الانتخابات العراقية ونتائجها

::cck::2427::/cck::
::introtext::

كانت الانتخابات ولا تزال هي الوسيلة الأكثر صدقية لعكس آراء الجماهير وتحويلها لتلك الآراء لمن يعطونهم أصواتهم، والانتخابات العراقية تدخل تحت هذا التوصيف حتماً، إلا أن هنالك ملاحظات أحاطت بهذه الانتخابات سيكون من المنطقي الإحاطة بها وتدارسها للتوصل إلى استنتاجات صحيحة لهذه الممارسة الديمقراطية .

::/introtext::
::fulltext::

كانت الانتخابات ولا تزال هي الوسيلة الأكثر صدقية لعكس آراء الجماهير وتحويلها لتلك الآراء لمن يعطونهم أصواتهم، والانتخابات العراقية تدخل تحت هذا التوصيف حتماً، إلا أن هنالك ملاحظات أحاطت بهذه الانتخابات سيكون من المنطقي الإحاطة بها وتدارسها للتوصل إلى استنتاجات صحيحة لهذه الممارسة الديمقراطية ومنها:

1- إن هذه ليست المرة الأولى التي يقوم الشعب العراقي فيها بالإدلاء بأصواتهم فقد مر العراقيون بهذه الممارسة بصيغ وشعارات مختلفة منذ أدلوا بأصواتهم في أول برلمان عثماني ثم إلى أوائل القرن العشرين وحتى الانتخابات الأخيرة مروراً بالعهود الملكية والحقبة البعثية التي شهدت أربعة انتخابات واستفتاءين.

2- كانت السمة المميزة للانتخابات في العهد الملكي هي تدخل الحكومة ربما ايجابياً لتوجيه الانتخابات ونتائجها لصالح انتخاب مجلس متوازن متماش مع الأهداف الاستراتيجية للدولة (التحالف مع الغرب ومعاداتها للشيوعية) وخلال ذلك شجعت الحكومة بعض العناصر المثقفة والمتعلمة (من كافة الطوائف والأعراق) ممن يؤيدون أهدافها الاستراتيجية في الترشح والفوز وكانت حصة وجهاء المدن وشيوخ العشائر واضحة في البرلمانات الثقافية، وقد أثرت البرلمانات الملكية الحياة الدستورية العراقية، وقدمت آراء ومناقشات بناءة يمكن الرجوع إليها كما كان المرشحون يدخلون الانتخابات إما بأسمائهم أو تحت قوائم ضريبية.

3- أما السمة المميزة لبرلمان الحقبة البعثية (مرحلة حكم الرئيس صدام حسين ) فقد كانت كثافة المشاركين – بسبب إجراءات التعبئة التي مارسها نظام الحزب الواحد، إلا أن هذه الكثافة رافقها عزوف جماهيري عن الإيمان بصدقية هذه الانتخابات، كما أن البرلمان الذي أفرزته هذه الانتخابات كان برلماناً منزوع الصدقية تابعاً للسلطة السياسية القائدة منفذاً لما تريده (وقضية الكويت والعلاقة مع إيران والعلاقة مع الأمم المتحدة أمثلة جيدة على ذلك) إذ كان البرلمان يوافق عند طلب الموافقة ويرفض عند طلب الرفض ومن قبل الأشخاص أنفسهم.

4- في الانتخابات الأخيرة نأت سلطة الاحتلال بنفسها عن التدخل، كما نأت سلطة الحكومة المؤقتة عن ذلك أيضاً، إلا أن تدخلات لسلطات بديلة تمثلت باللجوء للفتاوى الشرعية التي اقتربت من “تكفير” من لا يشارك فيها، واستمعنا لدعاوى خطباء مساجد وصلت إلى حد تحريم الجنة على من لا يشارك أو التصاعد بوجوبية المشاركة إلى حد وجوبية الفروض الشرعية ولأن هنالك من الخطباء من هدد بتحريم زواج من لا يشارك، ألقت هذه الحملة التي لبست الثوب الشرعي بظلالها على قناعات الكثيرين وفي مقدمتهم المؤمنون منهم بحيث أنتجت الحملة كثافة عالية في المشاركة في المناطق الشيعية، ومثل ذلك أسهمت الحملة القومية الكردية في حشد الناس للإدلاء بأصواتهم وبكثافة. بنفس الوقت شهدنا عزوفاً في الوسط السني عن الانتخابات بعد أن لم تلب مطالبهم بالتأهيل، وفي هذه الحالة لم تكن هنالك فتاوى بتحريم الانتخابات وإنما دعاوى بالمقاطعة وعدم الاشتراك، الأمر الذي أثمر عزوف 42.5% من الكتلة الانتخابية في العراق (حوالي 14 مليوناً) عن الانتخابات.

5- وظفت قائمة التحالف الشيعية الرئيسية فتاوى المرجعية لصالحها بتقديم نفسها للناس باعتبارها مؤيدة من قبل المرجعية (بل هي قائمتها) رغم عدم وجود ما يشير إلى ذلك صراحة، ولكن خطباء المساجد والحسينيات وظفوا هذه الحقيقة في أذهان الجماهير بحيث اكتسحت القائمة (169) المشهد الانتخابي (الشيعي) باعتبارها قائمة المرجعية، وكذلك الحال بالنسبة للقائمة الكردستانية (130) حيث حصدت مقاعد المنطقة الشمالية. وهنا ظهرت جدلية من نوع جديد وهي أن هذه الانتخابات كانت ديمقراطية توجه الناخبون فيها دون قوة عسكرية إلى صناديق الاقتراع، كما أن قوات الاحتلال وأجهزة الحكومة المؤقتة لم تتدخل فيها إلا أن قوة دفع أيديولوجية ذهنية ذات طابع شرعي من جهة وقومي كردي من جهة أخرى دفعت بالجماهير المؤمنة إلى صناديق الاقتراع.

6- رغم أن نتائج الانتخابات أفرزت ثلاث جهات فائزة هي على التوالي قائمة الائتلاف العراقي الموحد 169 (الشيعية) حيث فازت بـ 140 مقعداً والقائمة الكردستانية التي فازت بـ 75 مقعداً وبنسبة 26% من المقترعين والقائمة العراقية (إياد علاوي بـ 41 مقعداً، إلا أن أياً من الفائزين سيظل بحاجة للآخر لمؤازرته في حيازة أغلبية الثلثين المطلوبة لتسمية رئيس الوزراء وهذا ما خلق حالة مساومات بينية وتنازلات للحصول على هذه النسبة. وها قد مر على العراق أكثر من شهر ونصف الشهر ولم تشكل حكومة قائمة على قاعدة منتخبة إلى الآن.

7- رغم أن الانتخابات كانت شرعية بحكم إسهام حوالي 57% أو أكثر وأقل قليلاً من الكتلة الانتخابية البالغة 14 مليوناً تقريباً، إلا إن انتماء الـ 43% المتبقي إلى منطقة محددة ذات انتماء عربي سني في غالبه يلقي بظلاله على مشروعية الإجراءات التي ستتخذها الجمعية الوطنية وفي مقدمتها كتابة الدستور، ومن هنا انطلقت دعوات مشاركة الجميع في العملية السياسية وما يتمخض عنها.

8- لعل من مهام الحكومة الانتقالية التي ستنبثق عن الجمعية الوطنية المنتخبة البدء بمفاوضات الوضع النهائي لقوات الاحتلال، التي وضع قرار مجلس الأمن نهاية عام 2005 سقفاً لبقائها في العراق، وسيدخل كذلك في هذه المفاوضات شكل العلاقة مع الولايات المتحدة وهو أمر سيظل بالإمكان الطعن بمشروعيته ما يتمخص عنه واقعياً نتيجة عدم تمثيل مكانة أطياف المجتمع العراقي.

الآثار في إقليم الخليج العربي:

تلقي كل السمات المشار إليها أعلاه بظلالها على إقليم الخليج العربي من النواحي الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فقد سبقت الإشارة إلى الصلة الوثيقة بين العراق والخليج العربي سواء امتداداته العربية إلى الجنوب والجنوب الغربي أو جارته الشرقية إيران، وبإمكاننا إجمال هذه الآثار بجملة متغيرات تنبعث تأثيراتها من العراق لتؤثر بهذه المجتمعات تأثيرات سلبية وايجابية في آن واحد، كما أن العراق بدوره سيتأثر بمفرزات ومخرجات الحركات التي يصبح بها الإقليم:

1- في حالة نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في ترتيب أمر بقائها في العراق بمرتكزات استراتيجية على وفق معاهدة أمنية مكتملة الإجراءات الدستورية سيتحول العراق لكي يصبح الحيازة الاستراتيجية الأهم في المنطقة، وستتراجع الأهمية الاستراتيجية للحيازات الأخرى لصالح الحيازة الجديدة. وهو أمر سيفتح الباب للتراكم من أوهام النقد والإحباط التي تشعر بها دوائر المحافظين الجدد الممسكين بأطراف الإدارة الأمريكية حالياً، حيال الدول العربية الخليجية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وسترفع لافتات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان عالياً في هذا الشأن.

2- وبنفس المستوى سيوجه الضغط تجاه العراق الشرقي (إيران) من الدوائر نفسها في الولايات المتحدة تحت شعار منع الانتشار النووي وحقوق الإنسان ومنع التدخل في شؤون العراق الداخلية أيضاً.

3- سيكون التدخل في العملية التربوية في هذه الدول من أول أهداف هذه الحملة الدبلوماسية التي ستوجهها الولايات المتحدة تجاه دول الخليج العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية باعتبار أن العملية التربوية الحالية هي التي أنتجت الأصولية الإسلامية المتشددة التي كانت وفق الإدراك الأمريكي بذرة الإرهاب غير متناسين أن كل المشاركين في تنفيذ عملية الحادي عشر من أيلول 2001 تقريبا كانوا من العرب الذين ينتمون إلى هذه المنطقة، وكذلك المنفذين لعملية الهجوم على المدمرة الأمريكية كول في عدن.

4- سيكون أمام دول الخليج العربية إما المبادرة هي لتعميم التجربة الديمقراطية في بدائلها أو قبول الضغوط الأمريكية التي ستوجه إليها لتنفيذ ذلك وتحمل نتائج هذه الضغوط، وعلى طول الخط سيكون النموذج العراقي بكافة أبعاده هو المثل الذي سيتم الإشارة إليه.

5- ستدفع الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء بنية أمنية جديدة نواتها العراق ومجالها ومداها إقليم الشرق الأوسط الكبير وستكون دول الخليج العربية مكونات في هذه البيئة الأمنية الجديدة بانتظار ما سيحسم فيه الوضع في إيران.

6- تتعرض إيران كما سبق الإشارة أليه إلى ضغوط مزدوجة بسبب الوجود الأمريكي في العراق وأفغانستان، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا الوجود المكثف سيحرج الأحزاب الدينية العراقية ذات العلاقة الوطيدة مع إيران خصوصاً عندما سيحل موعد التفاهم على مدى ونوعية وقانونية الوجود العسكري في العراق وانعكاس ذلك وتأثيره في إيران، وبنفس الوقت يمكن الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد استغلت وجودها في العراق وكذلك أفغانستان بإرسال طلعات استطلاع جوية على أهداف استراتيجية إيرانية.

7- يصاحب ترصين مواقع الأحزاب الدينية الشيعية في العراق وتسرب النفوذ الإيراني إليه تحسب من دول الخليج العربية لاحتمال انتقال هذا التأثير والنفوذ إليها عبر العناصر المسيسة للأقليات الشيعية الموجودة فيها وبالأخص في كل من الكويت والسعودية إضافة إلى الوجود الشيعي ذي المغزى في البحرين. ونشعر بأن تحدياً جدياً يواجه كلاً من الأحزاب الدينية الفائزة في الانتخابات في العراق والأقليات الشيعية في دول الخليج بالاختيار بين انتمائها الوطني وانحيازها الطائفي.

وختاماً من كل ما تقدم يتبين لنا أن أثرا لا يمكن إنكاره نتج عن مستجدات الوضع العراقي الذي يعاني من الاحتلال والإرهاب واختلال الأمن، وأن كل ذلك سينعكس على كل جوار إقليمي للعراق، لكن تأثيره في إقليم الخليج العربي لا يمكن نكرانه، ومع أن كل مدخلات العملية السياسية هي متغيرات خاضعة لقانون التحدي والاستجابة، إلا أن تغليب روح المواطنة والانتماء للوطن هو الذي سيقلل إلى حد كبير من سلبيات التغير، ويعزز إيجابياته بشكل كبير فلننتظر ما سيحدث.

 

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2427::/cck::
::introtext::

كانت الانتخابات ولا تزال هي الوسيلة الأكثر صدقية لعكس آراء الجماهير وتحويلها لتلك الآراء لمن يعطونهم أصواتهم، والانتخابات العراقية تدخل تحت هذا التوصيف حتماً، إلا أن هنالك ملاحظات أحاطت بهذه الانتخابات سيكون من المنطقي الإحاطة بها وتدارسها للتوصل إلى استنتاجات صحيحة لهذه الممارسة الديمقراطية .

::/introtext::
::fulltext::

كانت الانتخابات ولا تزال هي الوسيلة الأكثر صدقية لعكس آراء الجماهير وتحويلها لتلك الآراء لمن يعطونهم أصواتهم، والانتخابات العراقية تدخل تحت هذا التوصيف حتماً، إلا أن هنالك ملاحظات أحاطت بهذه الانتخابات سيكون من المنطقي الإحاطة بها وتدارسها للتوصل إلى استنتاجات صحيحة لهذه الممارسة الديمقراطية ومنها:

1- إن هذه ليست المرة الأولى التي يقوم الشعب العراقي فيها بالإدلاء بأصواتهم فقد مر العراقيون بهذه الممارسة بصيغ وشعارات مختلفة منذ أدلوا بأصواتهم في أول برلمان عثماني ثم إلى أوائل القرن العشرين وحتى الانتخابات الأخيرة مروراً بالعهود الملكية والحقبة البعثية التي شهدت أربعة انتخابات واستفتاءين.

2- كانت السمة المميزة للانتخابات في العهد الملكي هي تدخل الحكومة ربما ايجابياً لتوجيه الانتخابات ونتائجها لصالح انتخاب مجلس متوازن متماش مع الأهداف الاستراتيجية للدولة (التحالف مع الغرب ومعاداتها للشيوعية) وخلال ذلك شجعت الحكومة بعض العناصر المثقفة والمتعلمة (من كافة الطوائف والأعراق) ممن يؤيدون أهدافها الاستراتيجية في الترشح والفوز وكانت حصة وجهاء المدن وشيوخ العشائر واضحة في البرلمانات الثقافية، وقد أثرت البرلمانات الملكية الحياة الدستورية العراقية، وقدمت آراء ومناقشات بناءة يمكن الرجوع إليها كما كان المرشحون يدخلون الانتخابات إما بأسمائهم أو تحت قوائم ضريبية.

3- أما السمة المميزة لبرلمان الحقبة البعثية (مرحلة حكم الرئيس صدام حسين ) فقد كانت كثافة المشاركين – بسبب إجراءات التعبئة التي مارسها نظام الحزب الواحد، إلا أن هذه الكثافة رافقها عزوف جماهيري عن الإيمان بصدقية هذه الانتخابات، كما أن البرلمان الذي أفرزته هذه الانتخابات كان برلماناً منزوع الصدقية تابعاً للسلطة السياسية القائدة منفذاً لما تريده (وقضية الكويت والعلاقة مع إيران والعلاقة مع الأمم المتحدة أمثلة جيدة على ذلك) إذ كان البرلمان يوافق عند طلب الموافقة ويرفض عند طلب الرفض ومن قبل الأشخاص أنفسهم.

4- في الانتخابات الأخيرة نأت سلطة الاحتلال بنفسها عن التدخل، كما نأت سلطة الحكومة المؤقتة عن ذلك أيضاً، إلا أن تدخلات لسلطات بديلة تمثلت باللجوء للفتاوى الشرعية التي اقتربت من “تكفير” من لا يشارك فيها، واستمعنا لدعاوى خطباء مساجد وصلت إلى حد تحريم الجنة على من لا يشارك أو التصاعد بوجوبية المشاركة إلى حد وجوبية الفروض الشرعية ولأن هنالك من الخطباء من هدد بتحريم زواج من لا يشارك، ألقت هذه الحملة التي لبست الثوب الشرعي بظلالها على قناعات الكثيرين وفي مقدمتهم المؤمنون منهم بحيث أنتجت الحملة كثافة عالية في المشاركة في المناطق الشيعية، ومثل ذلك أسهمت الحملة القومية الكردية في حشد الناس للإدلاء بأصواتهم وبكثافة. بنفس الوقت شهدنا عزوفاً في الوسط السني عن الانتخابات بعد أن لم تلب مطالبهم بالتأهيل، وفي هذه الحالة لم تكن هنالك فتاوى بتحريم الانتخابات وإنما دعاوى بالمقاطعة وعدم الاشتراك، الأمر الذي أثمر عزوف 42.5% من الكتلة الانتخابية في العراق (حوالي 14 مليوناً) عن الانتخابات.

5- وظفت قائمة التحالف الشيعية الرئيسية فتاوى المرجعية لصالحها بتقديم نفسها للناس باعتبارها مؤيدة من قبل المرجعية (بل هي قائمتها) رغم عدم وجود ما يشير إلى ذلك صراحة، ولكن خطباء المساجد والحسينيات وظفوا هذه الحقيقة في أذهان الجماهير بحيث اكتسحت القائمة (169) المشهد الانتخابي (الشيعي) باعتبارها قائمة المرجعية، وكذلك الحال بالنسبة للقائمة الكردستانية (130) حيث حصدت مقاعد المنطقة الشمالية. وهنا ظهرت جدلية من نوع جديد وهي أن هذه الانتخابات كانت ديمقراطية توجه الناخبون فيها دون قوة عسكرية إلى صناديق الاقتراع، كما أن قوات الاحتلال وأجهزة الحكومة المؤقتة لم تتدخل فيها إلا أن قوة دفع أيديولوجية ذهنية ذات طابع شرعي من جهة وقومي كردي من جهة أخرى دفعت بالجماهير المؤمنة إلى صناديق الاقتراع.

6- رغم أن نتائج الانتخابات أفرزت ثلاث جهات فائزة هي على التوالي قائمة الائتلاف العراقي الموحد 169 (الشيعية) حيث فازت بـ 140 مقعداً والقائمة الكردستانية التي فازت بـ 75 مقعداً وبنسبة 26% من المقترعين والقائمة العراقية (إياد علاوي بـ 41 مقعداً، إلا أن أياً من الفائزين سيظل بحاجة للآخر لمؤازرته في حيازة أغلبية الثلثين المطلوبة لتسمية رئيس الوزراء وهذا ما خلق حالة مساومات بينية وتنازلات للحصول على هذه النسبة. وها قد مر على العراق أكثر من شهر ونصف الشهر ولم تشكل حكومة قائمة على قاعدة منتخبة إلى الآن.

7- رغم أن الانتخابات كانت شرعية بحكم إسهام حوالي 57% أو أكثر وأقل قليلاً من الكتلة الانتخابية البالغة 14 مليوناً تقريباً، إلا إن انتماء الـ 43% المتبقي إلى منطقة محددة ذات انتماء عربي سني في غالبه يلقي بظلاله على مشروعية الإجراءات التي ستتخذها الجمعية الوطنية وفي مقدمتها كتابة الدستور، ومن هنا انطلقت دعوات مشاركة الجميع في العملية السياسية وما يتمخض عنها.

8- لعل من مهام الحكومة الانتقالية التي ستنبثق عن الجمعية الوطنية المنتخبة البدء بمفاوضات الوضع النهائي لقوات الاحتلال، التي وضع قرار مجلس الأمن نهاية عام 2005 سقفاً لبقائها في العراق، وسيدخل كذلك في هذه المفاوضات شكل العلاقة مع الولايات المتحدة وهو أمر سيظل بالإمكان الطعن بمشروعيته ما يتمخص عنه واقعياً نتيجة عدم تمثيل مكانة أطياف المجتمع العراقي.

الآثار في إقليم الخليج العربي:

تلقي كل السمات المشار إليها أعلاه بظلالها على إقليم الخليج العربي من النواحي الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فقد سبقت الإشارة إلى الصلة الوثيقة بين العراق والخليج العربي سواء امتداداته العربية إلى الجنوب والجنوب الغربي أو جارته الشرقية إيران، وبإمكاننا إجمال هذه الآثار بجملة متغيرات تنبعث تأثيراتها من العراق لتؤثر بهذه المجتمعات تأثيرات سلبية وايجابية في آن واحد، كما أن العراق بدوره سيتأثر بمفرزات ومخرجات الحركات التي يصبح بها الإقليم:

1- في حالة نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في ترتيب أمر بقائها في العراق بمرتكزات استراتيجية على وفق معاهدة أمنية مكتملة الإجراءات الدستورية سيتحول العراق لكي يصبح الحيازة الاستراتيجية الأهم في المنطقة، وستتراجع الأهمية الاستراتيجية للحيازات الأخرى لصالح الحيازة الجديدة. وهو أمر سيفتح الباب للتراكم من أوهام النقد والإحباط التي تشعر بها دوائر المحافظين الجدد الممسكين بأطراف الإدارة الأمريكية حالياً، حيال الدول العربية الخليجية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وسترفع لافتات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان عالياً في هذا الشأن.

2- وبنفس المستوى سيوجه الضغط تجاه العراق الشرقي (إيران) من الدوائر نفسها في الولايات المتحدة تحت شعار منع الانتشار النووي وحقوق الإنسان ومنع التدخل في شؤون العراق الداخلية أيضاً.

3- سيكون التدخل في العملية التربوية في هذه الدول من أول أهداف هذه الحملة الدبلوماسية التي ستوجهها الولايات المتحدة تجاه دول الخليج العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية باعتبار أن العملية التربوية الحالية هي التي أنتجت الأصولية الإسلامية المتشددة التي كانت وفق الإدراك الأمريكي بذرة الإرهاب غير متناسين أن كل المشاركين في تنفيذ عملية الحادي عشر من أيلول 2001 تقريبا كانوا من العرب الذين ينتمون إلى هذه المنطقة، وكذلك المنفذين لعملية الهجوم على المدمرة الأمريكية كول في عدن.

4- سيكون أمام دول الخليج العربية إما المبادرة هي لتعميم التجربة الديمقراطية في بدائلها أو قبول الضغوط الأمريكية التي ستوجه إليها لتنفيذ ذلك وتحمل نتائج هذه الضغوط، وعلى طول الخط سيكون النموذج العراقي بكافة أبعاده هو المثل الذي سيتم الإشارة إليه.

5- ستدفع الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء بنية أمنية جديدة نواتها العراق ومجالها ومداها إقليم الشرق الأوسط الكبير وستكون دول الخليج العربية مكونات في هذه البيئة الأمنية الجديدة بانتظار ما سيحسم فيه الوضع في إيران.

6- تتعرض إيران كما سبق الإشارة أليه إلى ضغوط مزدوجة بسبب الوجود الأمريكي في العراق وأفغانستان، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا الوجود المكثف سيحرج الأحزاب الدينية العراقية ذات العلاقة الوطيدة مع إيران خصوصاً عندما سيحل موعد التفاهم على مدى ونوعية وقانونية الوجود العسكري في العراق وانعكاس ذلك وتأثيره في إيران، وبنفس الوقت يمكن الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد استغلت وجودها في العراق وكذلك أفغانستان بإرسال طلعات استطلاع جوية على أهداف استراتيجية إيرانية.

7- يصاحب ترصين مواقع الأحزاب الدينية الشيعية في العراق وتسرب النفوذ الإيراني إليه تحسب من دول الخليج العربية لاحتمال انتقال هذا التأثير والنفوذ إليها عبر العناصر المسيسة للأقليات الشيعية الموجودة فيها وبالأخص في كل من الكويت والسعودية إضافة إلى الوجود الشيعي ذي المغزى في البحرين. ونشعر بأن تحدياً جدياً يواجه كلاً من الأحزاب الدينية الفائزة في الانتخابات في العراق والأقليات الشيعية في دول الخليج بالاختيار بين انتمائها الوطني وانحيازها الطائفي.

وختاماً من كل ما تقدم يتبين لنا أن أثرا لا يمكن إنكاره نتج عن مستجدات الوضع العراقي الذي يعاني من الاحتلال والإرهاب واختلال الأمن، وأن كل ذلك سينعكس على كل جوار إقليمي للعراق، لكن تأثيره في إقليم الخليج العربي لا يمكن نكرانه، ومع أن كل مدخلات العملية السياسية هي متغيرات خاضعة لقانون التحدي والاستجابة، إلا أن تغليب روح المواطنة والانتماء للوطن هو الذي سيقلل إلى حد كبير من سلبيات التغير، ويعزز إيجابياته بشكل كبير فلننتظر ما سيحدث.

 

 

::/fulltext::
::cck::2427::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *