البطاقة التموينية في العراق.. آراء ومناقشات

::cck::2401::/cck::
::introtext::

 ينفرد العراق بكونه البلد الوحيد في العالم الذي تعرّض لظروف عصيبة وبصورة متواصلة، إذ عانى وعلى مدار السنوات الثماني والعشرين الماضية من ثلاث حروب، وخضع لفترة حصار استمرت قرابة (12) عاماً وانتهت باحتلاله عسكرياً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا منذ إبريل 2003 وإلى حد الآن.

::/introtext::
::fulltext::

 ينفرد العراق بكونه البلد الوحيد في العالم الذي تعرّض لظروف عصيبة وبصورة متواصلة، إذ عانى وعلى مدار السنوات الثماني والعشرين الماضية من ثلاث حروب، وخضع لفترة حصار استمرت قرابة (12) عاماً وانتهت باحتلاله عسكرياً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا منذ إبريل 2003 وإلى حد الآن.

لقد اضطر العراق من أجل معالجة جانب من تأثيرات الحصار الاقتصادي الذي فُرض عليه بموجب قرار مجلس الأمن الدولي (661) لعام 1990 والحروب المتعاقبة لتطبيق نظام البطاقة التموينية منذ عام 1991 والتي أصبحت بمرور الزمن السلة الغذائية للشعب العراقي، حيث تتكفل الدولة من خلالها بتوزيع نحو ثمانية ملايين طن من المواد الغذائية سنوياً.

واقع الاقتصاد العراقي

على الرغم من صعوبة الحصول على الإحصائيات لفقدان الدولة العراقية غالبية قواعد بياناتها ووثائقها بسبب الحرب وتداعياتها اللاحقة عام 2003، مما يصعب الاستدلال على الأرقام الحقيقية فإن الإحصائيات المتاحة تشير إلى:

أ- الناتج المحلي الإجمالي: حصل تراجع في الناتج المحلي الإجمالي للعراق، والذي كان في بداية العقد الحالي إلى نحو (50) مليار دولار. ورغم تصاعد أسعار النفط في السنوات الأخيرة فإن الناتج المحلي الإجمالي في العراق عام 2007 وصل إلى نحو (55.44) مليار دولار.

ب- ارتفاع نسبة البطالة: تعتبر البطالة أكبر مشكلة تواجه الاقتصاد العراقي، والتي تبلغ نسبتها نحو 53 في المائة وفقاً لإحصائيات وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي العراقية، وتفيد تقديرات أخرى بأن أكثر من 50 في المائة من عدد سكان العراق عاطلون تماماً عن العمل في عام 2006، أو أنهم يعملون في وظائف غير مستقرة.

ج- الديون الخارجية: في مطلع عام 1980 كان العراق بلداً بلا مديونية، ويتمتع بفائض مالي قدره (38) مليار دولار. وبسبب الحرب مع إيران خلال الثمانينات من القرن الماضي خرج العراق بلداً مثقلاً بالديون التي بلغت عام 1991 حوالي (63.5) مليار دولار منها حوالي (21) مليار دولار ديوناً للدول الخليجية، وفي عقد التسعينات، وبعد حرب الخليج الثانية عام 1991، تزايدت ديون العراق الخارجية فبلغت أقصاها عام 2003، حيث قدرها البنك الدولي وبنك التسويات الدولية بحوالي (127) مليار دولار.

 وقد وقّع العراق مع صندوق النقد الدولي في عام 2005 على اتفاقية ترتيبات الائتمان المساند، وبعد انتهائها في ديسمبر 2007 تم تمديدها. وإذا ما نفذ العراق مفرداتها، فإن نادي باريس سينفذ المرحلة النهائية لتخفيض ما قيمته 80 في المائة من الديون العراقية بنهاية 2008.

د- مشكلة التعويضات المالية: تعد تعويضات حرب الخليج الثانية التي فُرضت بموجب قرار مجلس الأمن الدولي (687) لسنة 1991 من أكبر الأعباء المالية التي تُثقل كاهل الاقتصاد العراقي وخاصة أن قيمتها بلغت (353) مليار دولار، إلا أن اللجنة المشكلة بموجب قرار مجلس الأمن المذكور أعلاه وافقت على تعويضات بلغت قيمتها (53) مليار دولار، ودفع العراق منها ما يقارب (21) مليار دولار، أي أن المبالغ المتبقية والواجب استقطاعها من عوائد النفط تبلغ أكثر من (31) مليار دولار.

التقديرات الكلية لإعادة البناء في العراق تتطلب 35.819 مليار دولار 

هـ- ظاهرة التضخم النقدي: شهد الاقتصاد العراقي منذ 2003 زيادة مطردة في معدلات التضخم، مما أدى إلى ارتفاع تكلفة معيشة المواطنين جراء الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار لمعظم السلع والخدمات، فقد ارتفع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك خلال الأعوام (2003 – 2004 – 2005 – 2006) وبمعدلات 33.6 في المائة و26.9 في المائة و36.9 في المائة و53 في المائة على التوالي.

 وفي عام 2006 أجريت زيادات على أسعار المشتقات النفطية، ومضت الأسعار في الارتفاع، ولوحظ في أغسطس 2006 ارتفاع شاهق في الأسعار القياسية حيث بلغت 77 في المائة.

و- احتياجات القطاع الصناعي: تمتلك الحكومة العراقية ما يقدر بـ (192) مشروعاً يعمل فيها (500) ألف مواطن. وتعاني كلها من التخلف التكنولوجي والتقادم، وبعد أحداث إبريل 2003 عانت الكثير من المشاريع من عمليات السلب والتدمير، وبسبب عدم كفاءة هذه المشاريع على تحقيق الإيرادات الضرورية لتغطية تكاليف الإنتاج، فإن الحكومة حالياً مضطرة لتقديم دعم مقداره (1.940) مليار دولار. وتقدر المخصصات الاستثمارية الضرورية للفترة (2007-2010) بنحو (800) مليون دولار.

الوضع في العراق يتطلب استمرار العمل بنظام البطاقة التموينية لفترة خمس سنوات مقبلة

ز- ظاهرة التهجير في العراق: طبقاً لتقديرات وكالة الهجرة الدولية في يناير 2007، فقد بلغ عدد المهجرين داخل العراق (2.2) مليون عراقي، إضافة إلى (2.5) مليون عراقي هاجروا إلى خارج العراق.

ح- ظاهرة الأرامل والأيتام في العراق: تعد ظاهرة الأرامل في العراق من أخطر الكوارث الاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت بعد عام 2003. واستناداً إلى أرقام وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي في العراق، فإن عدد الأرامل والمطلقات اقترب من مليون امرأة. وقد أفرزت مشكلة الأرامل معضلة أخرى تمثلت في وجود خمسة ملايين يتيم، طبقاً للإحصائيات الرسمية العراقية.

ط- ظاهرة الفساد الإداري في العراق: يأتي العراق وفقاً لمؤشر مدركات الفساد الذي أصدرته مؤسسة الشفافية الدولية بتاريخ 26/9/2007 في المرتبة ما قبل الأخيرة في سُلم ما يسمى بـ (الدول الفاشلة)، حيث احتل العراق المركز (178) من أصل (180) بلداً على المستوى العالمي.وأيضاً وفقاً لما أعلنه القاضي موسى فرج نائب رئيس هيئة النزاهة في العراق في 10/4/2008، فقد بلغت خسائر العراق خلال السنوات الخمس الأخيرة نحو (250) مليار دولار، مما يعكس ضخامة التأثير السلبي لظاهرة الفساد الإداري في العراق.

دور المؤسسات الدولية المانحة

 كان العراق أحد الأعضاء المؤسسين للبنك الدولي للإنشاء والتعمير عام 1944، ولم يدفع العراق المساهمات المالية المترتبة عليه بين عامي (1990 – 2004)، وقد أعاد العراق ارتباطه بالبنك الدولي عام 2003 فيما سدد المساهمات المالية المتراكمة عليه للبنك المذكور عن الفترة السابقة (1990-2004) دفعة واحدة، وكانت بحدود (108) ملايين دولار. وقد تصاعد دور المؤسسات الدولية المانحة في العراق تدريجياً عبر خطوات عدة كما يلي:

أ- تقديرات إعادة الإعمار: في نهاية عام 2003 أعُد تقرير مشترك ساهم في إعداده البنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، وخلص التقرير إلى أن التقديرات الكلية لإعادة البناء في العراق تتطلب (35.819) مليار دولار. وذلك إلى جانب التقديرات التي قامت بها سلطة التحالف للقطاعات التي لم تشملها تقديرات الأمم المتحدة والبنك وصندوق النقد الدوليين والتي تبلغ قيمتها نحو (19.440) مليار دولار للسنوات المقبلة.

ب- قرض برنامج الدعم الطارئ لما بعد الصراع (EPCA): استلم العراق من صندوق النقد الدولي قرضاً في )سبتمبر 2004) من خلال برنامج الدعم الطارئ للبلدان الخارجية من الصراع، وكان هدف القرض البالغ (436.3) مليون دولار تسهيل مفاوضات العراق مع دائنيه الأعضاء في نادي باريس بعقد اتفاقية لإعادة هيكلية ديونه، والتي عقدت لاحقاً، لدعم برامجه الاقتصادية بعد عام 2005.

ج- ترتيبات الاستعداد الائتماني (SBA): وافق صندوق النقد الدولي في 23/12/2005 على اتفاقية ترتيبات الاستعداد الائتماني للعراق والمصممة لدعم البرنامج الاقتصادي للعراق للخمسة عشر شهراً المقبلة. والتي أقرت مبلغاً قدره (685) مليون دولار كمبلغ احتياطي للسلطات العراقية، واعتبرت الموافقة على الترتيبات شرطاً للمرحلة الثانية من تخفيض الدين الذي أنفق عليه مع نادي باريس.

وتمارس اتفاقية (SBA) دوراً في إعداد الموازنة السنوية (أي تتدخل في تحديد المخصصات المختلفة بما فيها مخصصات البطاقة التموينية)، وفي هيكلية أسعار المشتقات النفطية وغيرها.

 وبعد انتهاء الاتفاقية في نهاية 2007 أعيد تجديدها للحصول على تسهيلات نقدية قدرها (744) مليون دولار من حصة صندوق النقد الدولي لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي. وإذا ما نفذ العراق مفردات اتفاقية (SBA) فإن نادي باريس سينفذ المرحلة النهائية لتخفيض ما قيمته 80 في المائة من الديون العراقية، وسيكون أمد الاتفاقية الجديدة (15) شهراً، أي لغاية مارس 2009.

الإجراءات الحكومية التنفيذية

أ- السياسات الاقتصادية: استهدفت السياسة الاقتصادية في العراق تحقيق عملية تحول تتم بالدرجة الأولى بقيادة مباشرة من العامل الخارجي، والتي تنطلق من فرضية قوامها أن لا بديل أمام الدول سوى الاندماج في الاقتصاد العالمي وفق المواصفات التي يقدمها صندوق النقد الدولي.

 ب- التطبيقات التنفيذية: اتخذت الحكومة العراقية خطوات عدة لتحرير الاقتصاد العراقي والانتقال به إلى اقتصاد السوق، وتمثلت أبرز الخطوات في الآتي:

أولاً- تحرير بعض الأسعار: إن الاتجاه الجديد السائد في إصدار التشريعات الاقتصادية والقرارات التي اتخذت بعد عام 2003، وكذلك التوجه نحو الخطوات المستقبلية، كلها تشير إلى اتجاه العراق بشكل واضح نحو اقتصاد السوق وتحرير الاقتصاد والخصخصة في مختلف المجالات.

ثانياً- تحرير التجارة:إلغاء كافة القيود على الاستيرادات ورفع كل أنواع الرسوم عليها وفرض نسبة واحدة قدرها 5 في المائة على كافة الاستيرادات عدا المواد الغذائية والأدوية.

ثالثاً- أسعار الصرف:إلغاء نظام أسعار الصرف المتعددة للعملة العراقية واعتماد سعر صرف تجاري موحد للدينار العراقي.

رابعاً- أسعار الفائدة: تقييم أسعار الفائدة والسماح للبنوك بتحديد أسعار الفوائد في السوق.  

خامساً- تقليص الدعم للبطاقة التموينية:تدخل صندوق النقد الدولي في موضوع البطاقة التموينية، وبموجب هذه التدخلات فقد تم تخفيض الدعم الحكومي المقدم من الموازنة لمفردات البطاقة التموينية، حيث تحّول المبلغ من ستة مليارات دولار عام 2005 إلى (4.5) مليار دولار عام 2006، ثم انخفضت المخصصات إلى (3) مليارات دولار عام 2007، ورغم ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق العالمية وانخفاض قيمة الدولار الأمريكي، فلم تخصص ميزانية عام 2008 لنظام البطاقة التموينية سوى (3.273) مليار دولار وهناك اتجاه لإلغاء البطاقة التموينية بشكل متدرج أو كامل بعد عام 2008 

تعتبر مشكلة التعويضات المالية من أكبر الأعباء التي تثقل كاهل الاقتصاد العراقي

وفي الختام يمكننا أن نؤكد ما يلي:

أ- فاعلية نظام البطاقة التموينية: فقد طُبق من قبل العديد من دول العالم، سواء أكانت رأسمالية أم اشتراكية، نامية أم متقدمة، مما يعني أن هذا النظام ناجح وذو جدوى اقتصادية وسياسية واجتماعية.

ب- لا يزال العراق يعاني من تأثيرات كوارث الحصار والحروب، وما يؤكد ذلك أن الاقتصاد العراقي يعاني من تداعيات السنوات العجاف إبان الحصار الاقتصادي، ومن ثم التدمير الشامل الذي تعرضت له البنى التحتية عقب الاحتلال الأمريكي عام 2003. فضلاً عن استمرار التدهور الأمني حتى الوقت الحاضر.

ج- استهدفت السياسة الاقتصادية التي طُبقت في العراق عقب احتلاله عام 2003 تحقيق عملية تحّول مفروضة من الخارج لتطبيق اقتصاد السوق، والتي تمت بالدرجة الأولى من قبل (صندوق النقد والبنك الدوليين). ولم تراع هذه الجهات الظروف الداخلية والتكلفة الاجتماعية والسياسية الثقيلة لهكذا تحّول.

وفي ضوء ما تقدم، نرى من وجهة نظر اقتصادية، أن وضع العراق بحاجة إلى إجراءات ترتكز على محورين:

 الأول: اعتماد سياسة اقتصادية يرجح فيها مرحلياً دور الدولة، ولمرحلة انتقالية لا تقل عن خمس سنوات، ويخضع خلالها لخطة خمسية تستهدف إعادة تأهيل وبناء الاقتصاد الوطني ومعالجة غالبية الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي مع فسح المجال وبصورة تدريجية لدور القطاع الخاص.

الثاني: ضرورة استمرار العمل بنظام البطاقة التموينية في العراق طيلة فترة المرحلة الانتقالية المقترحة (أي خمس سنوات) مع تحسين مفرداتها وإلى حين تجاوز العراق أزمته الكارثية في الميدان الاقتصادي. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2401::/cck::
::introtext::

 ينفرد العراق بكونه البلد الوحيد في العالم الذي تعرّض لظروف عصيبة وبصورة متواصلة، إذ عانى وعلى مدار السنوات الثماني والعشرين الماضية من ثلاث حروب، وخضع لفترة حصار استمرت قرابة (12) عاماً وانتهت باحتلاله عسكرياً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا منذ إبريل 2003 وإلى حد الآن.

::/introtext::
::fulltext::

 ينفرد العراق بكونه البلد الوحيد في العالم الذي تعرّض لظروف عصيبة وبصورة متواصلة، إذ عانى وعلى مدار السنوات الثماني والعشرين الماضية من ثلاث حروب، وخضع لفترة حصار استمرت قرابة (12) عاماً وانتهت باحتلاله عسكرياً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا منذ إبريل 2003 وإلى حد الآن.

لقد اضطر العراق من أجل معالجة جانب من تأثيرات الحصار الاقتصادي الذي فُرض عليه بموجب قرار مجلس الأمن الدولي (661) لعام 1990 والحروب المتعاقبة لتطبيق نظام البطاقة التموينية منذ عام 1991 والتي أصبحت بمرور الزمن السلة الغذائية للشعب العراقي، حيث تتكفل الدولة من خلالها بتوزيع نحو ثمانية ملايين طن من المواد الغذائية سنوياً.

واقع الاقتصاد العراقي

على الرغم من صعوبة الحصول على الإحصائيات لفقدان الدولة العراقية غالبية قواعد بياناتها ووثائقها بسبب الحرب وتداعياتها اللاحقة عام 2003، مما يصعب الاستدلال على الأرقام الحقيقية فإن الإحصائيات المتاحة تشير إلى:

أ- الناتج المحلي الإجمالي: حصل تراجع في الناتج المحلي الإجمالي للعراق، والذي كان في بداية العقد الحالي إلى نحو (50) مليار دولار. ورغم تصاعد أسعار النفط في السنوات الأخيرة فإن الناتج المحلي الإجمالي في العراق عام 2007 وصل إلى نحو (55.44) مليار دولار.

ب- ارتفاع نسبة البطالة: تعتبر البطالة أكبر مشكلة تواجه الاقتصاد العراقي، والتي تبلغ نسبتها نحو 53 في المائة وفقاً لإحصائيات وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي العراقية، وتفيد تقديرات أخرى بأن أكثر من 50 في المائة من عدد سكان العراق عاطلون تماماً عن العمل في عام 2006، أو أنهم يعملون في وظائف غير مستقرة.

ج- الديون الخارجية: في مطلع عام 1980 كان العراق بلداً بلا مديونية، ويتمتع بفائض مالي قدره (38) مليار دولار. وبسبب الحرب مع إيران خلال الثمانينات من القرن الماضي خرج العراق بلداً مثقلاً بالديون التي بلغت عام 1991 حوالي (63.5) مليار دولار منها حوالي (21) مليار دولار ديوناً للدول الخليجية، وفي عقد التسعينات، وبعد حرب الخليج الثانية عام 1991، تزايدت ديون العراق الخارجية فبلغت أقصاها عام 2003، حيث قدرها البنك الدولي وبنك التسويات الدولية بحوالي (127) مليار دولار.

 وقد وقّع العراق مع صندوق النقد الدولي في عام 2005 على اتفاقية ترتيبات الائتمان المساند، وبعد انتهائها في ديسمبر 2007 تم تمديدها. وإذا ما نفذ العراق مفرداتها، فإن نادي باريس سينفذ المرحلة النهائية لتخفيض ما قيمته 80 في المائة من الديون العراقية بنهاية 2008.

د- مشكلة التعويضات المالية: تعد تعويضات حرب الخليج الثانية التي فُرضت بموجب قرار مجلس الأمن الدولي (687) لسنة 1991 من أكبر الأعباء المالية التي تُثقل كاهل الاقتصاد العراقي وخاصة أن قيمتها بلغت (353) مليار دولار، إلا أن اللجنة المشكلة بموجب قرار مجلس الأمن المذكور أعلاه وافقت على تعويضات بلغت قيمتها (53) مليار دولار، ودفع العراق منها ما يقارب (21) مليار دولار، أي أن المبالغ المتبقية والواجب استقطاعها من عوائد النفط تبلغ أكثر من (31) مليار دولار.

التقديرات الكلية لإعادة البناء في العراق تتطلب 35.819 مليار دولار 

هـ- ظاهرة التضخم النقدي: شهد الاقتصاد العراقي منذ 2003 زيادة مطردة في معدلات التضخم، مما أدى إلى ارتفاع تكلفة معيشة المواطنين جراء الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار لمعظم السلع والخدمات، فقد ارتفع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك خلال الأعوام (2003 – 2004 – 2005 – 2006) وبمعدلات 33.6 في المائة و26.9 في المائة و36.9 في المائة و53 في المائة على التوالي.

 وفي عام 2006 أجريت زيادات على أسعار المشتقات النفطية، ومضت الأسعار في الارتفاع، ولوحظ في أغسطس 2006 ارتفاع شاهق في الأسعار القياسية حيث بلغت 77 في المائة.

و- احتياجات القطاع الصناعي: تمتلك الحكومة العراقية ما يقدر بـ (192) مشروعاً يعمل فيها (500) ألف مواطن. وتعاني كلها من التخلف التكنولوجي والتقادم، وبعد أحداث إبريل 2003 عانت الكثير من المشاريع من عمليات السلب والتدمير، وبسبب عدم كفاءة هذه المشاريع على تحقيق الإيرادات الضرورية لتغطية تكاليف الإنتاج، فإن الحكومة حالياً مضطرة لتقديم دعم مقداره (1.940) مليار دولار. وتقدر المخصصات الاستثمارية الضرورية للفترة (2007-2010) بنحو (800) مليون دولار.

الوضع في العراق يتطلب استمرار العمل بنظام البطاقة التموينية لفترة خمس سنوات مقبلة

ز- ظاهرة التهجير في العراق: طبقاً لتقديرات وكالة الهجرة الدولية في يناير 2007، فقد بلغ عدد المهجرين داخل العراق (2.2) مليون عراقي، إضافة إلى (2.5) مليون عراقي هاجروا إلى خارج العراق.

ح- ظاهرة الأرامل والأيتام في العراق: تعد ظاهرة الأرامل في العراق من أخطر الكوارث الاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت بعد عام 2003. واستناداً إلى أرقام وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي في العراق، فإن عدد الأرامل والمطلقات اقترب من مليون امرأة. وقد أفرزت مشكلة الأرامل معضلة أخرى تمثلت في وجود خمسة ملايين يتيم، طبقاً للإحصائيات الرسمية العراقية.

ط- ظاهرة الفساد الإداري في العراق: يأتي العراق وفقاً لمؤشر مدركات الفساد الذي أصدرته مؤسسة الشفافية الدولية بتاريخ 26/9/2007 في المرتبة ما قبل الأخيرة في سُلم ما يسمى بـ (الدول الفاشلة)، حيث احتل العراق المركز (178) من أصل (180) بلداً على المستوى العالمي.وأيضاً وفقاً لما أعلنه القاضي موسى فرج نائب رئيس هيئة النزاهة في العراق في 10/4/2008، فقد بلغت خسائر العراق خلال السنوات الخمس الأخيرة نحو (250) مليار دولار، مما يعكس ضخامة التأثير السلبي لظاهرة الفساد الإداري في العراق.

دور المؤسسات الدولية المانحة

 كان العراق أحد الأعضاء المؤسسين للبنك الدولي للإنشاء والتعمير عام 1944، ولم يدفع العراق المساهمات المالية المترتبة عليه بين عامي (1990 – 2004)، وقد أعاد العراق ارتباطه بالبنك الدولي عام 2003 فيما سدد المساهمات المالية المتراكمة عليه للبنك المذكور عن الفترة السابقة (1990-2004) دفعة واحدة، وكانت بحدود (108) ملايين دولار. وقد تصاعد دور المؤسسات الدولية المانحة في العراق تدريجياً عبر خطوات عدة كما يلي:

أ- تقديرات إعادة الإعمار: في نهاية عام 2003 أعُد تقرير مشترك ساهم في إعداده البنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، وخلص التقرير إلى أن التقديرات الكلية لإعادة البناء في العراق تتطلب (35.819) مليار دولار. وذلك إلى جانب التقديرات التي قامت بها سلطة التحالف للقطاعات التي لم تشملها تقديرات الأمم المتحدة والبنك وصندوق النقد الدوليين والتي تبلغ قيمتها نحو (19.440) مليار دولار للسنوات المقبلة.

ب- قرض برنامج الدعم الطارئ لما بعد الصراع (EPCA): استلم العراق من صندوق النقد الدولي قرضاً في )سبتمبر 2004) من خلال برنامج الدعم الطارئ للبلدان الخارجية من الصراع، وكان هدف القرض البالغ (436.3) مليون دولار تسهيل مفاوضات العراق مع دائنيه الأعضاء في نادي باريس بعقد اتفاقية لإعادة هيكلية ديونه، والتي عقدت لاحقاً، لدعم برامجه الاقتصادية بعد عام 2005.

ج- ترتيبات الاستعداد الائتماني (SBA): وافق صندوق النقد الدولي في 23/12/2005 على اتفاقية ترتيبات الاستعداد الائتماني للعراق والمصممة لدعم البرنامج الاقتصادي للعراق للخمسة عشر شهراً المقبلة. والتي أقرت مبلغاً قدره (685) مليون دولار كمبلغ احتياطي للسلطات العراقية، واعتبرت الموافقة على الترتيبات شرطاً للمرحلة الثانية من تخفيض الدين الذي أنفق عليه مع نادي باريس.

وتمارس اتفاقية (SBA) دوراً في إعداد الموازنة السنوية (أي تتدخل في تحديد المخصصات المختلفة بما فيها مخصصات البطاقة التموينية)، وفي هيكلية أسعار المشتقات النفطية وغيرها.

 وبعد انتهاء الاتفاقية في نهاية 2007 أعيد تجديدها للحصول على تسهيلات نقدية قدرها (744) مليون دولار من حصة صندوق النقد الدولي لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي. وإذا ما نفذ العراق مفردات اتفاقية (SBA) فإن نادي باريس سينفذ المرحلة النهائية لتخفيض ما قيمته 80 في المائة من الديون العراقية، وسيكون أمد الاتفاقية الجديدة (15) شهراً، أي لغاية مارس 2009.

الإجراءات الحكومية التنفيذية

أ- السياسات الاقتصادية: استهدفت السياسة الاقتصادية في العراق تحقيق عملية تحول تتم بالدرجة الأولى بقيادة مباشرة من العامل الخارجي، والتي تنطلق من فرضية قوامها أن لا بديل أمام الدول سوى الاندماج في الاقتصاد العالمي وفق المواصفات التي يقدمها صندوق النقد الدولي.

 ب- التطبيقات التنفيذية: اتخذت الحكومة العراقية خطوات عدة لتحرير الاقتصاد العراقي والانتقال به إلى اقتصاد السوق، وتمثلت أبرز الخطوات في الآتي:

أولاً- تحرير بعض الأسعار: إن الاتجاه الجديد السائد في إصدار التشريعات الاقتصادية والقرارات التي اتخذت بعد عام 2003، وكذلك التوجه نحو الخطوات المستقبلية، كلها تشير إلى اتجاه العراق بشكل واضح نحو اقتصاد السوق وتحرير الاقتصاد والخصخصة في مختلف المجالات.

ثانياً- تحرير التجارة:إلغاء كافة القيود على الاستيرادات ورفع كل أنواع الرسوم عليها وفرض نسبة واحدة قدرها 5 في المائة على كافة الاستيرادات عدا المواد الغذائية والأدوية.

ثالثاً- أسعار الصرف:إلغاء نظام أسعار الصرف المتعددة للعملة العراقية واعتماد سعر صرف تجاري موحد للدينار العراقي.

رابعاً- أسعار الفائدة: تقييم أسعار الفائدة والسماح للبنوك بتحديد أسعار الفوائد في السوق.  

خامساً- تقليص الدعم للبطاقة التموينية:تدخل صندوق النقد الدولي في موضوع البطاقة التموينية، وبموجب هذه التدخلات فقد تم تخفيض الدعم الحكومي المقدم من الموازنة لمفردات البطاقة التموينية، حيث تحّول المبلغ من ستة مليارات دولار عام 2005 إلى (4.5) مليار دولار عام 2006، ثم انخفضت المخصصات إلى (3) مليارات دولار عام 2007، ورغم ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق العالمية وانخفاض قيمة الدولار الأمريكي، فلم تخصص ميزانية عام 2008 لنظام البطاقة التموينية سوى (3.273) مليار دولار وهناك اتجاه لإلغاء البطاقة التموينية بشكل متدرج أو كامل بعد عام 2008 

تعتبر مشكلة التعويضات المالية من أكبر الأعباء التي تثقل كاهل الاقتصاد العراقي

وفي الختام يمكننا أن نؤكد ما يلي:

أ- فاعلية نظام البطاقة التموينية: فقد طُبق من قبل العديد من دول العالم، سواء أكانت رأسمالية أم اشتراكية، نامية أم متقدمة، مما يعني أن هذا النظام ناجح وذو جدوى اقتصادية وسياسية واجتماعية.

ب- لا يزال العراق يعاني من تأثيرات كوارث الحصار والحروب، وما يؤكد ذلك أن الاقتصاد العراقي يعاني من تداعيات السنوات العجاف إبان الحصار الاقتصادي، ومن ثم التدمير الشامل الذي تعرضت له البنى التحتية عقب الاحتلال الأمريكي عام 2003. فضلاً عن استمرار التدهور الأمني حتى الوقت الحاضر.

ج- استهدفت السياسة الاقتصادية التي طُبقت في العراق عقب احتلاله عام 2003 تحقيق عملية تحّول مفروضة من الخارج لتطبيق اقتصاد السوق، والتي تمت بالدرجة الأولى من قبل (صندوق النقد والبنك الدوليين). ولم تراع هذه الجهات الظروف الداخلية والتكلفة الاجتماعية والسياسية الثقيلة لهكذا تحّول.

وفي ضوء ما تقدم، نرى من وجهة نظر اقتصادية، أن وضع العراق بحاجة إلى إجراءات ترتكز على محورين:

 الأول: اعتماد سياسة اقتصادية يرجح فيها مرحلياً دور الدولة، ولمرحلة انتقالية لا تقل عن خمس سنوات، ويخضع خلالها لخطة خمسية تستهدف إعادة تأهيل وبناء الاقتصاد الوطني ومعالجة غالبية الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي مع فسح المجال وبصورة تدريجية لدور القطاع الخاص.

الثاني: ضرورة استمرار العمل بنظام البطاقة التموينية في العراق طيلة فترة المرحلة الانتقالية المقترحة (أي خمس سنوات) مع تحسين مفرداتها وإلى حين تجاوز العراق أزمته الكارثية في الميدان الاقتصادي. 

::/fulltext::
::cck::2401::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *