العراق ودول الجوار: الوضع الراهن وآفاق المستقبل
::cck::2456::/cck::
::introtext::
في بادرة ربما تكون هي الأولى من نوعها، نظم مركز الخليج للأبحاث في دبي ندوة علمية خلال يومي 30 و31 مارس 2005 تحت عنوان (العراق ودول الجوار: رؤى متبادلة). وشارك في هذه الندوة نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين من العراق والدول العربية وغير العربية، المجاورة له. وسعت الندوة إلى بحث ومناقشة مختلف القضايا ذات التأثير في العلاقات بين العراق والدول المجاورة له، وتحليل أبعاد الرؤى المتبادلة بشأن هذه العلاقات، فضلا عن طرح تصورات ومقترحات عملية بشأن كيفية إعادة بناء العلاقات بين العراق وهذه الدول على أسس جديدة في ضوء تطورات ومستجدات مرحلة ما بعد صدام حسين.
::/introtext::
::fulltext::
في بادرة ربما تكون هي الأولى من نوعها، نظم مركز الخليج للأبحاث في دبي ندوة علمية خلال يومي 30 و31 مارس 2005 تحت عنوان (العراق ودول الجوار: رؤى متبادلة). وشارك في هذه الندوة نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين من العراق والدول العربية وغير العربية، المجاورة له. وسعت الندوة إلى بحث ومناقشة مختلف القضايا ذات التأثير في العلاقات بين العراق والدول المجاورة له، وتحليل أبعاد الرؤى المتبادلة بشأن هذه العلاقات، فضلا عن طرح تصورات ومقترحات عملية بشأن كيفية إعادة بناء العلاقات بين العراق وهذه الدول على أسس جديدة في ضوء تطورات ومستجدات مرحلة ما بعد صدام حسين.
ومن المؤكد أن أهمية هذه الندوة لا تأتي من كونها أول مناسبة علمية تجمع أساتذة وخبراء عراقيين مع أقران لهم من جميع الدول المجاورة للعراق فحسب، ولكنها تُستمد كذلك من اعتبار آخر، وهو أن جل مراكز البحوث والدراسات، العربية والأجنبية، انشغلت في مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال بما يجرى داخل العراق، ونادراً ما اهتمت ببحث ودراسة واقع ومستقبل العلاقات بين العراق والدول المجاورة له، خاصة أن هذه الدول يمكن أن يكون لها دور مهم في مساعدة العراق على تجاوز الحالة الراهنة التي يعيشها، متى ما توفرت معطيات وظروف مواتية.
والهدف من هذا المقال هو بلورة بعض القضايا والتساؤلات التي أًثيرت خلال الندوة بشأن العلاقات بين العراق والدول المجاورة له، حيث إن جميع هذه الدول معنية بما يجري حالياً في العراق لأسباب واعتبارات مختلفة، خاصة أن مستقبل الأوضاع في العراق سوف تكون له تأثيراته بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، على الأوضاع الداخلية في الدول المجاورة من ناحية، وكذلك على مستقبل الأمن والاستقرار الإقليميين من ناحية أخرى، فعراق ما بعد صدام حسين يمكن أن يكون ركيزة أمن واستقرار في المنطقة، ويمكن أن يكون عاملاً للفوضى وعدم الاستقرار، بل وبؤرة لتصدير التطرف والإرهاب إلى خارج حدوده، والتحدي الحقيقي الذي يواجه الجميع هو كيفية تكريس دور العراق كعامل أمن واستقرار.
أولاً: أهم المحددات الحاكمة لمستقبل العلاقات بين العراق والدول المجاورة له
هناك عدة عوامل حاكمة لمستقبل العلاقات بين العراق والدول المجاور له يمكن إيجاز أهمها فيما يلي:
• مستقبل الأوضاع الداخلية في العراق
من المؤكد أن الأوضاع الداخلية في أية دولة تعتبر من المحددات الرئيسية لسياستها الخارجية سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي. ولما كان العراق يمر في الوقت الراهن بمرحلة انتقالية كبرى، بكل ما تتسم به المراحل الانتقالية من غموض وعدم وضوح وانفتاح على كل الاحتمالات، فإن شكل أو أشكال المستقبل الذي سوف تتجه إليه الأوضاع في العراق سواء على الصعيد السياسى أو الاقتصادي أو الأمني سوف ترسم إلى كبير ملامح مستقبل علاقاته مع الدول المجاورة له. وبلغة أخرى، فإن المرحلة الاستثنائية أو مرحلة المخاض العسير التي يمر بها العراق في الوقت الراهن سوف يكون لها ما بعدها، وبالتالي فإن التحدي الكبير الذي يواجه العراقيين والدول المجاورة، هو كيفية تجنيب العراق مخاطر السيناريوهات الأسوأ، ودفع الأوضاع في اتجاه تحقيق السيادة والأمن والاستقرار لهذا القطر، بما يشكل أرضية مناسبة لإعادة بناء العلاقات بين العراق والدول المجاورة له على أسس جديدة تتجاوز إرث الماضي وهواجس الحاضر.
• دور الولايات المتحدة الأمريكية
ربما يصعب الحديث عن مستقبل العلاقات بين العراق والدول المجاورة له بمعزل عن تأثيرات الولايات المتحدة الأمريكية بهذا الخصوص، وذلك بحكم طبيعة وجودها ودورها في العراق، ليس على الصعيد العسكري فقط، ولكن على الصعيد السياسي أيضاً، حيث إن أكبر سفارة للولايات المتحدة الأمريكية في الخارج موجودة في بغداد. ورغم عدم توقع انسحاب عسكري أمريكي من العراق خلال المستقبل المنظور، إلا أنه حتى في حالة حدوث مثل هذا الانسحاب، فإنه على الأرجح سوف تظل واشنطن صاحبة تأثير قوي في سياسات العراق سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، خاصة أن الإدارة الأمريكية تعتبر دورها في العراق أحد المحكات الرئيسية لاستراتيجيتها الكونية.
ولا شك في أن السياسة الأمريكية تجاه كل من سوريا وإيران إنما تعتبر من العناصر المهمة بهذا الخصوص، فبقدر ارتياح كل من دمشق وطهران من جراء إطاحة نظام صدام حسين، إلا أن الوجود العسكري الأمريكي في العراق أصبح يشكل مصدر تهديد للدولتين، خاصة أن هذا الوجود أصبح على الحدود المباشرة لكل منهما، بل إن المسألة العراقية أصبحت إحدى بؤر التوتر بين واشنطن وكل من سوريا وإيران على نحو ما سيأتي ذكره.
• إرث الماضي
لقد اتسمت علاقات العراق مع معظم الدول المجاورة له بطابع العداء والصراع خلال عهد صدام حسين ، حيث خاض حرباً لقرابة عقد من الزمان مع إيران، واجتاح الكويت واحتلها في أغسطس عام 1990، وذلك في سابقة لم يشهدها النظام العربي منذ تأسيسه، الأمر الذي كانت له آثاره المأساوية ليس في العراق فحسب، بل في النظام العربي برمته، حيث لايزال يعاني من تبعات تلك الكارثة حتى الآن. ومن المعروف أن الصراع السوري – العراقي استمر لسنوات، وألقى بتبعاته السلبية على مجمل العلاقات العربية – العربية. كما شهدت العلاقات التركية – العراقية الكثير من الخلافات والتوترات.
وبغض النظر عن أسباب العداء والصراع بين العراق وكثير من الدول المجاورة له، فالمؤكد أن هذه الصراعات قد رسخت صوراً سلبية متبادلة لدى الشعب العراقي وشعوب هذه الدول، وبخاصة في ظل عمليات الشحن الأيديولوجي والسياسي والإعلامي التي رافقت هذه الصراعات، والتي تربت عليها أجيال، الأمر الذي يمكن أن يلقي بظلال سلبية على محاولات تأسيس العلاقات بين العراق والدول المجاورة له على أسس جديدة. ولتحجيم أثر هذا العامل، فإن هناك حاجة لإعادة بناء الذاكرة الجمعية للشعب العراقي وشعوب الدول المجاورة، بما يخلصها من الترسبات السلبية التي راكمتها سنوات العداء والحروب والاجتياح.
• مستقبل الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج
من المؤكد أن التوصل إلى صياغة ترتيبات أمنية مستقرة في الخليج، تشمل كلا من العراق وإيران، إنما يمثل عنصراً مهماً في صياغة مستقبل العلاقات بين العراق والدول المجاورة له، فمثل هذه الترتيبات تشكل ضمانة لخلق بيئة أمنية تختفي فيها مصادر الخطر والتهديد، فإذا كان العراق في الماضي قد شكل مصدراً للتهديد، فإنه قد يكون عرضة للتهديد في المستقبل من قبل بعض الدول المجاورة في ظل التواضع الشديد في قدراته العسكرية، وبالذات بعد حل الجيش العراقي، وتدمير الكثير من هذه القدرات.
ومن المؤكد أيضاً أن صياغة مثل هذه الترتيبات الأمنية ليست بالمسألة السهلة، فهي تتوقف على مستقبل الأوضاع الداخلية في العراق من ناحية، وإجراءات بناء الثقة بين العراق وجواره من ناحية ثانية، وطبيعة دور واشنطن في صياغة مثل هذه الترتيبات من ناحية ثالثة، الأمر الذي يثير تعقيدات العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بكل ما تحمله من تأثيرات محتملة في أوضاع الأمن والاستقرار في الخليج.
ثانياً: حقيقة تدخل بعض الدول المجاورة في الشؤون الداخلية للعراق
لقد حظيت هذه القضية بمزيد من النقاش خلال جلسات الندوة، وبخاصة على خلفية الاتهامات التي وجهها مسؤولون أمريكيون وعراقيون لكل من سوريا وإيران، باعتبارهما تدعمان ما تصفه واشنطن بقوى التمرد في العراق، وبغض النظر عن هذه الاتهامات، وردود كل من دمشق وطهران عليها، فالمؤكد أن الوجود الأمريكي المباشر في العراق أصبح يشكل مصدر قلق كبير لكل من سوريا وإيران، حيث أصبحت القوات الأمريكية على حدود البلدين، خاصة أن سياسة واشنطن تجاه كل منهما لا ترتبط بالمسألة العراقية فحسب، بل ترتبط بقضايا أخرى معقدة مثل الملف النووي لإيران، والدور السوري في لبنان، وملف الديمقراطية والحريات في البلدين، حتى إن كانت واشنطن توظفه بشكل برجماتي لخدمة قضايا وأهداف أخرى.
وفي ضوء ما سبق، فإن من مصلحة سوريا وإيران إفشال أو عرقلة المشروع الأمريكي في العراق، لأن استمرار الوجود الأمريكي القوي في هذا البلد، وبخاصة في حالة تأسيس قواعد عسكرية أمريكية دائمة على أراضيه، سيظل يشكل عنصر ضغط على كل من دمشق وطهران
وفي ضوء ذلك فإن تدخلاً، بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة، من قبل النظامين السوري والإيراني في الشأن العراقي هو أمر وارد، بل ويتعين فهمه في إطار لعبـــة العلاقات والمصالح والتوازنات والمناورات بين الدول.
وفي ضوء ما سبق، فإن المسألة المهمة التي تحتاج إلى مزيد من الفحص والتمحيص بكل تجرد وموضوعية تتمثل في طبيعة وحدود دور العناصر الأجنبية في أعمال المقاومة والعنف في العراق. وبعيداً عن لغة الاتهامات بهذا الخصوص، فإن هذا الأمر يتعين النظر إليه في ضوء حقيقية لا يمكن تجاهلها، وهي أن هناك بالفعل عناصر أجنبية على أرض العراق، إلا أن القوى الرئيسية التي تقوم بأعمال المقاومة والعنف هي بالأساس قوى عراقية، وهو ما يؤكده بوضوح شديد تواضع نسبة الأجانب ضمن إجمالي المعتقلين على خلفية قضايا تتعلق بالعنف وأعمال الإرهاب، كما أن تواضع نسبة الأجانب ضمن إجمالي عدد القتلى في عملية اجتياح الفلوجة يمثل مؤشراً آخراً على ذلك.
وهكذا فإن دور الأجانب في أعمال المقاومة والعنف في العراق، يتعين النظر إليه في إطار حدوده ومن دون مبالغة أو تضخيم، لأن الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها سلطات الاحتلال في مرحلة ما بعد إطاحة نظام صدام حسين وبخاصة في ما يتعلق بحل الجيش العراقي، وتفكيك أجهزة الدولة العراقية ومؤسساتها، وإقصاء البعثيين من دون تمييز أو فرز، فضلاً عن إساءة معاملة العراقيين في السجون وخلال حملات التفتيش والدهم…. إلخ، كل هذه الممارسات وغيرها خلقت ظروفاً سيئة، كان من شأنها دفع قطاعات من العراقيين للانخراط في أعمال المقاومة والعنف، خاصة أن حالة الانفلات الأمني التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين قد أدت إلى تسرب الكثير من الأسلحة والمتفجرات والمعدات العسكرية من المخازن.
ولا شك في أن تهيئة ظروف مواتية لنجاح العملية السياسية في العراق، و خاصة في ما يتعلق بتحقيق مصالحة وطنية شاملة، وإيجاد صيغ ملائمة لإشراك السنة في صياغة الدستور العراقي، واتخاذ خطوات جدية على طريق تحسين الأوضاع المعيشية للعراقيين، وتحسين قدرات أجهزة الأمن العراقية يعتبر من العناصر المهمة لإخراج العراق من المأزق الراهن.
ثالثاً: الديمقراطية في العراق وحدود تأثيرها في دول الجوار
أشار البعض إلى أن بعض الدول المجاورة تتوجس من احتمال قيام نموذج ديمقراطي في العراق باعتبار أن هذا النموذج سوف يؤثر في هذه الدول حسب نظرة الدومينو، كما سوف يؤدي إلى زيادة الضغوط الداخلية والخارجية عليها من أجل إحداث تحول مماثل. ومهما يكن من أمر فإن هذه القضية يتعين النظر إليها في ضوء اعتبارين مهمين:
أولهما، أن بعض الدول المجاورة تشهد تطورات مهمة على طريق الانفتاح السياسي، وذلك في ظل ظروف وأوضاع البيئة الداخلية في هذه الدول من ناحية، وتحولات البيئة الخارجية في مرحلة ما بعد هجمات سبتمبر 2001 من ناحية أخرى.
وثانيهما، أن عملية بناء نظام ديمقراطي في العراق ليست مستحيلة، ولكنها عملية صعبة ومعقدة، وسوف تستغرق فترة زمنية طويلة نسبياً، بل إنه ليس من قبيل المبالغة القول بأن العراق هو من أصعب حالات التحول الديمقراطي في الوطن العربي، إن لم يكن أصعبها على الإطلاق، وذلك للأسباب التالية:
• مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق، فعلى الرغم من انتهاء الاحتلال بصفة قانونية، إلا أنه لايزال مستمراً من الناحية العملية، حيث إن هناك حوالي (150) ألف جندي أمريكي في العراق. ومع التسليم بأن هذا الوجود العسكري الأمريكي الكبير لن يستمر في العراق إلى الأبد، إلا أنه ليس هناك ما يدل على إمكانية خروج هذه القوات من العراق خلال المستقبل المنظور، وهو الأمر الذي يغذي استمرار أعمال المقاومة من ناحية، ويدفع بعض التنظيمات إلى تصفية حساباتها مع واشنطن على الساحة العراقية من ناحية أخرى، مما سينعكس سلباً على عملية التطور الديمقراطي في العراق.
• إن عملية إعادة بناء الدولة في العراق من المتطلبات الرئيسية لتأسيس الديمقراطية، حيث يصعب الحديث عن ديمقراطية من دون وجود دولة تشكل الكيان القانوني والإطار المؤسسي الأكبر للنظام الديمقراطي. والمشكلة هنا لا تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة العراقية التي فككتها سلطات الاحتلال فحسب، بل أيضاً في إعادة تأسيس مفهوم الدولة في الوعي الجمعي للعراقيين على أساس مبدأ المواطنة، وذلك بعد أن شوهته النزعات العرقية والطائفية والدينية والقبلية والعشائرية التي تصاعدت بشكل حاد في مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال. كما أن تمكين الدولة العراقية من احتكار حق الاستخدام المشروع للعنف، وذلك بحل كافة الميليشيات المسلحة التابعة لبعض الأحزاب، هو من المتطلبات الجوهرية للتحول الديمقراطي في العراق، فلا ديمقراطية حقيقية مع استمرار وجود ميليشيات مسلحة خارج سيطرة الدولة.
• صعوبات التوافق بين القوى العراقية الرئيسية على القضايا الجوهرية ذات الصلة بمستقبل الدولة والنظام السياسي في العراق، وخاصة في ما يتعلق بطبيعة وحدود الفيدرالية، والعلاقة بين الدين والدولة، وطبيعة النظام الديمقراطي المنشود، وغير ذلك من القضايا. ولا شك في أن عملية تشكيل الحكومة العراقية التي تراوح مكانها منذ إجراء الانتخابات في نهاية يناير الماضي، إنما تمثل مؤشرا لما يمكن أن يحدث في المستقبل. ومن هنا فإن كتابة الدستور العراقي سوف تشكل محكاً رئيسياً لقدرة هذه القوى على تحقيق التوافق بشأن تأسيس الديمقراطية في العراق.
• إن استعادة الأمن والاستقرار في العراق مقدمة ضرورية للتحرك على طريق الديمقراطية، فلا ديمقراطية من دون أمن، ولا أمن من دون تعزيز قدرات الأجهزة والمؤسسات الأمنية العراقية من ناحية، والتحرك بفاعلية من أجل معالجة المشكلات والمظالم الحادة التي تعاني قطاعات واسعة من الشعب العراقي من ناحية أخرى.
• غياب ثقافة سياسية ديمقراطية في العراق، وذلك بسبب طول فترات حكم التسلط والاستبداد التي عاش في ظلها الشعب العراقي. ومن المعروف أن الثقافة السياسية الديمقراطية من العوامل الرئيسية التي تساعد على ترسيخ المؤسسات الديمقراطية وضمان استمراريتها.
• حالة التشرذم السياسي التي يعاني منها العراق، حيث إنه في مرحلة ما بعد صدام حسين ظهرت عشرات من الأحزاب السياسية. ومن الملاحظ أن جل هذه الأحزاب محدودة التأثير والفاعلية، كما أن بعضها مجرد امتدادات لتكوينات أولية، عرقية وطائفية ودينية وقبلية وعشائرية. ورغم أن مسيرة التطور السياسي كفيلة بإنضاج عملية فرز حزبي، بحيث تستمر الأحزاب التي تمتلك بالفعل مقومات الحزب، إلا أن حالة التشرذم السياسي هذه يمكن أن يكون لها تأثيراتها السلبية، وبخاصة إذا سعت أطراف خارجية لتوظيف بعض الأحزاب لحساب مصالحها.
وفي ضوء ما سبق، فإنه يتعين عدم المبالغة في التأثيرات المحتملة للتطور الديمقراطي في العراق على بعض الدول المجاورة، حيث إنه لا يوجد ما يؤكد على أن عملية بناء نظام ديمقراطي مستقر في العراق سوف تكون سهلة وميسرة، وبالتالي فإن تصريحات المسؤولين الأمريكيين بهذا الخصوص هي أقرب إلى العلاقات العامة منها إلى أي شيء آخر، فإجراء انتخابات، وتشكيل حكومة تعددية، هو بلا شك خطوة على طريق الديمقراطية، إلا أن إرساء نظام ديمقراطي مستقر يكون نموذجاً للديمقراطية في المنطقة هو أمر له متطلبات وشروط عديدة منها: إعادة بناء الدولة العراقية، وصياغة دستور ديمقراطي، وتوفير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الملائمة للديمقراطية، ونشر ثقافة سياسية ديمقراطية، وتقوية مؤسسات المجتمع المدني… إلخ.
رابعاً: طبيعة وحدود دور دول الجوار في مساعدة العراق على الخروج من المأزق الراهن
أكدت أعمال الندوة على حقيقة مهمة مفادها أن الدول المجاورة للعراق يمكن أن يكون لها دور إيجابي في مساعدته على تجاوز أوضاعه الراهنة، خاصة أن وجود عراق آمن ومستقر يمثل عنصراً مهماً للأمن والاستقرار في المنطقة. وفي هذا السياق، فقد أثار البعض قضايا تتعلق بالديون والتعويضات المستحقة لبعض الدول على العراق، كما أكد آخرون إمكانية قيام بعض الدول المجاورة برعاية مصالحة وطنية عراقية شاملة تشكل ركيزة لضمان وحدة العراق وسلامة أراضيه.
كما تستطيع الدول المجاورة للعراق وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي أن تقوم بدور مهم في عملية إعادة الإعمار في العراق متى ما توفرت ظروف مواتية لذلك، خاصة أن هذه الدول تتمتع ببعض المزايا الاقتصادية النسبية بشأن التعامل مع العراق، بحكم القرب الجغرافي، وعامل اللغة وغير ذلك من الاعتبارات.
وأكدت الندوة أيضاً على أهمية قيام الدول المجاورة بتقديم الدعم للمؤسسات التي تقدم خدمات للشعب العراقي مثل المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والصحية والرياضية وغيرها، فضلا عن تشجيع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في الدول المجاورة على التعاون مع المؤسسات المناظرة في العراق.
وإذا كانت هيمنة واشنطن على مفاتيح إعادة الإعمار في العراق، وما ارتبط ـ ويرتبط ـ بذلك من أعمال نهب وفساد وسوء إدارة تشكل معوقاً رئيسياً أمام إمكانية تعزيز دور الدول المجاورة للعراق في عملية إعادة الإعمار، فإن إفساح مجال أكبر للأمم المتحدة بهذا الخصوص يمثل عنصراً مهماً لتفعيل دور دول الجوار في مساعدة العراق.
وخلاصة القول إن العراق يمر بمرحلة استثنائية من تاريخه، وأن ترتيب الأوضاع الداخلية في العراق على قاعدة مصالحة وطنية شاملة، يشكل أحد المتطلبات الأساسية لإعادة بناء علاقاته مع الدول المجاورة له على أسس جديدة قوامها تحقيق المصالح المتبادلة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام باللجوء إلى الأساليب السلمية في حل أي خلافات أو نزاعات، وهذا يتطلب بالطبع اتخاذ خطوات جدية على طريق بناء الثقة بين العراق والدول المجاورة له بما يسمح بتجاوز إرث الماضي والتوجه نحو المستقبل. ومع التسليم بأهمية ذلك، إلا أن أي حديث عن مستقبل العلاقات بين عراق ما بعد صدام حسين والدول المجاورة له يتوقف في جانب مهم منه على مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق ومنطقة الخليج عموماً من ناحية، ومستقبل تأثير واشنطن في السياسات الداخلية والخارجية لبغداد من ناحية أخرى، وهذا هو التحدي الحقيقي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2456::/cck::
::introtext::
في بادرة ربما تكون هي الأولى من نوعها، نظم مركز الخليج للأبحاث في دبي ندوة علمية خلال يومي 30 و31 مارس 2005 تحت عنوان (العراق ودول الجوار: رؤى متبادلة). وشارك في هذه الندوة نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين من العراق والدول العربية وغير العربية، المجاورة له. وسعت الندوة إلى بحث ومناقشة مختلف القضايا ذات التأثير في العلاقات بين العراق والدول المجاورة له، وتحليل أبعاد الرؤى المتبادلة بشأن هذه العلاقات، فضلا عن طرح تصورات ومقترحات عملية بشأن كيفية إعادة بناء العلاقات بين العراق وهذه الدول على أسس جديدة في ضوء تطورات ومستجدات مرحلة ما بعد صدام حسين.
::/introtext::
::fulltext::
في بادرة ربما تكون هي الأولى من نوعها، نظم مركز الخليج للأبحاث في دبي ندوة علمية خلال يومي 30 و31 مارس 2005 تحت عنوان (العراق ودول الجوار: رؤى متبادلة). وشارك في هذه الندوة نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين من العراق والدول العربية وغير العربية، المجاورة له. وسعت الندوة إلى بحث ومناقشة مختلف القضايا ذات التأثير في العلاقات بين العراق والدول المجاورة له، وتحليل أبعاد الرؤى المتبادلة بشأن هذه العلاقات، فضلا عن طرح تصورات ومقترحات عملية بشأن كيفية إعادة بناء العلاقات بين العراق وهذه الدول على أسس جديدة في ضوء تطورات ومستجدات مرحلة ما بعد صدام حسين.
ومن المؤكد أن أهمية هذه الندوة لا تأتي من كونها أول مناسبة علمية تجمع أساتذة وخبراء عراقيين مع أقران لهم من جميع الدول المجاورة للعراق فحسب، ولكنها تُستمد كذلك من اعتبار آخر، وهو أن جل مراكز البحوث والدراسات، العربية والأجنبية، انشغلت في مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال بما يجرى داخل العراق، ونادراً ما اهتمت ببحث ودراسة واقع ومستقبل العلاقات بين العراق والدول المجاورة له، خاصة أن هذه الدول يمكن أن يكون لها دور مهم في مساعدة العراق على تجاوز الحالة الراهنة التي يعيشها، متى ما توفرت معطيات وظروف مواتية.
والهدف من هذا المقال هو بلورة بعض القضايا والتساؤلات التي أًثيرت خلال الندوة بشأن العلاقات بين العراق والدول المجاورة له، حيث إن جميع هذه الدول معنية بما يجري حالياً في العراق لأسباب واعتبارات مختلفة، خاصة أن مستقبل الأوضاع في العراق سوف تكون له تأثيراته بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، على الأوضاع الداخلية في الدول المجاورة من ناحية، وكذلك على مستقبل الأمن والاستقرار الإقليميين من ناحية أخرى، فعراق ما بعد صدام حسين يمكن أن يكون ركيزة أمن واستقرار في المنطقة، ويمكن أن يكون عاملاً للفوضى وعدم الاستقرار، بل وبؤرة لتصدير التطرف والإرهاب إلى خارج حدوده، والتحدي الحقيقي الذي يواجه الجميع هو كيفية تكريس دور العراق كعامل أمن واستقرار.
أولاً: أهم المحددات الحاكمة لمستقبل العلاقات بين العراق والدول المجاورة له
هناك عدة عوامل حاكمة لمستقبل العلاقات بين العراق والدول المجاور له يمكن إيجاز أهمها فيما يلي:
• مستقبل الأوضاع الداخلية في العراق
من المؤكد أن الأوضاع الداخلية في أية دولة تعتبر من المحددات الرئيسية لسياستها الخارجية سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي. ولما كان العراق يمر في الوقت الراهن بمرحلة انتقالية كبرى، بكل ما تتسم به المراحل الانتقالية من غموض وعدم وضوح وانفتاح على كل الاحتمالات، فإن شكل أو أشكال المستقبل الذي سوف تتجه إليه الأوضاع في العراق سواء على الصعيد السياسى أو الاقتصادي أو الأمني سوف ترسم إلى كبير ملامح مستقبل علاقاته مع الدول المجاورة له. وبلغة أخرى، فإن المرحلة الاستثنائية أو مرحلة المخاض العسير التي يمر بها العراق في الوقت الراهن سوف يكون لها ما بعدها، وبالتالي فإن التحدي الكبير الذي يواجه العراقيين والدول المجاورة، هو كيفية تجنيب العراق مخاطر السيناريوهات الأسوأ، ودفع الأوضاع في اتجاه تحقيق السيادة والأمن والاستقرار لهذا القطر، بما يشكل أرضية مناسبة لإعادة بناء العلاقات بين العراق والدول المجاورة له على أسس جديدة تتجاوز إرث الماضي وهواجس الحاضر.
• دور الولايات المتحدة الأمريكية
ربما يصعب الحديث عن مستقبل العلاقات بين العراق والدول المجاورة له بمعزل عن تأثيرات الولايات المتحدة الأمريكية بهذا الخصوص، وذلك بحكم طبيعة وجودها ودورها في العراق، ليس على الصعيد العسكري فقط، ولكن على الصعيد السياسي أيضاً، حيث إن أكبر سفارة للولايات المتحدة الأمريكية في الخارج موجودة في بغداد. ورغم عدم توقع انسحاب عسكري أمريكي من العراق خلال المستقبل المنظور، إلا أنه حتى في حالة حدوث مثل هذا الانسحاب، فإنه على الأرجح سوف تظل واشنطن صاحبة تأثير قوي في سياسات العراق سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، خاصة أن الإدارة الأمريكية تعتبر دورها في العراق أحد المحكات الرئيسية لاستراتيجيتها الكونية.
ولا شك في أن السياسة الأمريكية تجاه كل من سوريا وإيران إنما تعتبر من العناصر المهمة بهذا الخصوص، فبقدر ارتياح كل من دمشق وطهران من جراء إطاحة نظام صدام حسين، إلا أن الوجود العسكري الأمريكي في العراق أصبح يشكل مصدر تهديد للدولتين، خاصة أن هذا الوجود أصبح على الحدود المباشرة لكل منهما، بل إن المسألة العراقية أصبحت إحدى بؤر التوتر بين واشنطن وكل من سوريا وإيران على نحو ما سيأتي ذكره.
• إرث الماضي
لقد اتسمت علاقات العراق مع معظم الدول المجاورة له بطابع العداء والصراع خلال عهد صدام حسين ، حيث خاض حرباً لقرابة عقد من الزمان مع إيران، واجتاح الكويت واحتلها في أغسطس عام 1990، وذلك في سابقة لم يشهدها النظام العربي منذ تأسيسه، الأمر الذي كانت له آثاره المأساوية ليس في العراق فحسب، بل في النظام العربي برمته، حيث لايزال يعاني من تبعات تلك الكارثة حتى الآن. ومن المعروف أن الصراع السوري – العراقي استمر لسنوات، وألقى بتبعاته السلبية على مجمل العلاقات العربية – العربية. كما شهدت العلاقات التركية – العراقية الكثير من الخلافات والتوترات.
وبغض النظر عن أسباب العداء والصراع بين العراق وكثير من الدول المجاورة له، فالمؤكد أن هذه الصراعات قد رسخت صوراً سلبية متبادلة لدى الشعب العراقي وشعوب هذه الدول، وبخاصة في ظل عمليات الشحن الأيديولوجي والسياسي والإعلامي التي رافقت هذه الصراعات، والتي تربت عليها أجيال، الأمر الذي يمكن أن يلقي بظلال سلبية على محاولات تأسيس العلاقات بين العراق والدول المجاورة له على أسس جديدة. ولتحجيم أثر هذا العامل، فإن هناك حاجة لإعادة بناء الذاكرة الجمعية للشعب العراقي وشعوب الدول المجاورة، بما يخلصها من الترسبات السلبية التي راكمتها سنوات العداء والحروب والاجتياح.
• مستقبل الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج
من المؤكد أن التوصل إلى صياغة ترتيبات أمنية مستقرة في الخليج، تشمل كلا من العراق وإيران، إنما يمثل عنصراً مهماً في صياغة مستقبل العلاقات بين العراق والدول المجاورة له، فمثل هذه الترتيبات تشكل ضمانة لخلق بيئة أمنية تختفي فيها مصادر الخطر والتهديد، فإذا كان العراق في الماضي قد شكل مصدراً للتهديد، فإنه قد يكون عرضة للتهديد في المستقبل من قبل بعض الدول المجاورة في ظل التواضع الشديد في قدراته العسكرية، وبالذات بعد حل الجيش العراقي، وتدمير الكثير من هذه القدرات.
ومن المؤكد أيضاً أن صياغة مثل هذه الترتيبات الأمنية ليست بالمسألة السهلة، فهي تتوقف على مستقبل الأوضاع الداخلية في العراق من ناحية، وإجراءات بناء الثقة بين العراق وجواره من ناحية ثانية، وطبيعة دور واشنطن في صياغة مثل هذه الترتيبات من ناحية ثالثة، الأمر الذي يثير تعقيدات العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بكل ما تحمله من تأثيرات محتملة في أوضاع الأمن والاستقرار في الخليج.
ثانياً: حقيقة تدخل بعض الدول المجاورة في الشؤون الداخلية للعراق
لقد حظيت هذه القضية بمزيد من النقاش خلال جلسات الندوة، وبخاصة على خلفية الاتهامات التي وجهها مسؤولون أمريكيون وعراقيون لكل من سوريا وإيران، باعتبارهما تدعمان ما تصفه واشنطن بقوى التمرد في العراق، وبغض النظر عن هذه الاتهامات، وردود كل من دمشق وطهران عليها، فالمؤكد أن الوجود الأمريكي المباشر في العراق أصبح يشكل مصدر قلق كبير لكل من سوريا وإيران، حيث أصبحت القوات الأمريكية على حدود البلدين، خاصة أن سياسة واشنطن تجاه كل منهما لا ترتبط بالمسألة العراقية فحسب، بل ترتبط بقضايا أخرى معقدة مثل الملف النووي لإيران، والدور السوري في لبنان، وملف الديمقراطية والحريات في البلدين، حتى إن كانت واشنطن توظفه بشكل برجماتي لخدمة قضايا وأهداف أخرى.
وفي ضوء ما سبق، فإن من مصلحة سوريا وإيران إفشال أو عرقلة المشروع الأمريكي في العراق، لأن استمرار الوجود الأمريكي القوي في هذا البلد، وبخاصة في حالة تأسيس قواعد عسكرية أمريكية دائمة على أراضيه، سيظل يشكل عنصر ضغط على كل من دمشق وطهران
وفي ضوء ذلك فإن تدخلاً، بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة، من قبل النظامين السوري والإيراني في الشأن العراقي هو أمر وارد، بل ويتعين فهمه في إطار لعبـــة العلاقات والمصالح والتوازنات والمناورات بين الدول.
وفي ضوء ما سبق، فإن المسألة المهمة التي تحتاج إلى مزيد من الفحص والتمحيص بكل تجرد وموضوعية تتمثل في طبيعة وحدود دور العناصر الأجنبية في أعمال المقاومة والعنف في العراق. وبعيداً عن لغة الاتهامات بهذا الخصوص، فإن هذا الأمر يتعين النظر إليه في ضوء حقيقية لا يمكن تجاهلها، وهي أن هناك بالفعل عناصر أجنبية على أرض العراق، إلا أن القوى الرئيسية التي تقوم بأعمال المقاومة والعنف هي بالأساس قوى عراقية، وهو ما يؤكده بوضوح شديد تواضع نسبة الأجانب ضمن إجمالي المعتقلين على خلفية قضايا تتعلق بالعنف وأعمال الإرهاب، كما أن تواضع نسبة الأجانب ضمن إجمالي عدد القتلى في عملية اجتياح الفلوجة يمثل مؤشراً آخراً على ذلك.
وهكذا فإن دور الأجانب في أعمال المقاومة والعنف في العراق، يتعين النظر إليه في إطار حدوده ومن دون مبالغة أو تضخيم، لأن الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها سلطات الاحتلال في مرحلة ما بعد إطاحة نظام صدام حسين وبخاصة في ما يتعلق بحل الجيش العراقي، وتفكيك أجهزة الدولة العراقية ومؤسساتها، وإقصاء البعثيين من دون تمييز أو فرز، فضلاً عن إساءة معاملة العراقيين في السجون وخلال حملات التفتيش والدهم…. إلخ، كل هذه الممارسات وغيرها خلقت ظروفاً سيئة، كان من شأنها دفع قطاعات من العراقيين للانخراط في أعمال المقاومة والعنف، خاصة أن حالة الانفلات الأمني التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين قد أدت إلى تسرب الكثير من الأسلحة والمتفجرات والمعدات العسكرية من المخازن.
ولا شك في أن تهيئة ظروف مواتية لنجاح العملية السياسية في العراق، و خاصة في ما يتعلق بتحقيق مصالحة وطنية شاملة، وإيجاد صيغ ملائمة لإشراك السنة في صياغة الدستور العراقي، واتخاذ خطوات جدية على طريق تحسين الأوضاع المعيشية للعراقيين، وتحسين قدرات أجهزة الأمن العراقية يعتبر من العناصر المهمة لإخراج العراق من المأزق الراهن.
ثالثاً: الديمقراطية في العراق وحدود تأثيرها في دول الجوار
أشار البعض إلى أن بعض الدول المجاورة تتوجس من احتمال قيام نموذج ديمقراطي في العراق باعتبار أن هذا النموذج سوف يؤثر في هذه الدول حسب نظرة الدومينو، كما سوف يؤدي إلى زيادة الضغوط الداخلية والخارجية عليها من أجل إحداث تحول مماثل. ومهما يكن من أمر فإن هذه القضية يتعين النظر إليها في ضوء اعتبارين مهمين:
أولهما، أن بعض الدول المجاورة تشهد تطورات مهمة على طريق الانفتاح السياسي، وذلك في ظل ظروف وأوضاع البيئة الداخلية في هذه الدول من ناحية، وتحولات البيئة الخارجية في مرحلة ما بعد هجمات سبتمبر 2001 من ناحية أخرى.
وثانيهما، أن عملية بناء نظام ديمقراطي في العراق ليست مستحيلة، ولكنها عملية صعبة ومعقدة، وسوف تستغرق فترة زمنية طويلة نسبياً، بل إنه ليس من قبيل المبالغة القول بأن العراق هو من أصعب حالات التحول الديمقراطي في الوطن العربي، إن لم يكن أصعبها على الإطلاق، وذلك للأسباب التالية:
• مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق، فعلى الرغم من انتهاء الاحتلال بصفة قانونية، إلا أنه لايزال مستمراً من الناحية العملية، حيث إن هناك حوالي (150) ألف جندي أمريكي في العراق. ومع التسليم بأن هذا الوجود العسكري الأمريكي الكبير لن يستمر في العراق إلى الأبد، إلا أنه ليس هناك ما يدل على إمكانية خروج هذه القوات من العراق خلال المستقبل المنظور، وهو الأمر الذي يغذي استمرار أعمال المقاومة من ناحية، ويدفع بعض التنظيمات إلى تصفية حساباتها مع واشنطن على الساحة العراقية من ناحية أخرى، مما سينعكس سلباً على عملية التطور الديمقراطي في العراق.
• إن عملية إعادة بناء الدولة في العراق من المتطلبات الرئيسية لتأسيس الديمقراطية، حيث يصعب الحديث عن ديمقراطية من دون وجود دولة تشكل الكيان القانوني والإطار المؤسسي الأكبر للنظام الديمقراطي. والمشكلة هنا لا تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة العراقية التي فككتها سلطات الاحتلال فحسب، بل أيضاً في إعادة تأسيس مفهوم الدولة في الوعي الجمعي للعراقيين على أساس مبدأ المواطنة، وذلك بعد أن شوهته النزعات العرقية والطائفية والدينية والقبلية والعشائرية التي تصاعدت بشكل حاد في مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال. كما أن تمكين الدولة العراقية من احتكار حق الاستخدام المشروع للعنف، وذلك بحل كافة الميليشيات المسلحة التابعة لبعض الأحزاب، هو من المتطلبات الجوهرية للتحول الديمقراطي في العراق، فلا ديمقراطية حقيقية مع استمرار وجود ميليشيات مسلحة خارج سيطرة الدولة.
• صعوبات التوافق بين القوى العراقية الرئيسية على القضايا الجوهرية ذات الصلة بمستقبل الدولة والنظام السياسي في العراق، وخاصة في ما يتعلق بطبيعة وحدود الفيدرالية، والعلاقة بين الدين والدولة، وطبيعة النظام الديمقراطي المنشود، وغير ذلك من القضايا. ولا شك في أن عملية تشكيل الحكومة العراقية التي تراوح مكانها منذ إجراء الانتخابات في نهاية يناير الماضي، إنما تمثل مؤشرا لما يمكن أن يحدث في المستقبل. ومن هنا فإن كتابة الدستور العراقي سوف تشكل محكاً رئيسياً لقدرة هذه القوى على تحقيق التوافق بشأن تأسيس الديمقراطية في العراق.
• إن استعادة الأمن والاستقرار في العراق مقدمة ضرورية للتحرك على طريق الديمقراطية، فلا ديمقراطية من دون أمن، ولا أمن من دون تعزيز قدرات الأجهزة والمؤسسات الأمنية العراقية من ناحية، والتحرك بفاعلية من أجل معالجة المشكلات والمظالم الحادة التي تعاني قطاعات واسعة من الشعب العراقي من ناحية أخرى.
• غياب ثقافة سياسية ديمقراطية في العراق، وذلك بسبب طول فترات حكم التسلط والاستبداد التي عاش في ظلها الشعب العراقي. ومن المعروف أن الثقافة السياسية الديمقراطية من العوامل الرئيسية التي تساعد على ترسيخ المؤسسات الديمقراطية وضمان استمراريتها.
• حالة التشرذم السياسي التي يعاني منها العراق، حيث إنه في مرحلة ما بعد صدام حسين ظهرت عشرات من الأحزاب السياسية. ومن الملاحظ أن جل هذه الأحزاب محدودة التأثير والفاعلية، كما أن بعضها مجرد امتدادات لتكوينات أولية، عرقية وطائفية ودينية وقبلية وعشائرية. ورغم أن مسيرة التطور السياسي كفيلة بإنضاج عملية فرز حزبي، بحيث تستمر الأحزاب التي تمتلك بالفعل مقومات الحزب، إلا أن حالة التشرذم السياسي هذه يمكن أن يكون لها تأثيراتها السلبية، وبخاصة إذا سعت أطراف خارجية لتوظيف بعض الأحزاب لحساب مصالحها.
وفي ضوء ما سبق، فإنه يتعين عدم المبالغة في التأثيرات المحتملة للتطور الديمقراطي في العراق على بعض الدول المجاورة، حيث إنه لا يوجد ما يؤكد على أن عملية بناء نظام ديمقراطي مستقر في العراق سوف تكون سهلة وميسرة، وبالتالي فإن تصريحات المسؤولين الأمريكيين بهذا الخصوص هي أقرب إلى العلاقات العامة منها إلى أي شيء آخر، فإجراء انتخابات، وتشكيل حكومة تعددية، هو بلا شك خطوة على طريق الديمقراطية، إلا أن إرساء نظام ديمقراطي مستقر يكون نموذجاً للديمقراطية في المنطقة هو أمر له متطلبات وشروط عديدة منها: إعادة بناء الدولة العراقية، وصياغة دستور ديمقراطي، وتوفير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الملائمة للديمقراطية، ونشر ثقافة سياسية ديمقراطية، وتقوية مؤسسات المجتمع المدني… إلخ.
رابعاً: طبيعة وحدود دور دول الجوار في مساعدة العراق على الخروج من المأزق الراهن
أكدت أعمال الندوة على حقيقة مهمة مفادها أن الدول المجاورة للعراق يمكن أن يكون لها دور إيجابي في مساعدته على تجاوز أوضاعه الراهنة، خاصة أن وجود عراق آمن ومستقر يمثل عنصراً مهماً للأمن والاستقرار في المنطقة. وفي هذا السياق، فقد أثار البعض قضايا تتعلق بالديون والتعويضات المستحقة لبعض الدول على العراق، كما أكد آخرون إمكانية قيام بعض الدول المجاورة برعاية مصالحة وطنية عراقية شاملة تشكل ركيزة لضمان وحدة العراق وسلامة أراضيه.
كما تستطيع الدول المجاورة للعراق وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي أن تقوم بدور مهم في عملية إعادة الإعمار في العراق متى ما توفرت ظروف مواتية لذلك، خاصة أن هذه الدول تتمتع ببعض المزايا الاقتصادية النسبية بشأن التعامل مع العراق، بحكم القرب الجغرافي، وعامل اللغة وغير ذلك من الاعتبارات.
وأكدت الندوة أيضاً على أهمية قيام الدول المجاورة بتقديم الدعم للمؤسسات التي تقدم خدمات للشعب العراقي مثل المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والصحية والرياضية وغيرها، فضلا عن تشجيع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في الدول المجاورة على التعاون مع المؤسسات المناظرة في العراق.
وإذا كانت هيمنة واشنطن على مفاتيح إعادة الإعمار في العراق، وما ارتبط ـ ويرتبط ـ بذلك من أعمال نهب وفساد وسوء إدارة تشكل معوقاً رئيسياً أمام إمكانية تعزيز دور الدول المجاورة للعراق في عملية إعادة الإعمار، فإن إفساح مجال أكبر للأمم المتحدة بهذا الخصوص يمثل عنصراً مهماً لتفعيل دور دول الجوار في مساعدة العراق.
وخلاصة القول إن العراق يمر بمرحلة استثنائية من تاريخه، وأن ترتيب الأوضاع الداخلية في العراق على قاعدة مصالحة وطنية شاملة، يشكل أحد المتطلبات الأساسية لإعادة بناء علاقاته مع الدول المجاورة له على أسس جديدة قوامها تحقيق المصالح المتبادلة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام باللجوء إلى الأساليب السلمية في حل أي خلافات أو نزاعات، وهذا يتطلب بالطبع اتخاذ خطوات جدية على طريق بناء الثقة بين العراق والدول المجاورة له بما يسمح بتجاوز إرث الماضي والتوجه نحو المستقبل. ومع التسليم بأهمية ذلك، إلا أن أي حديث عن مستقبل العلاقات بين عراق ما بعد صدام حسين والدول المجاورة له يتوقف في جانب مهم منه على مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق ومنطقة الخليج عموماً من ناحية، ومستقبل تأثير واشنطن في السياسات الداخلية والخارجية لبغداد من ناحية أخرى، وهذا هو التحدي الحقيقي.
::/fulltext::
::cck::2456::/cck::
