“أوبك” وأسعار النفط: ضرورة إصلاح أسواق النفط العالمية
::cck::2463::/cck::
::introtext::
عقد رؤساء الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) مؤتمر قمتهم الثالث في العاصمة السعودية الرياض في السابع عشر من نوفمبر الماضي، في وقت اقتربت فيه أسعار النفط من عتبة المائة دولار أمريكي للبرميل الواحد، وهو السعر الذي ينظر إليه على أنه حاجز نفسي مهم يجب عدم تجاوزه. وكما هو متوقع كانت القمة سياسية بالدرجة الأولى- وليست فنية– وهو ما أضعف احتمالات اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بالأسعار أو معدلات الإنتاج .
::/introtext::
::fulltext::
عقد رؤساء الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) مؤتمر قمتهم الثالث في العاصمة السعودية الرياض في السابع عشر من نوفمبر الماضي، في وقت اقتربت فيه أسعار النفط من عتبة المائة دولار أمريكي للبرميل الواحد، وهو السعر الذي ينظر إليه على أنه حاجز نفسي مهم يجب عدم تجاوزه. وكما هو متوقع كانت القمة سياسية بالدرجة الأولى- وليست فنية– وهو ما أضعف احتمالات اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بالأسعار أو معدلات الإنتاج .
كما هو متوقع أيضاً لم يتفق رؤساء دول (أوبك) على مستوى الأسعار المرغوب. ففي حين اعتبرت المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة أن مستوى الأسعار الحالي عال جداً، كانت الدول الأعضاء الأخرى ذات الاحتياطيات النفطية الأقل سعيدة جداً بالظروف الحالية. ومهما يكن، فقد كان يتوجب على كل الدول الأعضاء في (أوبك) أن تكون حذرة من تقلب الأسعار وعدم ثباتها، لأن ذلك يشكل تهديداً لوضع سياسات عقلانية ومقبولة لدى الجميع سواء بالنسبة للدول المنتجة أو المستهلكة أو بالنسبة لشركات النفط. فقد كان سعر برميل النفط 50 دولاراً في شهر يناير من العام الحالي، وقد تضاعف الآن ليقترب من عتبة الـ 100 دولار، أي بنسبة زيادة تصل إلى 100 في المائة خلال 10 شهور فقط. وينطوي هذا على اضطراب كبير في الأسعار – فإمكانية تغيير مسار الاتجاه الحالي واردة جداً، فقد تنهار الأسعار لتهبط إلى 60 أو 70 دولاراً للبرميل الواحد، لكن الارتفاع قد يتواصل أيضاً ليتخطى عتبة الـ 100 دولار- ونحن لا نعرف حقاً ما قد يحصل. وفي كل الأحوال، فإنه من غير المعقول ألا يؤدي ارتفاع الأسعار المتواصل إلى إلحاق أي أذى بالاقتصاد العالمي، والأهم من كل ذلك، أن يكون من مصلحة مصدري النفط الرئيسيين على المدى البعيد.
ويبين الشكل رقم (1) منحنى أسعار النفط في السوق الفورية طبقاً لمؤشر خام غرب تكساس خلال الفترة من نوفمبر 2006 إلى نوفمبر 2007 (بالدولار الأمريكي للبرميل الواحد).

وهذا الوضع بالكاد يعد مثالياً بنظر أي شخص. ولهذا لا بد أن نتساءل: ما هو سبب ارتفاع أسعار النفط إلى هذه المستويات القياسية؟
هناك ثلاثة تفسيرات رئيسية لهذه الظاهرة، وهي تستند على التوالي إلى الاعتبارات الجيو- سياسية، وإلى أساسيات السوق وتحليلات الأسواق المالية.
التهديدات الجيو- سياسية
يجري الحديث كثيراً عن التطورات الجيو- سياسية في سياق توضيح أسباب ارتفاع أسعار النفط إلى هذه المستويات القياسية، فالأخبار التي تثير القلق والمخاوف كثيرة بالتأكيد، فتارة نسمع أن تركيا تهدد بإرسال قواتها إلى داخل الحدود العراقية، وتارة أخرى نسمع أن الرئيس الأمريكي يثير هاجس نشوب حرب عالمية ثالثة، ونسمع تارة ثالثة أنه تم فرض الأحكام العرفية في باكستان، وأن الطلاب في فنزويلا يثورون ضد الرئيس هوغو تشافيز. غير أن هذه المبررات، في الحقيقة، غير مقنعة أبداً لأن التطورات الجيو- سياسية الخطيرة تتكرر دوماً، فقد تكرر حدوثها قبل سنة واحدة بالضبط مثلما نراها تتكرر الآن، ورغم ذلك، كانت أسعار النفط أقل مما هي عليه الآن بكثير. وبالكاد يأتي يوم لا نسمع فيه خبراً يمكن أن نسوقه في إطار تبرير الزيادة التي تطرأ على أسعار النفط، لكن السبب الحقيقي يظل مجهولاً. إلا أن بعض الأحداث – كهجوم أمريكي أو إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية – قد يكون لها في الحقيقة تأثير رئيسي في إمدادات النفط العالمية؛ لكن أحداثاً أخرى – كقيام تركيا بشن هجوم عسكري عبر حدودها ضد حزب العمال الكردستاني – قد لا يكون لها أي تأثير في إنتاج النفط وإمداداته على الإطلاق.
أساسيات السوق
تطورت أساسيات السوق على ما يبدو في اتجاه دعم أو على الأقل تبرير الزيادة الكبيرة التي تطرأ على أسعار النفط. ونحن لا نملك دليلاً راسخاً على أن هناك نقصاً في إمدادات النفط، فنحن بالتأكيد لم نشهد أي نقص حقيقي إلى الآن (تشدد أوبك كثيراً على هذه النقطة، وتستغلها لتبرير إحجامها عن زيادة الحصة المخصصة لكل دولة عضو فيها)، لكن الطلب على النفط لا يزال بالتأكيد يشهد زيادة كبيرة في الوقت الذي تشهد فيه إمدادات النفط من الدول غير الأعضاء في أوبك نمواً مخيباً للآمال، عدا عن التراجع الملحوظ الذي شهده الاحتياطي العالمي من النفط، الذي انخفض من أكثر من 6 ملايين برميل يومياً في 2002، ليصل إلى حوالي مليوني برميل يومياً في الوقت الحاضر.
إن استمرار الطلب على النفط هو السمة الأكثر مفاجأة هنا، فالإمدادات من الدول غير الأعضاء في أوبك تزداد ببطء شديد مسجلة نوعاً من الاستقرار (أو الذروة البسيطة) منذ فترة طويلة. لكن الطلب، لم يكن كذلك، فقد كنا طوال السنوات الأربع الماضية نترقب على الأقل حدوث تبعات لارتفاع أسعار النفط كزيادة التضخم أو تباطؤ في نمو اقتصادات الدول الرئيسية المستوردة للنفط. لكن ذلك لم يحدث، فعلى ما يبدو أن الطلب على النفط لا يتأثر بالسعر، كما أن نمو الدخل لم يتأثر كثيراً إلى الآن. فما حصل هو أن الطلب أثبت وببساطة أنه لم يتأثر بأي مستوى وصل إليه سعر النفط في الأسواق، فنحن نتوقع دائماً أن يكون هناك رد فعل رئيسي على ارتفاع الأسعار، لكننا سرعان ما نكتشف أن نمو الطلب عادي جداً.
ومنذ عام 2005، فإن الزيادة على الطلب تحدث في الغالب في الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (الصين، الشرق الأوسط وبدرجة أقل في الهند والدول النامية الأخرى). وهناك دليل مبدئي على وجود تأثير لتقلبات أسعار النفط في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية؛ ومع ذلك فإنه لا توجد أدلة كثيرة على وجود مثل ذلك التأثير في الدول النامية.
وقد واصل الناتج المحلي الإجمالي نموه بمعدلات عالية خاصة في الصين والهند، بما يتناقض مع كل سيناريوهات المدى البعيد، التي تستند إلى فرضية أن معدلات النمو في الصين والهند سوف تتباطأ يوماً ما. ويركز آخر إصدار في 7 نوفمبر الماضي من تقرير (توقعات الطاقة العالمية) الذي تصدره وكالة الطاقة الدولية على تأثير الصين والهند في توازن الطاقة العالمية، حيث نقرأ فيه (إن السرعة المدهشة التي نما فيها الاقتصادان الصيني والهندي في السنوات القليلة الماضية، متجاوزين ما حصل في كل البلدان الرئيسية الأخرى، أدت إلى زيادة كبيرة في احتياجاتهما من موارد الطاقة، علماً أن جزءاً متزايداً منها يجب أن يستورد من الخارج). ومع ذلك، فإن الوكالة الدولية للطاقة لا يمكن أن تقتنع ببساطة بأن هذا النمو قد يستمر بالوتيرة نفسها ومن دون تغيير. كما جاء في التقرير (تستند توقعات كل من السيناريو الأصلي والبديل للسياسة المتبعة ما قد يعتبره البعض فرضيات متحفظة حول النمو الاقتصادي في هذين الاقتصادين العملاقين، فهي تتصور حدوث تباطؤ آخذ في التقدم وبشكل ملحوظ في معدل نمو الناتج خلال فترة التوقعات. وفي السيناريو البديل الذي يتصور حدوث معدل عال للنمو، ويفترض أن اقتصادات الصين والهند تنمو بمعدل أسرع بـ 1.5 في المائة سنوياً من السيناريو الأساسي (رغم أنه أبطأ بكثير من الأخير)، فإن الطلب على الطاقة سيكون أعلى بـ 21 في المائة في العام 2030 في الصين والهند مجتمعتين). ولم يتم التطرق في التقرير إلى أي سيناريو يتصور ببساطة استمرار النمو بنفس المعدلات الحالية.
ويبين (الشكل رقم 2) حصة كل من دول أوبك والدول غير الأعضاء فيها باحتياطيات النفط العالمية وفي الإنتاج العالمي.

ولا حاجة لنا للتأكيد على أن الدولتين (الهند والصين) حريصتان على عدم حدوث أي تباطؤ في معدلات النمو الاقتصادي فيهما، بل هما تبذلان كل ما في وسعهما لتفادي حدوثه. فالمخزون الوفير من اليد العاملة الفائضة فيهما يضمن استمرار النمو لفترة معينة قبل حدوث توترات جدية في مشكلات الأجور. كما أن تكامل اقتصاداتهما مع اقتصادات دول الخليج يضمن أن ارتفاع الدخل في الخليج يعني أن هناك طلباً متزايداً على الواردات من الهند والصين ومزيداً من الاستثمارات الخليجية فيهما، بما يضمن التعويض ولو جزئياً على الأقل عن الأثر الانكماشي لارتفاع أسعار الطاقة على معدلات الطلب الإجمالي في البلدين. ويظل الميزان التجاري في كل منهما، في كل الأحوال، في وضع جيد (ربما ينطبق ذلك أكثر على حالة الصين)، ولن تدفعهما أسعار النفط المرتفعة لكبح عجلة النمو فيهما لغرض الحفاظ على التوازن الخارجي.
وتتواصل مسيرة النمو في أماكن أخرى من العالم أيضاً. ففي الاتحاد الأوروبي سيؤدي دمج الدول الأعضاء الجديدة فيه إلى زيادة التأثيرات الإيجابية في معدلات النمو، رغم النظرة السلبية السائدة إلى تلك العملية. فأوروبا في وضع قوي يمكنها أيضاً من زيادة صادراتها إلى الخليج وإلى الدول المنتجة للنفط في إفريقيا الشمالية وإلى روسيا أيضاً، ما يؤدي إلى التعويض عن الأثر الفوري المتمثل في انخفاض قيمة العملات والناجم عن ارتفاع أسعار النفط على حجم الطلب الإجمالي. وهناك بلدان أخرى ذات اقتصادات صناعية ناشئة، مثل تركيا والبرازيل، في وضع قوي يمكنها أيضاً من مواصلة النمو، وتظل روسيا بالطبع أحد المستفيدين الرئيسيين من ارتفاع أسعار النفط والغاز في العالم.
لكن علامة الاستفهام الأكثر أهمية هي حول مستقبل الاقتصاد الأمريكي، وهذا بالتأكيد ليس مجرد زيادة في التفاصيل الفرعية. فقضية الديون المثقلة على كاهل العائلات الأمريكية، وكذلك أوضاع القطاعين الخاص والعام، بحاجة إلى عملية إصلاح طويلة ومؤلمة – وهي العملية التي كانت أزمة الرهن العقاري مجرد واحدة من المؤشرات المبكرة عليها، حيث كان ذلك الأمر معروفاً منذ وقت طويل، وكان ضعف قيمة الدولار أمراً متوقعاً. وهذا ما يحدث الآن فعلياً، ولكن بصورة فجائية وأكثر مما توقعه الكثيرون أو رغبوا فيه، ولكن هل سيؤدي هذا الوضع بالضرورة إلى (انهيار) الاقتصاد الأمريكي؟ بالتأكيد لا؛ فهناك إمكانية لإجراء تعديلات وإصلاحات فيه، وبالتحديد، في ما يتعلق بأساليب وعادات استهلاك الطاقة الأمريكية التي يجب أن تتغير، رغم أن تقلص مساهمة الولايات المتحدة في الطلب والاستهلاك العالميين أمر حتمي.
وهكذا، فإننا لا نستطيع إدراك الأسباب المقنعة لما نشهده من زيادة في أسعار النفط تؤدي إلى حدوث كساد عالمي، ما لم ترتكب أخطاء رئيسية في السياسات التي تتبعها السلطات المسؤولة عن المؤسسات النقدية الرئيسية. أما الجانب الآخر من هذه القضية فينطوي على احتمال استمرار الطلب القوي على النفط بغض النظر عن أسعاره العالية، بشكل (يقر) صحة مستويات الأسعار الجديدة، رغم أنه يوجب علينا منطقياً أن نفترض أن تكون نسبة الزيادة معتدلة. ولا يمكننا بالطبع توقع استمرار تضاعف الأسعار كل سنة – أو حتى سنة بعد سنة – هكذا ومن دون إلحاق أي ضرر.
فهل يمكننا، بعد كل هذه التحليلات، أن نستنتج أن أساسيات السوق تبرر مستويات الأسعار التي نشهدها حالياً؟ أنا شخصياً لا أعتقد ذلك، فبالطريقة نفسها التي تتكرر بها التوترات الجيو- سياسية على الدوام بما لا يبرر زيادة الأسعار بنسبة 100 في المائة خلال 10 شهور فقط، فإنه لا يبدو أن توازن الطلب والعرض قد تدهور إلى ذلك الحد الذي يبرر هذا التحول في الأسعار.
ونسمع حديثاً كثيراً عن تدني مستويات المخزون النفطي، لكن من المعروف أن فهمنا المحدود لهذا الموضوع لا يزال جزئياً وهذا أقل ما يمكن أن نصفه به. فالأهمية المفرطة التي أضيفت إلى هذا الجانب تعود إلى المعلومات المتعلقة بالمخزون الأمريكي (وفي موقع واحد تحديداً، كشينغ بولاية أوكلاهوما، كما لو أن هذا المكان بات مركز العالم) وذلك نظراً لنقص المعلومات المتعلقة ببقية المخزونات. فقد تدنى مخزون مصافي تكرير النفط الأمريكية منذ الصيف، ولكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك ناجماً عن ندرة النفط (أي أن شركات التكرير كانت ترغب في الاحتفاظ بالمزيد من النفط، لكنها لم تجد الكميات المعروضة المناسبة مما أجبرها على سحب كميات أكبر من مخزونها الذي تدنى بالتالي) أو عن الحسابات المالية. فما حصل في الحقيقة هو أن السوق انتقلت خلال فصل الصيف من وضعية تأجيل التسليم (التي تحدث عندما تكون أسعار النفط المستقبلية للشهور اللاحقة أعلى من الشهر المقبل) إلى وضعية التراجع (التي تحدث عندما تكون أسعار النفط المستقبلية للشهور اللاحقة أقل من الشهر المقبل). وتستفيد شركات التكرير من وضعية التأجيل في تكديس مخزونها الطبيعي من النفط، أما في وضعية التراجع، فإنها تدفع مقابلاً من أجل تخفض ذلك المخزون. وعليه فإن ما نشهده من تدنٍ في مخزون النفط قد يكون نتيجة لتغيير متعمد في السياسات التي تتبعها شركات التكرير.
ويبين لنا (الشكل رقم 3) منحنى الأسعار الأمامي طبقاً لمؤشر خام غرب تكساس الوسيط (بالدولار الأمريكي للبرميل الواحد)

المستثمرون الماليون
يقودنا هذا مباشرة إلى التفسير المحتمل الثالث، الذي يتعلق بأداء الأسواق المالية، حيث إن لب المشكلة هو أن سعر النفط لا يحدد في السوق الفورية، حيث يتم التداول بما يعرف بالبراميل (السائلة)؛ بل بالاستناد إلى الأسواق المستقبلية، حيث يتم التداول فقط بالبراميل (المسجلة على الورق). وتفتقر الأسواق الفورية إلى السيولة والشفافية، بالإضافة إلى عامل آخر- قد يكون الأكثر أهمية – وهو أن الأصناف الرئيسية من النفط لا تطرح للتداول، لأن مصدري النفط الرئيسيين لا يسمحون بتداول نفطهم والمتاجرة فيه. لكن ما نراه على النقيض من ذلك، هو أن هناك سيولة ضخمة في الأسواق المستقبلية، التي تستند إلى عمليات التبادل وتمتاز بدرجة أعلى من الشفافية، لكنها في النهاية لا تتعامل إلا بالبراميل المسجلة كبيانات على الورق. وتكمن خصوصية أسواق النفط العالمية في أن سعر السلعة المتداولة، أي النفط الخام، يثبت في السوق بالاستناد إلى صنف معين من الأصول المالية ألا وهو طلبيات النفط المستقبلية المتعاقد عليها. هذا التناقض وما يترتب عليه من نتائج سلبية كان قد شجبه قبل سنين عديدة روبرت مابرو (الذي ستكرمه قمة أوبك بمنحه جائزة خاصة)، لكن ما نراه هو أنه لا توجد هناك إجراءات ملموسة لمعالجته.
وتعد طلبيات النفط المستقبلية صنفاً خاصاً من الأصول المالية يتم ربطه بهذا الكم الهائل من الأسواق المالية، لأن المال يمكن أن يتدفق بسهولة من سوق إلى آخر. وتعمل أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة والتخوف من عودة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة على إعاقة الاستثمار في أسواق السندات والأصول الأخرى ذات الدخل الثابت؛ كما أن الحيرة بشأن النمو المستقبلي خاصة في الولايات المتحدة، تعوق الاستثمار أيضاً في أسواق الأسهم؛ ولهذا ركز المستثمرون على ما يبدو على السلع، ما أدى إلى رفع أسعار تشكيلة واسعة منها، وليس النفط فقط. يضاف إلى ذلك أن سوق الطلبيات المستقبلية – مثله مثل بقية الأسواق المالية – يتأثر بالتجارة التقنية والأشكال الأخرى من المضاربة، التي تميل إلى الاستفادة من تقلبات الأسعار وعدم ثباتها، وتعمل في الوقت نفسه على رفعها. وهكذا فإنه من المحتمل أن تؤدي تعاملات سوق الطلبيات المستقبلية إلى رفع الأسعار لتتجاوز مستويات (التوازن).
وعندما تصبح الأسواق المالية عادة في حالة تناقض خطير مع الحقائق الاقتصادية، فإن ما يحصل في النهاية هو انعكاس لكل التوقعات وإعادة تقييم للسلع لتصل إلى مستويات مستديمة. لكن الأمر مختلف بالنسبة للنفط، إذ قد يؤدي الطلب القوي عليه في المدى القريب إلى إقرار صحة أي مستوى من الأسعار شهدناه إلى الآن. ويبدو الأمر وكأن هناك توازناً بين الطلب والعرض عند سعر 50 دولاراً للبرميل الواحد، وحتى عند سعر 100 دولار للبرميل. وربما لا تجد بعض إمدادات النفط الثقيل والغني بالكبريت والقادم من منطقة الشرق الأوسط من يشتريها بهذه الأسعار العالية، لكن أي كمية من النفط (غير المباع) لا تظهر على الملأ، ولا تكون هناك حتى أي إشارة إلى تراجع السعر.
ونخلص إلى القول إن تقلب الأسعار وعدم ثباتها ضاران خاصة في ظل غياب آلية فعالة لتلطيف التقلبات والحث على عكس التوقعات. وسيشهد الطلب على المدى البعيد تباطؤاً، وستنعكس التوقعات، وستهبط الأسعار؛ لكن الكثير من الضرر الاقتصادي سيكون قد حصل حتى ذلك الحين.
أوروبا في وضع قوي يمكنها من زيادة صادراتها إلى الخليج وإلى الدول المنتجة للنفط في إفريقيا الشمالية
دور المنتجين الرئيسيين في إصلاح أسواق النفط
إذا كان المقصود هو البحث عن السبب الجوهري لما وصلت إليه الأوضاع الحالية في ضوء حقيقة أن سعر النفط يحدد بالاستناد إلى التعاملات المالية، وليس إلى التعامل بالأصول الحقيقية، فإن الخطوة المطلوبة من أوبك هي أن تعود من جديد لتقوم بدور الجهة المحددة للسعر، وهو ما يقوم به المنتجون الرئيسيون في أي سوق عادة. وما تقوم به أوبك حالياً هو أنها تحاول لعب دور محدد السعر، ولكن بشكل غير مباشر، من خلال ضبطها للكميات المعروضة في السوق. لكن هذه السياسة أتت أكلها في الماضي، وقد تواصل ذلك في المستقبل، ولكن بفاعلية أقل. فمجرد إعلان المملكة العربية السعودية عن نيتها مناقشة إقرار زيادة أخرى في إمدادات أوبك من النفط بنصف مليون برميل يومياً أدى ذلك إلى وقف ارتفاع الأسعار، وتسبب في هبوط سعر البرميل بدولارين. وربما يكون هذا بالطبع مجرد هدنة في خضم الحرب المشتعلة بين أوبك ومضاربي السوق المالية. ولو كانت لدى أوبك وفرة من فائض العرض، لكان تأثيرها في السوق أكبر بكثير، إلا أنه سيكون على المنتجين الرئيسيين في التحليل النهائي أن ينتقلوا للعب دور أكثر فاعلية. لكن هذا الكلام يجب ألا يفهم على أنه عودة إلى الأسعار المعلنة، فما لاحظناه هو أنه ليس من السهل أن تتفق دول أوبك على مستويات معينة للأسعار، وقد رأينا تبعات ذلك في أوائل الثمانينات من القرن الماضي.
ويجب الاستمرار في تحديد الأسعار بالاستناد إلى عوامل السوق، لكنها يجب أن تكون سوقاً للبراميل (السائلة)، وليس للبراميل (المسجلة على الورق). أو أن تكون على أقل تقدير سوقاً يحظى فيها الطلب والعرض على البراميل السائلة بأهمية أكبر مما لو كانت تلك البراميل المسجلة على الورق. ويتطلب تحقيق هذا الأمر أن يسمح بالتداول بإمدادات النفط الرئيسية، وأن يتم تنظيم التعاملات التجارية بمزيد من الكفاءة والشفافية.
ويقال كثيراً إنه لا يمكن المتاجرة بإمدادات النفط الخام الرئيسية، لأنه لا يوجد سوى مجرد بائع واحد. لكن هذا ليس صحيحاً بالتأكيد؛ فهناك كثير من الأسواق التي لا يكون فيها سوى بائع واحد لسلعة معينة، ويتم تحديد السعر فيها بإجراء مزاد على السلعة. ويمكننا، على سبيل المثال، أن نشبه سوق النفط بسوق السندات الحكومية، إذ إن هناك أوجه تشابه كثيرة بينهما.
وهناك طرق عدة لإجراء مزاد على سلعة معينة، لكن هذا الأمر يجب ألا يكون محط اهتمام رؤساء دول أوبك، فما عليهم سوى التعبير وبكل بساطة عن رغبتهم في طرح مزيد من إمداداتهم النفطية للتداول بها بهدف إضعاف تأثير المستثمرين والمضاربين الماليين في السوق. ويعد هذا الحل أفضل بكثير من الإعلان ببساطة عن زيادة الحصة المخصصة لكل دولة عضو في المنظمة، وهو إجراء قد يكون أو قد لا يكون ضرورياً، وقد يكون أو قد لا يكون فعالاً كأداة لإضعاف تأثير المضاربات.
ويجب أن يكون تعريف القيود الجديدة المفروضة على المتاجرة بالنفط الخام موضوع بحث من قبل جهات الاستشارات التقنية الواسعة، كما أنه يعد مجالاً للتعاون المحتمل بين الدول المصدرة والدول المستوردة للنفط. فمن مصلحة الجانبين أن يتم الحد من تقلبات الأسعار وعدم ثباتها وأن يجري العمل على تصميم سوق عالمية أفضل للنفط، حتى لو كان هناك، في التحليل النهائي، تضارب مصالح بينهما في ما يتعلق بمستويات الأسعار. ويجب أيضاً أن يكلف منتدى الطاقة الدولي، الذي يتخذ من الرياض مقراً له، بمهمة تنسيق الجهود الدولية الرامية إلى وضع قواعد لتجارة النفط تقوم على أسس أقوى وأكثر موثوقية.
ورغم احتمال وجود اختلاف في التفاصيل، فإن الاتجاه الذي يجب أن نسير فيه واضح ومفهوم بشكل جيد، إنه الاتجاه نفسه الذي سار فيه العقد الذي أبرمته بورصة دبي للطاقة مع سلطنة عمان الذي تم إطلاقه مؤخراً وهو تأسيس تداول عقود السوق المستقبلية المبنية على مؤشر أسعار مرتبط بالتسليم الفعلي. بمعنى آخر أن يتم التعامل ببراميل افتراضية (مسجلة على الورق) تتحول إلى براميل (سائلة) عند مهلة التسليم، وأن يتم شحنها على ظهر سفينة وتغذيتها لمصفاة نفط معينة ليتم تكريرها.
وبدأ عقد بورصة دبي للطاقة – عمان بانطلاقة جيدة، وكان تأثيره القوي واضحاً وعلى نطاق واسع حسب شهادة المراقبين المستقلين، لكنه ليس كافياً لإحداث إصلاحات في أسواق النفط العالمية، حيث إن المطلوب هو مجموعة من هذه العقود لأنواع عدة من النفط الخام المنتج في أماكن مختلفة، بما فيها البلدان الواقعة خارج منطقة الخليج (وخاصة الدول المنتجة المطلة على البحر الأبيض المتوسط وبحر قزوين). وكما هي الحال مع الأسهم العادية، فإنه يمكن تطوير تجارة الطلبيات المستقبلية ذات المدى البعيد بالاستناد إلى مؤشرات أنواع عدة من النفط الخام، وذلك لجذب السيولة التي لا يستطيع أن يجذبها كل نوع على حدة.
ومن الواضح أنه في تركيبة سوق مستندة إلى عقود تشبه عقد بورصة دبي للطاقة – عمان أو أشكالاً أخرى من المزادات، فإن المنتجين سيحتفظون بتأثير كبير جداً في تهدئة تصاعد الأسعار وفي الكميات المباعة أيضاً. فإذا استعملوا نفوذهم في السوق لتثبيت الأسعار عند مستوى معين، فإن هذا السيناريو سيفضي في النهاية إلى نظام الأسعار المعلنة ولكن تحت مسمى مختلف، لكن هذا الأمر ليس ضرورياً وقد لا يكون حكيماً.
ونخلص إلى القول إن المنتجين سيكونون في حال أفضل إذا ما سمحوا بإطلاق إشارات السعر من داخل أسواق التداول، وتفادي حدوث تقلبات كبيرة سواء كان صعوداً أو هبوطاً. وقد لا يتطلب هذا الأمر بالضرورة تدخلاً فعالاً ومتكرراً، لأن مجرد إدراك أن المنتجين قد يؤثرون في السوق سيحد من المضاربات المفرطة. وتكمن الخدعة في ابتكار تركيبة سوق تكون أكثر استقراراً حتى في غياب أي تدخلات خارجية. إنه أمر ممكن، وضرورة ملحة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2463::/cck::
::introtext::
عقد رؤساء الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) مؤتمر قمتهم الثالث في العاصمة السعودية الرياض في السابع عشر من نوفمبر الماضي، في وقت اقتربت فيه أسعار النفط من عتبة المائة دولار أمريكي للبرميل الواحد، وهو السعر الذي ينظر إليه على أنه حاجز نفسي مهم يجب عدم تجاوزه. وكما هو متوقع كانت القمة سياسية بالدرجة الأولى- وليست فنية– وهو ما أضعف احتمالات اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بالأسعار أو معدلات الإنتاج .
::/introtext::
::fulltext::
عقد رؤساء الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) مؤتمر قمتهم الثالث في العاصمة السعودية الرياض في السابع عشر من نوفمبر الماضي، في وقت اقتربت فيه أسعار النفط من عتبة المائة دولار أمريكي للبرميل الواحد، وهو السعر الذي ينظر إليه على أنه حاجز نفسي مهم يجب عدم تجاوزه. وكما هو متوقع كانت القمة سياسية بالدرجة الأولى- وليست فنية– وهو ما أضعف احتمالات اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بالأسعار أو معدلات الإنتاج .
كما هو متوقع أيضاً لم يتفق رؤساء دول (أوبك) على مستوى الأسعار المرغوب. ففي حين اعتبرت المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة أن مستوى الأسعار الحالي عال جداً، كانت الدول الأعضاء الأخرى ذات الاحتياطيات النفطية الأقل سعيدة جداً بالظروف الحالية. ومهما يكن، فقد كان يتوجب على كل الدول الأعضاء في (أوبك) أن تكون حذرة من تقلب الأسعار وعدم ثباتها، لأن ذلك يشكل تهديداً لوضع سياسات عقلانية ومقبولة لدى الجميع سواء بالنسبة للدول المنتجة أو المستهلكة أو بالنسبة لشركات النفط. فقد كان سعر برميل النفط 50 دولاراً في شهر يناير من العام الحالي، وقد تضاعف الآن ليقترب من عتبة الـ 100 دولار، أي بنسبة زيادة تصل إلى 100 في المائة خلال 10 شهور فقط. وينطوي هذا على اضطراب كبير في الأسعار – فإمكانية تغيير مسار الاتجاه الحالي واردة جداً، فقد تنهار الأسعار لتهبط إلى 60 أو 70 دولاراً للبرميل الواحد، لكن الارتفاع قد يتواصل أيضاً ليتخطى عتبة الـ 100 دولار- ونحن لا نعرف حقاً ما قد يحصل. وفي كل الأحوال، فإنه من غير المعقول ألا يؤدي ارتفاع الأسعار المتواصل إلى إلحاق أي أذى بالاقتصاد العالمي، والأهم من كل ذلك، أن يكون من مصلحة مصدري النفط الرئيسيين على المدى البعيد.
ويبين الشكل رقم (1) منحنى أسعار النفط في السوق الفورية طبقاً لمؤشر خام غرب تكساس خلال الفترة من نوفمبر 2006 إلى نوفمبر 2007 (بالدولار الأمريكي للبرميل الواحد).

وهذا الوضع بالكاد يعد مثالياً بنظر أي شخص. ولهذا لا بد أن نتساءل: ما هو سبب ارتفاع أسعار النفط إلى هذه المستويات القياسية؟
هناك ثلاثة تفسيرات رئيسية لهذه الظاهرة، وهي تستند على التوالي إلى الاعتبارات الجيو- سياسية، وإلى أساسيات السوق وتحليلات الأسواق المالية.
التهديدات الجيو- سياسية
يجري الحديث كثيراً عن التطورات الجيو- سياسية في سياق توضيح أسباب ارتفاع أسعار النفط إلى هذه المستويات القياسية، فالأخبار التي تثير القلق والمخاوف كثيرة بالتأكيد، فتارة نسمع أن تركيا تهدد بإرسال قواتها إلى داخل الحدود العراقية، وتارة أخرى نسمع أن الرئيس الأمريكي يثير هاجس نشوب حرب عالمية ثالثة، ونسمع تارة ثالثة أنه تم فرض الأحكام العرفية في باكستان، وأن الطلاب في فنزويلا يثورون ضد الرئيس هوغو تشافيز. غير أن هذه المبررات، في الحقيقة، غير مقنعة أبداً لأن التطورات الجيو- سياسية الخطيرة تتكرر دوماً، فقد تكرر حدوثها قبل سنة واحدة بالضبط مثلما نراها تتكرر الآن، ورغم ذلك، كانت أسعار النفط أقل مما هي عليه الآن بكثير. وبالكاد يأتي يوم لا نسمع فيه خبراً يمكن أن نسوقه في إطار تبرير الزيادة التي تطرأ على أسعار النفط، لكن السبب الحقيقي يظل مجهولاً. إلا أن بعض الأحداث – كهجوم أمريكي أو إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية – قد يكون لها في الحقيقة تأثير رئيسي في إمدادات النفط العالمية؛ لكن أحداثاً أخرى – كقيام تركيا بشن هجوم عسكري عبر حدودها ضد حزب العمال الكردستاني – قد لا يكون لها أي تأثير في إنتاج النفط وإمداداته على الإطلاق.
أساسيات السوق
تطورت أساسيات السوق على ما يبدو في اتجاه دعم أو على الأقل تبرير الزيادة الكبيرة التي تطرأ على أسعار النفط. ونحن لا نملك دليلاً راسخاً على أن هناك نقصاً في إمدادات النفط، فنحن بالتأكيد لم نشهد أي نقص حقيقي إلى الآن (تشدد أوبك كثيراً على هذه النقطة، وتستغلها لتبرير إحجامها عن زيادة الحصة المخصصة لكل دولة عضو فيها)، لكن الطلب على النفط لا يزال بالتأكيد يشهد زيادة كبيرة في الوقت الذي تشهد فيه إمدادات النفط من الدول غير الأعضاء في أوبك نمواً مخيباً للآمال، عدا عن التراجع الملحوظ الذي شهده الاحتياطي العالمي من النفط، الذي انخفض من أكثر من 6 ملايين برميل يومياً في 2002، ليصل إلى حوالي مليوني برميل يومياً في الوقت الحاضر.
إن استمرار الطلب على النفط هو السمة الأكثر مفاجأة هنا، فالإمدادات من الدول غير الأعضاء في أوبك تزداد ببطء شديد مسجلة نوعاً من الاستقرار (أو الذروة البسيطة) منذ فترة طويلة. لكن الطلب، لم يكن كذلك، فقد كنا طوال السنوات الأربع الماضية نترقب على الأقل حدوث تبعات لارتفاع أسعار النفط كزيادة التضخم أو تباطؤ في نمو اقتصادات الدول الرئيسية المستوردة للنفط. لكن ذلك لم يحدث، فعلى ما يبدو أن الطلب على النفط لا يتأثر بالسعر، كما أن نمو الدخل لم يتأثر كثيراً إلى الآن. فما حصل هو أن الطلب أثبت وببساطة أنه لم يتأثر بأي مستوى وصل إليه سعر النفط في الأسواق، فنحن نتوقع دائماً أن يكون هناك رد فعل رئيسي على ارتفاع الأسعار، لكننا سرعان ما نكتشف أن نمو الطلب عادي جداً.
ومنذ عام 2005، فإن الزيادة على الطلب تحدث في الغالب في الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (الصين، الشرق الأوسط وبدرجة أقل في الهند والدول النامية الأخرى). وهناك دليل مبدئي على وجود تأثير لتقلبات أسعار النفط في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية؛ ومع ذلك فإنه لا توجد أدلة كثيرة على وجود مثل ذلك التأثير في الدول النامية.
وقد واصل الناتج المحلي الإجمالي نموه بمعدلات عالية خاصة في الصين والهند، بما يتناقض مع كل سيناريوهات المدى البعيد، التي تستند إلى فرضية أن معدلات النمو في الصين والهند سوف تتباطأ يوماً ما. ويركز آخر إصدار في 7 نوفمبر الماضي من تقرير (توقعات الطاقة العالمية) الذي تصدره وكالة الطاقة الدولية على تأثير الصين والهند في توازن الطاقة العالمية، حيث نقرأ فيه (إن السرعة المدهشة التي نما فيها الاقتصادان الصيني والهندي في السنوات القليلة الماضية، متجاوزين ما حصل في كل البلدان الرئيسية الأخرى، أدت إلى زيادة كبيرة في احتياجاتهما من موارد الطاقة، علماً أن جزءاً متزايداً منها يجب أن يستورد من الخارج). ومع ذلك، فإن الوكالة الدولية للطاقة لا يمكن أن تقتنع ببساطة بأن هذا النمو قد يستمر بالوتيرة نفسها ومن دون تغيير. كما جاء في التقرير (تستند توقعات كل من السيناريو الأصلي والبديل للسياسة المتبعة ما قد يعتبره البعض فرضيات متحفظة حول النمو الاقتصادي في هذين الاقتصادين العملاقين، فهي تتصور حدوث تباطؤ آخذ في التقدم وبشكل ملحوظ في معدل نمو الناتج خلال فترة التوقعات. وفي السيناريو البديل الذي يتصور حدوث معدل عال للنمو، ويفترض أن اقتصادات الصين والهند تنمو بمعدل أسرع بـ 1.5 في المائة سنوياً من السيناريو الأساسي (رغم أنه أبطأ بكثير من الأخير)، فإن الطلب على الطاقة سيكون أعلى بـ 21 في المائة في العام 2030 في الصين والهند مجتمعتين). ولم يتم التطرق في التقرير إلى أي سيناريو يتصور ببساطة استمرار النمو بنفس المعدلات الحالية.
ويبين (الشكل رقم 2) حصة كل من دول أوبك والدول غير الأعضاء فيها باحتياطيات النفط العالمية وفي الإنتاج العالمي.

ولا حاجة لنا للتأكيد على أن الدولتين (الهند والصين) حريصتان على عدم حدوث أي تباطؤ في معدلات النمو الاقتصادي فيهما، بل هما تبذلان كل ما في وسعهما لتفادي حدوثه. فالمخزون الوفير من اليد العاملة الفائضة فيهما يضمن استمرار النمو لفترة معينة قبل حدوث توترات جدية في مشكلات الأجور. كما أن تكامل اقتصاداتهما مع اقتصادات دول الخليج يضمن أن ارتفاع الدخل في الخليج يعني أن هناك طلباً متزايداً على الواردات من الهند والصين ومزيداً من الاستثمارات الخليجية فيهما، بما يضمن التعويض ولو جزئياً على الأقل عن الأثر الانكماشي لارتفاع أسعار الطاقة على معدلات الطلب الإجمالي في البلدين. ويظل الميزان التجاري في كل منهما، في كل الأحوال، في وضع جيد (ربما ينطبق ذلك أكثر على حالة الصين)، ولن تدفعهما أسعار النفط المرتفعة لكبح عجلة النمو فيهما لغرض الحفاظ على التوازن الخارجي.
وتتواصل مسيرة النمو في أماكن أخرى من العالم أيضاً. ففي الاتحاد الأوروبي سيؤدي دمج الدول الأعضاء الجديدة فيه إلى زيادة التأثيرات الإيجابية في معدلات النمو، رغم النظرة السلبية السائدة إلى تلك العملية. فأوروبا في وضع قوي يمكنها أيضاً من زيادة صادراتها إلى الخليج وإلى الدول المنتجة للنفط في إفريقيا الشمالية وإلى روسيا أيضاً، ما يؤدي إلى التعويض عن الأثر الفوري المتمثل في انخفاض قيمة العملات والناجم عن ارتفاع أسعار النفط على حجم الطلب الإجمالي. وهناك بلدان أخرى ذات اقتصادات صناعية ناشئة، مثل تركيا والبرازيل، في وضع قوي يمكنها أيضاً من مواصلة النمو، وتظل روسيا بالطبع أحد المستفيدين الرئيسيين من ارتفاع أسعار النفط والغاز في العالم.
لكن علامة الاستفهام الأكثر أهمية هي حول مستقبل الاقتصاد الأمريكي، وهذا بالتأكيد ليس مجرد زيادة في التفاصيل الفرعية. فقضية الديون المثقلة على كاهل العائلات الأمريكية، وكذلك أوضاع القطاعين الخاص والعام، بحاجة إلى عملية إصلاح طويلة ومؤلمة – وهي العملية التي كانت أزمة الرهن العقاري مجرد واحدة من المؤشرات المبكرة عليها، حيث كان ذلك الأمر معروفاً منذ وقت طويل، وكان ضعف قيمة الدولار أمراً متوقعاً. وهذا ما يحدث الآن فعلياً، ولكن بصورة فجائية وأكثر مما توقعه الكثيرون أو رغبوا فيه، ولكن هل سيؤدي هذا الوضع بالضرورة إلى (انهيار) الاقتصاد الأمريكي؟ بالتأكيد لا؛ فهناك إمكانية لإجراء تعديلات وإصلاحات فيه، وبالتحديد، في ما يتعلق بأساليب وعادات استهلاك الطاقة الأمريكية التي يجب أن تتغير، رغم أن تقلص مساهمة الولايات المتحدة في الطلب والاستهلاك العالميين أمر حتمي.
وهكذا، فإننا لا نستطيع إدراك الأسباب المقنعة لما نشهده من زيادة في أسعار النفط تؤدي إلى حدوث كساد عالمي، ما لم ترتكب أخطاء رئيسية في السياسات التي تتبعها السلطات المسؤولة عن المؤسسات النقدية الرئيسية. أما الجانب الآخر من هذه القضية فينطوي على احتمال استمرار الطلب القوي على النفط بغض النظر عن أسعاره العالية، بشكل (يقر) صحة مستويات الأسعار الجديدة، رغم أنه يوجب علينا منطقياً أن نفترض أن تكون نسبة الزيادة معتدلة. ولا يمكننا بالطبع توقع استمرار تضاعف الأسعار كل سنة – أو حتى سنة بعد سنة – هكذا ومن دون إلحاق أي ضرر.
فهل يمكننا، بعد كل هذه التحليلات، أن نستنتج أن أساسيات السوق تبرر مستويات الأسعار التي نشهدها حالياً؟ أنا شخصياً لا أعتقد ذلك، فبالطريقة نفسها التي تتكرر بها التوترات الجيو- سياسية على الدوام بما لا يبرر زيادة الأسعار بنسبة 100 في المائة خلال 10 شهور فقط، فإنه لا يبدو أن توازن الطلب والعرض قد تدهور إلى ذلك الحد الذي يبرر هذا التحول في الأسعار.
ونسمع حديثاً كثيراً عن تدني مستويات المخزون النفطي، لكن من المعروف أن فهمنا المحدود لهذا الموضوع لا يزال جزئياً وهذا أقل ما يمكن أن نصفه به. فالأهمية المفرطة التي أضيفت إلى هذا الجانب تعود إلى المعلومات المتعلقة بالمخزون الأمريكي (وفي موقع واحد تحديداً، كشينغ بولاية أوكلاهوما، كما لو أن هذا المكان بات مركز العالم) وذلك نظراً لنقص المعلومات المتعلقة ببقية المخزونات. فقد تدنى مخزون مصافي تكرير النفط الأمريكية منذ الصيف، ولكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك ناجماً عن ندرة النفط (أي أن شركات التكرير كانت ترغب في الاحتفاظ بالمزيد من النفط، لكنها لم تجد الكميات المعروضة المناسبة مما أجبرها على سحب كميات أكبر من مخزونها الذي تدنى بالتالي) أو عن الحسابات المالية. فما حصل في الحقيقة هو أن السوق انتقلت خلال فصل الصيف من وضعية تأجيل التسليم (التي تحدث عندما تكون أسعار النفط المستقبلية للشهور اللاحقة أعلى من الشهر المقبل) إلى وضعية التراجع (التي تحدث عندما تكون أسعار النفط المستقبلية للشهور اللاحقة أقل من الشهر المقبل). وتستفيد شركات التكرير من وضعية التأجيل في تكديس مخزونها الطبيعي من النفط، أما في وضعية التراجع، فإنها تدفع مقابلاً من أجل تخفض ذلك المخزون. وعليه فإن ما نشهده من تدنٍ في مخزون النفط قد يكون نتيجة لتغيير متعمد في السياسات التي تتبعها شركات التكرير.
ويبين لنا (الشكل رقم 3) منحنى الأسعار الأمامي طبقاً لمؤشر خام غرب تكساس الوسيط (بالدولار الأمريكي للبرميل الواحد)

المستثمرون الماليون
يقودنا هذا مباشرة إلى التفسير المحتمل الثالث، الذي يتعلق بأداء الأسواق المالية، حيث إن لب المشكلة هو أن سعر النفط لا يحدد في السوق الفورية، حيث يتم التداول بما يعرف بالبراميل (السائلة)؛ بل بالاستناد إلى الأسواق المستقبلية، حيث يتم التداول فقط بالبراميل (المسجلة على الورق). وتفتقر الأسواق الفورية إلى السيولة والشفافية، بالإضافة إلى عامل آخر- قد يكون الأكثر أهمية – وهو أن الأصناف الرئيسية من النفط لا تطرح للتداول، لأن مصدري النفط الرئيسيين لا يسمحون بتداول نفطهم والمتاجرة فيه. لكن ما نراه على النقيض من ذلك، هو أن هناك سيولة ضخمة في الأسواق المستقبلية، التي تستند إلى عمليات التبادل وتمتاز بدرجة أعلى من الشفافية، لكنها في النهاية لا تتعامل إلا بالبراميل المسجلة كبيانات على الورق. وتكمن خصوصية أسواق النفط العالمية في أن سعر السلعة المتداولة، أي النفط الخام، يثبت في السوق بالاستناد إلى صنف معين من الأصول المالية ألا وهو طلبيات النفط المستقبلية المتعاقد عليها. هذا التناقض وما يترتب عليه من نتائج سلبية كان قد شجبه قبل سنين عديدة روبرت مابرو (الذي ستكرمه قمة أوبك بمنحه جائزة خاصة)، لكن ما نراه هو أنه لا توجد هناك إجراءات ملموسة لمعالجته.
وتعد طلبيات النفط المستقبلية صنفاً خاصاً من الأصول المالية يتم ربطه بهذا الكم الهائل من الأسواق المالية، لأن المال يمكن أن يتدفق بسهولة من سوق إلى آخر. وتعمل أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة والتخوف من عودة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة على إعاقة الاستثمار في أسواق السندات والأصول الأخرى ذات الدخل الثابت؛ كما أن الحيرة بشأن النمو المستقبلي خاصة في الولايات المتحدة، تعوق الاستثمار أيضاً في أسواق الأسهم؛ ولهذا ركز المستثمرون على ما يبدو على السلع، ما أدى إلى رفع أسعار تشكيلة واسعة منها، وليس النفط فقط. يضاف إلى ذلك أن سوق الطلبيات المستقبلية – مثله مثل بقية الأسواق المالية – يتأثر بالتجارة التقنية والأشكال الأخرى من المضاربة، التي تميل إلى الاستفادة من تقلبات الأسعار وعدم ثباتها، وتعمل في الوقت نفسه على رفعها. وهكذا فإنه من المحتمل أن تؤدي تعاملات سوق الطلبيات المستقبلية إلى رفع الأسعار لتتجاوز مستويات (التوازن).
وعندما تصبح الأسواق المالية عادة في حالة تناقض خطير مع الحقائق الاقتصادية، فإن ما يحصل في النهاية هو انعكاس لكل التوقعات وإعادة تقييم للسلع لتصل إلى مستويات مستديمة. لكن الأمر مختلف بالنسبة للنفط، إذ قد يؤدي الطلب القوي عليه في المدى القريب إلى إقرار صحة أي مستوى من الأسعار شهدناه إلى الآن. ويبدو الأمر وكأن هناك توازناً بين الطلب والعرض عند سعر 50 دولاراً للبرميل الواحد، وحتى عند سعر 100 دولار للبرميل. وربما لا تجد بعض إمدادات النفط الثقيل والغني بالكبريت والقادم من منطقة الشرق الأوسط من يشتريها بهذه الأسعار العالية، لكن أي كمية من النفط (غير المباع) لا تظهر على الملأ، ولا تكون هناك حتى أي إشارة إلى تراجع السعر.
ونخلص إلى القول إن تقلب الأسعار وعدم ثباتها ضاران خاصة في ظل غياب آلية فعالة لتلطيف التقلبات والحث على عكس التوقعات. وسيشهد الطلب على المدى البعيد تباطؤاً، وستنعكس التوقعات، وستهبط الأسعار؛ لكن الكثير من الضرر الاقتصادي سيكون قد حصل حتى ذلك الحين.
أوروبا في وضع قوي يمكنها من زيادة صادراتها إلى الخليج وإلى الدول المنتجة للنفط في إفريقيا الشمالية
دور المنتجين الرئيسيين في إصلاح أسواق النفط
إذا كان المقصود هو البحث عن السبب الجوهري لما وصلت إليه الأوضاع الحالية في ضوء حقيقة أن سعر النفط يحدد بالاستناد إلى التعاملات المالية، وليس إلى التعامل بالأصول الحقيقية، فإن الخطوة المطلوبة من أوبك هي أن تعود من جديد لتقوم بدور الجهة المحددة للسعر، وهو ما يقوم به المنتجون الرئيسيون في أي سوق عادة. وما تقوم به أوبك حالياً هو أنها تحاول لعب دور محدد السعر، ولكن بشكل غير مباشر، من خلال ضبطها للكميات المعروضة في السوق. لكن هذه السياسة أتت أكلها في الماضي، وقد تواصل ذلك في المستقبل، ولكن بفاعلية أقل. فمجرد إعلان المملكة العربية السعودية عن نيتها مناقشة إقرار زيادة أخرى في إمدادات أوبك من النفط بنصف مليون برميل يومياً أدى ذلك إلى وقف ارتفاع الأسعار، وتسبب في هبوط سعر البرميل بدولارين. وربما يكون هذا بالطبع مجرد هدنة في خضم الحرب المشتعلة بين أوبك ومضاربي السوق المالية. ولو كانت لدى أوبك وفرة من فائض العرض، لكان تأثيرها في السوق أكبر بكثير، إلا أنه سيكون على المنتجين الرئيسيين في التحليل النهائي أن ينتقلوا للعب دور أكثر فاعلية. لكن هذا الكلام يجب ألا يفهم على أنه عودة إلى الأسعار المعلنة، فما لاحظناه هو أنه ليس من السهل أن تتفق دول أوبك على مستويات معينة للأسعار، وقد رأينا تبعات ذلك في أوائل الثمانينات من القرن الماضي.
ويجب الاستمرار في تحديد الأسعار بالاستناد إلى عوامل السوق، لكنها يجب أن تكون سوقاً للبراميل (السائلة)، وليس للبراميل (المسجلة على الورق). أو أن تكون على أقل تقدير سوقاً يحظى فيها الطلب والعرض على البراميل السائلة بأهمية أكبر مما لو كانت تلك البراميل المسجلة على الورق. ويتطلب تحقيق هذا الأمر أن يسمح بالتداول بإمدادات النفط الرئيسية، وأن يتم تنظيم التعاملات التجارية بمزيد من الكفاءة والشفافية.
ويقال كثيراً إنه لا يمكن المتاجرة بإمدادات النفط الخام الرئيسية، لأنه لا يوجد سوى مجرد بائع واحد. لكن هذا ليس صحيحاً بالتأكيد؛ فهناك كثير من الأسواق التي لا يكون فيها سوى بائع واحد لسلعة معينة، ويتم تحديد السعر فيها بإجراء مزاد على السلعة. ويمكننا، على سبيل المثال، أن نشبه سوق النفط بسوق السندات الحكومية، إذ إن هناك أوجه تشابه كثيرة بينهما.
وهناك طرق عدة لإجراء مزاد على سلعة معينة، لكن هذا الأمر يجب ألا يكون محط اهتمام رؤساء دول أوبك، فما عليهم سوى التعبير وبكل بساطة عن رغبتهم في طرح مزيد من إمداداتهم النفطية للتداول بها بهدف إضعاف تأثير المستثمرين والمضاربين الماليين في السوق. ويعد هذا الحل أفضل بكثير من الإعلان ببساطة عن زيادة الحصة المخصصة لكل دولة عضو في المنظمة، وهو إجراء قد يكون أو قد لا يكون ضرورياً، وقد يكون أو قد لا يكون فعالاً كأداة لإضعاف تأثير المضاربات.
ويجب أن يكون تعريف القيود الجديدة المفروضة على المتاجرة بالنفط الخام موضوع بحث من قبل جهات الاستشارات التقنية الواسعة، كما أنه يعد مجالاً للتعاون المحتمل بين الدول المصدرة والدول المستوردة للنفط. فمن مصلحة الجانبين أن يتم الحد من تقلبات الأسعار وعدم ثباتها وأن يجري العمل على تصميم سوق عالمية أفضل للنفط، حتى لو كان هناك، في التحليل النهائي، تضارب مصالح بينهما في ما يتعلق بمستويات الأسعار. ويجب أيضاً أن يكلف منتدى الطاقة الدولي، الذي يتخذ من الرياض مقراً له، بمهمة تنسيق الجهود الدولية الرامية إلى وضع قواعد لتجارة النفط تقوم على أسس أقوى وأكثر موثوقية.
ورغم احتمال وجود اختلاف في التفاصيل، فإن الاتجاه الذي يجب أن نسير فيه واضح ومفهوم بشكل جيد، إنه الاتجاه نفسه الذي سار فيه العقد الذي أبرمته بورصة دبي للطاقة مع سلطنة عمان الذي تم إطلاقه مؤخراً وهو تأسيس تداول عقود السوق المستقبلية المبنية على مؤشر أسعار مرتبط بالتسليم الفعلي. بمعنى آخر أن يتم التعامل ببراميل افتراضية (مسجلة على الورق) تتحول إلى براميل (سائلة) عند مهلة التسليم، وأن يتم شحنها على ظهر سفينة وتغذيتها لمصفاة نفط معينة ليتم تكريرها.
وبدأ عقد بورصة دبي للطاقة – عمان بانطلاقة جيدة، وكان تأثيره القوي واضحاً وعلى نطاق واسع حسب شهادة المراقبين المستقلين، لكنه ليس كافياً لإحداث إصلاحات في أسواق النفط العالمية، حيث إن المطلوب هو مجموعة من هذه العقود لأنواع عدة من النفط الخام المنتج في أماكن مختلفة، بما فيها البلدان الواقعة خارج منطقة الخليج (وخاصة الدول المنتجة المطلة على البحر الأبيض المتوسط وبحر قزوين). وكما هي الحال مع الأسهم العادية، فإنه يمكن تطوير تجارة الطلبيات المستقبلية ذات المدى البعيد بالاستناد إلى مؤشرات أنواع عدة من النفط الخام، وذلك لجذب السيولة التي لا يستطيع أن يجذبها كل نوع على حدة.
ومن الواضح أنه في تركيبة سوق مستندة إلى عقود تشبه عقد بورصة دبي للطاقة – عمان أو أشكالاً أخرى من المزادات، فإن المنتجين سيحتفظون بتأثير كبير جداً في تهدئة تصاعد الأسعار وفي الكميات المباعة أيضاً. فإذا استعملوا نفوذهم في السوق لتثبيت الأسعار عند مستوى معين، فإن هذا السيناريو سيفضي في النهاية إلى نظام الأسعار المعلنة ولكن تحت مسمى مختلف، لكن هذا الأمر ليس ضرورياً وقد لا يكون حكيماً.
ونخلص إلى القول إن المنتجين سيكونون في حال أفضل إذا ما سمحوا بإطلاق إشارات السعر من داخل أسواق التداول، وتفادي حدوث تقلبات كبيرة سواء كان صعوداً أو هبوطاً. وقد لا يتطلب هذا الأمر بالضرورة تدخلاً فعالاً ومتكرراً، لأن مجرد إدراك أن المنتجين قد يؤثرون في السوق سيحد من المضاربات المفرطة. وتكمن الخدعة في ابتكار تركيبة سوق تكون أكثر استقراراً حتى في غياب أي تدخلات خارجية. إنه أمر ممكن، وضرورة ملحة.
::/fulltext::
::cck::2463::/cck::
