤانا وخبراتنا العسكرية المتراكمة ومشاركتنا في أكثر من حرب، لمجريات الحروب الكبرى المعاصرة، وما كان الأمريكيون يخططون خلالها ويخوضون قتالهم في أتونها، سواءً تلك التي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية، أو الحروب العديدة الأخرى التي اشتعلت في أكثر من بقعة في هذا العالم، فإننا نرى تمام الرؤية أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحشّد قواتها العسكرية في الشرق الأوسط وما يحيط به من بحار بغية التعرّض إلى العراق لمجرد خوض حرب لإسقاط نظامه وتخليص المنطقة من شروره وأسلحة التدمير الشامل التي يمتلكها فحسب، فضلاً عن كونه سبباً في عدم الاستقرار الإقليمي، وجعل العراق نموذجاً للديمقراطية والتعددية واقتصاد السوق، بل إن هدفها الرئيسي أعظم من ذلك بكثير.

وقد تَرَسَّخَ في نفوس القادة الأمريكيين وجنودهم الذين توجَّهوا إلى هذه الحرب، وخاضوا تفاصيلها، استناداً إلى ما اطّلعنا عليه عن كثب، بأنهم أتوا إلى العراق مضحّين بأرواحهم ليحرّروا شعبه من براثن نظام دكتاتوري /شمولي، في خطوة إنسانية يحملون على عاتقهم أوزارها، وأنهم يقاتلون من أجل قيم ومبادئ متجذرة في تاريخهم، وقد ضحوا بمئات الألوف من الأرواح في حربين عالميتين، أضافوا إليها عشرات الآلاف في حرب كوريا وتواجهوا حيال الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية في حرب باردة، وصرفوا ترليونات من الدولارات في إصرارهم على أن يكون النصف الثاني من القرن العشرين أمريكياً، وأنهم قاتلوا ضد العراق وحرروا الكويت، وأعادوا غرينادا إلى الشرعية، وخلّصوا بنما، وساعدوا المظلومين في البوسنة وكوسوفو، في سبيل أن يستمر القرن الحادي والعشرون أمريكياً، وأنهم ما داموا قد خاضوا حرباً في فيتنام طالت عشر سنوات، مضحّين بـ 58000 قتيل وما يربو على 7000 مفقود، قبل أن تلحقهم هزيمة بفعل إسناد العالم الشيوعي، لذلك فإنهم على غير استعداد أن يتقبّلوا خسران حرب أخرى بعد ثلاثة عقود، وفي العراق على وجه الخصوص مهما بلغت تضحياتهم وخسائرهم، وبعد أن باتوا قطباً أوحد يتحكم في معظم شؤون العالم القائم، وأنهم على هذا الأساس يتصرفون في الساحة العراقية.

ولكنهم من ناحية أخرى، وبعد مضي فترة محدودة على الاحتلال، فقد شاهدوا بأم أعينهم أن بلاد الرافدين غدت عرضة لعمليات دموية بمعدلات يومية، تزهق من جرائها الأرواح وتتناثر الأجساد، وسط تفاقم الأوضاع الأمنية بشكل خطير، وجعلت من هذا البلد جحيماً لا يُطاق، فلم ينتظر الأمريكيون كثيراً حتى أمسوا يشنّون عمليات واسعة وباستخدام الطائرات والأسلحة الأرضية الثقيلة على أكثر من مدينة عراقية، أدّت إلى اكتساحها أو إيقاع أضرار بالغة فيها، ولكن من دون أن يحصلوا على نتائج إيجابية لصالحهم، بل كان العكس هو واقع الحال، فقد ازدادت المقاومة عنفاً وتضاعفت عملياتها المختلفة، المقبولة منها والمرفوضة، وبأساليب غاية في القساوة استهدفت ليس القوات المحتلة فحسب، بل إن معظمها وُجِّهَ نحو الذين يُتَّهَمُونَ بالتعاون مع الاحتلال من وحدات الشرطة والحرس الوطني والجيش العراقي المعاد تشكيل وحداته ببطء ملحوظ، حتى تفاقمت الأمور نحو الأسوأ، وبدا الشارع العراقي ممتعظاً من مقتل مواطنيه أضعاف ما يُقتل من الغزاة المحتلين.

 المشــاهد المتوقعة

وسط هذه الأوضاع المتهرئة التي لا يُنْظَرُ إليها بتفاؤل، وشبه حالة يأس يستشعر بها العراقي الذي لم يعد آمناً على نفسه وذويه وماله ومصدر رزقه اليومي، وتصورات متشائمة حيال مسيرة حياته ومستقبل وطنه، يقفز إلى الرؤى عدد من المشاهد المحتملة حيال الوجود العسكري الأمريكي في العراق ومستقبله المنظور، والتي يمكن تلخيصها في ما يلي:

أولاً- التمركز في العراق قسراً

كانت الرؤى الأمريكية متناقضة بين هذه الفئة أو تلك، وخصوصاً بين وزارة الخارجية بزعامة كولن باول – الجنرال المتقاعد ورئيس هيئة الأركان العامة المشتركة في عهد الرئيس بوش الأب، ومُخطط النصر الحاسم في حرب الخليج الثانية (1991) – وقد اصطفّ إلى جانبه معظم قادة القوات المسلحة الأمريكية، بأن يزجّ حيال العراق ما يزيد على ربع مليون ووصولاً إلى 350000 جندي، ليس لإحراز النصر العسكري السريع الناجز، إنّما للانتشار في جميع بقاع هذا البلد لتأمين استقراره بعد الحرب والسيطرة على أوضاعه الأمنية. بينما رأى دونالد رامسفيلد – وزير الدفاع والمسؤول السياسي عن إدارة الحرب -، يؤيده جورج بوش الابن – القائد العام للقوات المسلحة بحكم منصبه كرئيس للجمهورية – أن ربع ذلك العدد يكفي لإنجاز المهمة لكون النظام العراقي وقواته المسلحة أشبه بـ (قربة منفوخة بالهواء) لانكماشها مجرد ثقب صغير، ولغرض إحراز بعض التوازن بين الرؤيتين تقرر جعل عدد الجنود 000,115 مقاتل من جميع الصنوف.

وقد اغتبط السياسيون بالنصر السريع المنجز في قتال لم يستغرق سوى ثلاثة أسابيع، ولكنهم اضطروا إلى زيادة العدد إلى 000,135 خلال عام 2004، وأخيراً إلى 000,150 جندي مع حلول مطلع العام الجاري 2005. وطفت على السطح في أيامنا هذه (مارس 2005) تصريحات بضرورة مضاعفة عدد الجنود إذا أريد للولايات المتحدة فرض الأمن على عموم العراق ولتفادي الخسائر اليومية، وانحطاط المعنويات الذي لربّما يؤدي إلى هزيمة، وقد يكون ذلك دليلاً ملحوظاً على الإصرار الأمريكي على البقاء في العراق.

إن ما تقترفه القيادة السياسية الأمريكية القائمة من أخطاء، هي أشبه ما تكون إلى تلك التي خَطَتْها قيادة الرئيس جونسون في منتصف الستينات حينما أنزلت في أرض فيتنام عام 1965 لواء مشاة بحرياً (مارينز) واحداً (4000 جندي) رأت فيهم أنهم سيُنهون الحرب! فالذي حصل، أن ذلك العدد تضاعف مائة مرة، حين وصل عام 1974 إلى ما يزيد على 000,400 جندي، ولكن على شكل لواء بعد لواء، وفرقة إثر فرقة، ولقمة للخصم تليها لقمة، لم تستطع حسم الحرب فحسب، بل انهزمت، وذلك شيء من التأريخ القريب الذي عاصرناه ودرسناه بعمق.

واليوم، ومع الفارق العظيم بين الموقف السياسي العالمي خلال تلك الحرب، وما آل إليه العالم المعاصر، فإن رؤيتنا أن القيادة السياسية الأمريكية القائمة قد اقترفت خطأ مشابهاً ما زالت سائرة عليه، وإنها ستضطر في المستقبل القريب إلى مضاعفة أعداد القوات الأمريكية المتمركزة في العراق، إذا بقيت الأمور على حالها القائم، أو ساءت وتفاقمت – كما يبدو للناظر – وأنه وفقاً للطروحات التي طرقت أسماعنا، وتصريحات عدد من المنظّرين الاستراتيجيين حول هذا التوجّه المزمع، يبدو أنه إصرار أمريكي على الاستمرار بالتمركز العسكري في العراق، الذي قد يؤمن لواشنطن أكثر من نقطة واحدة لغرض استراتيجيتها:

• إظهار نفسها أنها ما زالت قادرة على اتخاذ القرارات الخطيرة والخطوات الحاسمة والصرف الهائل من ميزانية الدولة على الرغم من الاعتقاد السائد بأن غزوها للعراق قد أصابه بعض الإخفاق، وأن واشنطن ما فتئت مصرّة على تحقيق أهدافها المعلنة بشأن العراق، وأنها لن تتراجع بعد أن أقدمت على غزوه وإسقاط نظامه واحتلاله.

• إن المقاومة العراقية، مهما بلغت من قوة وهمّة، فإنها غير مقتدرة على جعل واشنطن تتراجع أمامها، وأن القوة المتزايدة ميدانياً قد تؤمن تحشّداً مقبولاً في عموم المناطق الساخنة من أرض هذا البلد، وتَتَسَبَّبُ في إنزال خسائر أكبر في صفوف المقاومة مما يجعلها في موقف عسكري تضطر معه إلى تحديد العمليات المسلحة وصولاً إلى الكفّ عنها مع مرور الأيام.

• إن العراق بات مرتعاً خصباً وجبهة مواجهة للعديد من الفصائل الإسلامية المتطرفة، التي تريد تصفية حساباتها مع الولايات المتحدة ما دامت قواتها موجودة فيه، وأن حدوده المفتوحة على مصراعيه مع معظم دول الجوار تُغري “تنظيم القاعدة” ومن اصطف إلى جانبه للتوجه إليه من كل حدب وصوب، وأن ذلك يخدم الاستراتيجية الأمريكية في إبعاد أخطار خصومها عن مواطنيها خصوصاً والمتحالفين معها والسائرين في ركبها على وجه العموم، ليبقوا في منأى عن الصراعات المسلحة والعمليات الإرهابية، مقابل خسارة بضعة آلاف من الجنود في حرب داخلية تدور في الأرض الأمريكية.

• الاستمرار بوجود عسكري ثقيل في قلب الشرق الأوسط، يسنده قرار دولي صدر بالإجماع، ووسط موقف سياسي عالمي لا يقدر معه أحد من الإلحاح على الولايات المتحدة بالانسحاب، ما دام الوضع في العراق غير آمن.

• تشغيل هائل للصناعة العسكرية الأمريكية، وأرباح ضخمة تستحصلها الشركات المنتجة للمواد اللوجستية، وعقود لا تعدّ ولا تحصى مع كيانات تجارية واقتصادية وعمرانية تغدق على مالكيها ومساهميها، فضلاً عن أصحاب قرارات إحالتها، أرباحاً لم يحلموا بها، ناهيك عن إفادة عدد من دول جوار العراق في تجهيزها للمواد والوقود والطعام والماء للقوات الأمريكية وحلفائها.

