تداعيات التغيير في العراق

::cck::2415::/cck::
::introtext::

لم يكن اتخاذ قرار الحرب في العراق وتغيير النظام البعثي أمراً سهلاً، فمن المؤكد وضعت الإدارة الأمريكية تصوراتها الاستراتيجية وخططها المستقبلية للتعامل مع تطور الأوضاع في عراق ما بعد صدام حسين، الذي كان يشكل تهديدا للأمن الإقليمي لدول الخليج العربي، وقد بدا ذلك واضحا في حربه على الكويت في عام 1990، ما جعل دول مجلس التعاون، وإن اختلفت سياساتها تجاه العراق، تجتمع على أهمية إزاحة النظام البعثي في العراق. وربما لم تعلن جميع دول مجلس التعاون موقفها العلني في حرب الحلفاء على صدام حسين، وآثرت تقديم العون من خلال قنوات مختلفة.

::/introtext::
::fulltext::

لم يكن اتخاذ قرار الحرب في العراق وتغيير النظام البعثي أمراً سهلاً، فمن المؤكد وضعت الإدارة الأمريكية تصوراتها الاستراتيجية وخططها المستقبلية للتعامل مع تطور الأوضاع في عراق ما بعد صدام حسين ، الذي كان يشكل تهديدا للأمن الإقليمي لدول الخليج العربي، وقد بدا ذلك واضحا في حربه على الكويت في عام 1990، ما جعل دول مجلس التعاون، وإن اختلفت سياساتها تجاه العراق، تجتمع على أهمية إزاحة النظام البعثي في العراق. وربما لم تعلن جميع دول مجلس التعاون موقفها العلني في حرب الحلفاء على صدام حسين، وآثرت تقديم العون من خلال قنوات مختلفة.

إن النظام البعثي في العراق لم يعد بمقدوره الاستمرار وحتى الدول العربية التي لعبت دور الوسيط كانت ترى عدم إمكانية التعاون مع صدام حسين، وأنه بات من المستحيل قبوله سياسيا على الساحة الدولية. وبالرغم من الإجماع العربي على سوء النظام في العراق وعلى خروجه عن المنظومة العربية التقليدية إلا أن الدول العربية بمختلف مشاربها وتوجهاتها لم تكن على استعداد لخوض حرب مجهولة النتائج وخصوصا إذا عرفنا أن إسقاط الحكم العراقي قد يتكرر في بلاد أخرى مما ضاعف خوف كثير من أنظمة الحكم العربية، وجعلها تجد نفسها مدافعة بشكل أو بآخر ضد قرار شن الحرب الأمريكية على العراق.

النظام العربي التقليدي نجح في تفريغ شحنات الكراهية الموجهة له وتغيير مسارها إلى أمريكا والغرب، وكان في ارتفاع شحنات الكراهية المعادية لأمريكا إنقاذ، أو بمعنى آخر، تأجيل للمواجهة الداخلية للشعوب العربية مع أنظمة حكمها. واستطاع العرب، وأعني هنا قيادات الحكم، بأن يرجعوا كل الشرور السياسية والاقتصادية التي تعاني منها شعوب المنطقة إلى هذا الغرب المسيحي، وقد يكونون قد كسبوا المعركة مرحليا إلا أنهم بدأوا يشعرون بأن تداعيات سقوط صدام حسين آخذة في التبلور، وأن استحقاقات قادمة عليهم مواجهتها.
فبعد حرب العراق تفاجئنا بانتقال حرب الإرهاب الديني إلى المملكة العربية السعودية وإلى الكويت وقطر، ووجدت هذه الدول الخليجية نفسها معنية بالدرجة الأولى بتطور أوضاع العراق، وأن عليها أن تعمل على ضمان استقرار العراق الجديد، وأنه لم يعد بامكانها التحكم بنتائج هذه الحرب وتداعياتها.

ولم يقتصر الأمر على الخليج، فبعد مرور عامين على إسقاط صدام حسين، بدأت الأوضاع السياسية تتهاوى في لبنان، وأصبح اغتيال الرئيس الحريري الشرارة التي أشعلت الساحة اللبنانية، وبدأ الحليف التقليدي السوري يجد نفسه أمام مواجهة شبيهة بالمواجهة مع صدام حسين، إلا أن النظام السوري تعلم الدرس، وأدرك خطورة الموقف فسارع وأعلن انسحابه من لبنان على أمل أن يهدئ من شراسة المعركة القادمة.

