مرحلة جديدة في العلاقات الدفاعية الخليجية-الأوروبية
::cck::2455::/cck::
::introtext::
مع بداية 2005 ظهرت عدة مؤشرات لافتة للنظر تدل على بداية مرحلة جديدة ستكون أكثر تطوراً وعمقاً في مجال العلاقات الدفاعية القائمة حالياً بين الدول الأوروبية ومنطقة الخليج، وتأكدت تلك المؤشرات من خلال انعقاد معرض ومؤتمر الدفاع الدولي آيدكس 2005 في أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة بمنتصف شهر فبراير 2005، إضافة إلى نشاطات دفاعية مكثفة صدرت عن دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، كانت قد تميزت بعلاقات عسكرية وثيقة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ولكنها لم تكن متكافئة فيما بينها من جهة ومع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا اللتين كان لهما حصة الأسد من جهة أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
مع بداية 2005 ظهرت عدة مؤشرات لافتة للنظر تدل على بداية مرحلة جديدة ستكون أكثر تطوراً وعمقاً في مجال العلاقات الدفاعية القائمة حالياً بين الدول الأوروبية ومنطقة الخليج، وتأكدت تلك المؤشرات من خلال انعقاد معرض ومؤتمر الدفاع الدولي آيدكس 2005 في أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة بمنتصف شهر فبراير 2005، إضافة إلى نشاطات دفاعية مكثفة صدرت عن دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، كانت قد تميزت بعلاقات عسكرية وثيقة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ولكنها لم تكن متكافئة فيما بينها من جهة ومع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا اللتين كان لهما حصة الأسد من جهة أخرى.
في البداية لا بد من التوضيح أن من أهم تلك النشاطات والمؤشرات المقصودة، تلك الزيارات التي قام بها مسؤولون أوروبيون كبار وعلى مستوى عاٍل إلى جميع أو بعض دول مجلس التعاون وامتدت تلك الزيارات إلى اليمن كذلك، تضاف إليها مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة ومشاركة فاعلة من قبل شركات صناعية دفاعية أوروبية في معرض آيدكس الدولي 2005 بما في ذلك الإعلان عن توقيع صفقات عسكرية في مجال التسليح والتدريب والتعزيز بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من تلك الشركات العالمية.
وغني عن القول إن فرنسا ما زالت تتبوأ مركزاً متقدماً بالمقارنة مع بعض الدول الأوروبية الضليعة بالصناعات الدفاعية، إذ زودت القوات المسلحة لدول مجلس التعاون بأسلحة متقدمة وعقدت معها الكثير من صفقات السلاح الرئيسية مثل دبابات القتال الحديثة من نوع لوكلير وطائرات ميراج -9 وفرقاطات وزوارق القتال البحرية وغير ذلك من النظم والمعدات وبرامج التطوير وقطع الغيار، وعلى الرغم من ذلك فهي تقوم بمضاعفة جهودها مع وجود منافسة ألمانية وإيطالية شديدة لبيع أسلحة دفاعية لدول مجلس التعاون.
ولدى إلقاء نظرة فاحصة على ما تضمنه الكتاب السنوي 2004 (التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي الصادر عن معهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي، يتبين بوضوح أن فرنسا وهي من ضمن قائمة الدول العشر الكبار الموردة للأسلحة التقليدية إلى أكبر 38 بلداً في العالم، من بينها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وذلك لفترة خمس سنوات امتدت من عام 1999 إلى 2003، كان نصيبها من مبيعات الأسلحة للسعودية خلال الفترة المذكورة 833 مليون دولار، في حين كان نصيب إيطاليا 68 مليون دولار ونصيب بريطانيا 22 مليون دولار، بينما لم تحظ أي من ألمانيا وهولندا بشيء من تلك الصفقات الدفاعية. في الوقت الذي كان فيه نصيب الولايات المتحدة الأمريكية – وعلى سبيل المقارنة – 1311 مليون دولار، بينما لم تحظ كل من روسيا والصين وأوكرانيا بشيء يذكر من هذه الصفقات.