ثانياً- البــقاء طـــوعاً

إذا ما هدأت الأوضاع الأمنية شيئاً فشيئاً، وعجزت المقاومة العراقية – المشروعة وغيرها – والأعمال الإرهابية الأخرى عن تحقيق الهدف المرتجى في إجبار الاحتلال على ترك هذا البلد، وأجريت الانتخابات شبه الحقيقية وآلت إلى نتائج تفضي إلى البدء بتشكيل مؤسسات الدولة وإبراز نُظُمها، وازدادت قوة قوات الشرطة والحرس الوطني والجيش إلى مستوىً قد تستطيع بموجبه تسلّم الملف الأمني في عموم العراق وبالأخصّ في وسطه الساخن وتشكّلت سلطة تنفيذية قوية في بغداد، فإن الاحتمال الأقرب إلى المنطق في المستقبل القريب ربّما يكون على الوجه الآتي:

* أن تترك القطعات الأمريكية، وكذلك القوات متعددة الجنسيات، مراكز المدن تباعاً، بدءاً ببعض مدن جنوبي العراق الهادئة حالياً، ووصولاً إلى تلك التي يمكن أن تهدأ خلال الأشهر المقبلة، وتتمركز في الضواحي لتتحوّل إلى قوات احتياط ضاربة، يمكن أن تتدخل في بعض البقاع التي قد تحدث فيها قلاقل.

ولكن هذا الأمر لا يبدو مُنْطَبِقاً على مدن عراقية وسطى، وكذلك الموصل حتى بُعَيْدَ الانتخابات المزمع إجراؤها نهاية العام 2005 والتي يمكن أن يسودها بعض الهدوء إذا ما شاركت الكيانات السياسية التي قاطعت الانتخابات الماضية أو نَأَت عنها لسبب أو لآخر، وأن هذا الإجراء قد يؤول إلى تنفيذ بعض قيادات الدول المشاركة ضمن القوات متعددة الجنسيات إلى سحب قطعاتها من العراق، وربّما يدفع القيادة الأمريكية إلى إراحة عدد من تشكيلات قواتها، أو التخفيف من أعدادها وإعادتها إلى بلدها.

* وإذا ما أثبتت الانتخابات نجاحها، وتشكّلت حكومة عراقية يفترض أن تدوم لأربع سنوات متتالية – وهي بالتأكيد ستكون موالية لـ واشنطن – فإنها، وبعد أن تستحصل على اعتراف العديد أو معظم دول العالم، ستعقد اتفاقيات ومعاهدات ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولربّما تكون بريطانيا ثالثتهما، تضمن لهما الاحتفاظ بعدد من القواعد الجوية / العسكرية في العراق لسنوات طويلة قابلة للتجديد والتمديد.

* إن هذا التحالف سيضمن لواشنطن ما يلي:

أ- استمرار الوجود العسكري في العراق، وفي قلب الشرق الأوسط لأمد طويل وشبه دائم هُيئ له عدد من القواعد الجوية العراقية الكبرى في (القيّارة، بلد، كركوك، الحبانية، حديثة، الصويرة، الناصرية، الشُعيبة) – وربّما أخريات لا أعرفها – بعد ترميمها وتحويرها وتحصينها بشكل أفضل مما كانت، حتى غدا بعضها أشبه بالقواعد الجوية الأمريكية في وطنها الأم، أو تلك الموجودة في كل من تركيا، الكويت، السعودية، وقطر وغيرها.

ب- إبعاد الأخطار التي قد تأتي على العراق من دول الجوار، قبل أن تقف قواته المسلحة الجديدة على قدميها، وتصبح قادرة على الدفاع عن الوطن.

ج- إتاحة الفرصة للعبة (القط والفأر) حيال بعض الدول المارقة – حسب الرؤية الأمريكية – على مستوى الإقليم، ومحاولة إجبارها على الرضوخ لمطالب واشنطن في أكثر من منحى.

د- استكمال محاصرة كل من إيران وسوريا خصوصاً من جميع الجهات، كي تسبب لهما الحيرة بالخطر الأمريكي المتاخم لحدودهما الدولية.

هـ- استغناء واشنطن عن قواعد وأراضي أكثر من دولة شرق-أوسطية، على الرغم من تحالفها المضمون منذ أكثر من نصف قرن مضى، ضمن الإمكانات التي تتاح لها في العراق. تلك الدول التي أحرجت الولايات المتحدة استراتيجياً في ظروف معينة، وفرضت عليها شروطاً غير مستساغة في مواقف عديدة.

و- إمكانية تحقيق مناورات على المستوى الاستراتيجي لكون العراق يتوسط بقاعاً ساخنة في منطقة عُرِفَتْ بالغليان السياسي طوال التاريخ عموماً، وفي القرن العشرين على وجه الخصوص.

ز- الحصول على موطئ قدم استراتيجي ودائم قريب من روسيا الاتحادية، التي مازالت تشكّل الخصم المحتمل الأقوى للولايات المتحدة وفقاً لإمكاناتها العسكرية المتوارثة الضخمة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ح- ضمان أمن إسرائيل في المنطقة بشكل أفضل كثيراً مما مضى من عقود.

ط- محاولة تحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير في المستقبل المنظور.

ثالثاً- الهزيمة بفعل المقاومة

في الوقت الراهن يبدو هذا المشهد – حسب رؤيتي المتواضعة إلى الأمور والمواقف- أبعد ما يكون عن المنطق والواقع، وأقرب ما يكون إلى الخيال، لكنني مضطر إلى ذكره نظراً لتركيز بعض وسائل الإعلام العربية وغيرها على احتمالية تحقيقه، مستندة إلى العديد من الأحداث المتصاعدة والوقائع التي تفرض نفسها على ساحة العراق السياسية والعسكرية.

ولا يراودني الشك في أن أعمال المقاومة الوطنية العراقية قد تصاعدت يوماً بعد يوم، وتضاعفت العمليات المسلحة في العديد من مدن هذا البلد، وتفاقمت الأعمال الإرهابية دون اكتراث بأرواح العراقيين وممتلكاتهم، وساءت أحوال البلد كثيراً في بعض بقاعه، وغدت الخدمات المدنية والبلدية والصحية والاجتماعية قريبة من مستوى الصفر، وطفحت لدينا أكثر من معضلة لم نتعايش معها مسبقاً، وظهرت مشكلات تقصم ظهر المواطن، واحتارت الأجهزة الأمنية في الدفاع عن مراكزها ونقاطها، وتضاعفت الأسعار، وبات كبار مسؤولي الدولة حائرين في أمنهم غير قادرين على تسيير أمور البلاد والعباد، ولربّما انحسر تفكيرهم بستحصال أضخم الرواتب بالعملة الصعبة وأعظم المخصصات وأفضل الإيفادات، في ظرف عمّت البطالة فيه صفوف الشباب.

ولكن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها وزارتا الداخلية والدفاع، وخصوصاً منذ مطلع العام 2005، والمداهمات التي استطاعت عبرها القبض على العشرات من القائمين بالعمليات المسلحة – بمختلف توجهاتها – وتطبيق حالة الطوارئ وفقاً لقانون السلامة الوطنية، وتمديدها لمرات عديدة، واليقين الذي ساد معظم العراقيين بأن مثل هذه العمليات باتت تؤذيهم وأفراد عوائلهم ومصالحهم أعظم بكثير مما تؤلم الأجنبي، وتودي بأرواح أولادهم بالعشرات يومياًَ مقابل عدد ضئيل من جنود الاحتلال، جعلت أبناء هذا الوطن يحملون كرهاً وحقداً شديدين على مثل هذه الأعمال، وأنهم على استعداد نفسي وجسدي للحدّ منها، لما يرونه من إمعان في تدمير وطنهم وتخريبه وتحطيم مستقبله، وإذا ما أضيف إلى ذلك الإصرار الأمريكي على البقاء، واحتمالات الحدّ من تدخل البعض من دول الجوار في شؤون العراق الداخلية، ناهيك عن عدم إمكانية تقبّل أية إدارة أمريكية أن تلحق بالولايات المتحدة هزيمة ثانية بعد فيتنام، وإمكاناتها المتاحة لمضاعفة الوجود العسكري في العراق، ومحاولاتها الدؤوبة لتقوية وحداته العسكرية وشبه العسكرية لأغراض الأمن الداخلي وإعادة تشكيل مؤسسات المخابرات الوطنية والاستخبارات العسكرية والأمن والشرطة، وبذل أموال سخية للحصول على معلومات مبكرة، وفي بعض الأحيان مؤكدة عن الأشخاص القائمين بالعمليات المسلحة وتنظيماتهم وخلاياهم وأمكنتهم، فإننا نرى أن الهزيمة الأمريكية بفعل المقاومة المسلحة في العراق أمر بعيد المنال، إن لم تكن في عداد المستحيلات.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2384::/cck::
::introtext::

أمسى الاحتلال الحليف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أمراً واقعاً في العراق بموجب قرار خاص أصدره مجلس الأمن الدولي بعد حوالي شهرين من سقوط النظام العراقي السابق، بينما واجهته مقاومة مسلحة عراقية شرسة ومشروعة حسب الأعراف الدولية، وعمليات مسلحة أخرى دخيلة تُوصفُ بـ “الإرهاب”، لتتحول أرض هذا البلد إلى ساحة مجابهات عمّت عدداً من مدنه الكبرى، وخصوصاً في الوسط وبعض شمالي الوطن، وفرضت أوزارها على العاصمة بغداد بشكل مروّع، لجملة من العوامل، قد تأتي على رأس القائمة تلك الأخطاء الاستراتيجية التي اقترفتها قيادة القوات الأمريكية منذ عصر يوم الأربعاء 9 إبريل 2003 والإدارة المدنية لسلطة الائتلاف المؤقتة حال تشكيلها، حتى بات الاعتقاد مترسخاً في نفوس البعض بأن الأمريكيين قد سقطوا في مستنقع – شبيه بفيتنام – يصعب اجتيازه أو الخروج منه. فيما يرى آخرون أن “واشنطن” أساساً قد خططت لما جرى على أرض العراق بعد الحرب مباشرة وفق الخطة العامة بكامل التفاصيل ضمن رؤيتها بضرورة تدمير هذا البلد إلى أقصى حدّ ممكن قبل إعادة بنائه وفق هواها، بينما ينظر البعض إلى مُجريات الأمور على أنها خطة تستهدف إبقاء الاحتلال حتى مستقبل منظور والحيلولة دون أن يطالب أحد بضرورة ترك العراق لأهله، كي يحكم نفسه بنفسه.

::/introtext::
::fulltext::

أمسى الاحتلال الحليف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أمراً واقعاً في العراق بموجب قرار خاص أصدره مجلس الأمن الدولي بعد حوالي شهرين من سقوط النظام العراقي السابق، بينما واجهته مقاومة مسلحة عراقية شرسة ومشروعة حسب الأعراف الدولية، وعمليات مسلحة أخرى دخيلة تُوصفُ بـ “الإرهاب”، لتتحول أرض هذا البلد إلى ساحة مجابهات عمّت عدداً من مدنه الكبرى، وخصوصاً في الوسط وبعض شمالي الوطن، وفرضت أوزارها على العاصمة بغداد بشكل مروّع، لجملة من العوامل، قد تأتي على رأس القائمة تلك الأخطاء الاستراتيجية التي اقترفتها قيادة القوات الأمريكية منذ عصر يوم الأربعاء 9 إبريل 2003 والإدارة المدنية لسلطة الائتلاف المؤقتة حال تشكيلها، حتى بات الاعتقاد مترسخاً في نفوس البعض بأن الأمريكيين قد سقطوا في مستنقع – شبيه بفيتنام – يصعب اجتيازه أو الخروج منه.

فيما يرى آخرون أن “واشنطن” أساساً قد خططت لما جرى على أرض العراق بعد الحرب مباشرة وفق الخطة العامة بكامل التفاصيل ضمن رؤيتها بضرورة تدمير هذا البلد إلى أقصى حدّ ممكن قبل إعادة بنائه وفق هواها، بينما ينظر البعض إلى مُجريات الأمور على أنها خطة تستهدف إبقاء الاحتلال حتى مستقبل منظور والحيلولة دون أن يطالب أحد بضرورة ترك العراق لأهله، كي يحكم نفسه بنفسه.
وتُطْرَحُ العديد من التساؤلات المعمَّقة عن الوجود العسكري الأمريكي في العراق، والمشاهد المحتملة لذلك في المستقبل المنظور ؟
وهذا ما نحاول تسليط بعض الضوء عليه في هذه الدراسة الموجزة.

نظرة إلى الماضي القريب والواقع القائم

وفق رؤانا وخبراتنا العسكرية المتراكمة ومشاركتنا في أكثر من حرب، لمجريات الحروب الكبرى المعاصرة، وما كان الأمريكيون يخططون خلالها ويخوضون قتالهم في أتونها، سواءً تلك التي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية، أو الحروب العديدة الأخرى التي اشتعلت في أكثر من بقعة في هذا العالم، فإننا نرى تمام الرؤية أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحشّد قواتها العسكرية في الشرق الأوسط وما يحيط به من بحار بغية التعرّض إلى العراق لمجرد خوض حرب لإسقاط نظامه وتخليص المنطقة من شروره وأسلحة التدمير الشامل التي يمتلكها فحسب، فضلاً عن كونه سبباً في عدم الاستقرار الإقليمي، وجعل العراق نموذجاً للديمقراطية والتعددية واقتصاد السوق، بل إن هدفها الرئيسي أعظم من ذلك بكثير.

وقد تَرَسَّخَ في نفوس القادة الأمريكيين وجنودهم الذين توجَّهوا إلى هذه الحرب، وخاضوا تفاصيلها، استناداً إلى ما اطّلعنا عليه عن كثب، بأنهم أتوا إلى العراق مضحّين بأرواحهم ليحرّروا شعبه من براثن نظام دكتاتوري /شمولي، في خطوة إنسانية يحملون على عاتقهم أوزارها، وأنهم يقاتلون من أجل قيم ومبادئ متجذرة في تاريخهم، وقد ضحوا بمئات الألوف من الأرواح في حربين عالميتين، أضافوا إليها عشرات الآلاف في حرب كوريا وتواجهوا حيال الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية في حرب باردة، وصرفوا ترليونات من الدولارات في إصرارهم على أن يكون النصف الثاني من القرن العشرين أمريكياً، وأنهم قاتلوا ضد العراق وحرروا الكويت، وأعادوا غرينادا إلى الشرعية، وخلّصوا بنما، وساعدوا المظلومين في البوسنة وكوسوفو، في سبيل أن يستمر القرن الحادي والعشرون أمريكياً، وأنهم ما داموا قد خاضوا حرباً في فيتنام طالت عشر سنوات، مضحّين بـ 58000 قتيل وما يربو على 7000 مفقود، قبل أن تلحقهم هزيمة بفعل إسناد العالم الشيوعي، لذلك فإنهم على غير استعداد أن يتقبّلوا خسران حرب أخرى بعد ثلاثة عقود، وفي العراق على وجه الخصوص مهما بلغت تضحياتهم وخسائرهم، وبعد أن باتوا قطباً أوحد يتحكم في معظم شؤون العالم القائم، وأنهم على هذا الأساس يتصرفون في الساحة العراقية.

ولكنهم من ناحية أخرى، وبعد مضي فترة محدودة على الاحتلال، فقد شاهدوا بأم أعينهم أن بلاد الرافدين غدت عرضة لعمليات دموية بمعدلات يومية، تزهق من جرائها الأرواح وتتناثر الأجساد، وسط تفاقم الأوضاع الأمنية بشكل خطير، وجعلت من هذا البلد جحيماً لا يُطاق، فلم ينتظر الأمريكيون كثيراً حتى أمسوا يشنّون عمليات واسعة وباستخدام الطائرات والأسلحة الأرضية الثقيلة على أكثر من مدينة عراقية، أدّت إلى اكتساحها أو إيقاع أضرار بالغة فيها، ولكن من دون أن يحصلوا على نتائج إيجابية لصالحهم، بل كان العكس هو واقع الحال، فقد ازدادت المقاومة عنفاً وتضاعفت عملياتها المختلفة، المقبولة منها والمرفوضة، وبأساليب غاية في القساوة استهدفت ليس القوات المحتلة فحسب، بل إن معظمها وُجِّهَ نحو الذين يُتَّهَمُونَ بالتعاون مع الاحتلال من وحدات الشرطة والحرس الوطني والجيش العراقي المعاد تشكيل وحداته ببطء ملحوظ، حتى تفاقمت الأمور نحو الأسوأ، وبدا الشارع العراقي ممتعظاً من مقتل مواطنيه أضعاف ما يُقتل من الغزاة المحتلين.

 المشــاهد المتوقعة

وسط هذه الأوضاع المتهرئة التي لا يُنْظَرُ إليها بتفاؤل، وشبه حالة يأس يستشعر بها العراقي الذي لم يعد آمناً على نفسه وذويه وماله ومصدر رزقه اليومي، وتصورات متشائمة حيال مسيرة حياته ومستقبل وطنه، يقفز إلى الرؤى عدد من المشاهد المحتملة حيال الوجود العسكري الأمريكي في العراق ومستقبله المنظور، والتي يمكن تلخيصها في ما يلي:

أولاً- التمركز في العراق قسراً

كانت الرؤى الأمريكية متناقضة بين هذه الفئة أو تلك، وخصوصاً بين وزارة الخارجية بزعامة كولن باول – الجنرال المتقاعد ورئيس هيئة الأركان العامة المشتركة في عهد الرئيس بوش الأب، ومُخطط النصر الحاسم في حرب الخليج الثانية (1991) – وقد اصطفّ إلى جانبه معظم قادة القوات المسلحة الأمريكية، بأن يزجّ حيال العراق ما يزيد على ربع مليون ووصولاً إلى 350000 جندي، ليس لإحراز النصر العسكري السريع الناجز، إنّما للانتشار في جميع بقاع هذا البلد لتأمين استقراره بعد الحرب والسيطرة على أوضاعه الأمنية. بينما رأى دونالد رامسفيلد – وزير الدفاع والمسؤول السياسي عن إدارة الحرب -، يؤيده جورج بوش الابن – القائد العام للقوات المسلحة بحكم منصبه كرئيس للجمهورية – أن ربع ذلك العدد يكفي لإنجاز المهمة لكون النظام العراقي وقواته المسلحة أشبه بـ (قربة منفوخة بالهواء) لانكماشها مجرد ثقب صغير، ولغرض إحراز بعض التوازن بين الرؤيتين تقرر جعل عدد الجنود 000,115 مقاتل من جميع الصنوف.

وقد اغتبط السياسيون بالنصر السريع المنجز في قتال لم يستغرق سوى ثلاثة أسابيع، ولكنهم اضطروا إلى زيادة العدد إلى 000,135 خلال عام 2004، وأخيراً إلى 000,150 جندي مع حلول مطلع العام الجاري 2005. وطفت على السطح في أيامنا هذه (مارس 2005) تصريحات بضرورة مضاعفة عدد الجنود إذا أريد للولايات المتحدة فرض الأمن على عموم العراق ولتفادي الخسائر اليومية، وانحطاط المعنويات الذي لربّما يؤدي إلى هزيمة، وقد يكون ذلك دليلاً ملحوظاً على الإصرار الأمريكي على البقاء في العراق.

إن ما تقترفه القيادة السياسية الأمريكية القائمة من أخطاء، هي أشبه ما تكون إلى تلك التي خَطَتْها قيادة الرئيس جونسون في منتصف الستينات حينما أنزلت في أرض فيتنام عام 1965 لواء مشاة بحرياً (مارينز) واحداً (4000 جندي) رأت فيهم أنهم سيُنهون الحرب! فالذي حصل، أن ذلك العدد تضاعف مائة مرة، حين وصل عام 1974 إلى ما يزيد على 000,400 جندي، ولكن على شكل لواء بعد لواء، وفرقة إثر فرقة، ولقمة للخصم تليها لقمة، لم تستطع حسم الحرب فحسب، بل انهزمت، وذلك شيء من التأريخ القريب الذي عاصرناه ودرسناه بعمق.

واليوم، ومع الفارق العظيم بين الموقف السياسي العالمي خلال تلك الحرب، وما آل إليه العالم المعاصر، فإن رؤيتنا أن القيادة السياسية الأمريكية القائمة قد اقترفت خطأ مشابهاً ما زالت سائرة عليه، وإنها ستضطر في المستقبل القريب إلى مضاعفة أعداد القوات الأمريكية المتمركزة في العراق، إذا بقيت الأمور على حالها القائم، أو ساءت وتفاقمت – كما يبدو للناظر – وأنه وفقاً للطروحات التي طرقت أسماعنا، وتصريحات عدد من المنظّرين الاستراتيجيين حول هذا التوجّه المزمع، يبدو أنه إصرار أمريكي على الاستمرار بالتمركز العسكري في العراق، الذي قد يؤمن لواشنطن أكثر من نقطة واحدة لغرض استراتيجيتها:

• إظهار نفسها أنها ما زالت قادرة على اتخاذ القرارات الخطيرة والخطوات الحاسمة والصرف الهائل من ميزانية الدولة على الرغم من الاعتقاد السائد بأن غزوها للعراق قد أصابه بعض الإخفاق، وأن واشنطن ما فتئت مصرّة على تحقيق أهدافها المعلنة بشأن العراق، وأنها لن تتراجع بعد أن أقدمت على غزوه وإسقاط نظامه واحتلاله.

• إن المقاومة العراقية، مهما بلغت من قوة وهمّة، فإنها غير مقتدرة على جعل واشنطن تتراجع أمامها، وأن القوة المتزايدة ميدانياً قد تؤمن تحشّداً مقبولاً في عموم المناطق الساخنة من أرض هذا البلد، وتَتَسَبَّبُ في إنزال خسائر أكبر في صفوف المقاومة مما يجعلها في موقف عسكري تضطر معه إلى تحديد العمليات المسلحة وصولاً إلى الكفّ عنها مع مرور الأيام.

• إن العراق بات مرتعاً خصباً وجبهة مواجهة للعديد من الفصائل الإسلامية المتطرفة، التي تريد تصفية حساباتها مع الولايات المتحدة ما دامت قواتها موجودة فيه، وأن حدوده المفتوحة على مصراعيه مع معظم دول الجوار تُغري “تنظيم القاعدة” ومن اصطف إلى جانبه للتوجه إليه من كل حدب وصوب، وأن ذلك يخدم الاستراتيجية الأمريكية في إبعاد أخطار خصومها عن مواطنيها خصوصاً والمتحالفين معها والسائرين في ركبها على وجه العموم، ليبقوا في منأى عن الصراعات المسلحة والعمليات الإرهابية، مقابل خسارة بضعة آلاف من الجنود في حرب داخلية تدور في الأرض الأمريكية.

• الاستمرار بوجود عسكري ثقيل في قلب الشرق الأوسط، يسنده قرار دولي صدر بالإجماع، ووسط موقف سياسي عالمي لا يقدر معه أحد من الإلحاح على الولايات المتحدة بالانسحاب، ما دام الوضع في العراق غير آمن.

• تشغيل هائل للصناعة العسكرية الأمريكية، وأرباح ضخمة تستحصلها الشركات المنتجة للمواد اللوجستية، وعقود لا تعدّ ولا تحصى مع كيانات تجارية واقتصادية وعمرانية تغدق على مالكيها ومساهميها، فضلاً عن أصحاب قرارات إحالتها، أرباحاً لم يحلموا بها، ناهيك عن إفادة عدد من دول جوار العراق في تجهيزها للمواد والوقود والطعام والماء للقوات الأمريكية وحلفائها.

ثانياً- البــقاء طـــوعاً

إذا ما هدأت الأوضاع الأمنية شيئاً فشيئاً، وعجزت المقاومة العراقية – المشروعة وغيرها – والأعمال الإرهابية الأخرى عن تحقيق الهدف المرتجى في إجبار الاحتلال على ترك هذا البلد، وأجريت الانتخابات شبه الحقيقية وآلت إلى نتائج تفضي إلى البدء بتشكيل مؤسسات الدولة وإبراز نُظُمها، وازدادت قوة قوات الشرطة والحرس الوطني والجيش إلى مستوىً قد تستطيع بموجبه تسلّم الملف الأمني في عموم العراق وبالأخصّ في وسطه الساخن وتشكّلت سلطة تنفيذية قوية في بغداد، فإن الاحتمال الأقرب إلى المنطق في المستقبل القريب ربّما يكون على الوجه الآتي:

* أن تترك القطعات الأمريكية، وكذلك القوات متعددة الجنسيات، مراكز المدن تباعاً، بدءاً ببعض مدن جنوبي العراق الهادئة حالياً، ووصولاً إلى تلك التي يمكن أن تهدأ خلال الأشهر المقبلة، وتتمركز في الضواحي لتتحوّل إلى قوات احتياط ضاربة، يمكن أن تتدخل في بعض البقاع التي قد تحدث فيها قلاقل.

ولكن هذا الأمر لا يبدو مُنْطَبِقاً على مدن عراقية وسطى، وكذلك الموصل حتى بُعَيْدَ الانتخابات المزمع إجراؤها نهاية العام 2005 والتي يمكن أن يسودها بعض الهدوء إذا ما شاركت الكيانات السياسية التي قاطعت الانتخابات الماضية أو نَأَت عنها لسبب أو لآخر، وأن هذا الإجراء قد يؤول إلى تنفيذ بعض قيادات الدول المشاركة ضمن القوات متعددة الجنسيات إلى سحب قطعاتها من العراق، وربّما يدفع القيادة الأمريكية إلى إراحة عدد من تشكيلات قواتها، أو التخفيف من أعدادها وإعادتها إلى بلدها.

* وإذا ما أثبتت الانتخابات نجاحها، وتشكّلت حكومة عراقية يفترض أن تدوم لأربع سنوات متتالية – وهي بالتأكيد ستكون موالية لـ واشنطن – فإنها، وبعد أن تستحصل على اعتراف العديد أو معظم دول العالم، ستعقد اتفاقيات ومعاهدات ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولربّما تكون بريطانيا ثالثتهما، تضمن لهما الاحتفاظ بعدد من القواعد الجوية / العسكرية في العراق لسنوات طويلة قابلة للتجديد والتمديد.

* إن هذا التحالف سيضمن لواشنطن ما يلي:

أ- استمرار الوجود العسكري في العراق، وفي قلب الشرق الأوسط لأمد طويل وشبه دائم هُيئ له عدد من القواعد الجوية العراقية الكبرى في (القيّارة، بلد، كركوك، الحبانية، حديثة، الصويرة، الناصرية، الشُعيبة) – وربّما أخريات لا أعرفها – بعد ترميمها وتحويرها وتحصينها بشكل أفضل مما كانت، حتى غدا بعضها أشبه بالقواعد الجوية الأمريكية في وطنها الأم، أو تلك الموجودة في كل من تركيا، الكويت، السعودية، وقطر وغيرها.

ب- إبعاد الأخطار التي قد تأتي على العراق من دول الجوار، قبل أن تقف قواته المسلحة الجديدة على قدميها، وتصبح قادرة على الدفاع عن الوطن.

ج- إتاحة الفرصة للعبة (القط والفأر) حيال بعض الدول المارقة – حسب الرؤية الأمريكية – على مستوى الإقليم، ومحاولة إجبارها على الرضوخ لمطالب واشنطن في أكثر من منحى.

د- استكمال محاصرة كل من إيران وسوريا خصوصاً من جميع الجهات، كي تسبب لهما الحيرة بالخطر الأمريكي المتاخم لحدودهما الدولية.

هـ- استغناء واشنطن عن قواعد وأراضي أكثر من دولة شرق-أوسطية، على الرغم من تحالفها المضمون منذ أكثر من نصف قرن مضى، ضمن الإمكانات التي تتاح لها في العراق. تلك الدول التي أحرجت الولايات المتحدة استراتيجياً في ظروف معينة، وفرضت عليها شروطاً غير مستساغة في مواقف عديدة.

و- إمكانية تحقيق مناورات على المستوى الاستراتيجي لكون العراق يتوسط بقاعاً ساخنة في منطقة عُرِفَتْ بالغليان السياسي طوال التاريخ عموماً، وفي القرن العشرين على وجه الخصوص.

ز- الحصول على موطئ قدم استراتيجي ودائم قريب من روسيا الاتحادية، التي مازالت تشكّل الخصم المحتمل الأقوى للولايات المتحدة وفقاً لإمكاناتها العسكرية المتوارثة الضخمة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ح- ضمان أمن إسرائيل في المنطقة بشكل أفضل كثيراً مما مضى من عقود.

ط- محاولة تحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير في المستقبل المنظور.

ثالثاً- الهزيمة بفعل المقاومة

في الوقت الراهن يبدو هذا المشهد – حسب رؤيتي المتواضعة إلى الأمور والمواقف- أبعد ما يكون عن المنطق والواقع، وأقرب ما يكون إلى الخيال، لكنني مضطر إلى ذكره نظراً لتركيز بعض وسائل الإعلام العربية وغيرها على احتمالية تحقيقه، مستندة إلى العديد من الأحداث المتصاعدة والوقائع التي تفرض نفسها على ساحة العراق السياسية والعسكرية.

ولا يراودني الشك في أن أعمال المقاومة الوطنية العراقية قد تصاعدت يوماً بعد يوم، وتضاعفت العمليات المسلحة في العديد من مدن هذا البلد، وتفاقمت الأعمال الإرهابية دون اكتراث بأرواح العراقيين وممتلكاتهم، وساءت أحوال البلد كثيراً في بعض بقاعه، وغدت الخدمات المدنية والبلدية والصحية والاجتماعية قريبة من مستوى الصفر، وطفحت لدينا أكثر من معضلة لم نتعايش معها مسبقاً، وظهرت مشكلات تقصم ظهر المواطن، واحتارت الأجهزة الأمنية في الدفاع عن مراكزها ونقاطها، وتضاعفت الأسعار، وبات كبار مسؤولي الدولة حائرين في أمنهم غير قادرين على تسيير أمور البلاد والعباد، ولربّما انحسر تفكيرهم بستحصال أضخم الرواتب بالعملة الصعبة وأعظم المخصصات وأفضل الإيفادات، في ظرف عمّت البطالة فيه صفوف الشباب.

ولكن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها وزارتا الداخلية والدفاع، وخصوصاً منذ مطلع العام 2005، والمداهمات التي استطاعت عبرها القبض على العشرات من القائمين بالعمليات المسلحة – بمختلف توجهاتها – وتطبيق حالة الطوارئ وفقاً لقانون السلامة الوطنية، وتمديدها لمرات عديدة، واليقين الذي ساد معظم العراقيين بأن مثل هذه العمليات باتت تؤذيهم وأفراد عوائلهم ومصالحهم أعظم بكثير مما تؤلم الأجنبي، وتودي بأرواح أولادهم بالعشرات يومياًَ مقابل عدد ضئيل من جنود الاحتلال، جعلت أبناء هذا الوطن يحملون كرهاً وحقداً شديدين على مثل هذه الأعمال، وأنهم على استعداد نفسي وجسدي للحدّ منها، لما يرونه من إمعان في تدمير وطنهم وتخريبه وتحطيم مستقبله، وإذا ما أضيف إلى ذلك الإصرار الأمريكي على البقاء، واحتمالات الحدّ من تدخل البعض من دول الجوار في شؤون العراق الداخلية، ناهيك عن عدم إمكانية تقبّل أية إدارة أمريكية أن تلحق بالولايات المتحدة هزيمة ثانية بعد فيتنام، وإمكاناتها المتاحة لمضاعفة الوجود العسكري في العراق، ومحاولاتها الدؤوبة لتقوية وحداته العسكرية وشبه العسكرية لأغراض الأمن الداخلي وإعادة تشكيل مؤسسات المخابرات الوطنية والاستخبارات العسكرية والأمن والشرطة، وبذل أموال سخية للحصول على معلومات مبكرة، وفي بعض الأحيان مؤكدة عن الأشخاص القائمين بالعمليات المسلحة وتنظيماتهم وخلاياهم وأمكنتهم، فإننا نرى أن الهزيمة الأمريكية بفعل المقاومة المسلحة في العراق أمر بعيد المنال، إن لم تكن في عداد المستحيلات.

::/fulltext::
::cck::2384::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *