واقع التعليم في منطقة الجزيرة والخليج
::cck::2523::/cck::
::introtext::
حتى منتصف القرن العشرين كان تعليم القراءة والكتابة والعلوم الدينية ومبادئ الحساب هو التعليم السائد في المنطقة، ويكاد ينحصر في فئات وأسر معينة ويقام في الكتاتيب أو المساجد وقد ساهمت المؤسسات الوقفية في المحافظة على هذا النوع من التعليم حتى نهاية الأربعينات ومطلع الخمسينات حين بدأت المنطقة تتأثر بالدول العربية التي دخلتها مناهج تعليمية حديثة، وبُعث عدد من الشباب للتعلم في هذه الدول. كما بدأت دول الجزيرة والخليج تستقطب عددا من المدرسين من مصر والعراق وسوريا ولبنان. وفي ستينات القرن الماضي انفتح الباب على مصراعيه واستوردت المنطقة المناهج والمدرسين وتسابقت في بناء المدارس الحديثة ونشر التعليم وأصبح عدد المدارس والطلبة محل التفاخر والتباهي وكسب الشعبية.
::/introtext::
::fulltext::
حتى منتصف القرن العشرين كان تعليم القراءة والكتابة والعلوم الدينية ومبادئ الحساب هو التعليم السائد في المنطقة، ويكاد ينحصر في فئات وأسر معينة ويقام في الكتاتيب أو المساجد وقد ساهمت المؤسسات الوقفية في المحافظة على هذا النوع من التعليم حتى نهاية الأربعينات ومطلع الخمسينات حين بدأت المنطقة تتأثر بالدول العربية التي دخلتها مناهج تعليمية حديثة، وبُعث عدد من الشباب للتعلم في هذه الدول. كما بدأت دول الجزيرة والخليج تستقطب عددا من المدرسين من مصر والعراق وسوريا ولبنان. وفي ستينات القرن الماضي انفتح الباب على مصراعيه واستوردت المنطقة المناهج والمدرسين وتسابقت في بناء المدارس الحديثة ونشر التعليم وأصبح عدد المدارس والطلبة محل التفاخر والتباهي وكسب الشعبية.
وسارت دول المنطقة في خط التوسع وكأنها في سباق مع الزمن ولم تتوقف لتفكر في ماذا تريد؟ وما المفيد وما غير المفيد؟ واكتفت بالتقليد والاستيراد للمنهج والمدرس والاهتمام بالكم ودون عناية بالكيف. وبعد أربعة عقود تكتشف هذه الدول أنها نزعت من ميدان العمل في الحقول والحرف فئات عاملة لتخرجهم إلى الميدان عاطلين يحملون شهادات. وفي سوق العمل تتزاحم تخصصات لا لزوم لها. وتغيب تخصصات نستورد من الخارج من يغطيها. لقد غابت الأهداف من التعليم فتاهت المناهج وإذا بنا ندرس في المدارس الابتدائية مناسك الحج ونحتار في الجامعات كيف نقرأ خط طالب لم يتعلم قواعد الإملاء ولا قواعد الخط كما يجب.
وإذا ما مررنا على عناصر الإعلام التربوي في أقطارنا كالمرسل والرسالة ووسائل التوصيل وظروف المستقبل فسنجد أن مجموع الخلل الذي يعتور كل هذه العناصر قد انعكس في النهاية على مخرجات التعليم. المدرس في أقطارنا – غالباً – غير متخصص وإذا ما كان متخصصا في المجال التربوي فهو في الأغلب الأعم غير متخصص بمرحلة معينة من المراحل التعليمية والتربوية التي تتطلب الفهم الدقيق لطبيعة ونفسية وعقلية المستقبل في هذه المرحلة.. فالمدرس ملقن معلومات أكثر منه مربٍ قادر على التأثير في سلوك الطلبة واتجاهاتهم.. يحد من قدرته على تحقيق الهدف التعليمي والتربوي عدم قدرته على تتبع كل جديد في مجاله.. تنقصه الوسائل التعليمية القادرة على منافسة الوسائل الإعلامية التي تشد الطالب خارج المدرسة.. ويزيد الطين بلة ازدحام الفصول والمدرجات مما ضاعف من العزلة بين المدرس والطالب.. وتأتي بعد ذلك العوامل الصحية والمعيشية والمناخ الاجتماعي والسياسي لتحد جميعها من كفاءة إنتاج المدرس ومن قدرته على الانطلاق الحر في طرح المعلومات ومناقشتها مما يؤثر في صدق واكتمال ونضج المعلومات.
ولم تكن حال الرسالة التعليمية بأفضل من حال المرسل، فحين قررت دول المنطقة أن تفتح المجال للتعليم الحديث عملت على نقل مناهج الغير من دون وعي حقيقي بأهدافها في كل مرحلة وعلى ضوء احتياجاتها. وتبنت أساليب تعليمية من دون إدراك لاختلاف الظروف. فغابت الأهداف الواضحة واستبدلت بتصورات عامة لم تربط بالاحتياجات الحقيقية لمجتمع هذه الدول ولا روعيت فيها الظروف الموضوعية للمجتمع. وكما انعكس غموض الهدف على المناهج انعكس هذا الغموض أيضاً على الكتاب المدرسي الذي تحشر فيه المعلومات حشراً غير مخطط.. وكل هذا الضياع ناتج عن إغفال ربط التعليم بخطط التنمية والذي ساهم في إعاقة التنمية عن طريق إهدار إمكانات في إعداد كوادر لا يستفاد منها في دعم خطة التنمية إلى جانب توسيع قاعدة البطالة المقنعة بإخراج كوادر ليست مطلوبة لسوق العمل. كثيرا ما تتوقف مشاريع العمل لندرة الكوادر المؤهلة التي تتطلبها هذه المشاريع أو يتم استيراد كوادر خارجية بكلفة عالية. وقد تعمد الدولة إلى توظيف هذه الكوادر في أعمال لا علاقة لها بتخصصها فتصبح تكاليف الدراسة إنفاقاً عبثياً.. والمرتب الذي تتقاضاه على عمل لا تجيده صرف بلا إنتاج، إلى جانب تعطيل موقع عمل كان يمكن أن يكون منتجا لو تولاه من هو مؤهل له.
توصيل الرسالة يمكن حصر سلبياتها في الإهمال المتعمد للوسائل التعليمية، وأسلوب صياغة الكتاب المدرسي الذي لا يراعي عند صياغته مقدرة الطالب في مرحلة معينة على فهمه وقد نجد كتاباً يدرس لطلبة الابتدائية يعجز عن فهمه طلبة الثانوية العامة، إلى جانب إغفال تعويد الطالب منذ الصغر على جمع المعلومات بما يمكنه من استخدام قدراته والاعتماد على نفسه في تحصيل المعرفة ولكن بما يجري هو الاعتماد الكلي على التلقين والحفظ عن ظهر قلب وفصل المعرفة عن تطوير وتهذيب السلوك مما يخلق انفصاماً ممقوتاً بين القول والفعل وذلك ما نشهده في واقع حياتنا نتحدث عن الديمقراطية ونمارس الاستبداد، ونرفع شعارات احترام حقوق الإنسان وننتهك هذه الحقوق كل لحظة، نتحدث عن المحبة والتعاون، وننفث سموم الكراهية والتمزق. وكذلك هناك غياب في التنسيق بين المدرسة والمنزل والمسجد ووسائل الإعلام الجماهيري مما يجعل الطالب يعيش حياتين منفصلتين بين ما يتعلمه وراء جدران المدرسة وما يمارسه في المنزل، وما تضخه وسائل الإعلام وما يتحدث عنه أئمة المساجد.
ويأتي في النهاية الطالب مستقبل الرسالة التعليمية والتربوية والذي يأتي في الغالب من بيئة أمية لم تر كتابا ولا يجد من أهله عونا له على ما يدرسه، ولا تراعي المدرسة ظروفه، وينعكس كل ذلك على تحصيله، كما ينعكس كل ما سبق على مخرجات التعليم كله.
وأخيراً الحديث عن التعليم في أقطارنا ذو شجون ولكنني أكتفي بما سبق.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2523::/cck::
::introtext::
حتى منتصف القرن العشرين كان تعليم القراءة والكتابة والعلوم الدينية ومبادئ الحساب هو التعليم السائد في المنطقة، ويكاد ينحصر في فئات وأسر معينة ويقام في الكتاتيب أو المساجد وقد ساهمت المؤسسات الوقفية في المحافظة على هذا النوع من التعليم حتى نهاية الأربعينات ومطلع الخمسينات حين بدأت المنطقة تتأثر بالدول العربية التي دخلتها مناهج تعليمية حديثة، وبُعث عدد من الشباب للتعلم في هذه الدول. كما بدأت دول الجزيرة والخليج تستقطب عددا من المدرسين من مصر والعراق وسوريا ولبنان. وفي ستينات القرن الماضي انفتح الباب على مصراعيه واستوردت المنطقة المناهج والمدرسين وتسابقت في بناء المدارس الحديثة ونشر التعليم وأصبح عدد المدارس والطلبة محل التفاخر والتباهي وكسب الشعبية.
::/introtext::
::fulltext::
حتى منتصف القرن العشرين كان تعليم القراءة والكتابة والعلوم الدينية ومبادئ الحساب هو التعليم السائد في المنطقة، ويكاد ينحصر في فئات وأسر معينة ويقام في الكتاتيب أو المساجد وقد ساهمت المؤسسات الوقفية في المحافظة على هذا النوع من التعليم حتى نهاية الأربعينات ومطلع الخمسينات حين بدأت المنطقة تتأثر بالدول العربية التي دخلتها مناهج تعليمية حديثة، وبُعث عدد من الشباب للتعلم في هذه الدول. كما بدأت دول الجزيرة والخليج تستقطب عددا من المدرسين من مصر والعراق وسوريا ولبنان. وفي ستينات القرن الماضي انفتح الباب على مصراعيه واستوردت المنطقة المناهج والمدرسين وتسابقت في بناء المدارس الحديثة ونشر التعليم وأصبح عدد المدارس والطلبة محل التفاخر والتباهي وكسب الشعبية.
وسارت دول المنطقة في خط التوسع وكأنها في سباق مع الزمن ولم تتوقف لتفكر في ماذا تريد؟ وما المفيد وما غير المفيد؟ واكتفت بالتقليد والاستيراد للمنهج والمدرس والاهتمام بالكم ودون عناية بالكيف. وبعد أربعة عقود تكتشف هذه الدول أنها نزعت من ميدان العمل في الحقول والحرف فئات عاملة لتخرجهم إلى الميدان عاطلين يحملون شهادات. وفي سوق العمل تتزاحم تخصصات لا لزوم لها. وتغيب تخصصات نستورد من الخارج من يغطيها. لقد غابت الأهداف من التعليم فتاهت المناهج وإذا بنا ندرس في المدارس الابتدائية مناسك الحج ونحتار في الجامعات كيف نقرأ خط طالب لم يتعلم قواعد الإملاء ولا قواعد الخط كما يجب.
وإذا ما مررنا على عناصر الإعلام التربوي في أقطارنا كالمرسل والرسالة ووسائل التوصيل وظروف المستقبل فسنجد أن مجموع الخلل الذي يعتور كل هذه العناصر قد انعكس في النهاية على مخرجات التعليم. المدرس في أقطارنا – غالباً – غير متخصص وإذا ما كان متخصصا في المجال التربوي فهو في الأغلب الأعم غير متخصص بمرحلة معينة من المراحل التعليمية والتربوية التي تتطلب الفهم الدقيق لطبيعة ونفسية وعقلية المستقبل في هذه المرحلة.. فالمدرس ملقن معلومات أكثر منه مربٍ قادر على التأثير في سلوك الطلبة واتجاهاتهم.. يحد من قدرته على تحقيق الهدف التعليمي والتربوي عدم قدرته على تتبع كل جديد في مجاله.. تنقصه الوسائل التعليمية القادرة على منافسة الوسائل الإعلامية التي تشد الطالب خارج المدرسة.. ويزيد الطين بلة ازدحام الفصول والمدرجات مما ضاعف من العزلة بين المدرس والطالب.. وتأتي بعد ذلك العوامل الصحية والمعيشية والمناخ الاجتماعي والسياسي لتحد جميعها من كفاءة إنتاج المدرس ومن قدرته على الانطلاق الحر في طرح المعلومات ومناقشتها مما يؤثر في صدق واكتمال ونضج المعلومات.
ولم تكن حال الرسالة التعليمية بأفضل من حال المرسل، فحين قررت دول المنطقة أن تفتح المجال للتعليم الحديث عملت على نقل مناهج الغير من دون وعي حقيقي بأهدافها في كل مرحلة وعلى ضوء احتياجاتها. وتبنت أساليب تعليمية من دون إدراك لاختلاف الظروف. فغابت الأهداف الواضحة واستبدلت بتصورات عامة لم تربط بالاحتياجات الحقيقية لمجتمع هذه الدول ولا روعيت فيها الظروف الموضوعية للمجتمع. وكما انعكس غموض الهدف على المناهج انعكس هذا الغموض أيضاً على الكتاب المدرسي الذي تحشر فيه المعلومات حشراً غير مخطط.. وكل هذا الضياع ناتج عن إغفال ربط التعليم بخطط التنمية والذي ساهم في إعاقة التنمية عن طريق إهدار إمكانات في إعداد كوادر لا يستفاد منها في دعم خطة التنمية إلى جانب توسيع قاعدة البطالة المقنعة بإخراج كوادر ليست مطلوبة لسوق العمل. كثيرا ما تتوقف مشاريع العمل لندرة الكوادر المؤهلة التي تتطلبها هذه المشاريع أو يتم استيراد كوادر خارجية بكلفة عالية. وقد تعمد الدولة إلى توظيف هذه الكوادر في أعمال لا علاقة لها بتخصصها فتصبح تكاليف الدراسة إنفاقاً عبثياً.. والمرتب الذي تتقاضاه على عمل لا تجيده صرف بلا إنتاج، إلى جانب تعطيل موقع عمل كان يمكن أن يكون منتجا لو تولاه من هو مؤهل له.
توصيل الرسالة يمكن حصر سلبياتها في الإهمال المتعمد للوسائل التعليمية، وأسلوب صياغة الكتاب المدرسي الذي لا يراعي عند صياغته مقدرة الطالب في مرحلة معينة على فهمه وقد نجد كتاباً يدرس لطلبة الابتدائية يعجز عن فهمه طلبة الثانوية العامة، إلى جانب إغفال تعويد الطالب منذ الصغر على جمع المعلومات بما يمكنه من استخدام قدراته والاعتماد على نفسه في تحصيل المعرفة ولكن بما يجري هو الاعتماد الكلي على التلقين والحفظ عن ظهر قلب وفصل المعرفة عن تطوير وتهذيب السلوك مما يخلق انفصاماً ممقوتاً بين القول والفعل وذلك ما نشهده في واقع حياتنا نتحدث عن الديمقراطية ونمارس الاستبداد، ونرفع شعارات احترام حقوق الإنسان وننتهك هذه الحقوق كل لحظة، نتحدث عن المحبة والتعاون، وننفث سموم الكراهية والتمزق. وكذلك هناك غياب في التنسيق بين المدرسة والمنزل والمسجد ووسائل الإعلام الجماهيري مما يجعل الطالب يعيش حياتين منفصلتين بين ما يتعلمه وراء جدران المدرسة وما يمارسه في المنزل، وما تضخه وسائل الإعلام وما يتحدث عنه أئمة المساجد.
ويأتي في النهاية الطالب مستقبل الرسالة التعليمية والتربوية والذي يأتي في الغالب من بيئة أمية لم تر كتابا ولا يجد من أهله عونا له على ما يدرسه، ولا تراعي المدرسة ظروفه، وينعكس كل ذلك على تحصيله، كما ينعكس كل ما سبق على مخرجات التعليم كله.
وأخيراً الحديث عن التعليم في أقطارنا ذو شجون ولكنني أكتفي بما سبق.
::/fulltext::
::cck::2523::/cck::