وعودة إلى نصيب فرنسا من جديد مع دولة الإمارات ولنفس الحقبة، إذ كان بحدود 1344 مليون دولار في حين كان نصيب هولندا 41 مليون دولار ونصيب بريطانيا 25 مليون دولار بينما لم تحظ كل من ألمانيا وإيطاليا بشيء من مبيعات السلاح لدولة الإمارات في تلك الفترة، أما نصيب الولايات المتحدة الأمريكية مع دولة الإمارات – وبغرض المقارنة أيضاً – لنفس الفترة فكان منخفضاً لمستوى 46 مليون دولار فقط، في حين أن مبيعات روسيا كانت 524 مليون دولار وأوكرانيا 81 مليون دولار، ولم تحظ الصين بشيء من تلك المبيعات، وجميعها من الدول العشر الكبار الموردة للسلاح في العـالم.
وربما انطلاقاً من هذا المعيار (المصلحة الذاتية للدول والشركات والمؤسسات الصناعية) تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من رفع مستوى مبيعاتها لدولة الإمارات فيما بعد من خلال صفقة بيع 80 طائرة (إف-16) المتطورة جداً وقيمتها 6700 مليون دولار. كما نجحت روسيا أيضاً بمشقة بالغة في تحقيق مبيعات كبيرة لدولة الإمارات اشتملت على أسلحة وخدمات تدريبية ودفاعية. وحسب تصريحات فيتاش سلاف رئيس الوفد الروسي المشارك في معرض آيدكس ( بأن التعاون الإماراتي-الروسي في المجالات العسكرية المختلفة ينمو بصورة جيدة) مشيراً إلى أن روسيا زودت القوات المسلحة الإماراتية بمعدات عسكرية وأعمال التدريب والدعم، بما قيمته حوالي1, 5 مليار دولار خلال السنتين الماضيتين 2003- 2004، ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ ألمح كذلك إلى أن هناك مفاوضات مستمرة تجري بين الطرفين من أجل تزويد الإمارات بمعدات عسكرية جديدة غير أنه رفض في هذا الوقت الإفصاح عن مضمونها ونتائجها.
ولعل آيدكس 2005 كان بمثابة الملعب الفسيح الأكثر ملائمةً والذي تبارى فيه اللاعبون الرئيسيون من صناع السلاح الكبار للمحافظة على مواقعهم المتقدمة، في حين حاول صناع السلاح متوسطو المستوى المحافظة على مكتسباتهم الأخيرة كحد أدنى والتقاط فرص جديدة إن أمكن. أما صغار الصناع وصائدو الفرص العارضة فإنهم عملوا جل جهدهم لتحقيق موطىء قدم لهم ضمن تلك اللعبة الطويلة المعقدة.
وفي هذا السياق ذكرت مجلة “الدفاعية ” الصادرة بالتعاون مع الاقتصاد والأعمال في بيروت ومجموعة “مونش الألمانية ” في عددها رقم 56 فبراير – مارس 2005 أن المملكة العربية السعودية لا تشتري حالياً أي سلاح من ألمانيا، بعدما رفضت الأخيرة بيعها دبابات ليوبارد -2 المتطورة في بداية التسعينات من القرن الماضي ).وربما من هذا المنطلق ولغيره قام المستشار الالماني جيرهارد شرودر بجولة خليجية شاملة مع نهاية شهر فبراير وبداية شهر مارس 2005، وأجرى خلالها محادثات مع قادة دول مجلس التعاون وكذلك اليمن، ركزت بمجملها على مختلف أوجه التعاون الاقتصادي وعلاقة الشراكة الاستراتيجية في مجالات الطاقة والأمن والدفاع والتصنيع، وكما أكد الدكتور يورجن ستيلتزر السفير الألماني لدى دولة الإمارات على أهمية الجولة الخليجية الرسمية التي قام بها المستشار الالماني جيرهارد شرودر إلى دول المنطقة، حيث أشار أيضاً إلى أن الأخير قد التقى خلال زيارته إلى أبو ظبي بعدد من كبار الضباط الإماراتيين والألمان في نادي ضباط القوات المسلحة للإطلاع على آخر تطورات برنامج تدريب قوات الأمن العراقية في دولة الإمارات وتعزيز العمل المشترك في هذا المجال.
وعليه فقد توقع محللون عالميون أن تؤدي جولة المستشار الألماني في منطقة الخليج إلى توقيع العديد من الصفقات لبيع أسلحة ألمانية متطورة، إذ تتطلب عادة عملية تصدير صناعات دفاعية ألمانية الحصول على إذن خاص من الحكومة الألمانية، ومثلت هذه العملية مسألة حساسة وعائقاً كبيراً منذ عدة عقود في وجه تصدير الصناعات الألمانية لا سيما الدفاعية منها، مما حدا بشركة ” راينميتال ” المنتجة للمركبة “المدولبة” ذات العجلات الستة ” فوكس ” الإفصاح عن أن القوات المسلحة الكويتية والعمانية والبحرينية أبدت اهتماماً قوياً بشراء أعداد كبيرة منها. وهذه العربة ذات إمكانات تقنية متقدمة لرصد وكشف العوامل الإشعاعية والكيميائية والبيولوجية، والتي تشكل جميعها عناصر أسلحة الدمار الشامل التي قد تهدد منطقة الخليج في أي وقت، سواءً كانت تلك التهديدات صادرة عن دول خارجية مثل إيران أو جماعات إرهابية داخلية كتنظيم القاعدة.
وفي مجال الزيارات الدفاعية أيضاً قام وزير الدفاع الإيطالي أنطونيو مارتينو بزيارة إلى سلطنة عمان في بداية شهر يناير 2005 وأجرى مباحثات رسمية مع بدر بن سعود بن حارب البوسعيدي، الوزير المسؤول عن شؤون الدفاع، حيث جرى استعراض مختلف أوجه التعاون العسكري في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم بين وزارتي الدفاع في البلدين العام 2004.
كما شاهد وزير الدفاع الإيطالي نشاطات معرض آيدكس 2005، وأكد على أهميته بالنسبة للصناعات العسكرية الإيطالية، حيث شاركت إيطاليا بوفد عسكري رفيع المستوى وعشرات الشركات الدفاعية الإيطالية بأحدث المعدات الدفاعية والتكنولوجية. وصرح الوزير المذكور لوكالة أنباء الإمارات يوم 15 فبراير 2005، قائلاً: إن التعاون في مجال الدفاع متميز بين إيطاليا والإمارات، بعد أن تم منذ ديسمبر 2003 التوقيع على اتفاقية ثنائية في المجال الدفاعي.
وفي إطار الزيارات الدفاعية أيضاً قامت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشيل اليو ماري مؤخراً بزيارة إلى اليمن حيث تم التوقيع يوم 27 فبراير2005 على اتفاقية للتعاون الأمني والعسكري في مجال مكافحة الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار ومكافحة المخدرات. وكانت في العام الماضي قد قامت بجولة خليجية شملت سلطنة عمان وقطر لنفس الغايات والاهتمامات الدفاعية.كما قام الفريق أول هنري بنتيجا رئيس الأركان في فرنسا بزيارة إلى قطر يوم 24 فبراير 2005 واجتمع مع كبار المسؤولين عن شؤون الدفاع وعلى رأسهم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ولي العهد نائب القائد العام للقوات المسلحة، كما اجتمع مع اللواء الركن حمد بن علي العطية رئيس أركـان الـقوات المسلحة القطرية وبحث معه مواضيع دفاعية محددة.
أما في ما يتعلق بالتمارين العسكرية في إطار التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات والمعلومات العسكرية بين قوات مسلحة خليجية وقوات صديقة أوروبية مع بداية هذا العام، فقد بدأ في أواخر شهر فبراير 2005 التمرين العسكري المشترك (خليج 2005) بين القوات الإماراتية المسلحة والقوات الفرنسية، حيث اشتركت فيه عناصر من القوات البرية والبحرية والجوية.
وخلافاً للحالة السائدة بين كثير من الدول بعدم الإفصاح عن توجهات الصفقات الدفاعية في المراحل الأولية، والحرص الشديد على عدم نشر أية معلومات تتعلق بها قبل توقيعها والمصادقة عليها بصورة نهائية، فقد أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال معرض الدفاع الدولي آيدكس 2005 عن عدة صفقات مع شركات أوروبية، إذ تم شراء طائرات عمودية إيطالية من نوع (AB-139) من شركة بيل أجوستا أيرو سبيس بقيمة 308 ملايين درهم والتي فازت بالعقد بعد المفاضلة على منافستها الشركة الفرنسية يوروكوبتر، و شراء أجهزة الكترونية من شركة اليترونيكا اس. بي. ايه الإيطالية بقيمة 56 مليون درهم والتي فازت بعد المفاضلة على منافستها شركة طاليس الفرنسية.
وتطوير نظام التدريب للقوات المسلحة من قبل شركة اينو فكس سيموليشن آند تريننج السويسرية بمبلغ 179 مليون درهم والتي فازت بعد المفاضلة على منافستها شركة طاليس الفرنسية أيضاً، كما تم شراء معدات إشارية من شركة رود اند شوارتز الألمانية لتوفير معدات اشارية بقيمة 60 مليون درهم وشراء أسلحة خفيفة وملحقاتها من شركة جي.بي.ساور أند سوهن الألمانية بقيمة 11 مليون درهم، كما شملت الصفقات اتفاقيتين أخريين حول قيام الشركتين الألمانيتين “راينميتال” و”فرودي اند شوارنس” بتزويد القوات المسلحة الإماراتية على التوالي بعربات مصفحة من نوع “فوكس” بما يعادل 778 مليون درهم وأنظمة اتصالات بقيمة 486 مليون درهم، وتم التوقيع عليهما خلال زيارة المستشار الألماني الأخيرة إلى أبوظبي حيث حضر المستشار الألماني شرودر والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة حفل توقيع ثمانية عقود ألمانية – إماراتية مختلفة بقيمة 5.5 مليار درهم إماراتي، ومع ذلك فمن المتوقع أن يتم الإعلان في وقت لاحق عن صفقات خليجية مع دول أوروبية دخلت السوق مؤخراً بقوة وفي مقدمتها ألمانيا وإيطاليا.
ومن المعروف جيداً أن ثمة عوامل كثيرة وأولويات متعددة وظروفاً تكاد تكون معقدة أحياناً ودراسات دقيقة ومطولة تحكمت جلها في عمليات المشتريات الدفاعية السنوية لكل دولة من دول مجلس التعاون، حيث الاحتياجات العسكرية والموارد المالية المحلية لكل دولة على حدة والسياسات الدولية تشكل بمجملها قوى ضاغطة على أية صفقة دفاعية باتجاه تسريع أو إبطاء عمليات الشراء والتسلح منذ مرحلة التخطيط الأولي وحتى مرحلة التوقيع النهائي لها، ولكن في المحصلة النهائية تكاد تكون سياسة إدامة التوازن هي الهدف من تنويع مصادر السلاح وتأمين متطلبات القوات البرية والبحرية والجوية الخليجية، من أجل اختيار السلاح الأفضل والأنسب من بين مصادر السلاح المتنوعة سواء أكانت أمريكية أم أوروبية، غربية أم شرقية . بينما يبدو أن جميع الدول والمؤسسات والشركات الصناعية العالمية وبلا استثناء، ومن ضمنها بالطبع الأوروبية، تتنافس بطريقة ماراثونية – إن جاز التعبير – غاية في الصعوبة وبذل أقصى جهد ممكن للحفاظ على موقع مبيعات متفوق أولاً، ثم تحقيق موقع أفضل عاماً بعد عام في هذا المجال ثانياً، وفي أسوأ الحالات تأمين موطىء قدم والدخول إلى أسواق المنافسة العالمية ثالثاً.
وفي الختام يمكن القول إن النشاطات الأوروبية المكثفة التي لاحت بالأفق مع مطلع هذا العام، وهي الزيارات الدفاعية والمناورات المشتركة والصفقات العسكرية، لا سيما من قبل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا تعتبر جميعها مؤشرات حقيقية على مرحلة جديدة من العلاقات الدفاعية الخليجية – الأوروبية، التي تندفع بقوة نحو المستقبل وقد لا تتوقف أو تتراجع على المدى المنظور.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2455::/cck::
::introtext::
مع بداية 2005 ظهرت عدة مؤشرات لافتة للنظر تدل على بداية مرحلة جديدة ستكون أكثر تطوراً وعمقاً في مجال العلاقات الدفاعية القائمة حالياً بين الدول الأوروبية ومنطقة الخليج، وتأكدت تلك المؤشرات من خلال انعقاد معرض ومؤتمر الدفاع الدولي آيدكس 2005 في أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة بمنتصف شهر فبراير 2005، إضافة إلى نشاطات دفاعية مكثفة صدرت عن دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، كانت قد تميزت بعلاقات عسكرية وثيقة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ولكنها لم تكن متكافئة فيما بينها من جهة ومع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا اللتين كان لهما حصة الأسد من جهة أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
مع بداية 2005 ظهرت عدة مؤشرات لافتة للنظر تدل على بداية مرحلة جديدة ستكون أكثر تطوراً وعمقاً في مجال العلاقات الدفاعية القائمة حالياً بين الدول الأوروبية ومنطقة الخليج، وتأكدت تلك المؤشرات من خلال انعقاد معرض ومؤتمر الدفاع الدولي آيدكس 2005 في أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة بمنتصف شهر فبراير 2005، إضافة إلى نشاطات دفاعية مكثفة صدرت عن دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، كانت قد تميزت بعلاقات عسكرية وثيقة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ولكنها لم تكن متكافئة فيما بينها من جهة ومع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا اللتين كان لهما حصة الأسد من جهة أخرى.
في البداية لا بد من التوضيح أن من أهم تلك النشاطات والمؤشرات المقصودة، تلك الزيارات التي قام بها مسؤولون أوروبيون كبار وعلى مستوى عاٍل إلى جميع أو بعض دول مجلس التعاون وامتدت تلك الزيارات إلى اليمن كذلك، تضاف إليها مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة ومشاركة فاعلة من قبل شركات صناعية دفاعية أوروبية في معرض آيدكس الدولي 2005 بما في ذلك الإعلان عن توقيع صفقات عسكرية في مجال التسليح والتدريب والتعزيز بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من تلك الشركات العالمية.
وغني عن القول إن فرنسا ما زالت تتبوأ مركزاً متقدماً بالمقارنة مع بعض الدول الأوروبية الضليعة بالصناعات الدفاعية، إذ زودت القوات المسلحة لدول مجلس التعاون بأسلحة متقدمة وعقدت معها الكثير من صفقات السلاح الرئيسية مثل دبابات القتال الحديثة من نوع لوكلير وطائرات ميراج -9 وفرقاطات وزوارق القتال البحرية وغير ذلك من النظم والمعدات وبرامج التطوير وقطع الغيار، وعلى الرغم من ذلك فهي تقوم بمضاعفة جهودها مع وجود منافسة ألمانية وإيطالية شديدة لبيع أسلحة دفاعية لدول مجلس التعاون.
ولدى إلقاء نظرة فاحصة على ما تضمنه الكتاب السنوي 2004 (التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي الصادر عن معهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي، يتبين بوضوح أن فرنسا وهي من ضمن قائمة الدول العشر الكبار الموردة للأسلحة التقليدية إلى أكبر 38 بلداً في العالم، من بينها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وذلك لفترة خمس سنوات امتدت من عام 1999 إلى 2003، كان نصيبها من مبيعات الأسلحة للسعودية خلال الفترة المذكورة 833 مليون دولار، في حين كان نصيب إيطاليا 68 مليون دولار ونصيب بريطانيا 22 مليون دولار، بينما لم تحظ أي من ألمانيا وهولندا بشيء من تلك الصفقات الدفاعية. في الوقت الذي كان فيه نصيب الولايات المتحدة الأمريكية – وعلى سبيل المقارنة – 1311 مليون دولار، بينما لم تحظ كل من روسيا والصين وأوكرانيا بشيء يذكر من هذه الصفقات.
وعودة إلى نصيب فرنسا من جديد مع دولة الإمارات ولنفس الحقبة، إذ كان بحدود 1344 مليون دولار في حين كان نصيب هولندا 41 مليون دولار ونصيب بريطانيا 25 مليون دولار بينما لم تحظ كل من ألمانيا وإيطاليا بشيء من مبيعات السلاح لدولة الإمارات في تلك الفترة، أما نصيب الولايات المتحدة الأمريكية مع دولة الإمارات – وبغرض المقارنة أيضاً – لنفس الفترة فكان منخفضاً لمستوى 46 مليون دولار فقط، في حين أن مبيعات روسيا كانت 524 مليون دولار وأوكرانيا 81 مليون دولار، ولم تحظ الصين بشيء من تلك المبيعات، وجميعها من الدول العشر الكبار الموردة للسلاح في العـالم.
وربما انطلاقاً من هذا المعيار (المصلحة الذاتية للدول والشركات والمؤسسات الصناعية) تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من رفع مستوى مبيعاتها لدولة الإمارات فيما بعد من خلال صفقة بيع 80 طائرة (إف-16) المتطورة جداً وقيمتها 6700 مليون دولار. كما نجحت روسيا أيضاً بمشقة بالغة في تحقيق مبيعات كبيرة لدولة الإمارات اشتملت على أسلحة وخدمات تدريبية ودفاعية. وحسب تصريحات فيتاش سلاف رئيس الوفد الروسي المشارك في معرض آيدكس ( بأن التعاون الإماراتي-الروسي في المجالات العسكرية المختلفة ينمو بصورة جيدة) مشيراً إلى أن روسيا زودت القوات المسلحة الإماراتية بمعدات عسكرية وأعمال التدريب والدعم، بما قيمته حوالي1, 5 مليار دولار خلال السنتين الماضيتين 2003- 2004، ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ ألمح كذلك إلى أن هناك مفاوضات مستمرة تجري بين الطرفين من أجل تزويد الإمارات بمعدات عسكرية جديدة غير أنه رفض في هذا الوقت الإفصاح عن مضمونها ونتائجها.
ولعل آيدكس 2005 كان بمثابة الملعب الفسيح الأكثر ملائمةً والذي تبارى فيه اللاعبون الرئيسيون من صناع السلاح الكبار للمحافظة على مواقعهم المتقدمة، في حين حاول صناع السلاح متوسطو المستوى المحافظة على مكتسباتهم الأخيرة كحد أدنى والتقاط فرص جديدة إن أمكن. أما صغار الصناع وصائدو الفرص العارضة فإنهم عملوا جل جهدهم لتحقيق موطىء قدم لهم ضمن تلك اللعبة الطويلة المعقدة.
وفي هذا السياق ذكرت مجلة “الدفاعية ” الصادرة بالتعاون مع الاقتصاد والأعمال في بيروت ومجموعة “مونش الألمانية ” في عددها رقم 56 فبراير – مارس 2005 أن المملكة العربية السعودية لا تشتري حالياً أي سلاح من ألمانيا، بعدما رفضت الأخيرة بيعها دبابات ليوبارد -2 المتطورة في بداية التسعينات من القرن الماضي ).وربما من هذا المنطلق ولغيره قام المستشار الالماني جيرهارد شرودر بجولة خليجية شاملة مع نهاية شهر فبراير وبداية شهر مارس 2005، وأجرى خلالها محادثات مع قادة دول مجلس التعاون وكذلك اليمن، ركزت بمجملها على مختلف أوجه التعاون الاقتصادي وعلاقة الشراكة الاستراتيجية في مجالات الطاقة والأمن والدفاع والتصنيع، وكما أكد الدكتور يورجن ستيلتزر السفير الألماني لدى دولة الإمارات على أهمية الجولة الخليجية الرسمية التي قام بها المستشار الالماني جيرهارد شرودر إلى دول المنطقة، حيث أشار أيضاً إلى أن الأخير قد التقى خلال زيارته إلى أبو ظبي بعدد من كبار الضباط الإماراتيين والألمان في نادي ضباط القوات المسلحة للإطلاع على آخر تطورات برنامج تدريب قوات الأمن العراقية في دولة الإمارات وتعزيز العمل المشترك في هذا المجال.
وعليه فقد توقع محللون عالميون أن تؤدي جولة المستشار الألماني في منطقة الخليج إلى توقيع العديد من الصفقات لبيع أسلحة ألمانية متطورة، إذ تتطلب عادة عملية تصدير صناعات دفاعية ألمانية الحصول على إذن خاص من الحكومة الألمانية، ومثلت هذه العملية مسألة حساسة وعائقاً كبيراً منذ عدة عقود في وجه تصدير الصناعات الألمانية لا سيما الدفاعية منها، مما حدا بشركة ” راينميتال ” المنتجة للمركبة “المدولبة” ذات العجلات الستة ” فوكس ” الإفصاح عن أن القوات المسلحة الكويتية والعمانية والبحرينية أبدت اهتماماً قوياً بشراء أعداد كبيرة منها. وهذه العربة ذات إمكانات تقنية متقدمة لرصد وكشف العوامل الإشعاعية والكيميائية والبيولوجية، والتي تشكل جميعها عناصر أسلحة الدمار الشامل التي قد تهدد منطقة الخليج في أي وقت، سواءً كانت تلك التهديدات صادرة عن دول خارجية مثل إيران أو جماعات إرهابية داخلية كتنظيم القاعدة.
وفي مجال الزيارات الدفاعية أيضاً قام وزير الدفاع الإيطالي أنطونيو مارتينو بزيارة إلى سلطنة عمان في بداية شهر يناير 2005 وأجرى مباحثات رسمية مع بدر بن سعود بن حارب البوسعيدي، الوزير المسؤول عن شؤون الدفاع، حيث جرى استعراض مختلف أوجه التعاون العسكري في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم بين وزارتي الدفاع في البلدين العام 2004.
كما شاهد وزير الدفاع الإيطالي نشاطات معرض آيدكس 2005، وأكد على أهميته بالنسبة للصناعات العسكرية الإيطالية، حيث شاركت إيطاليا بوفد عسكري رفيع المستوى وعشرات الشركات الدفاعية الإيطالية بأحدث المعدات الدفاعية والتكنولوجية. وصرح الوزير المذكور لوكالة أنباء الإمارات يوم 15 فبراير 2005، قائلاً: إن التعاون في مجال الدفاع متميز بين إيطاليا والإمارات، بعد أن تم منذ ديسمبر 2003 التوقيع على اتفاقية ثنائية في المجال الدفاعي.
وفي إطار الزيارات الدفاعية أيضاً قامت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشيل اليو ماري مؤخراً بزيارة إلى اليمن حيث تم التوقيع يوم 27 فبراير2005 على اتفاقية للتعاون الأمني والعسكري في مجال مكافحة الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار ومكافحة المخدرات. وكانت في العام الماضي قد قامت بجولة خليجية شملت سلطنة عمان وقطر لنفس الغايات والاهتمامات الدفاعية.كما قام الفريق أول هنري بنتيجا رئيس الأركان في فرنسا بزيارة إلى قطر يوم 24 فبراير 2005 واجتمع مع كبار المسؤولين عن شؤون الدفاع وعلى رأسهم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ولي العهد نائب القائد العام للقوات المسلحة، كما اجتمع مع اللواء الركن حمد بن علي العطية رئيس أركـان الـقوات المسلحة القطرية وبحث معه مواضيع دفاعية محددة.
أما في ما يتعلق بالتمارين العسكرية في إطار التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات والمعلومات العسكرية بين قوات مسلحة خليجية وقوات صديقة أوروبية مع بداية هذا العام، فقد بدأ في أواخر شهر فبراير 2005 التمرين العسكري المشترك (خليج 2005) بين القوات الإماراتية المسلحة والقوات الفرنسية، حيث اشتركت فيه عناصر من القوات البرية والبحرية والجوية.
وخلافاً للحالة السائدة بين كثير من الدول بعدم الإفصاح عن توجهات الصفقات الدفاعية في المراحل الأولية، والحرص الشديد على عدم نشر أية معلومات تتعلق بها قبل توقيعها والمصادقة عليها بصورة نهائية، فقد أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال معرض الدفاع الدولي آيدكس 2005 عن عدة صفقات مع شركات أوروبية، إذ تم شراء طائرات عمودية إيطالية من نوع (AB-139) من شركة بيل أجوستا أيرو سبيس بقيمة 308 ملايين درهم والتي فازت بالعقد بعد المفاضلة على منافستها الشركة الفرنسية يوروكوبتر، و شراء أجهزة الكترونية من شركة اليترونيكا اس. بي. ايه الإيطالية بقيمة 56 مليون درهم والتي فازت بعد المفاضلة على منافستها شركة طاليس الفرنسية.
وتطوير نظام التدريب للقوات المسلحة من قبل شركة اينو فكس سيموليشن آند تريننج السويسرية بمبلغ 179 مليون درهم والتي فازت بعد المفاضلة على منافستها شركة طاليس الفرنسية أيضاً، كما تم شراء معدات إشارية من شركة رود اند شوارتز الألمانية لتوفير معدات اشارية بقيمة 60 مليون درهم وشراء أسلحة خفيفة وملحقاتها من شركة جي.بي.ساور أند سوهن الألمانية بقيمة 11 مليون درهم، كما شملت الصفقات اتفاقيتين أخريين حول قيام الشركتين الألمانيتين “راينميتال” و”فرودي اند شوارنس” بتزويد القوات المسلحة الإماراتية على التوالي بعربات مصفحة من نوع “فوكس” بما يعادل 778 مليون درهم وأنظمة اتصالات بقيمة 486 مليون درهم، وتم التوقيع عليهما خلال زيارة المستشار الألماني الأخيرة إلى أبوظبي حيث حضر المستشار الألماني شرودر والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة حفل توقيع ثمانية عقود ألمانية – إماراتية مختلفة بقيمة 5.5 مليار درهم إماراتي، ومع ذلك فمن المتوقع أن يتم الإعلان في وقت لاحق عن صفقات خليجية مع دول أوروبية دخلت السوق مؤخراً بقوة وفي مقدمتها ألمانيا وإيطاليا.
ومن المعروف جيداً أن ثمة عوامل كثيرة وأولويات متعددة وظروفاً تكاد تكون معقدة أحياناً ودراسات دقيقة ومطولة تحكمت جلها في عمليات المشتريات الدفاعية السنوية لكل دولة من دول مجلس التعاون، حيث الاحتياجات العسكرية والموارد المالية المحلية لكل دولة على حدة والسياسات الدولية تشكل بمجملها قوى ضاغطة على أية صفقة دفاعية باتجاه تسريع أو إبطاء عمليات الشراء والتسلح منذ مرحلة التخطيط الأولي وحتى مرحلة التوقيع النهائي لها، ولكن في المحصلة النهائية تكاد تكون سياسة إدامة التوازن هي الهدف من تنويع مصادر السلاح وتأمين متطلبات القوات البرية والبحرية والجوية الخليجية، من أجل اختيار السلاح الأفضل والأنسب من بين مصادر السلاح المتنوعة سواء أكانت أمريكية أم أوروبية، غربية أم شرقية . بينما يبدو أن جميع الدول والمؤسسات والشركات الصناعية العالمية وبلا استثناء، ومن ضمنها بالطبع الأوروبية، تتنافس بطريقة ماراثونية – إن جاز التعبير – غاية في الصعوبة وبذل أقصى جهد ممكن للحفاظ على موقع مبيعات متفوق أولاً، ثم تحقيق موقع أفضل عاماً بعد عام في هذا المجال ثانياً، وفي أسوأ الحالات تأمين موطىء قدم والدخول إلى أسواق المنافسة العالمية ثالثاً.
وفي الختام يمكن القول إن النشاطات الأوروبية المكثفة التي لاحت بالأفق مع مطلع هذا العام، وهي الزيارات الدفاعية والمناورات المشتركة والصفقات العسكرية، لا سيما من قبل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا تعتبر جميعها مؤشرات حقيقية على مرحلة جديدة من العلاقات الدفاعية الخليجية – الأوروبية، التي تندفع بقوة نحو المستقبل وقد لا تتوقف أو تتراجع على المدى المنظور.
::/fulltext::
::cck::2455::/cck::
