الأبعاد الاجتماعية لمشاريع إصلاح سوق العمل في البحرين
::cck::2536::/cck::
::introtext::
تتمثل البطالة بشكلها السافر والكبير في ثلاث من دول مجلس التعاون هي المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وسلطنة عمان. ورغم أن ما هو متوفر من أرقام رسمية لا يعكس حقيقة حجم البطالة في أوساط مواطني هذه الدول إلا أن كل التقديرات تشير إلى إنها في عمومها تقع بين النسبتين 25% و30% في أعلى تقديراتها. ولن أدخل هنا في مناقشة أسباب ذلك ومصاحباته، حيث يمكن الرجوع إلى عرض مستفيض لذلك في مؤلفنا (حلم الهجرة للثروة: العمالة الأجنبية في الخليج). إلا أن هذه الدول في عمومها بدت عاجزة بعض الشيء من حيث قدرة البعض منها على خلق فرص عمل جديدة، غير تقليدية، قادرة على استقطاب قوة العمل الوطنية بعيداً عن تلك الأعمال التي تتصف بكونها منخفضة الأجر وبعيداً أيضاً عن ظروف العمل المتدنية. وحاولت الكثير من دول المنطقة تبني المداخل التقليدية في معالجة مشكلة البطالة، وهي السياسات التي تعتمد على سياسات توطين سوق العمل أو بالأحرى القدرة على توطين بعض قطاعاته، كفرض نسب معينة لتوظيف المحليين في بعض المجالات أو القطاعات مثل (سعودة) قطاع الذهب، ورفع كلفة استقدام العامل الأجنبي لأفراد أسرته والتي اشترطت ألا يقل راتبه الشهري عن ألف دولار شهريا ومحاولات ابتداع برامج تدريبية لم تكن في جلها ناجحة.
::/introtext::
::fulltext::
تتمثل البطالة بشكلها السافر والكبير في ثلاث من دول مجلس التعاون هي المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وسلطنة عمان. ورغم أن ما هو متوفر من أرقام رسمية لا يعكس حقيقة حجم البطالة في أوساط مواطني هذه الدول إلا أن كل التقديرات تشير إلى إنها في عمومها تقع بين النسبتين 25% و30% في أعلى تقديراتها. ولن أدخل هنا في مناقشة أسباب ذلك ومصاحباته، حيث يمكن الرجوع إلى عرض مستفيض لذلك في مؤلفنا (حلم الهجرة للثروة: العمالة الأجنبية في الخليج).
إلا أن هذه الدول في عمومها بدت عاجزة بعض الشيء من حيث قدرة البعض منها على خلق فرص عمل جديدة، غير تقليدية، قادرة على استقطاب قوة العمل الوطنية بعيداً عن تلك الأعمال التي تتصف بكونها منخفضة الأجر وبعيداً أيضاً عن ظروف العمل المتدنية. وحاولت الكثير من دول المنطقة تبني المداخل التقليدية في معالجة مشكلة البطالة، وهي السياسات التي تعتمد على سياسات توطين سوق العمل أو بالأحرى القدرة على توطين بعض قطاعاته، كفرض نسب معينة لتوظيف المحليين في بعض المجالات أو القطاعات مثل (سعودة) قطاع الذهب، ورفع كلفة استقدام العامل الأجنبي لأفراد أسرته والتي اشترطت ألا يقل راتبه الشهري عن ألف دولار شهريا ومحاولات ابتداع برامج تدريبية لم تكن في جلها ناجحة.
وفي الواقع لم تسفر هذه السياسات إلا عن مزيد من الإبعاد للعمل المحلي عن سوق العمل، وارتفعت نتيجة لذلك أعداد العاطلين، كما ارتفعت نتيجة لذلك المشكلات الاجتماعية وربما السياسية المصاحبة لمشكلة البطالة، في منطقة يشكل فيها العمل الأجنبي 60% من قوة العمل ولربما يزيد على ذلك في بعض الحالات القطرية. وفي الواقع فإن معظم محاولات توطين العمل ورفع نسبة مساهمة المحليين في سوق العمل كانت تصطدم بحقيقة غياب الدعم السياسي لأي برامج أو سياسات تتبنى مسألة توطين العمل، ويعلل البعض فشل ذلك بتداخل بعض مصالح القطاع الخاص المستخدم الأكبر للعمالة الأجنبية في الخليج مع بعض الجماعات المتنفذة في القطاع الرسمي، بل إن إغراق السوق المحلي بعمالة أجنبية فيه من المغانم الكثيرة والوفيرة.
وتفترض الأمانة القول إن المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ومملكة البحرين ونتيجة لتنامي أعداد العاطلين من رعاياها قد بدأت بتبني سياسة الحصص في التوظيف في بعض قطاعات العمل أو ما يسمى تبني سياسة (السعودة) و(التعمين) و(البحرنة) الكاملة لبعضها الآخر، كسعودة قطاع بيع الذهب وتعمين قطاع البقالات في المناطق التي تقع خارج المراكز المدينية من سلطنة عمان. كما تفترض الأمانة القول كذلك إن برنامج سند العماني قد حقق قدرا كبيرا من النجاح في ما يتعلق بتعمين البرادات والمتاجر الصغيرة في خارج المناطق الحضرية في سلطنة عمان لم يحقق في نسخته البحرينية، والمسمى هنا بسند والمتبنى من قبل وزارة العمل، أي نجاح يذكر، بل إن زخم الحديث عنه قد تلاشى خلال الأشهر القليلة الماضية، كما أن سياسة البحرنة بشكلها العام قد واجهت الكثير من العراقيل، ولم تفلح مسألة رفع كلفة الاستقدام من ناحية أو رفع مستوى الحد الأدنى للأجور في أن نرى ثمارا واضحة على أرض الواقع.
من هنا تبرز أهمية برنامج أو مشروع (مكنزي) لإصلاح سوق العمل البحريني كأحد المداخل غير التقليدية وهو في الوقت ذاته يعتبر أحد المداخل غير الترقيعية، كما أنه كمشروع يتميز عن الكثير من المشاريع الأخرى، التي تبنتها البحرين أو دول المنطقة بكونه مشروعا كليا وليس جزئي التوجه. بمعنى أنه يهدف إلى إعادة هيكلة سوق العمل البحريني بشكل عام بكل أجزائها، في إطار أوسع من عملية الإصلاح الاقتصادي، بحيث يحصل من خلالها العامل البحريني على وضع تفاوضي أفضل مقابل العامل الأجنبي، وذلك من خلال تنشيط حركة التنمية الاقتصادية ورفع كلفة استقدام العامل الأجنبي من ناحية، وتحسين برامج التدريب والتعليم، وجعل البيئة المحلية ذات قدرة أكبر على الاستقطاب الاستثماري من ناحية أخرى. إلا أن مثل هذا الطموح الكبير قد يواجَه بمجموعة من التحديات قد يكون أولها: التحدي القادم من قدرة مقولة الاستثناء على اختراق المشروع، حيث أعفيت أربعة قطاعات رسمية وهي:
1- الأجانب الذين يصدر بتعيينهم مرسوم أو أمر ملكي أو قرار من رئيس الوزراء.
2- الأجانب من غير المدنيين الذين تستخدمهم قوة دفاع البحرين والحرس الوطني وكل الأجهزة الأمنية في المملكة.
3- الأجانب الذين يفدون إلى البلاد لغرض إنجاز أعمال تستغرق أقل من خمسة عشر يوما، مثل إقامة المعارض والمهرجانات أو غيرها من الأنشطة التي تحددها هيئة تنظيم سوق العمل.
4- الأجانب من أعضاء وإداريي البعثات الدبلوماسية والقنصلية والدولية لدى المملكة.
وثانيها: شمول إجراءات الاستقدام في هذا المشروع لقطاع خدم المنازل أو الخدمات الشخصية. وهو القطاع الذي قد يمثل قرابة 25% من حجم العمالة الأجنبية ليس في البحرين فحسب وإنما في عموم منطقة الخليج العربي، كما أن مساواة هذا القطاع بالقطاعات الاقتصادية الأخرى قد ترفع من الكلفة الاجتماعية للمشروع على مستوى قطاع سكاني واسع باتت عمالة الخدمات الشخصية وحتى العمالة الفنية وشبه الفنية، تكون جزءا أساسيا في تشكيله ولربما في رفاهه الاجتماعي والاقتصادي. بمعنى آخر إنه كان من العقل والحكمة سرعة التفاعل الرسمي مع المخاوف الشعبية من كلفة اقتصادية عالية على قطاع واسع من السكان، إذا ما فرضت رسوم الاستقدام الجديدة على قطاع خدم المنازل، وهو الأمر الذي قد يأتي على المدى القصير وربما المتوسط ببعض المصاحبات الاقتصادية والاجتماعية لبعض الأسر البحرينية في الشرائح المختلفة لذوي الدخول المحدودة والمتوسطة.
فقطاع كبير من أسر ذوي الدخول المحدودة والمتوسطة اعتمد في تحسين ورفع مستوى معيشته على دخول المرأة سوق العمل وهو الأمر الذي يُِِِسر في بعض حالاته بالوفرة الكبيرة لعمالة الخدمات الشخصية وسرعة استقدامها، كما أن الأسر البحرينية ذات الدخول المتوسطة، ستشكل رسوم استقدام خدم المنازل بالنسبة لها، ما يقارب من 1200 دينار سنويا من دون الأجر الشهري الذي يقدر متوسطه بـ 600 دينار سنوياً، أي بمعنى آخر أن كلفة استقدام خدم المنازل سوف تصل في المتوسط عند الأسر التي توظف خادمة واحدة إلى ما بين 1800 إلى 2000 دينار سنويا وهي كلفة عالية على أسر حتى إن كانت قد تجاوزت مداخيلها الشهرية 2000 دينار والأسر الأخرى التي توظف اثنتين أو أكثر، كسائق أو مربية، أو ما يسميه البعض (الصبي)، فإن التكلفة ستكون مضافة أو ثلاثة أمثالها، أي أنها في هذه الحالة سوف تصل إلى قرابة 4000 إلى 6000 دينار، أي يفوق في ذلك الكلفة الإجمالية السنوية لتعليم الأبناء في إحدى مدارس النخبة الخاصة، ولربما يفوق في ذلك المدخرات السنوية التي يمكن أن توفرها أي أسرة من الطبقات الدنيا والمتوسطة. هذا إذا ما وضعنا في الاعتبار أوجه ومجالات الإنفاق لديها والذي يستوعب مجالات الإنفاق على السكن وتعليم الأبناء والترفيه جل دخلها، وتأثير ذلك في قطاع مهم من الأسر البحرينية، وكان بالإمكان كذلك رؤية عودة بعض النساء العاملات من جديد للبيت وتحديدا من ذوات الدخول المحدودة والمتوسطة.
بل إن مشروعاً مهماً كهذا قد يتضرر منه قطاع صغار الأعمال في الورش والمحلات التجارية الصغيرة وربما المتوسطة، الذين باتت قدرتهم التنافسية في السوق المحلية تضعف رويدا رويدا بسبب اتفاقيات رفع الحواجز الجمركية بين دول مجلس التعاون، أي أن سوقاً اقتصادية مشتركة، من دون ضوابط، باتت تتضرر منها الأطراف الأصغر والأضعف، بل كان بعض أو جل قدرتهم على الاستمرار والمنافسة في السوق في موضع التساؤل والشك إذا ما استمر اختفاء الدعم الرسمي لهم، وهو دعم تمارسه أغلب الدول الصناعية وبعض الدول الخليجية الأخرى ذات الدخل الأوفر والقاعدة الصناعية الأكبر، دعماً لمنتجها المحلي في مواجهة انفتاح السوق. فزيارة واحدة للورش الصغيرة في المنطقة الصناعية في قرية (سلماباد) توصلك لنتيجة واحدة وهي أن إعادة الهيكلة الاقتصادية قد تأتي ببعض الآثار على محدودي ومتوسطي الدخل من أصحاب المشاريع الصناعية الصغيرة، فإذا ما كانت اتفاقيات رفع الحماية الجمركية وتوحيدها بين دول مجلس التعاون واختفاء الدعم المالي الرسمي قد جاءت عليهم بنكسة اقتصادية، فإن رفع تكلفة استقدام العامل الأجنبي ستخرجهم، من دون شك من السوق سريعا، إذا لم تلتفت وتتخذ الجهات الراعية والمنفذة لهذا المشروع بعض الإجراءات الداعمة لهم على المديين القصير والمتوسط. أي بتعبير آخر، إن مشروعا كهذا قد يتطلب ضوابط اقتصادية وشبكات أمان ودعماً مالياً رسمياً يساعد هذا القطاع/ القطاعات على رفع إنتاجيتها وقدرتها التنافسية على المديين القصير والمتوسط، دعماً للغايات والأهداف المنشودة من المشروع.
من ناحية أخرى، فإن مشروعا كبيرا بهذا الحجم والطموح بحاجة لقراءة اجتماعية غير القراءات الاقتصادية المتعددة التي رافقت المشروع منذ طرحه حتى الآن، أي بكلمات أخرى إن مشروعا كهذا بحاجة إلى شبكة من الأمان الاجتماعي ترافق وتتجاوز تداعياته، ليس على المدى القصير فحسب وإنما هي كذلك على المدى المتوسط وربما البعيد. وذلك تجاوزاً لكل المصاحبات الاجتماعية وربما السياسية التي رافقت الكثير من مشاريع إعادة هيكلة أسواق العمل والاقتصاديات العربية والتي – وأقولها للأسف الشديد – لم توفق في تحقيق أهدافها أو طموحاتها إلى إعادة الهيكلة والتصحيح الاقتصادي، فكان من نتائج هذا الإخفاق البطالة والجريمة والحركات (السيا- دينية) المتطرفة واللامعيارية الاجتماعية.
بل إن اقتصاديات هذه الدولة بدت وكأنها غير قادرة على تحقيق الانطلاقة الموعودة، وربما الاستمرار من دون هَبات العون الدولي والعربي. إنه من غير المناسب إطلاق قوى السوق من دون ضوابط ومن دون شبكات أمان اجتماعية، والاتجاه نحو تبني خطط ومشاريع وسياسات تختفي عنها مقولات العدالة الاقتصادية التي بها تتحقق العدالة الاجتماعية. من هنا تأتي أهمية الحاجة لقراءة اجتماعية محلية للمشروع بغية تجاوز أي منغصات أو مصاحبات اجتماعية محتملة معوقة لتحقيق أهدافه في الإصلاح والرفاه الاقتصادي. وأعتقد أن مشروعا بهذا الطموح الكبير يهدف إلى تصحيح أوضاع اقتصادية متلكئة النمو، كما يهدف إلى تحسين أوضاع جماعات العوز الاقتصادي والارتقاء بحالة الرفاه الاجتماعي، وكذا تصحيح المسار التعليمي، لا بد أن تحتل هذه القضايا والأمور قدرا كبيرا من رؤاه التنظيرية والعملية. وأعتقد اعتقادا جازما، أن تحقيق نقلة نوعية في المسار الاقتصادي المحلي ورفع مستوى الرفاه الاجتماعي للمجتمع البحريني قد يتطلبان قدراً من الإصلاح المؤسساتي كما هو يعني الإتيان بشخصيات عرفت عنها النزاهة والكفاءة والتفاني في العمل.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2536::/cck::
::introtext::
تتمثل البطالة بشكلها السافر والكبير في ثلاث من دول مجلس التعاون هي المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وسلطنة عمان. ورغم أن ما هو متوفر من أرقام رسمية لا يعكس حقيقة حجم البطالة في أوساط مواطني هذه الدول إلا أن كل التقديرات تشير إلى إنها في عمومها تقع بين النسبتين 25% و30% في أعلى تقديراتها. ولن أدخل هنا في مناقشة أسباب ذلك ومصاحباته، حيث يمكن الرجوع إلى عرض مستفيض لذلك في مؤلفنا (حلم الهجرة للثروة: العمالة الأجنبية في الخليج). إلا أن هذه الدول في عمومها بدت عاجزة بعض الشيء من حيث قدرة البعض منها على خلق فرص عمل جديدة، غير تقليدية، قادرة على استقطاب قوة العمل الوطنية بعيداً عن تلك الأعمال التي تتصف بكونها منخفضة الأجر وبعيداً أيضاً عن ظروف العمل المتدنية. وحاولت الكثير من دول المنطقة تبني المداخل التقليدية في معالجة مشكلة البطالة، وهي السياسات التي تعتمد على سياسات توطين سوق العمل أو بالأحرى القدرة على توطين بعض قطاعاته، كفرض نسب معينة لتوظيف المحليين في بعض المجالات أو القطاعات مثل (سعودة) قطاع الذهب، ورفع كلفة استقدام العامل الأجنبي لأفراد أسرته والتي اشترطت ألا يقل راتبه الشهري عن ألف دولار شهريا ومحاولات ابتداع برامج تدريبية لم تكن في جلها ناجحة.
::/introtext::
::fulltext::
تتمثل البطالة بشكلها السافر والكبير في ثلاث من دول مجلس التعاون هي المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وسلطنة عمان. ورغم أن ما هو متوفر من أرقام رسمية لا يعكس حقيقة حجم البطالة في أوساط مواطني هذه الدول إلا أن كل التقديرات تشير إلى إنها في عمومها تقع بين النسبتين 25% و30% في أعلى تقديراتها. ولن أدخل هنا في مناقشة أسباب ذلك ومصاحباته، حيث يمكن الرجوع إلى عرض مستفيض لذلك في مؤلفنا (حلم الهجرة للثروة: العمالة الأجنبية في الخليج).
إلا أن هذه الدول في عمومها بدت عاجزة بعض الشيء من حيث قدرة البعض منها على خلق فرص عمل جديدة، غير تقليدية، قادرة على استقطاب قوة العمل الوطنية بعيداً عن تلك الأعمال التي تتصف بكونها منخفضة الأجر وبعيداً أيضاً عن ظروف العمل المتدنية. وحاولت الكثير من دول المنطقة تبني المداخل التقليدية في معالجة مشكلة البطالة، وهي السياسات التي تعتمد على سياسات توطين سوق العمل أو بالأحرى القدرة على توطين بعض قطاعاته، كفرض نسب معينة لتوظيف المحليين في بعض المجالات أو القطاعات مثل (سعودة) قطاع الذهب، ورفع كلفة استقدام العامل الأجنبي لأفراد أسرته والتي اشترطت ألا يقل راتبه الشهري عن ألف دولار شهريا ومحاولات ابتداع برامج تدريبية لم تكن في جلها ناجحة.
وفي الواقع لم تسفر هذه السياسات إلا عن مزيد من الإبعاد للعمل المحلي عن سوق العمل، وارتفعت نتيجة لذلك أعداد العاطلين، كما ارتفعت نتيجة لذلك المشكلات الاجتماعية وربما السياسية المصاحبة لمشكلة البطالة، في منطقة يشكل فيها العمل الأجنبي 60% من قوة العمل ولربما يزيد على ذلك في بعض الحالات القطرية. وفي الواقع فإن معظم محاولات توطين العمل ورفع نسبة مساهمة المحليين في سوق العمل كانت تصطدم بحقيقة غياب الدعم السياسي لأي برامج أو سياسات تتبنى مسألة توطين العمل، ويعلل البعض فشل ذلك بتداخل بعض مصالح القطاع الخاص المستخدم الأكبر للعمالة الأجنبية في الخليج مع بعض الجماعات المتنفذة في القطاع الرسمي، بل إن إغراق السوق المحلي بعمالة أجنبية فيه من المغانم الكثيرة والوفيرة.
وتفترض الأمانة القول إن المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ومملكة البحرين ونتيجة لتنامي أعداد العاطلين من رعاياها قد بدأت بتبني سياسة الحصص في التوظيف في بعض قطاعات العمل أو ما يسمى تبني سياسة (السعودة) و(التعمين) و(البحرنة) الكاملة لبعضها الآخر، كسعودة قطاع بيع الذهب وتعمين قطاع البقالات في المناطق التي تقع خارج المراكز المدينية من سلطنة عمان. كما تفترض الأمانة القول كذلك إن برنامج سند العماني قد حقق قدرا كبيرا من النجاح في ما يتعلق بتعمين البرادات والمتاجر الصغيرة في خارج المناطق الحضرية في سلطنة عمان لم يحقق في نسخته البحرينية، والمسمى هنا بسند والمتبنى من قبل وزارة العمل، أي نجاح يذكر، بل إن زخم الحديث عنه قد تلاشى خلال الأشهر القليلة الماضية، كما أن سياسة البحرنة بشكلها العام قد واجهت الكثير من العراقيل، ولم تفلح مسألة رفع كلفة الاستقدام من ناحية أو رفع مستوى الحد الأدنى للأجور في أن نرى ثمارا واضحة على أرض الواقع.
من هنا تبرز أهمية برنامج أو مشروع (مكنزي) لإصلاح سوق العمل البحريني كأحد المداخل غير التقليدية وهو في الوقت ذاته يعتبر أحد المداخل غير الترقيعية، كما أنه كمشروع يتميز عن الكثير من المشاريع الأخرى، التي تبنتها البحرين أو دول المنطقة بكونه مشروعا كليا وليس جزئي التوجه. بمعنى أنه يهدف إلى إعادة هيكلة سوق العمل البحريني بشكل عام بكل أجزائها، في إطار أوسع من عملية الإصلاح الاقتصادي، بحيث يحصل من خلالها العامل البحريني على وضع تفاوضي أفضل مقابل العامل الأجنبي، وذلك من خلال تنشيط حركة التنمية الاقتصادية ورفع كلفة استقدام العامل الأجنبي من ناحية، وتحسين برامج التدريب والتعليم، وجعل البيئة المحلية ذات قدرة أكبر على الاستقطاب الاستثماري من ناحية أخرى. إلا أن مثل هذا الطموح الكبير قد يواجَه بمجموعة من التحديات قد يكون أولها: التحدي القادم من قدرة مقولة الاستثناء على اختراق المشروع، حيث أعفيت أربعة قطاعات رسمية وهي:
1- الأجانب الذين يصدر بتعيينهم مرسوم أو أمر ملكي أو قرار من رئيس الوزراء.
2- الأجانب من غير المدنيين الذين تستخدمهم قوة دفاع البحرين والحرس الوطني وكل الأجهزة الأمنية في المملكة.
3- الأجانب الذين يفدون إلى البلاد لغرض إنجاز أعمال تستغرق أقل من خمسة عشر يوما، مثل إقامة المعارض والمهرجانات أو غيرها من الأنشطة التي تحددها هيئة تنظيم سوق العمل.
4- الأجانب من أعضاء وإداريي البعثات الدبلوماسية والقنصلية والدولية لدى المملكة.
وثانيها: شمول إجراءات الاستقدام في هذا المشروع لقطاع خدم المنازل أو الخدمات الشخصية. وهو القطاع الذي قد يمثل قرابة 25% من حجم العمالة الأجنبية ليس في البحرين فحسب وإنما في عموم منطقة الخليج العربي، كما أن مساواة هذا القطاع بالقطاعات الاقتصادية الأخرى قد ترفع من الكلفة الاجتماعية للمشروع على مستوى قطاع سكاني واسع باتت عمالة الخدمات الشخصية وحتى العمالة الفنية وشبه الفنية، تكون جزءا أساسيا في تشكيله ولربما في رفاهه الاجتماعي والاقتصادي. بمعنى آخر إنه كان من العقل والحكمة سرعة التفاعل الرسمي مع المخاوف الشعبية من كلفة اقتصادية عالية على قطاع واسع من السكان، إذا ما فرضت رسوم الاستقدام الجديدة على قطاع خدم المنازل، وهو الأمر الذي قد يأتي على المدى القصير وربما المتوسط ببعض المصاحبات الاقتصادية والاجتماعية لبعض الأسر البحرينية في الشرائح المختلفة لذوي الدخول المحدودة والمتوسطة.
فقطاع كبير من أسر ذوي الدخول المحدودة والمتوسطة اعتمد في تحسين ورفع مستوى معيشته على دخول المرأة سوق العمل وهو الأمر الذي يُِِِسر في بعض حالاته بالوفرة الكبيرة لعمالة الخدمات الشخصية وسرعة استقدامها، كما أن الأسر البحرينية ذات الدخول المتوسطة، ستشكل رسوم استقدام خدم المنازل بالنسبة لها، ما يقارب من 1200 دينار سنويا من دون الأجر الشهري الذي يقدر متوسطه بـ 600 دينار سنوياً، أي بمعنى آخر أن كلفة استقدام خدم المنازل سوف تصل في المتوسط عند الأسر التي توظف خادمة واحدة إلى ما بين 1800 إلى 2000 دينار سنويا وهي كلفة عالية على أسر حتى إن كانت قد تجاوزت مداخيلها الشهرية 2000 دينار والأسر الأخرى التي توظف اثنتين أو أكثر، كسائق أو مربية، أو ما يسميه البعض (الصبي)، فإن التكلفة ستكون مضافة أو ثلاثة أمثالها، أي أنها في هذه الحالة سوف تصل إلى قرابة 4000 إلى 6000 دينار، أي يفوق في ذلك الكلفة الإجمالية السنوية لتعليم الأبناء في إحدى مدارس النخبة الخاصة، ولربما يفوق في ذلك المدخرات السنوية التي يمكن أن توفرها أي أسرة من الطبقات الدنيا والمتوسطة. هذا إذا ما وضعنا في الاعتبار أوجه ومجالات الإنفاق لديها والذي يستوعب مجالات الإنفاق على السكن وتعليم الأبناء والترفيه جل دخلها، وتأثير ذلك في قطاع مهم من الأسر البحرينية، وكان بالإمكان كذلك رؤية عودة بعض النساء العاملات من جديد للبيت وتحديدا من ذوات الدخول المحدودة والمتوسطة.
بل إن مشروعاً مهماً كهذا قد يتضرر منه قطاع صغار الأعمال في الورش والمحلات التجارية الصغيرة وربما المتوسطة، الذين باتت قدرتهم التنافسية في السوق المحلية تضعف رويدا رويدا بسبب اتفاقيات رفع الحواجز الجمركية بين دول مجلس التعاون، أي أن سوقاً اقتصادية مشتركة، من دون ضوابط، باتت تتضرر منها الأطراف الأصغر والأضعف، بل كان بعض أو جل قدرتهم على الاستمرار والمنافسة في السوق في موضع التساؤل والشك إذا ما استمر اختفاء الدعم الرسمي لهم، وهو دعم تمارسه أغلب الدول الصناعية وبعض الدول الخليجية الأخرى ذات الدخل الأوفر والقاعدة الصناعية الأكبر، دعماً لمنتجها المحلي في مواجهة انفتاح السوق. فزيارة واحدة للورش الصغيرة في المنطقة الصناعية في قرية (سلماباد) توصلك لنتيجة واحدة وهي أن إعادة الهيكلة الاقتصادية قد تأتي ببعض الآثار على محدودي ومتوسطي الدخل من أصحاب المشاريع الصناعية الصغيرة، فإذا ما كانت اتفاقيات رفع الحماية الجمركية وتوحيدها بين دول مجلس التعاون واختفاء الدعم المالي الرسمي قد جاءت عليهم بنكسة اقتصادية، فإن رفع تكلفة استقدام العامل الأجنبي ستخرجهم، من دون شك من السوق سريعا، إذا لم تلتفت وتتخذ الجهات الراعية والمنفذة لهذا المشروع بعض الإجراءات الداعمة لهم على المديين القصير والمتوسط. أي بتعبير آخر، إن مشروعا كهذا قد يتطلب ضوابط اقتصادية وشبكات أمان ودعماً مالياً رسمياً يساعد هذا القطاع/ القطاعات على رفع إنتاجيتها وقدرتها التنافسية على المديين القصير والمتوسط، دعماً للغايات والأهداف المنشودة من المشروع.
من ناحية أخرى، فإن مشروعا كبيرا بهذا الحجم والطموح بحاجة لقراءة اجتماعية غير القراءات الاقتصادية المتعددة التي رافقت المشروع منذ طرحه حتى الآن، أي بكلمات أخرى إن مشروعا كهذا بحاجة إلى شبكة من الأمان الاجتماعي ترافق وتتجاوز تداعياته، ليس على المدى القصير فحسب وإنما هي كذلك على المدى المتوسط وربما البعيد. وذلك تجاوزاً لكل المصاحبات الاجتماعية وربما السياسية التي رافقت الكثير من مشاريع إعادة هيكلة أسواق العمل والاقتصاديات العربية والتي – وأقولها للأسف الشديد – لم توفق في تحقيق أهدافها أو طموحاتها إلى إعادة الهيكلة والتصحيح الاقتصادي، فكان من نتائج هذا الإخفاق البطالة والجريمة والحركات (السيا- دينية) المتطرفة واللامعيارية الاجتماعية.
بل إن اقتصاديات هذه الدولة بدت وكأنها غير قادرة على تحقيق الانطلاقة الموعودة، وربما الاستمرار من دون هَبات العون الدولي والعربي. إنه من غير المناسب إطلاق قوى السوق من دون ضوابط ومن دون شبكات أمان اجتماعية، والاتجاه نحو تبني خطط ومشاريع وسياسات تختفي عنها مقولات العدالة الاقتصادية التي بها تتحقق العدالة الاجتماعية. من هنا تأتي أهمية الحاجة لقراءة اجتماعية محلية للمشروع بغية تجاوز أي منغصات أو مصاحبات اجتماعية محتملة معوقة لتحقيق أهدافه في الإصلاح والرفاه الاقتصادي. وأعتقد أن مشروعا بهذا الطموح الكبير يهدف إلى تصحيح أوضاع اقتصادية متلكئة النمو، كما يهدف إلى تحسين أوضاع جماعات العوز الاقتصادي والارتقاء بحالة الرفاه الاجتماعي، وكذا تصحيح المسار التعليمي، لا بد أن تحتل هذه القضايا والأمور قدرا كبيرا من رؤاه التنظيرية والعملية. وأعتقد اعتقادا جازما، أن تحقيق نقلة نوعية في المسار الاقتصادي المحلي ورفع مستوى الرفاه الاجتماعي للمجتمع البحريني قد يتطلبان قدراً من الإصلاح المؤسساتي كما هو يعني الإتيان بشخصيات عرفت عنها النزاهة والكفاءة والتفاني في العمل.
::/fulltext::
::cck::2536::/cck::