وبشكل مفاجئ يظهر على الساحة المصرية أيمن نور رئيس حزب المستقبل، وتحولت قضيته المحلية إلى قضية عالمية، وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تضغط في تجاه الإفراج عن أيمن نور. ونفاجأ بتصريح الرئيس حسني مبارك الذي أعلن عن رغبته في تغيير الدستور المصري في ما يخص الانتخابات الرئاسية، ما اعتبر خطوة إصلاحية في اتجاه المشروع الأمريكي الذي أعلن عنه الرئيس بوش، وأطلق عليه (مشروع الشرق الأوسط الكبير) والذي عبر فيه عن رغبته في أن يرى بلاد الشرق الأوسط العربية والإسلامية وهي تسير في اتجاه الديمقراطية والإصلاح السياسي والاقتصادي.

وعندما نرجع إلى دفاتر التاريخ فإننا نجد أن أمريكا شجعت الانقلابات العسكرية في دول الثقل العربي. ففي مصر وسوريا في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي، شجعت أمريكا هذا النوع من التغيير المريح. وربما كان السبب تشجيع أمريكا للانقلابات العسكرية هو وصولها إلى قناعة بأن أنظمة الحكم السابقة وصلت إلى درجة الشيخوخة، وكان هاجسها في تلك المرحلة التاريخية ألا تسقط تلك الأنظمة في قبضة الحكم الشيوعي. إن أنظمة الحكم العسكرية أدت وظيفتها في مرحلة زمنية، وحققت أمريكا أهدافها إلا أن هذه الأنظمة بدأت تتحول إلى مصدر هم للسياسة الأمريكية في الألفية الثالثة.

ووقعت أمريكا في مجموعة من الأخطار وربما كان أهمها تشجيعها للأصولية السنية التي ساندتها في حربها ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. ففي المرحلة التي بدأت أمريكا فيها حربها على النظام الشيوعي في أفغانستان كان حليفها الأصولية السنية، ونجحت أمريكا في خلخلة الاتحاد السوفييتي، وتم إسقاط المنظومة الاشتراكية، واستحوذت أمريكا على العالم، وتحول مركز العالم إلى واشنطن.
وشعرت الأصولية السنية بنشوة الانتصار في حربها في أفغانستان، وفجأة تحولت أفغانستان مقرا للتفريخ وملاذا للتنفيس للشباب المسلم المحبط الذي بدأت تراوده أفكار الجهاد وقيام دولة الخلافة الإسلامية انطلاقا من أفغانستان.

وفجأة تجد أمريكا نفسها في مواجهة مع الحليف الأصولي السني في نيويورك وواشنطن، إلا أن هذه المواجهة هي مواجهة جديدة، إنها حرب قائمة على الدين مما جعلها خطرة وذات مذاق جديد. ولم يكن التدخل الأمريكي في العراق هو الأول، فأمريكا تدخلت خارج نطاقها الجغرافي لأكثر من 18 مرة، ونجحت في تحقيق الديمقراطية في خمس مرات فقط، في ألمانيا واليابان وإيطاليا وفي أمريكا اللاتينية، لكنها فشلت في تحقيق الديمقراطية في كثير من بلدان العالم.

والسؤال الذي نطرحه اليوم إلى أي درجة أمريكا معنية بالتغيير في منطقة الشرق الأوسط؟ وهل العراق بوابة الديمقراطية؟
من المؤكد أننا لا نملك الإجابة عن هذا السؤال، إلا أننا نقول إن العالم الجديد تبلورت فيه مفاهيم جديدة للأمن القومي الأمريكي، وإن الحرب على الإرهاب الديني، وإن كانت خارج الحدود الجغرافية الأمريكية، تهدف لحماية الأمن القومي الأمريكي، فالولايات المتحدة يهمها اليوم أن تنجح في حربها على الإرهاب وإن كانت تكاليفها باهظة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2415::/cck::
::introtext::

لم يكن اتخاذ قرار الحرب في العراق وتغيير النظام البعثي أمراً سهلاً، فمن المؤكد وضعت الإدارة الأمريكية تصوراتها الاستراتيجية وخططها المستقبلية للتعامل مع تطور الأوضاع في عراق ما بعد صدام حسين، الذي كان يشكل تهديدا للأمن الإقليمي لدول الخليج العربي، وقد بدا ذلك واضحا في حربه على الكويت في عام 1990، ما جعل دول مجلس التعاون، وإن اختلفت سياساتها تجاه العراق، تجتمع على أهمية إزاحة النظام البعثي في العراق. وربما لم تعلن جميع دول مجلس التعاون موقفها العلني في حرب الحلفاء على صدام حسين، وآثرت تقديم العون من خلال قنوات مختلفة.

::/introtext::
::fulltext::

لم يكن اتخاذ قرار الحرب في العراق وتغيير النظام البعثي أمراً سهلاً، فمن المؤكد وضعت الإدارة الأمريكية تصوراتها الاستراتيجية وخططها المستقبلية للتعامل مع تطور الأوضاع في عراق ما بعد صدام حسين ، الذي كان يشكل تهديدا للأمن الإقليمي لدول الخليج العربي، وقد بدا ذلك واضحا في حربه على الكويت في عام 1990، ما جعل دول مجلس التعاون، وإن اختلفت سياساتها تجاه العراق، تجتمع على أهمية إزاحة النظام البعثي في العراق. وربما لم تعلن جميع دول مجلس التعاون موقفها العلني في حرب الحلفاء على صدام حسين، وآثرت تقديم العون من خلال قنوات مختلفة.

إن النظام البعثي في العراق لم يعد بمقدوره الاستمرار وحتى الدول العربية التي لعبت دور الوسيط كانت ترى عدم إمكانية التعاون مع صدام حسين، وأنه بات من المستحيل قبوله سياسيا على الساحة الدولية. وبالرغم من الإجماع العربي على سوء النظام في العراق وعلى خروجه عن المنظومة العربية التقليدية إلا أن الدول العربية بمختلف مشاربها وتوجهاتها لم تكن على استعداد لخوض حرب مجهولة النتائج وخصوصا إذا عرفنا أن إسقاط الحكم العراقي قد يتكرر في بلاد أخرى مما ضاعف خوف كثير من أنظمة الحكم العربية، وجعلها تجد نفسها مدافعة بشكل أو بآخر ضد قرار شن الحرب الأمريكية على العراق.

النظام العربي التقليدي نجح في تفريغ شحنات الكراهية الموجهة له وتغيير مسارها إلى أمريكا والغرب، وكان في ارتفاع شحنات الكراهية المعادية لأمريكا إنقاذ، أو بمعنى آخر، تأجيل للمواجهة الداخلية للشعوب العربية مع أنظمة حكمها. واستطاع العرب، وأعني هنا قيادات الحكم، بأن يرجعوا كل الشرور السياسية والاقتصادية التي تعاني منها شعوب المنطقة إلى هذا الغرب المسيحي، وقد يكونون قد كسبوا المعركة مرحليا إلا أنهم بدأوا يشعرون بأن تداعيات سقوط صدام حسين آخذة في التبلور، وأن استحقاقات قادمة عليهم مواجهتها.
فبعد حرب العراق تفاجئنا بانتقال حرب الإرهاب الديني إلى المملكة العربية السعودية وإلى الكويت وقطر، ووجدت هذه الدول الخليجية نفسها معنية بالدرجة الأولى بتطور أوضاع العراق، وأن عليها أن تعمل على ضمان استقرار العراق الجديد، وأنه لم يعد بامكانها التحكم بنتائج هذه الحرب وتداعياتها.

ولم يقتصر الأمر على الخليج، فبعد مرور عامين على إسقاط صدام حسين، بدأت الأوضاع السياسية تتهاوى في لبنان، وأصبح اغتيال الرئيس الحريري الشرارة التي أشعلت الساحة اللبنانية، وبدأ الحليف التقليدي السوري يجد نفسه أمام مواجهة شبيهة بالمواجهة مع صدام حسين، إلا أن النظام السوري تعلم الدرس، وأدرك خطورة الموقف فسارع وأعلن انسحابه من لبنان على أمل أن يهدئ من شراسة المعركة القادمة.

وبشكل مفاجئ يظهر على الساحة المصرية أيمن نور رئيس حزب المستقبل، وتحولت قضيته المحلية إلى قضية عالمية، وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تضغط في تجاه الإفراج عن أيمن نور. ونفاجأ بتصريح الرئيس حسني مبارك الذي أعلن عن رغبته في تغيير الدستور المصري في ما يخص الانتخابات الرئاسية، ما اعتبر خطوة إصلاحية في اتجاه المشروع الأمريكي الذي أعلن عنه الرئيس بوش، وأطلق عليه (مشروع الشرق الأوسط الكبير) والذي عبر فيه عن رغبته في أن يرى بلاد الشرق الأوسط العربية والإسلامية وهي تسير في اتجاه الديمقراطية والإصلاح السياسي والاقتصادي.

وعندما نرجع إلى دفاتر التاريخ فإننا نجد أن أمريكا شجعت الانقلابات العسكرية في دول الثقل العربي. ففي مصر وسوريا في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي، شجعت أمريكا هذا النوع من التغيير المريح. وربما كان السبب تشجيع أمريكا للانقلابات العسكرية هو وصولها إلى قناعة بأن أنظمة الحكم السابقة وصلت إلى درجة الشيخوخة، وكان هاجسها في تلك المرحلة التاريخية ألا تسقط تلك الأنظمة في قبضة الحكم الشيوعي. إن أنظمة الحكم العسكرية أدت وظيفتها في مرحلة زمنية، وحققت أمريكا أهدافها إلا أن هذه الأنظمة بدأت تتحول إلى مصدر هم للسياسة الأمريكية في الألفية الثالثة.

ووقعت أمريكا في مجموعة من الأخطار وربما كان أهمها تشجيعها للأصولية السنية التي ساندتها في حربها ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. ففي المرحلة التي بدأت أمريكا فيها حربها على النظام الشيوعي في أفغانستان كان حليفها الأصولية السنية، ونجحت أمريكا في خلخلة الاتحاد السوفييتي، وتم إسقاط المنظومة الاشتراكية، واستحوذت أمريكا على العالم، وتحول مركز العالم إلى واشنطن.
وشعرت الأصولية السنية بنشوة الانتصار في حربها في أفغانستان، وفجأة تحولت أفغانستان مقرا للتفريخ وملاذا للتنفيس للشباب المسلم المحبط الذي بدأت تراوده أفكار الجهاد وقيام دولة الخلافة الإسلامية انطلاقا من أفغانستان.

وفجأة تجد أمريكا نفسها في مواجهة مع الحليف الأصولي السني في نيويورك وواشنطن، إلا أن هذه المواجهة هي مواجهة جديدة، إنها حرب قائمة على الدين مما جعلها خطرة وذات مذاق جديد. ولم يكن التدخل الأمريكي في العراق هو الأول، فأمريكا تدخلت خارج نطاقها الجغرافي لأكثر من 18 مرة، ونجحت في تحقيق الديمقراطية في خمس مرات فقط، في ألمانيا واليابان وإيطاليا وفي أمريكا اللاتينية، لكنها فشلت في تحقيق الديمقراطية في كثير من بلدان العالم.

والسؤال الذي نطرحه اليوم إلى أي درجة أمريكا معنية بالتغيير في منطقة الشرق الأوسط؟ وهل العراق بوابة الديمقراطية؟
من المؤكد أننا لا نملك الإجابة عن هذا السؤال، إلا أننا نقول إن العالم الجديد تبلورت فيه مفاهيم جديدة للأمن القومي الأمريكي، وإن الحرب على الإرهاب الديني، وإن كانت خارج الحدود الجغرافية الأمريكية، تهدف لحماية الأمن القومي الأمريكي، فالولايات المتحدة يهمها اليوم أن تنجح في حربها على الإرهاب وإن كانت تكاليفها باهظة.

::/fulltext::
::cck::2415::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *