مستقبل العلاقات بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي

::cck::2417::/cck::
::introtext::

منذ ما يقرب من ربع قرن من الزمن، مثل العراق -من وجهة نظر أغلب دول المجلس- مصدراً لعدم الاستقرار في منطقة الخليج العربي، وكان مبعث هذا التوجس وانعدام الثقة، سلوكيات النظام السياسي السابق ومنحاه الذي اختطه في إدارة علاقاته ضمن إطار الإقليم وتبنّيه لاستخدام منطق القوة في تسوية بعض خلافاته مع جيرانه بدلاً من اللجوء إلى الوسائل السلمية وعدم إدراكه لواقع المتغيرات الدولية الكبيرة التي هزت أركان النظام الدولي، وان كان ذلك لا يعفي الآخرين بالمقابل من مسؤولية ممارسة سياسة الاستفزاز، فضلاً عن منهج النظام السياسي السابق في التسلح المفرط الذي منحه شعوراً مضللاً بالقوة والقدرة على التأثير في مقدرات الإقليم، وإن كان بفعله المبالغ فيه ذاك يؤمن موجبات دور القوة الإقليمية التي ينبغي أخذها في الحسبان، وكل ذلك كان يجري في ظل الهامش الذي تتيحه مجريات الحرب الباردة ومستلزماتها.

 

::/introtext::
::fulltext::

منذ ما يقرب من ربع قرن من الزمن، مثل العراق -من وجهة نظر أغلب دول المجلس- مصدراً لعدم الاستقرار في منطقة الخليج العربي، وكان مبعث هذا التوجس وانعدام الثقة، سلوكيات النظام السياسي السابق ومنحاه الذي اختطه في إدارة علاقاته ضمن إطار الإقليم وتبنّيه لاستخدام منطق القوة في تسوية بعض خلافاته مع جيرانه بدلاً من اللجوء إلى الوسائل السلمية وعدم إدراكه لواقع المتغيرات الدولية الكبيرة التي هزت أركان النظام الدولي، وان كان ذلك لا يعفي الآخرين بالمقابل من مسؤولية ممارسة سياسة الاستفزاز، فضلاً عن منهج النظام السياسي السابق في التسلح المفرط الذي منحه شعوراً مضللاً بالقوة والقدرة على التأثير في مقدرات الإقليم، وإن كان بفعله المبالغ فيه ذاك يؤمن موجبات دور القوة الإقليمية التي ينبغي أخذها في الحسبان، وكل ذلك كان يجري في ظل الهامش الذي تتيحه مجريات الحرب الباردة ومستلزماتها.

ولا شك في أن حالة عسكرة الاقتصاد العراقي لفترة طويلة قد استنفدت نسبة كبيرة من موارد العراق التي كان من المفترض أن توجه لاعمار البنى التحتية وتطوير نظام الخدمات الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة للمواطن العراقي. وقد تبنّت دول مجلس التعاون بدورها سياسة الإنفاق، وأهدرت بذلك نسبة كبيرة من مداخيلها النفطية على برامج التسلح الضخمة وغير المجدية لمعالجة حالة القلق والتوجس التي هيمنت ولا تزال على رؤيتها لموقعها في معادلة الأمن في الخليج العربي وهي تواجه قوتين إقليميتين تحتفظ كل منها برؤية خاصة لواقع الأمن في الخليج العربي، وترسم لنفسها دوراً محورياً ينبغي تجسيده على الأرض، وأنفقت أيضاً لتحقيق مقتضيات التوازن بين هاتين القوتين فكان دعمها للعراق في حربه مع إيران ثم الإسهام في إخراج القوات العراقية من الكويت بكل تكاليفها العالية.

وبين هذا وذاك كانت دول المجلس حريصة على العيش والاستمرار وسط هذه الأجواء المتوترة تحاول الحفاظ على المورد الوحيد الذي تحتكم عليه باذلة كل ما في وسعها للحفاظ على ذاتها وشخصيتها القانونية دول تسعى لكي ترتب علاقاتها مع مواطنيها وفقا للانطباعات الذاتية لأنظمتها السياسية وبما تمليه دوافع القبيلة وأخلاقياتها. واليوم وقد حدث ما حدث من تغيرات كبرى شهدتها الساحة العراقية اهتزت لها المنطقة ككل، تجد دول المجلس أن من المهم أن تضمن أن منطقة الخليج العربي ستسير في اتجاه بعيد كل البعد عن السياسات والتوازنات السابقة التي أضرّت بالجهود التنموية لدول المنطقة في مجملها، وأعطت المسوغ للآخرين للتدخل على هيئة غزو عسكري مباشر، وذلك لن يستقيم إلا في ظل عراق مستقر وموحد ومتكامل مع دول مجلس التعاون الخليجي.

واليوم كذلك ينبغي أن نتساءل ما الذي تريده دول المجلس من العراق بهيئته الجديدة؟ وبالمقابل ما الذي يبتغيه العراق ويتوقعه من أشقائه في الخليج؟  تجد دول مجلس التعاون أن وصول نظام جديد للحكم في العراق (بعد حسم مسألة التحالفات داخل الجمعية الوطنية العراقية الجديدة وما يليها من تشكيلة حكومية) يتضمن ايدولوجيات وطنية متعددة ومختلفة عما سبق، وربما يمثل مقدمة لكي تزيل دول المجلس عن كاهلها ذلك العبء الذي كانت تنوء بحمله وما كان يشكله من تهديد لأمنها واستقرارها. وعليه فإن بلورة تصور استراتيجي مستجد للتعامل مع التداعيات الناجمة عن التغييرات الحاصلة في العراق أمر جوهري بالنسبة لهذه الدول التي استمرأت في السابق استراتيجية الانتظار.

دول المجلس، وبخاصة الكويت والسعودية، تريد عراقاً يُطمئنّ لها الهواجس الجديدة التي ظهرت مع بدء تشكيل ملامحه الجديدة وهي:

1- احتمال التحسس من قبل بعض الدول الخليجية من بروز الهوية الشيعية للنظام السياسي العراقي الجديد وتكريس دور المرجعية الدينية والقوى السياسية المستندة إليها، في الحياة السياسية العراقية التي تجسدت منذ الأيام الأولى للاحتلال الأمريكي في تشكيلة مجلس الحكم السابق مروراً بتشكيلة الجمعية الوطنية العراقية المنبثقة عن الانتخابات وانتهاء بمجالس المحافظات والمناصب الحكومية.

2- يمكن للعراق اليوم أن يلعب دوراً محورياً في المشاريع الإقليمية التي تصب في مصلحة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وبما يخدم في المحصلة، المصالح العليا لإسرائيل مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير.

3- قد تمثل التجربة الديمقراطية الوليدة في العراق عامل قلق لأغلب دول المجلس، لكونها تتضمن بداية القبول بمتطلبات المشاركة السياسية الحقيقية لمختلف ألوان الانتماءات السياسية التي غُيّبت لفترة طويلة عن المشاركة والتي ينبغي أن تُسفر عن مطالبها في إطار العملية السياسية التي سيرسخها الدستور العراقي المؤمل والتداول السلمي للسلطة في ارفع مراتبها، وذلك يتزامن مع الضغوط الأمريكية على بعض دول المجلس لتحقيق خطوات الإصلاح السياسي فضلا عن الإصلاح الاجتماعي والتي تتسق بالضرورة مع متطلبات محاربة ما يسمى “الإرهاب” بمعنى آخر، إن التجربة العراقية قد تثير هواجس من نوع جديد لدى بعض دول المجلس التي تجاور هذه التجربة الديمقراطية الصاعدة والتي تفتقد مثل هذه الممارسات، وإمكانية بروز مطالبات دولية وشعبية بالإصلاح، لذلك فإن دول المجلس تدرك عدم إمكانية تجاوز ما حصل في العراق من تغييرات هيكيلية قد تمتد إلى بعضها سواء على صعيد شكل النظام السياسي أو تكريس نظام الانتخابات، ويمكن لها أن تحتوي تداعياتها إذا ما تبنّت إجراء تغييرات هيكلية وعلى نحو متدرج ومتوازن ضمن إطار مساعي الإصلاح القائمة في أغلب هذه الدول، أو تواجه مدّ المطالب الإصلاحية الداخلية المستندة إلى زخم المصالح لقوة غالبة تزعم الدفاع عن الديمقراطية في العالم، وفي هذه الحالة ستبقى استجاباتها بطيئة تتحصن بالقدر المحدود من الإصلاحات السياسية التي أجريت.

لذلك فإن بلورة رؤية استراتيجية للتعامل مع هذه التداعيات، أمر بالغ الأهمية بالنسبة لدول المجلس، وهذه الرؤية ينبغي أن تتضمن آليات متفقاً عليها لتوثيق وتفعيل العلاقات مع العراق الجديد وذلك على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما يلي:

1- على المستوى السياسي: ينبغي على دول المجلس أن تجذب العراق نحو سياسة التعايش السلمي معها، وذلك من خلال ربطه بأي شكل من أشكال الارتباط بمنظومة مجلس التعاون الخليجي وبما يمهد السبيل إلى انضمام العراق عضواً في المجلس مستقبلاً.

ولكن احتمال انضمام العراق وتكامله مع دول المجلس يستلزمان جاهزية العراق وانسجام بناه الأساسية وتوجهات نظامه السياسي وملامح اقتصاده وتشريعاته مع ما هو موجود في دول المجلس، لذلك فإن من مصلحة دول المجلس، الإسهام بشكل فعّال وإيجابي في استكمال متطلبات الاستقرار والوحدة الوطنية للعراق الجديد. وأمام دول المجلس هنا سبيلان للتعامل مع قضية العراق: النهج السلبي الذي سيعالج القضية العراقية وفق الاستراتيجية التي دأبت على اعتمادها واستمرأت نتاجاتها في معالجة القضايا الإقليمية التي تواجه دول المجلس وهي استراتيجية الترقب والانتظار على أمل أن تحل القضية نفسها مع مرور الوقت، واعتبار أن مسألة الإسهام في تحقيق الاستقرار في العراق والمساعدة على إعادة الحياة للاقتصاد العراقي، شأن داخلي أو أنه في أحسن الأحوال من ضمن اهتمامات القطاع الخاص الخليجي أو المنظمات الإنسانية وحسب، وهو كذلك شأن سياسي يدخل في صميم الاهتمامات الأمريكية.

وهنالك نهج إيجابي يتضمن المساهمة الإيجابية الفعلية لدول المجلس في ضمان تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة عبر ضمان تكامل العراق بهيئته الموّحدة والمستقرة مع دول المجلس. ولكن يبقى التساؤل القائم: هل يمكن أن يلعب الخليجيون هذا الدور المأمول في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق؟ وما هي الأولويات التي ينبغي التركيز عليها؟ وهل سيتم التركيز من قبلهم على معالجة المشكلات التي يعانيها الاقتصاد العراقي وحسب؟ أم سيتضمن معالجة مجمل المشكلات التي يعاني منها العراق؟ كل هذه أسئلة مطروحة والإجابة عنها تستلزم الإجابة عن سؤال أهم: ما هو مستقبل العراق السياسي؟ هل ينبغي ابتداءً جلاء المحتل لأن بقاءه سيعني أن كل تطور مفترض للعلاقات العراقية – الخليجية ينبغي أن يحدث بموافقة المحتل وتزكيته؟ أم يمكن الشروع بخطوات قصيرة المدى لمعالجة مخلفات الحصار والحرب.

وهنا يمكن القول إن مدخل المساهمة في إعادة إعمار العراق هو المدخل المثالي لتطبيع وتطوير العلاقات العراقية – الخليجية، ولكن هذا المدخل ينبغي ألا يكون منفصلاً عما يحدث في الوقت الراهن، وعلى دول المجلس أن تعي أن مساهمتها – إن صدقت – يجب أن تتم وفقاً لرؤية استراتيجية شاملة حيال العراق، لا أن تقتصر جهودها على المساعدات التي قد تقدمها جمعيات الهلال الأحمر وبعض الجمعيات الإنسانية الخليجية التي تبتغي الدعاية واستدرار العطف على حال المواطن العراقي مثل هذا النمط من المساعدات سيكون مضيعة للوقت والجهد في آن واحد، وسيعمّق من مشاعر الغضب والألم التي يشعر بها المواطن العراقي حيال بعض دول المجلس، إذ تكونت لدى هذا المواطن طيلة ثلاثة عشر عاماً من الحصار والديون والتعويضات مشاعر لا يمكن وصفها بأي حال من الأحوال بأنها ودية حيال بعض الحكومات الخليجية، لذلك فإن هذه الحكومات معنية أكثر من أي وقت مضى بإزالة هذه المشاعر من خلال سياسة فاعلة وإيجابية في إعادة إعمار العراق.

وبالمحصلة نقول بعد الحرب التي تراوحت كلفتها النهائية بحوالي 300 مليار دولار فضلاً عن السعي إلى تعزيز تعاونها التجاري والاستثماري مع الحكومة العراقية المقبلة من خلال السعي للاستفادة من السوق العراقية الكبيرة والعطشى لكل أنواع المنتجات، فضلاً عن أهمية بحث قضية إلغاء الديون الخليجية المستحقة على العراق أو على الأقل إعادة جدولتها، ناهيك عن إعادة النظر بموضوع التعويضات القاسية بالإضافة إلى ضرورة إنشاء صندوق لدعم عملية إعمار العراق يقوم بتقديم قروض طويلة الأمد والسعي لتجاوز الأداء السيئ لدول المجلس في مؤتمر الدول المانحة الذي عقد في مدريد، وتمويل مشاريع الإسكان وتحسين طرق المواصلات وتحسين الشبكات الكهربائية وشبكات الصرف الصحي وما شابهها من الخدمات الاجتماعية للمواطن الذي يواجه معاناة يومية عبر المساهمة الحكومية أو من قبل صناديق التنمية والتمويل الخليجية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2417::/cck::
::introtext::

منذ ما يقرب من ربع قرن من الزمن، مثل العراق -من وجهة نظر أغلب دول المجلس- مصدراً لعدم الاستقرار في منطقة الخليج العربي، وكان مبعث هذا التوجس وانعدام الثقة، سلوكيات النظام السياسي السابق ومنحاه الذي اختطه في إدارة علاقاته ضمن إطار الإقليم وتبنّيه لاستخدام منطق القوة في تسوية بعض خلافاته مع جيرانه بدلاً من اللجوء إلى الوسائل السلمية وعدم إدراكه لواقع المتغيرات الدولية الكبيرة التي هزت أركان النظام الدولي، وان كان ذلك لا يعفي الآخرين بالمقابل من مسؤولية ممارسة سياسة الاستفزاز، فضلاً عن منهج النظام السياسي السابق في التسلح المفرط الذي منحه شعوراً مضللاً بالقوة والقدرة على التأثير في مقدرات الإقليم، وإن كان بفعله المبالغ فيه ذاك يؤمن موجبات دور القوة الإقليمية التي ينبغي أخذها في الحسبان، وكل ذلك كان يجري في ظل الهامش الذي تتيحه مجريات الحرب الباردة ومستلزماتها.

 

::/introtext::
::fulltext::

منذ ما يقرب من ربع قرن من الزمن، مثل العراق -من وجهة نظر أغلب دول المجلس- مصدراً لعدم الاستقرار في منطقة الخليج العربي، وكان مبعث هذا التوجس وانعدام الثقة، سلوكيات النظام السياسي السابق ومنحاه الذي اختطه في إدارة علاقاته ضمن إطار الإقليم وتبنّيه لاستخدام منطق القوة في تسوية بعض خلافاته مع جيرانه بدلاً من اللجوء إلى الوسائل السلمية وعدم إدراكه لواقع المتغيرات الدولية الكبيرة التي هزت أركان النظام الدولي، وان كان ذلك لا يعفي الآخرين بالمقابل من مسؤولية ممارسة سياسة الاستفزاز، فضلاً عن منهج النظام السياسي السابق في التسلح المفرط الذي منحه شعوراً مضللاً بالقوة والقدرة على التأثير في مقدرات الإقليم، وإن كان بفعله المبالغ فيه ذاك يؤمن موجبات دور القوة الإقليمية التي ينبغي أخذها في الحسبان، وكل ذلك كان يجري في ظل الهامش الذي تتيحه مجريات الحرب الباردة ومستلزماتها.

ولا شك في أن حالة عسكرة الاقتصاد العراقي لفترة طويلة قد استنفدت نسبة كبيرة من موارد العراق التي كان من المفترض أن توجه لاعمار البنى التحتية وتطوير نظام الخدمات الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة للمواطن العراقي. وقد تبنّت دول مجلس التعاون بدورها سياسة الإنفاق، وأهدرت بذلك نسبة كبيرة من مداخيلها النفطية على برامج التسلح الضخمة وغير المجدية لمعالجة حالة القلق والتوجس التي هيمنت ولا تزال على رؤيتها لموقعها في معادلة الأمن في الخليج العربي وهي تواجه قوتين إقليميتين تحتفظ كل منها برؤية خاصة لواقع الأمن في الخليج العربي، وترسم لنفسها دوراً محورياً ينبغي تجسيده على الأرض، وأنفقت أيضاً لتحقيق مقتضيات التوازن بين هاتين القوتين فكان دعمها للعراق في حربه مع إيران ثم الإسهام في إخراج القوات العراقية من الكويت بكل تكاليفها العالية.

وبين هذا وذاك كانت دول المجلس حريصة على العيش والاستمرار وسط هذه الأجواء المتوترة تحاول الحفاظ على المورد الوحيد الذي تحتكم عليه باذلة كل ما في وسعها للحفاظ على ذاتها وشخصيتها القانونية دول تسعى لكي ترتب علاقاتها مع مواطنيها وفقا للانطباعات الذاتية لأنظمتها السياسية وبما تمليه دوافع القبيلة وأخلاقياتها. واليوم وقد حدث ما حدث من تغيرات كبرى شهدتها الساحة العراقية اهتزت لها المنطقة ككل، تجد دول المجلس أن من المهم أن تضمن أن منطقة الخليج العربي ستسير في اتجاه بعيد كل البعد عن السياسات والتوازنات السابقة التي أضرّت بالجهود التنموية لدول المنطقة في مجملها، وأعطت المسوغ للآخرين للتدخل على هيئة غزو عسكري مباشر، وذلك لن يستقيم إلا في ظل عراق مستقر وموحد ومتكامل مع دول مجلس التعاون الخليجي.

واليوم كذلك ينبغي أن نتساءل ما الذي تريده دول المجلس من العراق بهيئته الجديدة؟ وبالمقابل ما الذي يبتغيه العراق ويتوقعه من أشقائه في الخليج؟  تجد دول مجلس التعاون أن وصول نظام جديد للحكم في العراق (بعد حسم مسألة التحالفات داخل الجمعية الوطنية العراقية الجديدة وما يليها من تشكيلة حكومية) يتضمن ايدولوجيات وطنية متعددة ومختلفة عما سبق، وربما يمثل مقدمة لكي تزيل دول المجلس عن كاهلها ذلك العبء الذي كانت تنوء بحمله وما كان يشكله من تهديد لأمنها واستقرارها. وعليه فإن بلورة تصور استراتيجي مستجد للتعامل مع التداعيات الناجمة عن التغييرات الحاصلة في العراق أمر جوهري بالنسبة لهذه الدول التي استمرأت في السابق استراتيجية الانتظار.

دول المجلس، وبخاصة الكويت والسعودية، تريد عراقاً يُطمئنّ لها الهواجس الجديدة التي ظهرت مع بدء تشكيل ملامحه الجديدة وهي:

1- احتمال التحسس من قبل بعض الدول الخليجية من بروز الهوية الشيعية للنظام السياسي العراقي الجديد وتكريس دور المرجعية الدينية والقوى السياسية المستندة إليها، في الحياة السياسية العراقية التي تجسدت منذ الأيام الأولى للاحتلال الأمريكي في تشكيلة مجلس الحكم السابق مروراً بتشكيلة الجمعية الوطنية العراقية المنبثقة عن الانتخابات وانتهاء بمجالس المحافظات والمناصب الحكومية.

2- يمكن للعراق اليوم أن يلعب دوراً محورياً في المشاريع الإقليمية التي تصب في مصلحة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وبما يخدم في المحصلة، المصالح العليا لإسرائيل مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير.

3- قد تمثل التجربة الديمقراطية الوليدة في العراق عامل قلق لأغلب دول المجلس، لكونها تتضمن بداية القبول بمتطلبات المشاركة السياسية الحقيقية لمختلف ألوان الانتماءات السياسية التي غُيّبت لفترة طويلة عن المشاركة والتي ينبغي أن تُسفر عن مطالبها في إطار العملية السياسية التي سيرسخها الدستور العراقي المؤمل والتداول السلمي للسلطة في ارفع مراتبها، وذلك يتزامن مع الضغوط الأمريكية على بعض دول المجلس لتحقيق خطوات الإصلاح السياسي فضلا عن الإصلاح الاجتماعي والتي تتسق بالضرورة مع متطلبات محاربة ما يسمى “الإرهاب” بمعنى آخر، إن التجربة العراقية قد تثير هواجس من نوع جديد لدى بعض دول المجلس التي تجاور هذه التجربة الديمقراطية الصاعدة والتي تفتقد مثل هذه الممارسات، وإمكانية بروز مطالبات دولية وشعبية بالإصلاح، لذلك فإن دول المجلس تدرك عدم إمكانية تجاوز ما حصل في العراق من تغييرات هيكيلية قد تمتد إلى بعضها سواء على صعيد شكل النظام السياسي أو تكريس نظام الانتخابات، ويمكن لها أن تحتوي تداعياتها إذا ما تبنّت إجراء تغييرات هيكلية وعلى نحو متدرج ومتوازن ضمن إطار مساعي الإصلاح القائمة في أغلب هذه الدول، أو تواجه مدّ المطالب الإصلاحية الداخلية المستندة إلى زخم المصالح لقوة غالبة تزعم الدفاع عن الديمقراطية في العالم، وفي هذه الحالة ستبقى استجاباتها بطيئة تتحصن بالقدر المحدود من الإصلاحات السياسية التي أجريت.

لذلك فإن بلورة رؤية استراتيجية للتعامل مع هذه التداعيات، أمر بالغ الأهمية بالنسبة لدول المجلس، وهذه الرؤية ينبغي أن تتضمن آليات متفقاً عليها لتوثيق وتفعيل العلاقات مع العراق الجديد وذلك على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما يلي:

1- على المستوى السياسي: ينبغي على دول المجلس أن تجذب العراق نحو سياسة التعايش السلمي معها، وذلك من خلال ربطه بأي شكل من أشكال الارتباط بمنظومة مجلس التعاون الخليجي وبما يمهد السبيل إلى انضمام العراق عضواً في المجلس مستقبلاً.

ولكن احتمال انضمام العراق وتكامله مع دول المجلس يستلزمان جاهزية العراق وانسجام بناه الأساسية وتوجهات نظامه السياسي وملامح اقتصاده وتشريعاته مع ما هو موجود في دول المجلس، لذلك فإن من مصلحة دول المجلس، الإسهام بشكل فعّال وإيجابي في استكمال متطلبات الاستقرار والوحدة الوطنية للعراق الجديد. وأمام دول المجلس هنا سبيلان للتعامل مع قضية العراق: النهج السلبي الذي سيعالج القضية العراقية وفق الاستراتيجية التي دأبت على اعتمادها واستمرأت نتاجاتها في معالجة القضايا الإقليمية التي تواجه دول المجلس وهي استراتيجية الترقب والانتظار على أمل أن تحل القضية نفسها مع مرور الوقت، واعتبار أن مسألة الإسهام في تحقيق الاستقرار في العراق والمساعدة على إعادة الحياة للاقتصاد العراقي، شأن داخلي أو أنه في أحسن الأحوال من ضمن اهتمامات القطاع الخاص الخليجي أو المنظمات الإنسانية وحسب، وهو كذلك شأن سياسي يدخل في صميم الاهتمامات الأمريكية.

وهنالك نهج إيجابي يتضمن المساهمة الإيجابية الفعلية لدول المجلس في ضمان تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة عبر ضمان تكامل العراق بهيئته الموّحدة والمستقرة مع دول المجلس. ولكن يبقى التساؤل القائم: هل يمكن أن يلعب الخليجيون هذا الدور المأمول في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق؟ وما هي الأولويات التي ينبغي التركيز عليها؟ وهل سيتم التركيز من قبلهم على معالجة المشكلات التي يعانيها الاقتصاد العراقي وحسب؟ أم سيتضمن معالجة مجمل المشكلات التي يعاني منها العراق؟ كل هذه أسئلة مطروحة والإجابة عنها تستلزم الإجابة عن سؤال أهم: ما هو مستقبل العراق السياسي؟ هل ينبغي ابتداءً جلاء المحتل لأن بقاءه سيعني أن كل تطور مفترض للعلاقات العراقية – الخليجية ينبغي أن يحدث بموافقة المحتل وتزكيته؟ أم يمكن الشروع بخطوات قصيرة المدى لمعالجة مخلفات الحصار والحرب.

وهنا يمكن القول إن مدخل المساهمة في إعادة إعمار العراق هو المدخل المثالي لتطبيع وتطوير العلاقات العراقية – الخليجية، ولكن هذا المدخل ينبغي ألا يكون منفصلاً عما يحدث في الوقت الراهن، وعلى دول المجلس أن تعي أن مساهمتها – إن صدقت – يجب أن تتم وفقاً لرؤية استراتيجية شاملة حيال العراق، لا أن تقتصر جهودها على المساعدات التي قد تقدمها جمعيات الهلال الأحمر وبعض الجمعيات الإنسانية الخليجية التي تبتغي الدعاية واستدرار العطف على حال المواطن العراقي مثل هذا النمط من المساعدات سيكون مضيعة للوقت والجهد في آن واحد، وسيعمّق من مشاعر الغضب والألم التي يشعر بها المواطن العراقي حيال بعض دول المجلس، إذ تكونت لدى هذا المواطن طيلة ثلاثة عشر عاماً من الحصار والديون والتعويضات مشاعر لا يمكن وصفها بأي حال من الأحوال بأنها ودية حيال بعض الحكومات الخليجية، لذلك فإن هذه الحكومات معنية أكثر من أي وقت مضى بإزالة هذه المشاعر من خلال سياسة فاعلة وإيجابية في إعادة إعمار العراق.

وبالمحصلة نقول بعد الحرب التي تراوحت كلفتها النهائية بحوالي 300 مليار دولار فضلاً عن السعي إلى تعزيز تعاونها التجاري والاستثماري مع الحكومة العراقية المقبلة من خلال السعي للاستفادة من السوق العراقية الكبيرة والعطشى لكل أنواع المنتجات، فضلاً عن أهمية بحث قضية إلغاء الديون الخليجية المستحقة على العراق أو على الأقل إعادة جدولتها، ناهيك عن إعادة النظر بموضوع التعويضات القاسية بالإضافة إلى ضرورة إنشاء صندوق لدعم عملية إعمار العراق يقوم بتقديم قروض طويلة الأمد والسعي لتجاوز الأداء السيئ لدول المجلس في مؤتمر الدول المانحة الذي عقد في مدريد، وتمويل مشاريع الإسكان وتحسين طرق المواصلات وتحسين الشبكات الكهربائية وشبكات الصرف الصحي وما شابهها من الخدمات الاجتماعية للمواطن الذي يواجه معاناة يومية عبر المساهمة الحكومية أو من قبل صناديق التنمية والتمويل الخليجية.

::/fulltext::
::cck::2417::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *