هل يمكن التعويل على الأمم المتحدة في العراق؟

::cck::2414::/cck::
::introtext::

لقد كان لنشأة الأمم المتحدة في العام 1945، على أنقاض عصبة الأمم التي انهارت بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، الدور الكبير في وضع أسس لنظام دولي جديد تحددت معالمه في ميثاق الأمم المتحدة وما تمخض عنه من صدور إعلانات وعهود واتفاقات دولية طالت ميادين مهمة تمس واقع العلاقات الدولية ومستقبلها، كما تمس حياة المجتمعات والأفراد سواء في ميدان الاقتصاد والتنمية أو الحقوق السياسية والمدنية والبيئة وغيرها من حقوق الإنسان.

::/introtext::
::fulltext::

لقد كان لنشأة الأمم المتحدة في العام 1945، على أنقاض عصبة الأمم التي انهارت بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، الدور الكبير في وضع أسس لنظام دولي جديد تحددت معالمه في ميثاق الأمم المتحدة وما تمخض عنه من صدور إعلانات وعهود واتفاقات دولية طالت ميادين مهمة تمس واقع العلاقات الدولية ومستقبلها، كما تمس حياة المجتمعات والأفراد سواء في ميدان الاقتصاد والتنمية أو الحقوق السياسية والمدنية والبيئة وغيرها من حقوق الإنسان.

لكن هل نجحت الأمم المتحدة طوال أكثر من نصف قرن من الزمان في تحقيق أهدافها المسطرة في الميثاق كلاً أو جزءاً خاصة في منع وقوع النزاعات المسلحة أو إيجاد الحلول السلمية عند وقوعها على أساس أن ذلك يعتبر من أسمى أهداف الأمم المتحدة إن لم يكن الأسمى على الإطلاق، وكما ورد في المادة الأولى منه وتحت عنوان حفظ السلم والأمن الدولي وفي الفصلين السادس والسابع منه اللذين عالجا موضوعي حل المنازعات حلا سلميا والإجراءات التي تتخذ في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان؟
إن استعراضا بسيطا للنزاعات والعدوان المسلح والحروب التي لم تتوقف طوال هذه الفترة وحتى يومنا هذا، يؤكد أن المنظمة لم تحقق إلا نجاحات نسبية، ويتحدث البعض عن فشل ذريع، يكفي الإشارة إلى احتلال فلسطين في عام 1948 واستمرار هذا الاحتلال حتى اليوم، وكذلك العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 وحرب فيتنام وحرب عام 1967 والحرب العراقية – الإيرانية عام 1980 وحرب الخليج الثانية لعام 1991 على أثر احتلال الكويت وحروب البلقان وحروب إفريقيا واحتلال أفغانستان واحتلال العراق ناهيك عن كل ما حدث من حروب شنتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد بعض دول أمريكا اللاتينية مثل نيكاراغوا وبنما وغرينادا وغيرها. بمعنى أن النزاعات والحروب بقيت مستمرة أثناء الحرب الباردة وبعد سقوط جدار برلين، ناهيك عن أن التدخل السافر في أخص خصوصيات الدول وفي شؤونها الداخلية وتهديدها باستخدام القوة المسلحة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية باتا أمرا يوميا بالرغم من تحريم الميثاق لهما.

صحيح أن منظمة الأمم المتحدة هي من نتاج المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، لكن الصحيح أيضا هو أن دول العالم الثالث التي حصل معظمها على الاستقلال، وانضمت إلى عضوية المنظمة خلال العقدين والنصف التي تلت نشوءها، كان لها دور إيجابي كبير في إضفاء الصفة الدولية عليها وجعلها منظمة عالمية حقيقية، أصبحت في يوم ما محط آمال شعوب العالم الثالث، وفي الوقت نفسه لا يمكن تناسي دور الحرب الباردة الأساسي في تطويرها وتنمية قدراتها واستقلاليتها النسبية في مواجهة التحديات حينئذ .لكن ذلك لم يمنع المنظمة الدولية من الوقوع في دائرة الأحادية القطبية خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

وبذلك فقدت المنظمة استقلالها النسبي الهش أصلاً، كما فقدت هيبتها وحرمتها عندما تحولت إلى هيئة تنفيذية وأداة مباشرة بيد الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق غاياتها واستراتيجياتها الكونية في فرض سيطرتها على العالم كله، وتكرس ذلك بوضوح بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 التي قادت إلى احتلال أفغانستان والعراق عسكريا من قبل قوات الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، وإحكام قبضتهما على مقدرات إفريقيا وثروات المنطقة العربية النفطية، ناهيك عن محاولاتهما للهيمنة على معظم دول جنوب وشرق آسيا ووسطها .

في ظل هذا الواقع المؤلم الجديد قامت الأمم المتحدة، التي فقدت قدرتها على المبادرة بسبب فقدانها استقلاليتها، بلعب دور المسوق للمشروع الأمريكي في العراق بدأ تحت عنوان (نزع أسلحة الدمار الشامل) حيث ظل مفتشو الأمم المتحدة يؤكدون طوال أكثر من عشر سنين وجود ترسانة من هذا السلاح لدى العراق، كما استخدمت المنظمة الدولية كأداة لفرض حصار شامل على الشعب العراقي تحت هذه الذريعة، ناهيك عن شن حربين مدمرتين عليه، وانتهت كل هذه الإجراءات، كما هو معروف، باحتلاله وتبين بعد حين عدم وجود أثر لهذه الأسلحة.

لكن الأمر لم ينته بالأمم المتحدة التي لم يبق من صدقيتها وصدقية أمينها العام الشيء الكثير، فلقد أنيط بها أمر تسويق الاحتلال وتشريعه بعد أن فشلت الولايات المتحدة في تسويق قرار الحرب في مجلس الأمن، وبعد أن تعثر مشروعها في السيطرة تماما على العراق. لذلك طلب منها أن تقوم بدور ما، ليس في جانب تلبية الاحتياجات الإنسانية التي تدهورت كثيرا خلال العدوان ولم تتمكن من تلبيتها، بل في العمل على مساندة الإجراءات الخاطئة التي تنتهك القانون الدولي وخاصة اتفاقيات جنيف الخاصة بالحرب والاحتلال ومنها القرارات الإدارية والإجرائية الأمريكية التي تناولت ما سمي (مجلس الحكم الانتقالي) و(الحكومة الانتقالية) و(قانون الإدارة الانتقالية) وحزمة من القرارات الأخرى تتعلق بالانتخابات ومن دون الحديث عن صدور عدد من القرارات من مجلس الأمن بهدف إضفاء الشرعية على الاحتلال أولاً وعلى قراراته وإجراءاته في العراق.

وتم بعد ذلك إجراء الانتخابات، وأجبرت الأمم المتحدة على تبنيها، على أسس طائفية وعرقية اعتبرتها المنظمة إنجازا عظيما من إنجازات الرئيس بوش بالرغم من انتهاكها لأبسط القواعد الدولية المتعارف عليها في مثل هذه الظروف، وبذلك تكون المنظمة قد أصبحت شاهد زور ووضعت نفسها في مأزق جديد خاصة بعد كل الذي شاب الانتخابات من عيوب فاضحة كونها تمت في ظل الاحتلال، الأمر الذي أفقدها شرعيتها إضافة إلى مقاطعة جزء كبير من العراقيين لها لعدم قناعتهم بصحة إجرائها كونها تكرس الطائفية السياسية والعرقية التي على أساسها تم توزيع مقاعد المجلس الوطني على الطريقة اللبنانية بمشورة الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمين العام في العراق، وبمباركة أمريكية ومن دون الإشارة إلى عمليات الترغيب والترهيب التي رافقت العملية الانتخابية.

فإذا كانت الأمم المتحدة قد لعبت دور المساند والشريك في التهيئة للعدوان والاحتلال وكذلك في التسويق له خلال فترة الاحتلال فماذا يمكن أن يكون دورها فيما بعد الاحتلال أي عندما يكون العراق قد وضع بمباركة عراقية ضمن دائرة النفوذ الأمريكي التي يراد لها أن تبقى محكمة الإغلاق لفترة غير منظورة؟ وفي تقديرنا ومن منطلق (قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه) ليس بمقدور الأمم المتحدة سوى أن تستمر بتنفيذ إرادة (ولي الأمر) الواجبة طاعته في كل الأحوال في شرعنة ما تقوم به الولايات المتحدة في العراق أو الحكومة العراقية المعينة من قبلها أو تلك التي تحظى بقبولها، والاستجابة السريعة لما تطلبه منها سواء في إصدار قرارات جديدة من مجلس الأمن أو في القيام باتخاذ إجراءات جديدة أو في إصدار بيانات أو تصريحات مساندة أو مسوقة أو مسوغة لرغبة الولايات المتحدة وإرادتها خاصة في غياب أية معارضة جدية من قبل الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن.

فمن المعروف والمعيب على المنظمة الدولية إنها لم تحرك ساكنا عندما انتهكت سيادة العراق واستقلاله خلال الحرب وخلال فترة الاحتلال التي ما زالت قائمة حتى اليوم والتي ستستمر لفترة طويلة. كما أنها وقفت عاجزة من عمل أي شيء أمام تصرفات قوات الاحتلال وخاصة عمليات التدمير اليومي لممتلكات المواطنين واحتلال المدن وعمليات الاعتقال وفضائح التعذيب والاحتجاز لفترات طويلة والقتل العشوائي والاغتيالات والمعاملة القاسية والمهينة واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا، ولم تتمكن من التخفيف من معاناة العراقيين اليومية من تردي أو فقدان الخدمات الحياتية اليومية الأساسية واستشراء البطالة والأمراض، ووقفت عاجزة أمام عملية تدمير منظمة للاقتصاد العراقي وهياكله وبناه التحتية وأمام سرقة أمواله وخاصة عوائده النفطية التي تخضع لسيطرة الاحتلال تماما من دون رقابة دولية. أيضاً لم تحرك الأمم المتحدة ساكنا عندما قام الحاكم الأمريكي في العراق وبقرار من حكومته بحل الجيش العراقي الذي يزيد تعداده على نصف مليون جندي وضابط و طرد جميع منتسبي قوى الأمن وجميع الموظفين من الحزبيين البعثيين من وظائفهم وملاحقة البعض منهم بسبب انتمائهم السياسي.

كل ذلك يعني أن المنظمة الدولية لم تقم بالمهام الملقاة على عاتقها بموجب ميثاقها إزاء الشعب العراقي الذي يخضع لاحتلال أجنبي غاشم على أثر حرب عدوانية إجرامية تنتهك القانون الدولي، كما لم تطالب قوات الاحتلال باحترام قواعد الحرب والاحتلال طبقا لاتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها ولم تقم بإدانة العدوان والجرائم الخطيرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق العراقيين سواء في تعذيب وإهانة السجناء في جميع السجون على امتداد العراق وليس في أبو غريب فقط أو تدمير المدن كمدينة الفلوجة.

وانطلاقا من كل المواقف السلبية المعلنة وغير المعلنة للأمم المتحدة من القضية العراقية التي أودت بسمعتها وصدقيتها واحترامها شعبيا وحكوميا يتوجب على هذه المنظمة الدولية العودة إلى تطبيق مبادئ وقواعد الميثاق التي ابتعدت عنها كثيراً بسبب الضغط الأمريكي المباشر وغير المباشر وعليها القيام بما يلي:

1- الخروج من حالة الصمت المطبق إلى الإعلان الصريح والواضح باعتبار احتلال العراق عدواناً عسكرياً غاشماً على دولة عضو في الأمم المتحدة وهو بذلك يعتبر عملا غير مشروع ينتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ويرتب المسؤولية الدولية على جميع الدول التي ارتكبت العدوان والدول التي ساندتها وقدمت لها المساعدة لتسهيل الاحتلال.

2- المطالبة بإنهاء الاحتلال باعتباره جريمة دولية ارتكبت بحق العراق.

3- المطالبة بتعويضات عن العدوان والاحتلال باعتبارهما أعمالا غير مشروعة وكذلك عن جميع الأضرار التي ترتبت عليهما سواء كانت مادية أم معنوية.

4- مطالبة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والدول التي انضمت إلى التحالف أو التي ساندته بتقديم اعتذار إلى الشعب العراقي الذي تعرض لجريمتي العدوان والاحتلال من قبل هذه الدول.

5- تقديم المساعدات المالية والفنية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب وقوات الاحتلال وتأهيل البنى التحتية التي دمرها الحصار.

6- الاعتراف بالمقاومة الوطنية العراقية التي تستهدف قوات الاحتلال ومن يساندها والسماح لها باستخدام منبر الأمم المتحدة للمطالبة بإنهاء الاحتلال وبحقوق العراق المشروعة التي يتيحها لها القانون الدولي.

7- العمل على تأكيد وحدة العراق الإقليمية ومنع المشاريع المشبوهة لتقسيم العراق ومواجهة الطائفية السياسية والتعصب القومي.

8- المحافظة على أموال وممتلكات العراق وثرواته الطبيعية وإيجاد رقابة دولية صارمة تحول دون التمكن من أي تصرف بهذه الموارد إلا بموافقة جهة دولية محايدة وإعادة جميع الأموال العراقية التي تم التصرف بها دون وجه حق من أية جهة كانت أو تلك التي سرقت خلال فترة الاحتلال.

9- العمل على مساعدة الشعب العراقي في التمتع بدستور يكفل الاستقلال والسيادة والوحدة الوطنية والإقليمية، وضمان الحريات والتعددية وتكريس القيم الاجتماعية العربية الإسلامية بعيدا عن أي تدخل أجنبي أو تعصب عرقي أو طائفي، يكفل لجميع مكونات الشعب العراقي وأبنائه المساواة أمام القانون.

وعليه يجب على الأمم المتحدة أن تهيئ لانتخابات تعتمد الوطنية ووحدة الوطن ووحدة أبناء المجتمع معيارا أساسيا ووحيدا بعيدا عن كل ما يمكن أن يتسبب بتجزئة الوطن، وتقسيمه على أساس عرقي أو طائفي، كما حدث في العراق مؤخرا، حيث تتحمل الأمم المتحدة مسؤولية الانتخابات التي تمت على أسس طائفية وقومية ستؤثر حتما في العراق كدولة موحدة ومجتمع موحد، وما قبولها بالفيدرالية كشعار إلا دليل على خضوع هذه المنظمة لضغوط من جهات دولية ومحلية تهيئ لتقسيم العراق.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2414::/cck::
::introtext::

لقد كان لنشأة الأمم المتحدة في العام 1945، على أنقاض عصبة الأمم التي انهارت بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، الدور الكبير في وضع أسس لنظام دولي جديد تحددت معالمه في ميثاق الأمم المتحدة وما تمخض عنه من صدور إعلانات وعهود واتفاقات دولية طالت ميادين مهمة تمس واقع العلاقات الدولية ومستقبلها، كما تمس حياة المجتمعات والأفراد سواء في ميدان الاقتصاد والتنمية أو الحقوق السياسية والمدنية والبيئة وغيرها من حقوق الإنسان.

::/introtext::
::fulltext::

لقد كان لنشأة الأمم المتحدة في العام 1945، على أنقاض عصبة الأمم التي انهارت بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، الدور الكبير في وضع أسس لنظام دولي جديد تحددت معالمه في ميثاق الأمم المتحدة وما تمخض عنه من صدور إعلانات وعهود واتفاقات دولية طالت ميادين مهمة تمس واقع العلاقات الدولية ومستقبلها، كما تمس حياة المجتمعات والأفراد سواء في ميدان الاقتصاد والتنمية أو الحقوق السياسية والمدنية والبيئة وغيرها من حقوق الإنسان.

لكن هل نجحت الأمم المتحدة طوال أكثر من نصف قرن من الزمان في تحقيق أهدافها المسطرة في الميثاق كلاً أو جزءاً خاصة في منع وقوع النزاعات المسلحة أو إيجاد الحلول السلمية عند وقوعها على أساس أن ذلك يعتبر من أسمى أهداف الأمم المتحدة إن لم يكن الأسمى على الإطلاق، وكما ورد في المادة الأولى منه وتحت عنوان حفظ السلم والأمن الدولي وفي الفصلين السادس والسابع منه اللذين عالجا موضوعي حل المنازعات حلا سلميا والإجراءات التي تتخذ في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان؟
إن استعراضا بسيطا للنزاعات والعدوان المسلح والحروب التي لم تتوقف طوال هذه الفترة وحتى يومنا هذا، يؤكد أن المنظمة لم تحقق إلا نجاحات نسبية، ويتحدث البعض عن فشل ذريع، يكفي الإشارة إلى احتلال فلسطين في عام 1948 واستمرار هذا الاحتلال حتى اليوم، وكذلك العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 وحرب فيتنام وحرب عام 1967 والحرب العراقية – الإيرانية عام 1980 وحرب الخليج الثانية لعام 1991 على أثر احتلال الكويت وحروب البلقان وحروب إفريقيا واحتلال أفغانستان واحتلال العراق ناهيك عن كل ما حدث من حروب شنتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد بعض دول أمريكا اللاتينية مثل نيكاراغوا وبنما وغرينادا وغيرها. بمعنى أن النزاعات والحروب بقيت مستمرة أثناء الحرب الباردة وبعد سقوط جدار برلين، ناهيك عن أن التدخل السافر في أخص خصوصيات الدول وفي شؤونها الداخلية وتهديدها باستخدام القوة المسلحة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية باتا أمرا يوميا بالرغم من تحريم الميثاق لهما.

صحيح أن منظمة الأمم المتحدة هي من نتاج المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، لكن الصحيح أيضا هو أن دول العالم الثالث التي حصل معظمها على الاستقلال، وانضمت إلى عضوية المنظمة خلال العقدين والنصف التي تلت نشوءها، كان لها دور إيجابي كبير في إضفاء الصفة الدولية عليها وجعلها منظمة عالمية حقيقية، أصبحت في يوم ما محط آمال شعوب العالم الثالث، وفي الوقت نفسه لا يمكن تناسي دور الحرب الباردة الأساسي في تطويرها وتنمية قدراتها واستقلاليتها النسبية في مواجهة التحديات حينئذ .لكن ذلك لم يمنع المنظمة الدولية من الوقوع في دائرة الأحادية القطبية خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

وبذلك فقدت المنظمة استقلالها النسبي الهش أصلاً، كما فقدت هيبتها وحرمتها عندما تحولت إلى هيئة تنفيذية وأداة مباشرة بيد الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق غاياتها واستراتيجياتها الكونية في فرض سيطرتها على العالم كله، وتكرس ذلك بوضوح بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 التي قادت إلى احتلال أفغانستان والعراق عسكريا من قبل قوات الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، وإحكام قبضتهما على مقدرات إفريقيا وثروات المنطقة العربية النفطية، ناهيك عن محاولاتهما للهيمنة على معظم دول جنوب وشرق آسيا ووسطها .

في ظل هذا الواقع المؤلم الجديد قامت الأمم المتحدة، التي فقدت قدرتها على المبادرة بسبب فقدانها استقلاليتها، بلعب دور المسوق للمشروع الأمريكي في العراق بدأ تحت عنوان (نزع أسلحة الدمار الشامل) حيث ظل مفتشو الأمم المتحدة يؤكدون طوال أكثر من عشر سنين وجود ترسانة من هذا السلاح لدى العراق، كما استخدمت المنظمة الدولية كأداة لفرض حصار شامل على الشعب العراقي تحت هذه الذريعة، ناهيك عن شن حربين مدمرتين عليه، وانتهت كل هذه الإجراءات، كما هو معروف، باحتلاله وتبين بعد حين عدم وجود أثر لهذه الأسلحة.

لكن الأمر لم ينته بالأمم المتحدة التي لم يبق من صدقيتها وصدقية أمينها العام الشيء الكثير، فلقد أنيط بها أمر تسويق الاحتلال وتشريعه بعد أن فشلت الولايات المتحدة في تسويق قرار الحرب في مجلس الأمن، وبعد أن تعثر مشروعها في السيطرة تماما على العراق. لذلك طلب منها أن تقوم بدور ما، ليس في جانب تلبية الاحتياجات الإنسانية التي تدهورت كثيرا خلال العدوان ولم تتمكن من تلبيتها، بل في العمل على مساندة الإجراءات الخاطئة التي تنتهك القانون الدولي وخاصة اتفاقيات جنيف الخاصة بالحرب والاحتلال ومنها القرارات الإدارية والإجرائية الأمريكية التي تناولت ما سمي (مجلس الحكم الانتقالي) و(الحكومة الانتقالية) و(قانون الإدارة الانتقالية) وحزمة من القرارات الأخرى تتعلق بالانتخابات ومن دون الحديث عن صدور عدد من القرارات من مجلس الأمن بهدف إضفاء الشرعية على الاحتلال أولاً وعلى قراراته وإجراءاته في العراق.

وتم بعد ذلك إجراء الانتخابات، وأجبرت الأمم المتحدة على تبنيها، على أسس طائفية وعرقية اعتبرتها المنظمة إنجازا عظيما من إنجازات الرئيس بوش بالرغم من انتهاكها لأبسط القواعد الدولية المتعارف عليها في مثل هذه الظروف، وبذلك تكون المنظمة قد أصبحت شاهد زور ووضعت نفسها في مأزق جديد خاصة بعد كل الذي شاب الانتخابات من عيوب فاضحة كونها تمت في ظل الاحتلال، الأمر الذي أفقدها شرعيتها إضافة إلى مقاطعة جزء كبير من العراقيين لها لعدم قناعتهم بصحة إجرائها كونها تكرس الطائفية السياسية والعرقية التي على أساسها تم توزيع مقاعد المجلس الوطني على الطريقة اللبنانية بمشورة الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمين العام في العراق، وبمباركة أمريكية ومن دون الإشارة إلى عمليات الترغيب والترهيب التي رافقت العملية الانتخابية.

فإذا كانت الأمم المتحدة قد لعبت دور المساند والشريك في التهيئة للعدوان والاحتلال وكذلك في التسويق له خلال فترة الاحتلال فماذا يمكن أن يكون دورها فيما بعد الاحتلال أي عندما يكون العراق قد وضع بمباركة عراقية ضمن دائرة النفوذ الأمريكي التي يراد لها أن تبقى محكمة الإغلاق لفترة غير منظورة؟ وفي تقديرنا ومن منطلق (قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه) ليس بمقدور الأمم المتحدة سوى أن تستمر بتنفيذ إرادة (ولي الأمر) الواجبة طاعته في كل الأحوال في شرعنة ما تقوم به الولايات المتحدة في العراق أو الحكومة العراقية المعينة من قبلها أو تلك التي تحظى بقبولها، والاستجابة السريعة لما تطلبه منها سواء في إصدار قرارات جديدة من مجلس الأمن أو في القيام باتخاذ إجراءات جديدة أو في إصدار بيانات أو تصريحات مساندة أو مسوقة أو مسوغة لرغبة الولايات المتحدة وإرادتها خاصة في غياب أية معارضة جدية من قبل الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن.

فمن المعروف والمعيب على المنظمة الدولية إنها لم تحرك ساكنا عندما انتهكت سيادة العراق واستقلاله خلال الحرب وخلال فترة الاحتلال التي ما زالت قائمة حتى اليوم والتي ستستمر لفترة طويلة. كما أنها وقفت عاجزة من عمل أي شيء أمام تصرفات قوات الاحتلال وخاصة عمليات التدمير اليومي لممتلكات المواطنين واحتلال المدن وعمليات الاعتقال وفضائح التعذيب والاحتجاز لفترات طويلة والقتل العشوائي والاغتيالات والمعاملة القاسية والمهينة واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا، ولم تتمكن من التخفيف من معاناة العراقيين اليومية من تردي أو فقدان الخدمات الحياتية اليومية الأساسية واستشراء البطالة والأمراض، ووقفت عاجزة أمام عملية تدمير منظمة للاقتصاد العراقي وهياكله وبناه التحتية وأمام سرقة أمواله وخاصة عوائده النفطية التي تخضع لسيطرة الاحتلال تماما من دون رقابة دولية. أيضاً لم تحرك الأمم المتحدة ساكنا عندما قام الحاكم الأمريكي في العراق وبقرار من حكومته بحل الجيش العراقي الذي يزيد تعداده على نصف مليون جندي وضابط و طرد جميع منتسبي قوى الأمن وجميع الموظفين من الحزبيين البعثيين من وظائفهم وملاحقة البعض منهم بسبب انتمائهم السياسي.

كل ذلك يعني أن المنظمة الدولية لم تقم بالمهام الملقاة على عاتقها بموجب ميثاقها إزاء الشعب العراقي الذي يخضع لاحتلال أجنبي غاشم على أثر حرب عدوانية إجرامية تنتهك القانون الدولي، كما لم تطالب قوات الاحتلال باحترام قواعد الحرب والاحتلال طبقا لاتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها ولم تقم بإدانة العدوان والجرائم الخطيرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق العراقيين سواء في تعذيب وإهانة السجناء في جميع السجون على امتداد العراق وليس في أبو غريب فقط أو تدمير المدن كمدينة الفلوجة.

وانطلاقا من كل المواقف السلبية المعلنة وغير المعلنة للأمم المتحدة من القضية العراقية التي أودت بسمعتها وصدقيتها واحترامها شعبيا وحكوميا يتوجب على هذه المنظمة الدولية العودة إلى تطبيق مبادئ وقواعد الميثاق التي ابتعدت عنها كثيراً بسبب الضغط الأمريكي المباشر وغير المباشر وعليها القيام بما يلي:

1- الخروج من حالة الصمت المطبق إلى الإعلان الصريح والواضح باعتبار احتلال العراق عدواناً عسكرياً غاشماً على دولة عضو في الأمم المتحدة وهو بذلك يعتبر عملا غير مشروع ينتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ويرتب المسؤولية الدولية على جميع الدول التي ارتكبت العدوان والدول التي ساندتها وقدمت لها المساعدة لتسهيل الاحتلال.

2- المطالبة بإنهاء الاحتلال باعتباره جريمة دولية ارتكبت بحق العراق.

3- المطالبة بتعويضات عن العدوان والاحتلال باعتبارهما أعمالا غير مشروعة وكذلك عن جميع الأضرار التي ترتبت عليهما سواء كانت مادية أم معنوية.

4- مطالبة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والدول التي انضمت إلى التحالف أو التي ساندته بتقديم اعتذار إلى الشعب العراقي الذي تعرض لجريمتي العدوان والاحتلال من قبل هذه الدول.

5- تقديم المساعدات المالية والفنية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب وقوات الاحتلال وتأهيل البنى التحتية التي دمرها الحصار.

6- الاعتراف بالمقاومة الوطنية العراقية التي تستهدف قوات الاحتلال ومن يساندها والسماح لها باستخدام منبر الأمم المتحدة للمطالبة بإنهاء الاحتلال وبحقوق العراق المشروعة التي يتيحها لها القانون الدولي.

7- العمل على تأكيد وحدة العراق الإقليمية ومنع المشاريع المشبوهة لتقسيم العراق ومواجهة الطائفية السياسية والتعصب القومي.

8- المحافظة على أموال وممتلكات العراق وثرواته الطبيعية وإيجاد رقابة دولية صارمة تحول دون التمكن من أي تصرف بهذه الموارد إلا بموافقة جهة دولية محايدة وإعادة جميع الأموال العراقية التي تم التصرف بها دون وجه حق من أية جهة كانت أو تلك التي سرقت خلال فترة الاحتلال.

9- العمل على مساعدة الشعب العراقي في التمتع بدستور يكفل الاستقلال والسيادة والوحدة الوطنية والإقليمية، وضمان الحريات والتعددية وتكريس القيم الاجتماعية العربية الإسلامية بعيدا عن أي تدخل أجنبي أو تعصب عرقي أو طائفي، يكفل لجميع مكونات الشعب العراقي وأبنائه المساواة أمام القانون.

وعليه يجب على الأمم المتحدة أن تهيئ لانتخابات تعتمد الوطنية ووحدة الوطن ووحدة أبناء المجتمع معيارا أساسيا ووحيدا بعيدا عن كل ما يمكن أن يتسبب بتجزئة الوطن، وتقسيمه على أساس عرقي أو طائفي، كما حدث في العراق مؤخرا، حيث تتحمل الأمم المتحدة مسؤولية الانتخابات التي تمت على أسس طائفية وقومية ستؤثر حتما في العراق كدولة موحدة ومجتمع موحد، وما قبولها بالفيدرالية كشعار إلا دليل على خضوع هذه المنظمة لضغوط من جهات دولية ومحلية تهيئ لتقسيم العراق.

 

::/fulltext::
::cck::2414::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *